|

كامل
الكيلاني رائداً لأدب الطفل العربي
بقلم الكاتب:
د. طارق البكري
مدخل
كامل كيلاني وأدب الطفل
مقدمة البحث
ارتبط اسم كامل كيلاني بأدب الطفل، فبات الطفل وأدبه نسيجاً منه،
بكل ما يحفّ هذا الأدب الرفيع من هموم وشجون ومشاق، فأدب الأطفال – بكل أشكاله-
أضحى اليوم مجالاً خصباً للورود والبحث والدراسة المتشعبة، وذلك لدور هذا الأدب
الرفيع في تشكيل شخصية الطفل، والمساهمة في بنائها إنسانياً ودِينياَ وفكرياً
وإبداعياً ونفسياً..
ونجد حالياً اهتماماً واسعاً مطرداً في هذا الجانب المهم في حياة
الطفل ومستقبله، ونشهد في المكتبات ودور النشر ومعارض الكتب آلافاً من
العناوين، كما نرى باستمرار دراسات جديدة في شتى الموضوعات التي تتصل بأدب
الطفولة الخصب.
والحق يقال: إن أولياء الأمر، من آباء وأمهات ومدرسين ومدرسات
وتربويين وتربويات.. باتوا جميعاً –خصوصاً المتعلمين منهم والعارفين بأهمية
الأدب والقراءة والثقافة- يحرصون على توفير قراءات متنوعة للطفل؛ في البيت
والمدرسة والأندية... فضلاً عما نجده على شبكة الإنترنت، من صفحات كثيرة جداً
خاصة بالطفل، بجميع لغات الدنيا، بحيث يستطيع الطفل وبكل بساطة الولوج إلى عالم
الصفحات الإلكترونية وتقليبها بنفسه واكتشاف المتع التعليمية فيها دون أن
يكلِّف نفسه عناء الانتقال والتنقيب في المكتبات.
كما إن معارض كتب الأطفال التي نراها دائماً متنقلة بين المدارس
والأندية والمعارض السنوية الكبرى، توفِّر مساحات شاسعة للاختيار، وتؤكد مدى
اتساع ميدان أدب الطفولة، بعدما كان لسنوات قليلة خلت مجرد تجارب بسيطة.. على
امتداد العالم العربي.
لكنّ هذا الاتساع يدعونا للتوقف والتثبت من مدى صلاحية هذا النوع من
الأدب المعروض، ولا سيما أننا نجد كثيراً من القصص المترجمة، وربما يكون نشر
بعضها –عن حسن نية أو عن غيرها- مسيئاً للطفل، مدمِّراً لقيمه الدينية وعاداته
وتقاليده.. فضلاً عن وجود قصص كتبت بأقلام عربية لكنها تدسُّ أفكاراً قد تؤدي
إلى الغلو والشطط.
لذا فإنه من الضروري أن نخضع هذه الإصدارات، بصفة دورية متتابعة،
لفحوصات مخبرية تربوية، وكذلك دراستها لغوياً ونفسياً واجتماعياً، لمعرفة
فوائدها وما قد ينتج عنها مما ليس في الحسبان؛ من سلوكيات منحرفة وعلوم خاطئة.
إن أدب الأطفال ليس شكلاً فنياً عاماً، فخيوطه متداخلة متشابكة لا
يمكن فصلها ببساطة.. بل يستحيل، وعبارة "الفن للفن" قد لا تصلح لهذا "الفن"،
لأننا نعلم معنى الطفولة ومقومات بنائها، وأي خطأ مهما كان بسيطاً، فإنه قد
يهدد مصير إنسان أُوْكِلَ أمرُه إلينا، ليس هو بالكبير ليميز ويختار.. وليس هو
بالجماد فلا يتأثر. من هنا تتضح خطورة أدب الأطفال، وارتباطاته المتشعبة؛
أولاً: بكل ما تتطلبه الأصول الفنية الأدبية، وثانياً: بكل ما تتوقعه القيم
المجتمعية المختلفة بكل أسسها وبنودها وحياتها..
ونحن –كآباء وتربويين ولغويين وأدباء وباحثين.. – علينا أن ندرك
قيمة هذا النوع من الأدب في حياة الأطفال، فنرى ازدياد أهمية القيمة بملاحظتنا
البريق الذي يلمع في عيون الصغار عندما يقفون أمام واجهات المكتبات وأمام أرفف
الكتب يحدِّقون بالأغلفة الملونة الجذابة، أو عندما يقلِّبون صفحاتها ويتمتعون
بصورها المُعْجبَة وكلماتها المحببة.
ويأتي هذا البحث تحقيقاً لهذه الأهمية، وسعياً نحو دراسات معمقة في
أدب الأطفال من حيث الشكل والمضمون، توصلاً إلى البناء التربوي المحكم.. وهذا
النوع من الأدب شديد التوعر، تزداد وعورته كلما أوغلنا فيه أكثر وغصنا أعمق،
ولا نحتاج هنا للتذكير بأهمية الطفولة ودورها في المستقبل... وما يشبه ذلك من
كلام كثير يدور حول الطفولة وعالمها.
إن الباحث في أدب كامل كيلاني؛ لتفرحه كثرة المؤلفات التي كتبت
حوله، لكن تحزنه ضآلة الفائدة التي توفرها معظم تلك المؤلفات، التي لا تدرس
بعمق "فن" الكيلاني ولا تعطيه ما يستحقه من اهتمام. فنجد الأبحاث؛ معظمها ينقل
عن بعضها الآخر، وغالبها مدح وتقريظ وإشادة، دون منهج علمي واضح، بل نجدها تكرر
نفسها. فيما نحن بحاجة إلى دراسات أعمق، تلفت إلى مواطن القصور وتشير إلى أسباب
النجاح والتفوق حتى تحقق الأبحاث هدفها وتتحول من مجرد نظريات جامدة، إلى وقائع
يمكن رؤيتها وتحسسها، ثم تنعكس إيجاباً على الأدب الخاص بالطفل.
