|
دراسات

دراسات
ومقالات في الأدب المهجري1


من أعلام الأدب المهجري
الأديب رياض المعلوف آخر شعراء العصبة الأندلسية في البرازيل
بقلم الكاتب: د. موسى العويس
نعت الأوساط الثقافية والأدبية في لبنان الأديب المهجري رياض المعلوف، آخر
شعراء العصبة الأندلسية في البرازيل، وآخر شعراء المعالفة المهجريين.
وبموت رياض المعلوف انطوت آخر صفحة من صفحات رواد الأدب االمهجري، ذلك الأدب
الذي شدا به فئة من أبناء العرب المغتربين، حين ألقوا عصا الترحال في تلك
المطارح النائية، لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية تكالبت على بلاد الشام
أواخر القرن التاسع عشر للميلاد وأوائل القرن العشرين، فكانت تلك الهجرة التي
اغترب فيها الأدب العربي ليتجدد سبباً في ظهور إحدى المدارس الشعرية في العصر
الحديث ألا وهي «مدرسة المهجر».
على غير ما ألف، لم تستطع الغربة- رغم مرارتها- إخماد وهج الابداع الأدبي لدى
أولئك، أو أن تقطعهم عن موروث أدبي وفكري وثقافي تشربوه في وطنهم الأم، بل ان
الاغتراب هو الذي فجر ينابيع الإبداع لديهم، واستلهموا منه كثيراً من معانيهم
وصورهم، حتى ظهر في أدبهم ما يسمى بشعر الحنين والغربة.
وفي أطروحتين علميتين تقدمت بهما إلى كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية قدر لي أن أدرس الأدب المهجري شعره ونثره، وأن استشرف من خلال
نتاج أدبائه، والمقابلات واللقاءات مع بعضهم، أو المعاصرين لهم البيئة الثقافية
التي مهدت لظهور هذا الأدب، وأن استجلي أبرز السمات والخصائص الأدبية له، وكان
من بين أولئك الأدباء الأديب الراحل رياض المعلوف، إبان زيارتي له في مسقط
رأسه«بزحلة» في لبنان عام 1417هـ/1997م.
في«زحلة» رأى رياض المعلوف النور وذلك في عام 1912م كما يقول، ففي واديها نشأ،
وعلى ضفتي البردوني ترعرع ونما. وفي رحاب كل حي من أحياء زحلة سار.
هناك، حيث السهل والوادي، والينبوع والجدول، والتلة والكهف، والصخر والحصى
والتربة، في الأجواء الرحبة، والآفاق البعيدة، في تلك القرية المتواضعة
بمنازلها وغير المتكلفة بحياة أبنائها.
تلك القرية كانت هي الفكر بالنسبة له مولداً ومنشأ، هي دفء الكلمة ملجأ وملاذا،
هي قاموس اللغة أصولاً وأصالة.
في تلك القرية الريفية تنفس خياله شعراً ونثراً، كما تتنفس الطبيعة بفصولها،
سواء ما ابتسم له من فصولها أو اكفهر في كل فصل من فصولها، حتفى من دون تمييز
أو قصور، كما يقول الدكتور/ متري نبهان، فقد عزف على كل الأوتار، وصعد معظم
الألحان، وذلك بفعل المحبة المتفجر بها قلبه إخلاصاً للطبيعة.
لم أجد أديباً من أدباء المهجر تفاعل مع البيئة الريفية بجميع عناصرها تفاعل
رياض معلوف. وقد رسم هذا التفاعل بأدق الصور في كتابيه«صور قروية» و«الريفيات»،
اللذين تعدى فيها الوصف والتصوير إلى رسم النماذج البشرية الريفية وأبعادها،
موظفاً لها كل ما يمتلك من أدوات وطرائق تعبير حتى جاءت بعض موضوعاتها أقرب إلى
المذكرات أو الذكريات. وقد قدم للأول بقوله:«هذه الصور كتبتها بسواد العين، كيف
لا، وأنا شدتني إلى لبنان أواصر الرحم، وحبال الشوق، بعد ما هجرته زمناً،
فراودتني أحلام العودة إلى «زحلة» وواديها، ورحت أستعيد ذكريات الطفولة والصبا
في الأمس الغابر، فكل صورة منها منتزعة من صميمي وحشاشتي وقلبي وستظل هذه الصور
ترافقني طيلة حياتي، إلى أن يطفىء الموت نور حدقاتي ويمحوها..».