وهذا البحث: محاولة جادة على الطريق، نتيجة لمعايشة طويلة بين
الباحث وموضوع البحث.. تَمَثَّل الباحث فيها شخصية الكيلاني حين يحتاج إلى ذلك،
وانتقل إلى موقع الخصوم حينما يقتضي الخصام، وكان حوار بين الباحث من جهة
والكيلاني من جهة ثانية.. بينهما أدب الكيلاني الخاص بالطفل، ولعل هذا البحث
يطرق جوانب كثيرة ربما لم تُطرق سابقاً في دراسة أدب الأطفال عند كامل كيلاني،
ويفتح الباب لدراسات أشمل، فكل قضية تم تناولها ربما تستحق دراسة مستقلة.. وقد
حاول الباحث بجد أن يلفت الأنظار إلى هذه القضايا التي أثارها على أمل أن تكون
وميضاً للباحث أولاً، ثم لغيره من الباحثين ثانياً، فنتبعه حيث نلقى الكنوز
الخافية الدفينة في عمق أدب كامل كيلاني.. رحمه الله.
   
كامل كيلاني وأدب الطفل
مقدمة:
الأطفال جمع طِفْلٍ وطفلة، والطِفْل في اللسان: "الصَّغير من كل
شيء" ([1])، وشبيه ذلك في القاموس ([2])، وفي المختار هو "المولود، وولد كل
وَحْشية أيضاً طفل([3])، وحدد الوسيط أنَّ الطفل هو: "المولود ما دام نعماً
رَخْصاً ([4])، والولدُ حتى البلوغ" ([5]). وفي معجم اللغة العربية؛ "جئتُه
والليل طفلٌ، أي في أولِه. إنَّه يسعى في أطفال الحوائج، [والطِّفْلُ] سقط
النهار، أي الشرارة، [ويقال] تطايرت أطفال النار، [ويقال] عشبٌٌت طفْلٌ، أي لم
يطل، والجمع أطفال" ([6])، وذكر معجم عين الفعل أن النبات إن لم يطل "فهو طفل"
([7]).
أما الطفل في الإسلام فهو الإنسان غير البالغ المكلَّف، وقد حدد
الله تعالى مرحلة التكليف مع بداية البلوغ بقوله: (وإذا بَلَغَ الأطفالُ منكُم
الحُلمَ فليستأذنوا كَمَا استأذنَ الذينَ مِنْ قَبْلِهم)([8]).
وهو في الاصطلاح "ذلك الشخص الذي لم يبلغ سن الرشد بعد، وعلى ضوء
هذا التعريف، فإن الطفولة تمتد من الميلاد حتى ما بعد سن العشرين، وهي السن
الذتي يبلغ عندها معظم البشر نضجهم البدني الكامل"([9]).
والتعريف الأخير يعتبر النضج البدني الكامل فاصلاً ما بين الطفولة
والرشد، بمعنى أنَّ النضج العقلي قد لا يكون لازماً، باعتبار أنَّ "طول مرحلة
الطفولة يتفاوت من جيل إلى جيل
ومن ثقافة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، طبقاً لمتطلبات الحياة
ونوعيتها (بدائية – ريفية – صناعية...) في بيئة الفرد وما يحيط به من ظروف
خاصة"([10])، كما إن "الأفراد يختلفون فيما بينهم من حيث تكوين كل منهم، وأنه
لا يوجد فردان متشابهان تشابهاً تاماً على الإطلاق، بل لكل شخص طابعه الفريد
الذي يميزه عن غيره" ([11]).
ويَعْتَبِر كثير من الدارسين أنّ "مرحلة الطفولة من أهم مراحل
الحياة عند الإنسان وأكثرها خطورة، فهي تتميز عن غيرها بصفات وخصائص
واستعدادات، وهي أساس لمراحل الحياة التالية، وفيها جذور لمنابت التفتح
الإنساني؛ ففيها تتفتق مواهب الإنسان وتبرز مؤهلاته وتنمو مداركه وتظهر مشاعره
وتتبين إحساساته.. وفيها تأخذ شخصيته بالبناء والتكوّن، لتصبح فيما بعد متميزة
عن غيرها من الشخصيات الأخرى".([12]).
وهناك اتجاهان أساسيان في عملية تقسيم مراحل نمو الطفل؛ الاتجاه
الأول يعتمد الجانب العضوي، والآخر الجانب النفسي التربوي.
وفيما يتعلق بالجانب الأول فقد درج أكثر الباحثين على تقسيم مراحل
نمو الطفل إلى أربع مراحل وهي. ([13]):
1- مرحلة ما قبل الولادة أو المرحلة الجنينية.
2- مرحلة الطفولة الأولى (من الولادة حتى السادسة أو السابعة).
3- مرحلة الطفولة الثانية (حتى الثانية عشرة).
4- مرحلة المراهقة (لغاية الثامنة عشرة).
ويحدد كثير من الباحثين بداية الجانب النفسي التربوي بالسنة الثالثة
من عمر الإنسان، لأنَّ الطفل لا يكون عادة قادراً قبل هذا العمر على تلقي
الثقافة بمفهومها البسيط، وتنقسم هذه المرحلة إلى أربع مراحل أساسية.
وهذه المراحل هي([14]):
1- مرحلة الواقعية والخيال المحدود، (من 3 إلى 5 سنوات).
2- مرحلة الخيال المنطلق (من 6 إلى 8 سنوات).
3- مرحلة البطولة (من 8 أو 9 إلى 12 سنة).
4- مرحلة المثالية (من 12 إلى 15 سنة).
وتتسم كل مرحلة بعدد من الخصائص، وترتبط بنمو خيال الطفل وأسلوب
تعامله مع الأدب الخاص به([15]). ويحتاج الطفل في كل مرحلة فيها إلى أسلوب لغوي
معين، ترتقي كتبه وقصصه وأشعاره وكل الأساليب الفنية المقدمة إليه مع تطور
مراحل حياته المختلفة؛ مما فما يصلح المرحلة البطولية قد لا يناسب مرحلة
المثالية، وما يناسب مرحلة الواقعية والخيال المحدود؛ يعتبر ساذجاً للمرحلة
المثالية، أو ما يعرف بمرحلة اليقظة الجنسية.. وهكذا.
ماهية أدب الأطفال:
ترتبط كلمة أدب بالأخلاق والتربية، وعندما يقال: إنسان مؤدب؛ فهو
بالتأكيد نقيض الإنسان صاحب الصفات المحترمة، والأدب كما عرَّفه القدماء "هو
حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف"([16]).
أي كان الأدب عندهم بمعنى الثقافة، أما الأدب بمفهومه الفني الحديث
فإنه "يختلف عن مفاهيم عديدة التصقت به عبر تاريخ الأدب العربي، لغة واصطلاحاً،
مثل معاني التأديب والمأدبة وتهذيب الخصال وإصلاح السلوك واكتساب العادات
الحميدة، وهو في النهاية مجال تعبيري مكتوب، له فنونه النثرية والشعرية، مجال
رحب محبب إلى النفوس ويستأثر بالقلوب، ويستهدف تنمية الوعي والشعور والأحاسيس،
وهو مع ذلك كله علم من العلوم الرئيسة التي لا غنى عنها في كل أمة في أعز ما
لديها؛ اللغة وآدابها، وما يدور حولها من تأصيل وتحديث أو توجه" ([17]).
وأدب الأطفال يشبه أدب الكبار مع مراعاة حالة المستقبلين الأطفال
ومستوياتهم الفكرية والنفسية، ولكنَّ "أدبَ الأطفال وإن اعتبرناه رافداً للأدب
بعامة، إلا أنَّ له شخصيته وهويته، ورغم اتفاقه مع أدب الكبار في المبادئ
العامة، إلا أنه يملك مقاييس جمالية خاصة".([18]) ، وهذا ما قد يجعله متفرداً
في ذاته، وله مكانته العلمية المتجددة.
وبمطالعة عدد من التعريفات التي قدمتها الكتب والأبحاث التي عالجت
"أدب الأطفال"؛ نجد في معانيها اتفاقاً، وفي ألفاظها بعض الاختلاف، وهو على
العموم: "ذلك العمل الفني الإبداعي المكتوب أصلاً للأطفال حسب سنهم وخبراتهم،
وكونه موجهاً للأطفال لا يحول دون تمتع النص بكفاءة فنية؛ متمثلة في جمال
الأسلوب وسمو الفكرة، فثمة أعمال أدبية أنشئت في الأصل للصغار وأقبل عليها
الكبار بمزيد من الدهشة والانبهار"([19]).
ويرى بعض الباحثين([20])، أنَّ أدب الأطفال بمعناه العام يعني
الإنتاج العقلي المدوَّن في كتب موجهة لهؤلاء الأطفال في شتى فروع المعرفة،
وبمعناه الخاص يعني الكلام الجيد الذي يحدث في نفوس الأطفال متعة فنية، سواء
أكان شعراً أوم نثراً، وسواء أكان شفوياً بالكلام، أم تحريرياً بالكتابة.
وفي الغرب هناك من يرى أن أدب الأطفال لا يقتصر على الألوان الأدبية
فقط، بل يتسع ليشمل ألوانا أخرى متعددة، وأن أدب الأطفال "مجموعة الكتابات التي
يعتبرها الأطفال خاصة بهم، ولذلك فهو يضم كتب الأطفال بأنواعها المختلفة
ومجلاتهم وصحفهم وما يكتب لهم في صحف الكبار ومجلاتهم، وغير ذلك"([21])،ويؤيد
ذلك قولهم: إن أدب الأطفال "تصوير للحياة والفكر باستخدام اللغة على أن يكون
ذلك بما يناسب مستوى الأطفال، وبذلك يحتوي على جميع ما يكتب للأطفال في مختلف
المجالات"([22])، كما إن "أدب الأطفال هو كل ما يقرأه الأطفال بشرط أن يكون
مناسبا لفهمهم وخبراتهم وانفعالاتهم"([23]).
فالأطفال يختلفون عن الكبار في مستوى عرض النص وليس في مضمونه،
وكذلك أدبهم، فهو يختلف عن أدب الكبار في المستوى لا في المضمون، ولذلك فإنه
يمكن أن يعالج العديد من القضايا التي يعالجها أدب الكبر، وليست هناك أية حدود
أو شروط سوى أن يكون هذا الأدب ملائما لمستوى الصغار"([24]).
وقد حدد أحد المتخصصين في أدب الأطفال مجموعة من الأهداف التي
يؤديها هذا الأدب([25])؛ منها أنه يساعد في توفير أسباب النمو السليم المتكامل
للأطفال وإعدادهم لتحمل المسؤولية مستقبلاً، وتعويدهم على النقد الهادف البناء،
وزيادة معرفتهم، وتكوين الذوق الأدبي والفني لديهم، وتمكينهم في تقييم المجمال،
والمساهمة في كشف هواياتهم وتنميتها.
ويحدده آخرون بأنه "كل خبرة لغوية، لها شكل فني، ممتعة وسارة، يمر
بها الطفل ويتفاعل معها، فتساعده على إرهاف حسه الفني، والسمو بذوقه الأدبي
ونموه المتكامل، فتسهم بذلك في بناء شخصيته وتحديد هويته وتعليمه فن الحياة".
([26]).
وهذه الأهداف، التي يمكن لأدب الأطفال الاضطلاع بها، قد لا تكون
بالتأكيد كلها مجتمعة في عمل فني واحد، قد يكون واحد منها، أو بعضها، أو مجموعة
منها، ولا تكون مباشرة، لأن العمل الأدبي يختلف عن العمل التعليمي، -وإن
اتفقنا على سمو العمل التعليمي، - منفهما يتفقان على الأهداف والغايات ويختلفان
في الأسلوب، فأدب الأطفال ليس "سلسلة نلقي بها دون وعي كرة تخصصات العلوم
الإنسانية أو الوسائط الفنية والإعلامية" ([27]). بل هو أولاً عمل فني ذوقي
خيالي تجتمع فيه الأصول الأدبية المختلفة لتحقيق الأهداف.
كامل كيلاني.. حياته
وثقافته:
أثار كامل كيلاني – ولم يزل- اهتمام الباحثين في التاريخ الأدبي
المعاصر، وخصوصاً في الفترة الأدبية الخصبة التي قدر لـه العيش فيها مع مطلع
القرن الماضي إلى العقد السادس منه، ومعايشته لكل الأحداث السياسية والأدبية
والشعبية، ابتداءً من سقوط الدولة العثمانية، ومشاهداته للأحداث التي سادت خلال
الحرب العالمية الأولى ومن ثم الثانية، وما تخللهما من ثورة مصرية شهيرة علىن
الاحتلال الإنكليزي في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، وصولاً إلى ثورة
الضباط الأحرار وسقوط الملكية في وطنه مصر ومن قبلها سقوط فلسطين والقدس بأيدي
الغزاة. .
وفي هذه الأجواء المحتشدة، نشأ كامل كيلاني إبراهيم كيلاني "في شرق
القاهرة، وفي حيّ القلعة الذي يتميز عن غيره بعطر التاريخ والآثار والمساجد
الإسلامية الشهيرة.." ([28])، فقد ولد في "العشرين من شهر أكتوبر سنة (1897م)".
([29]).
وقضى الكيلاني طفولته في الحارات المصرية القديمة، في منزل يحب
العلم والثقافة، في عائلة صغيرة، لديها مشكلاتها وخصوصياتها شأنها شأن العائلات
المماثلة، إلى جانب إحساس بنبوغ مبكر، وإرهاصات هيأت لهذا الرجل نوافذ ومقومات،
جعلته فيما بعد ينال عشرات الألقاب منحه إياها عدد كبير من الأدباء والشعراء
والكتاب وكبار المسؤولين السياسيين. ([30]).
ودرس الكيلاني الثانوية في "مدرسة القاهرة" التي نال منها شهادة
الثانوية، وعكف أثناء ذلك على دراسة الأدب الإنكليزي، ثم تعلم اللغة الفرنسية،
ثم انتسب إلى الجامعة المصرية (1917– 1920م)، وكان متفوقاً في دراسته.
وبعد أن تخرج في الجامعة عمل مدرساً لللغة الإنكليزية والترجمة، فقد
أتقنها الإنكليزية وكما أتقن الفرنسية وعرف مبادئ الإيطالية، وكانت بداية عمله
في المدرسة التحضيرية، ثم نقل إلى مدرسة الأقباط الثانوية بدمنهور، وفي عام
(1922م)، انتقل للعمل في وزارة الأوقاف، وظل فيها حتى يناير (1954م)، وكان آخر
منصب شغله بالوزارة؛ منصب سكرتير مجلس الأوقاف الأعلى.
قصص الكيلاني:
قسم الكيلاني قصصه إلى أربع مراحل عمرية وهي:
أ- مرحلة رياض الأطفال.
ب- مرحلة الطفولة المتوسطة.
ج- مرحلة الطفولة المتأخرة.
د- المرحلة الثانوية ([31]).
ويذكر الباحثون أن للكيلاني "ألْف قصة" ([32]) للأطفال، لكننا لم نعثر على
هذه الألف المذكورة، فيما ذُكر أنه طبع حوالي المئتين منها، وقد قام أحد
الباحثين بإعداد قائمة لإنتاجه الفكري في مجال أدب الأطفال، فبلغت في
مجموعها مائة وستاً وتسعين قصة ([33]).
وقد صنَّف الباحثون قصصه بناءً على تصنيف الكيلاني نفسه، تحت (17) مجموعة
وهي قصص:
1- رياض الأطفال.
2- حكايات الأطفال.
3- فكاهية، .
4- من ألف ليلة وليلة.
5- قالت شهرزاد.
6- جحا.
7- هندية.
8- عملمية.
9- تمثيلية.
10- شكسبير.
11- عربية.
12- مختارة.
13- أساطير العالم.
14- عجائب القصص.
15- جغرافية.
16 - من حياة الرسول.
17- الجيب.
ولعل نشأة الكيلاني -التي ذكرناها في الفصل السابق نبذاً منها- شكَّلت
ثقافته ومصادره([34])، وقرر كثير من الباحثين([35]) أن نشأته في بيئة تهتم
بالثقافة والأدب كانت العامل الأول الموجه والمغذي لموهبته.
   
منهج الكيلاني في قصصه:
حرص كامل كيلاني في بعض قصصه على وضع مقدمات متنوعة (*)؛ يشرح فيها جوانب
أساسية تتعلق بمضمون القصة نفسها، أو السلسلة التي تتضمنها، أو يتحدث عن
رؤيته لفن الكتابة للأطفال، ومنهجه في ذلك، وأي دارس للكيلاني وأدبه ومنهجه
لا يستطيع تجاوز هذه المقدمات لأهميتها الشديدة في كشف فكر المؤلف ودوافع
التأليف عنده ..، كونها نتاج خبرته، يكتبها بنفسه، وهو الأقدر على الإفصاح
عما يريد من أدب الأطفال، وبخاصة أنه التزم بوضع مقدمات، على خلاف كثير من
الأدباء الذين يكتبون للأطفال، ويمكن ملاحظة ذلك بسهولة بعد الاطلاع على
نماذج عشوائية لقصص الأطفال العربية والأجنبية، حيث يندر وجود مقدمات فيها،
وقد تصل النسبة إلى حدِّها الأدنى، لأسباب تتمحور حول أن الطفل يسعى لقراءة
القصة مباشرة دون الوقوف عند هذه المقدمات، وفيما نجد مقدمات تتوجه إلى
الراشدين، نرى الكيلاني يوجه خطابه للطفل؛ فيكرر العبارات التالية: أيها
الطفل العزيز([36])، أيها الصبي العزيز([37])، ولدي مصطفى([38])، أيها
القارئ الصغير([39])، ولدي رشاد([40])..
وفي كل مقدماته، يوجه كامل كيلاني خطابه مباشرة إمّا إلى ابنه مصطفى أو
ابنه رشاد أو إلى طفل مفترض، ويحرص على أن يكون رقيقاً في ألفاظه، رفيقاً
في تعبيراته، مفسراً لكلمات جديدة يرى أنها تحمل غموضاً أو أنها لا تتناسب
مع قدراته اللغوية، فيشرحها بكلمات بسيطة، لأنه كما يقول: "حريص على تسهيل
القراءة ليبهج القارئ ويمتعه من غير عناء"([41]).
وتمتاز مطالع المقدمات بأسلوب مباشر يستهدف جذب اهتمام الطفل، ودفعه لقراءة
المقدمة قبل قراءة القصة نفسها، وتمتاز أيضاً بنوع من التحفيز المثير
لعواطف الطفل وحواسه الإدراكية الواعية، فيقول مثلاً: هذه مجموعة مختارة
([42])- قرأت الرحلتين ([43])- أنت تحب القصص ([44])- شد ما آلمني
وأحزنني([45]) - يسرني أن أهدي إليك([46]) - لقد أعجبك هذا اللون
المشرق([47]) - حديثي إليك في هذه المقدمة حديث طويل([48]).
ويوزع المؤلف أهدافه التربوية البنائية والأسلوبية في كل المقدمات التي
وضعها في مجموعة من قصصه للأطفال، ويمكن تصنيفها في منظومة متكاملة من
الأهداف، متفرقة في شكلها متحدة في مضمونها، وذلك على النحو الآتي:
أولاً:
الأهداف الفكرية:
يذكر كامل كيلاني أنه اختار بعض القصص لأنها من روائع التفكير
العربي([49])، وتحوي أصالة في هذا التفكير([50])، تزيد من ثقافة الطفل
الفكرية([51])، وتنظم تفكيره([52])، فلا يصطدم مع الأفكار القويمة([53])،
وتبين لـه سمو الفكر العربي([54]).
ويرفض الكيلاني القول بأن بعض ما يقدمه "لا يلائم مدارك الصبي العادي،
وربما عجز الشاب والفتى عن إدراك معانيها واستيعاب مراميها"([55])، لأنه
يثق بذكاء الطفل ودقة فهمه([56])، وبخاصة الطفل الذي نشأ على قصصه منذ
البدء، لأنه برأيه تقدَّم على غيره من الأطفال الذين تنكبوا طريقه([57])،
فهو يريه "ألوان التفكير في الأمم"([58]), "ليطيل الروية، ويديم الفكر
والتأمل فيما يقرأ، ويحسن الفهم، حتى يتوضح أمامه مغزاها العميق، ويتجلى
لـه مرادها الدقيق وهدفها المجيد ومرماها البعيد"([59])، "ليجد من العظات
ما ينير طريق الحياة ويكشف لـه أخلاق الناس وحقائقهم المستورة عنه"([60]).
ثانياً:
الأهداف المعرفية العلمية:
يوضح الكيلاني أنه وضع برنامجاً لثقافة الطفل، أسماه "برنامج الدستور
الجامع"([61])، ويشير إلى أنه بدأ البرنامج بالتسلية، ثم تدرج بعد ذلك
خطوات، فمزج التسلية بالفائدة، فما زال بالطفل حتى أصبح يرى في المعارف
وحدها متعة وتسلية لا يَعدِلها شيء من ضروب المتع وأفانين التسلية، ثم سار
بالطفل مرحلة جديدة([62]) بعدما رآه يقبل على مكتبته "إقبال الظامئ العطشان
على الماء"([63]).
وقد أفصح الكيلاني عن فكرته في تطور المعرفة والثقافة عند الطفل، بقولـه:
إن رجلاً ذاعت شهرته في الآفاق وملأ صيته الدنيا.. كان يرفع بيديه ثوراً
ضخم الجثة، ثم يحمله صاعداً به سلماً عالياً، وهابطاً من السلم، دون أن
يبدو عليه شيء من آثار التعب أو أمارات الجهد، وقد حار الناس في تعليل هذه
القدرة العجيبة، وذهبت ظنونهم في تأويلها كل مذهب، فلما سئل في ذلك أجاب
مبتسماً: لقد تعودت حمل هذا الثور منذ ولادته، وأخذت نفسي بهذا التمرين دون
أن أقصر في أدائه يوماً واحداً، وظللت أحمل الثور في كل صباح، صاعداً السلم
العالي، وهابطاً به من حيث أصعد، وما زلت أكبر ويكبر الثور معي، وكان
نموّنا في كل يوم يزداد زيادة بطيئة مطردة دائماً، حتى اكتمل نماؤنا، ولم
أشعر أن وزن الثور قد زاد يوماً عما كان عليه في سابقه ولم أحس له ثقلاً
إلى اليوم([64]).
ثالثاً: الأهداف التربوية الأخلاقية:
يؤكد الكيلاني أنَّ في قصصه عبراً يمكن للمعلم أن يستخلصها بسهولة
لتلاميذه([65])، وهو يرى أنّ الهدف التربوي هو الأهم، فكل والد حريص على
تربية أطفاله وفائدتهم، ويكابد مثلما يكابد الكيلاني، ويلقى من الحرج مثلما
يلقى، فكان ذلك أقوى حافز له على الاضطلاع بحمل هذا العبء، وأكبر مشجع لـه
للمضي في هذا الطريق بلا تردد([66]).
من أجل ذلك لقي تأييداً من كبار رجال التربية والمدرسين والآباء([67])، فهو
يسعى إلى أن يشرح للطفل دقائق الحياة وأسرار النفوس لتستنير لـه السبل
فيمشي على هدى([68]). ويريد أن يريه عاقبة الحسد، ومغبة الحقد، وآخرة
الغدر، وكيف تنتهي هذه الخلال بالوبال على أصحابها وتنزلهم من أسمى درجات
المجد إلى أحط دركات المهانة والشقاء وأسفل منازل الهوان، ويسعى إلى أن
يُري الطفل مصداق هذا، ويعِّرفُهُ كيف ينتصر الحق آخر الأمر، ويخفق علمه،
ثم يلقى الآثمون ما هم أهل لـه من العقاب والتنكيل، جزاءً وفاقاً لما
اقترفوه من الإثم وارتكبوه من عدوان؟([69]). وهو يدعو إلى عدم الاستهانة
بما تفرضه الأخلاق الفاضلة من أدب الخطاب وما إليه([70])، ويطالب بقصص "لا
تصطدم والأخلاق الفاضلة القويمة"([71])، ويرى ذلك بمثابة "الحمل
والثقل"([72])، ولعلَّ دافعه الأول للكتابة: الأهداف التربوية الأخلاقية،
فقد كان يعتبر أن مؤلفي "كثير من القصص قد أسفّوا إسفافاً شديداً، لا يعدله
إلا إسفافهم في لغتها وأسلوبها، وقد كتبوها لجمهرة العامة، فلم يراعوا فيها
أي اعتبار أخلاقي ولم يتورعوا عن خوض كل موضوع"([73]) .
رابعاً: الأهداف اللغوية:
يعلن الكيلاني صراحة أن قصصه تكسب القارئ الصغير قدرة في البيان وتمكناً من
فن الإنشاء([74])، وزيادة في الثقافة اللغوية([75])، ويرى أن خير ما يقوم
به المدرس لتقوية الطالب المبتدئ في الإنشاء، أن يتخذ من القصص المشوقة
وسيلة إلى المحادثات باللغة العربية، ولذلك فقد صاغ قصصه صياغة عربية،
أصيلة في العروبة، لا تشوبها لكنة ولا تخالطها عجمة، ولا تفسدها تلك
العامية التي يرى أنها متفشية في أغلب القصص التي يحاول بعض المنشئين
تقديمها للطفل([76]).
خامساً: الأهداف الذوقية:
حرص الكيلاني أن تلتئم قصصه مع أذواق الأطفال([77])، فكان يختار أحسن القصص
وأكثرها روعة وجمالاً ويدأب على الروية والتمهل والتدبر في صوغها
وتنسيقها([78]) بأسلوب قصصي جذاب([79])، وأجمل صورة بيانية تلبس ثوباً
أخاذاً([80]). وكان يبذل كل ما في وسعه لتكون قصصه نواةً صالحة لتثقيف
الأطفال وتهيئة أذهانهم لتذُّوق الأدب العربي الزاخر وفهم أسلوبه
العالي([81])، وقد كان يرفض البيان الركيك الضعيف، والألفاظ السوقية
المستهجنة والمبتذلة المعيبة، والأسلوب الذي يجمع إلى ضعف التركيب؛ تفاهة
المعنى والتواء التعبير([82])، فهو يسعى ليعجب الطفل بالقصص([83]).فالكيلاني
يريد أن يحمي الجيل الجديد من البيان المشوّه المضطرب([84])، ومن الأساليب
القصصية الركيكة والعبارات السقيمة، والأسلوب السوقي العامّي النازل
الطبقة، الذي يزحم الأدمغة ويفسد الأسلوب([85]). من أجل ذلك فإنَّه يصوغ
قصصاً أصيلة في العروبة لا تشوبها لكنة ولا تخالطها عجمة([86]).
سادساً: الأهداف الترفيهية:
رأى الكيلاني ضرورة تسهيل القراءة ليبهج الطفل ويمتعه من غير أن يكلفه أي
عناء([87])، ولكي يبعد الطفل عن العقبات المضجرة والمتاعب المملة([88])؛
ضمَّن قصصه كثيراً من الطرائف([89])، والمتع العقلية([90])، موجباً على
نفسه تسلية الطفل([91])، بأبدع تسلية([92])، وبهجة([93])، ومتعة([94])،
وسرور([95])، ليستفيد منها في مستقبل أيامه السعيدة([96])، ويستوعب طرفها
المستملحة([97]).
   
شعر الكيلاني جزء من
منهجه:
قيل للكيلاني يوماً([98]): إن كثيراً من أبناء الجيل الحاضر لا يعرفون أنه
شاعر وأن له شعراً يستحق أن ينشر ويذاع على الناس، وإن كثيراً من أصدقائه
ومحبي شعره قد سبق وطالبوه بنشر ديوانه لكنه لم يفعل، فلماذا؟ فأجاب: "إنني
لا أؤمن بأنّ هذا الشعر يستحق النشر أو الجمع في ديوان، وكما قلت للذين
أرغموني على فضل تكريمهم لي: أنا القصير.. ماكر لا ينخدع، كما تقول
الأمثال، فلا سبيل إلى خداعي؛ فأنا أعرف الناس بقيمتي وأجدرهم بفهم حقيقتي،
والواقع أن لي شعراً كثيراً، لو جُمع لملأ خمسة دواوين لا ديواناً واحداً،
وكثير من هذا الشعر قد نشرته الصحف أو المجلات إبان إنشائه، وجميع الأشعار
الموجودة في قصص الأطفال من شعري(*)، وقد ظللت سنتين في عهد الثورة المصرية
الأولى (ثورة 1919م) أكتب قصيدة كل يوم تقريباً، وقد أُحرق كثير من هذا
الشعر بسبب حملات التفتيش الباغية في ذلك العهد.
وذكر كثير من الباحثين أن "للكيلاني شعراً لم يظهر في صحيفة ولم يثبت في
كتاب، ولكن ذاع صيته في الأندية الأدبية سريعاً سريعاً، كما تنتشر البشرى
سريعاً سريعاً، فأصبح شعره حديث تلك الأندية، وأصبح المتأدبون بين رواة عنه
أو رواة منه، على أنه يهرب من وصفه بالشاعرية هروب فاعل الخير من ذكر اسمه،
ولكن الشاعرية تكمن في شعره كمون الري في الماء، والبرء في الدواء، بل
الطرب في الكأس، ولقد لج هو في إنكار معنى الاعتراف، فلا يقول: لستُ بشاعر
إلا قيل له: أجل، أسمعنا من شعرك أيها الشاعر، وسواء أنكر أنه شاعر أم لم
ينكر، فشعره -بلا شك- صفحة تضاف إلى أنفس صفحات الشعر العصري، ففي سواد
مدادها من بياض المعاني ما في سواد العيون من ضياء ونور.."([99])، كما
يروون.
ولقد وصفوه بأن من أهم مزاياه "شاعريته الموهوبة التي تحلق في سماء الخلود
والعبقرية.. ومن نواحي شاعريته الخصبة ما يبدعه من المحفوظات البديعة
الساحرة في حكايات الأطفال، والقصص الجغرافية، والقصص العلمية، وما إليها
من آثاره التي خصَّ بها مكتبة الأطفال"([100]).
فقد كان الكيلاني لا يكتفي بتقديم القصص للطفل "بل يعطيه زيادة على ذلك في
نهاية كل قصة؛ قطعة من الشعر، غاية في السهولة والجمال، ليترنم بها في
غدواته وروحاته، فكأن المؤلف يريد أن يملك على الطفل كل وقته، وأن يغذي
نفسه حتى في أوقات لهوه ولعبه.. فيعطيه قطعة من الشعر، غاية في الجمال
والعذوبة، تحمل من المعاني ما تسمو به نفس الطفل وتتسع مداركه"([101]).
ويتسع المجال في الحديث عن شعر الكيلاني وأغانيه وأناشيده التي ملأت قصصه،
وسوف نتناول بعضاً منها في الجانب التطبيقي، حيث يتضح خطه ومنهجه وأسلوبه
الشعري المتصل تماماً في خطه ومنهجه وأسلوبه القصصي، ومن الخطأ أن نفصل
الأناشيد عن القصص التي وردت فيها، لأننا لاحظنا اتصالها شبه الكامل بها،
وحتى تلك المحفوظات التي أوردها في نهاية بعض القصص تعتبر مكملة لها وإن
كان يمكن قراءتها بمعزل عنها.
ومما لا شك فيه أنّ كامل كيلاني كان متميزاً في شعره للأطفال كما تميز في
قصصه المتنوعة،وهو يستخدم الحيوانات أحياناً كشخوص لقصائده القصصية أو
الحوارية، على غرار كثير من قصصه السردية والحوارية، فهو "ينطلق في مضامين
قصصه من إيمانه بفكرة التماثل أو التناظر بين عالم البشر وعالم الحيوان،
ويتخذ من مواقف الحيوانات والطيور رموزاً لما يحدث في عالم البشر. ومع ذلك
فإن العبرة أو العظة ليست مقصده أو غايته الوحيدة، فهو يهدف إلى توعية
الأطفال بسلوكيات معينة مثل الالتزام بالنظام أو التعاون أو بث القيم
الخلقية النبيلة، فيعمد إلى عالم الحيوانات الأثير عند الأطفال فيستحضر
المثال أو النموذج"([102])، ومنها قوله:
قد حدثنا أقدم الأمثالِ
بقصة تروى عن العصفورِ
فرخَ غراب
مشرفاً على التلفِ
فيما مضى من الزمان الخالي
أبصرَ في وكر من الوكورِ
فقال للفرخ "اطمئن لا تخف"([103])
   
الفصل الأول
المحاور الموضوعاتية في قصص الكيلاني
- مقدمة
- الكيلاني يحدد أسلوبه
- المحاور الموضوعاتية
- بساطة اللغة في سلامتها
- تكرار اللفظ
- البناء النفسي
الفصل الأول
المحاور الموضوعاتية في قصص الكيلاني
مقدمة:
يُعتبر الأسلوب "المرآة الحقيقية إزاء عملية التعبير، بوصفها دالة على الشخصية
ومعياراً لها"([104])، وهو في الأصل([105]) السطرُ من النخيل وكل طريق ممتد،
والوَجْهُ والمَذْهَبُ والفَنُّ وأَفَانينُ القَوْلِ، وقيل: إنَّ معنى الكلمة
في الأصل اللاتيني هو "القلم"([106]).
ويرى الباحثون أننا "إذا عُدنا إلى القواميس فسنرى أنها تقترح علينا ما لا يقل
عن (20) تعريفاً لهذه الكلمة، يذهب أهمها من طريقة التعبير عن الفكر إلى طريقة
العيش، مروراً بالطريقة الخاصة لكاتب من الكتاب، أو لفنان، أو لفن، أو لثقافة،
أو لجنس، أو لعصر. فالأسلوب يعرف ضمن حدوده بالسِّمة الخاصة لفعل من الأفعال،
ويمكن أن نتصور –كما يرى هؤلاء- الأسلوبية العامة: دراسة للعلاقات بين الشكل
وبين مجموع الأسباب الإخبارية"([107]). والأسلوب بالمفهوم البسيط وبعبارة
مختصرة: "طريقة للتعبير عن الفكر بوساطة اللغة"([108]).
فهو "وجه بسيط للملفوظ تارة، وهو فنٌّ واعٍ من فنون الكاتب تارة أخرى، وهو
تعبير عن طبيعة الإنسان تارة ثالثة، ولذا فهو يتعدى دائماً الحدود التي يدعى
بأنه انغلق عليها"([109]). وهو أيضاً "الصورة اللفظية التي يعبر بها عن
المعاني، أو نظم الكلام وتأليفه لأداء الأفكار، وعرض الخيال، أو هو العبارات
اللفظية المنسقة لأداء المعاني"([110]).
وعلى ذلك، فإنّ الأسلوب رغم تعدد تعريفاته هو صورة تمثل طريقة التعبير الخاصة
لدى الكاتب، المميزة لـه عن غيره، وهو نمط كتابي خاص يسير عليه المؤلف ويتعدى
الشكل السردي إلى الشكل الفني والمحتوى والتركيب، ولعل اختلاف الباحثين في وضع
تعريف موحد يعود لاتساع معنى الكلمة وأهميتها وربما غموضها في وقت واحد. ويقصد
بالأسلوب هنا طريقة المؤلف في وضع قصصه ومميزاتها وخصائصها من حيث الشكل
والمضمون.
   
الكيلاني يحدد أسلوبه:
لم يكن كامل كيلاني يسلك طريقه دون هدف، ولم يترك قلمه يسير على غير هدى، بل
كان منذ أن قرر خوض غمار الكتابة للطفل، يسعى لاكتناه الطفولة وسبر خباياها،
والتعاطي معها ليس على أساس أنّ الطفل مجرد وعاء نلقي فيه ما نشاء؛ بل من خلال
إدراك واعٍ للطفولة وخصائصها واحتياجاتها وتنوعها..
والكيلاني لم يترك الباب مفتوحاً للتأويل، بل خطَّ لنفسه منذ البدء أسلوباً
مميزاً، جعله يمثل هذه العلامة الفارقة، وينال تقدير النقاد في عصره، ويُسجل
كرائد لأدب الأطفال في مصر والعالم العربي.
وليس عسيراً على الباحث في تراث الكيلاني أن يميِّز الملامح الكيلانية الخاصة،
وأن يجسِّدها في إطار آرائه التي سطَّرها بنفسه، ليريح الباحثين من جهة، وليقدم
للأدباء المتخصصين بأدب الطفل من بعده طريقاً واضحة تسهِّل لهم الصعاب، وتبين
لهم الأفضل الذي رآه يتواءم ويتوافق مع عالم الطفولة.
وتشير معظم المصادر التي تناولت أدب الطفل عند الكيلاني إلى قصة –أو أسطورة-
واحدة اعتبرها منهجاً لأسلوبه، حيث "بلور تصوراته الأساسية في الكتابة للطفل من
خلال هذه القصة"([111])، التي وردت أساساً في مقدمة إحدى قصصه([112])، ثم
تناقلها الباحثون لأهميتها في تحديد الأسلوب الكيلاني، وقد علق الكيلاني على
هذه القصة في بعض كتاباته وأحاديثه([113])، التي يمكن من خلالها التوصل إلى
جملة من المسائل التي تحقق هذا الأسلوب وتوضحه.
تقول القصة (أو الأسطورة) كما رواها الكيلاني([114]): إن ثلاثة أمراء، أشقاء،
خرجوا يتنافسون في مهر بنت عمهم السلطان، بعد أن تواعدوا على الاجتماع في مكان
بعينه ليروا من يظفر بأنفس هدية للأميرة، فلما التقوا كشف أحدهم أنه ظفر بمنظار
سحري يرى فيه الناظر كل ما يدور بخلده ولو كان في أقاصي الدنيا، أمّا ثانيهم
فقط ظفر ببساط سحري، يحمل راكبه محلقاً به في الأجواء، فيبلغه غايته في لحظات
يسيرة. بينما ظفر ثالثهم بتفاحة شافية تبرئ من السم وتعيد الحياة إلى من أشرف
على التلف. ونظروا في المنظار فرأوا الأميرة على فراش الموت تحتضر، فإذا بهم
عندها في الحال بواسطة البساط السحري، وأدنوا التفاحة منها فشفيت على الفور،
وحاولوا أن يعرفوا أيهم صاحب الفضل في شفائها؛ فلم يهتدوا إليه.
ويعتبر الكيلاني أن في هذه القصة مثلاً دقيقاً يوضح ما يجب على من يتصدى
للكتابة للأطفال. ويضع لذلك جملة من الملاحظات:
أولاً:
تحبيب الكتاب للطفل يظفره بالمنظار السحري.
ثانياً:
الأسلوب القصصي الساحر هو بساط الريح الذي ينقل القارئ إلى أبعد الآفاق
الفكرية، على أجنحة الخيال البديع، محلقة في سماء الحقيقة دون أن يلحق به كلال
ولا جهد.
ثالثاً:
التفاحة الشافية تتمثل فيما تتركه القراءة من آثار نفسية رائعة تشفي من سموم
الجهالة، وتبرئ من النزعات العارمة التي تقذف بصاحبها إلى الهلاك.
وبذلك يقرر: أن تحبيب الكتاب، وتخيّر الأسلوب الصالح، وتثبيت الفضائل في نفس
الطفل؛ هي الأهداف الثلاثة التي ترمي إليها تربية الأطفال بالقصص، ولا بد من
اجتماعها لبلوغ الغاية المرجوة، كما اجتمعت هدايا الأمراء لشفاء الأميرة.
ولا يلقي الكيلاني كلامه دون وضع آلية محددة دقيقة للتعامل مع الأدب القصصي
الخاص بالطفل، حيث يعتبر القصة أداة للتربية على وجه الخصوص، ويرى الكاتب
مربياً قبل أن يكون أديباً، فهو ينتهج أسلوباً قائماً على توضيح حقيقة الحياة
للأطفال، ولذا فإنه كان حريصاً على تجنيبهم الأخطاء المعنوية، وقد عُني
بتنشئتهم في إطار أسلوب تربوي معين، فهو يعتقد أن على طالب الإصلاح تعبيد
الطريق، فالمهندس يُعنى أولاً بمتانة الأساس، والطفل عنده أساس الأمة، وما يراه
الطفل في بدء حياته من انتصار للخير دائماً؛ يصيبه بصدمة عندما يكتشف في صباه
الخديعة، ولهذا وضع الكيلاني الشَّر بجوار الخير، مصوِّراً الصراع بينهما…،
وفلسفته في ذلك ليغرس في أنفس الأطفال حقيقة الواقع، وأن النصر للخيّرين
الشرفاء والهزيمة للأشرار الأغبياء.
هذا الواقع الذي آمن به الكيلاني، يقودنا إلى مسائل هامة، أرخت بظلالها على
الأسلوب الكيلاني حتى غدا أسلوبه روح أهدافه، وغدت أهدافه روح أسلوبه(*)، ومن
العسير حقيقة الفصل ما بين الكاتب وأسلوبه، فالأسلوب هو الرجل نفسه كما يقول
عالم اللغة الفرنسي بوفون
Buffon (1707م–
1788م)([115]).
   
المحاور الموضوعاتية:
قدم الكيلاني في نصوص متفرقة؛ خطوات عملية، وخطاً واضحاً محدداً للشكل والمضمون
في الأسلوب الذي يرتئيه، من الظاهر إلى الباطن، ومن الإطار إلى الجوهر، وقد
سارت خطته على خطين رئيسيين:
أولهماً:
محاور تحدد القالب أو الهيئة التي يستقبل الطفل ويتلقى فيها قصته.
وثانيهما:
محاور تحدد الأشكال المضمونية العامة للقصة.
ونجد في المحورين تداخلاً واضحاً، حيث تتوزع الموضوعات على الشكل التالي:
- تسلية، متعة، ترفيه.
- فصحى سليمة والارتقاء بالطفل لغوياً بالتدرج وتعويده على المضمون اللغوي
الفصيح.
- النطق السليم للألفاظ والعبارات واستخدام ألفاظ قليلة تتكرر في الأسطر
والصفحات.
- تخير الأسلوب الواضح والسهل البسيط الذي يحبب الكتاب للطفل.
- تجنب البيان المشوّه (العامية).
- الإكثار من الصور الجاذبة.
- تجنيب الطفل الخطأ المعنوي وتثبيت الفضائل والمعاني الحميدة.
- التركيز على الآثار النفسية التي تبرئ الطفل من النزعات وتشفيه من سموم
الجاهلية.
- نزع الملل وتبسيط المعنى في الأسلوب.
- مراعاة سن الطفل ورغباته والنزول إلى مستوى مداركه.
ولا يسرع الكيلاني لتحقيق كل ذلك دفعة واحدة، بل شيئاً فشيئاً إلى حد التمام
والكمال، "ليجعل المربي همه في قصصه؛ قصة الرجل الذي يحمل الثور صاعداً وهابطاً
دون أن يبدو عليه شيء من آثار التعب، فلما سُئل أجاب: تعوّدت حمل الثور منذ
ولادته، وما زلت أكبر ويكبر ويزداد نمواً كل يوم زيادة قليلة، ولم أشعر بازدياد
وزن الثور ولم أحسّ له ثقلاً حتى اليوم"([116]). ولا يخفى ما تهدف إليه القصة
من تدرّج مطلوب ينقل الطفل خطوة خطوة ليصل في النهاية إلى تشييد البناء الشامخ
من حيث الشكل و المضمون، فالإنسان بطبعه يحتاج إلى من يرشده في طفولته ويقوده
بسلام وسكينة نحو حياة أفضل بكل ما فيها من نجاح وتألق.
وقد تحدثنا سابقاً عن الجانب الترفيهي، ويستمر هنا الحديث عنه كونه ركيزة هامة
في أسلوب الكيلاني، حيث |