من خلال أدب رياض نستشف حبه للطبيعة التي أبدعها الخالق، حيث العذوبة والرقة،
والهدوء والجمال، من غير تكلف أو تصنع أو استهجان أو تزييف فعشقه للطبيعة من
منطلق إنساني بحت، يصل إلى درجة الاغراق في مخاطبة الأرض والتراب،والنبات
والحيوان.
وفيما يبدو أن هذا الامتزاج في المجتمع الريفي، هو الذي جعل منه شخصية مرحة،
حاضرة النكتة والبديهة، خفيف الظل، بارع الحضور، محدث لبق، قد يؤثر العزلة ولكن
بدافع الحذر، صريح في علاقاته الاجتماعية.
ولم يكن للجدية التي اتسم بها الأدب المهجري، وبخاصة لدى أصحاب الاتجاه القومي
نصيب من أدبه، إذ كان بعيداً كل البعد عن الممالقة والمداهنة والتصلف، وغيرها
من صفات قد يكون مبعثها الانسياق إلى حزب سياسي معين تظل فيه أهداف الأدب.وإذا
ماقورن رياض معلوف بغيره من أدباء المهجر وجدناه غير مكثر من الشعر، بل كل ما
صدر عنه جاء على شكل مقطوعات غنائية، ولكنها بشكل أو بآخر ترسم لنا الأطوار
التي مر بها أثناء تكوين حياته الأدبية، كما نقف من خلالها على الفرق الجلي بين
نتاجه في المهجر والوطن، ولاشك أن ذلك الاختلاف من تأثير اختلاف البيئة من جهة،
وتطور شخصيته الأدبية ونموها من جهة أخرى. ففي ديوانه«الأوتار المتقطعة» وهو
باكورة الانتاج تبدو نزعة التشاؤم في شعره، مصطبغة بنظرة سوداوية حيال الوجود،
على غرار نهج أخيه فوزي المعلوف الذي كان التشاؤم سمة شعره، حيث نجد ذلك في قول
رياض.
إيه ربي! خلقت عيني لدمعي
وفؤادي عبدالشقا والعذاب
وخلقت الممات مثل خريف
يفقد العمر في ربيع الشباب
إن نفسي في كف عمري سراج
زيته الدمع من نجيعي المذاب
شحّ دمعي فأخفق النور فيه
كاحتضار الضياء عند الغياب
أما ديوانه«خيالات» فقد حاول فيه الانطلاق على سجيته، والتحرر من التأثر بطرائق
سواه، ولذا نجد إلى جانب نزعة اليأس من الحياة والتبرم منها أخذت تطل في شعره
نزعة التلذذ بمباهج الحياة والإقبال على مسراتها، ويمكن أن يمثل هذا اللون
الجانب اللاهي من أطوار حياته التي تحكي عبث الشباب، حتى ليبدو فيها شيء من
الهبوط الفني المفضي الى السطحية أحياناً على نحو من قوله:
هذه الدنيا لنا/لحبيبي، لي أنا/فتمتع يا حبيبي/فالمنى تتلو المنى/طالما أنت
بقربي/كل شيء هاهنا
وحين تقدمت به السن وآب لوطنه،، وهمدت في نفسه جذوة الصبا ونزق الشباب، تخلى عن
رومانسيته المفرطة في التشاؤم، واتجه بشعره اتجاهاً اجتماعياً، كان- فيما يبدو-
بسبب انغماسه في حياة الريف التي وجد في أعطافها الملاذ الآمن بعد رحلة طويلة
من الضياع والحيرة والتعلق بالمجهول.
وفي هذا اللون من شعره نجد الطرافة في التعبير، في اللفظة والصورة، وهي بلاشك
نابعة عن ذاته العاكسة لمؤثرات تحوطه من معالم وكائنات، حيث نلمح في قصيدة«صباح
الثلوج» غير صورة شعرية ريفية من خلال تساؤله:
أكمام من ياسمين نثير
فوق ريش الحمائم البيضاء
أم شراع على العيون تهادى
إثر تلك العواصف الهوجاء
أمل أبيض أطل علينا
بعد تلك الغمائم السوداء
إلى أن يقول في القصيدة نفسها:
سرت في الثلج مع رفيقة قلبي
في دروب الطبيعة الخرساء
والورود البيضاء تهوي علينا
كنجوم تهوي من العلياء
هكذا الثلج لفّنا برداء
والهوى لفنا بألف رداء
هكذا هو في معظم أشعاره- كما يقول الدكتور/ عمر الدقاق «ذو مزاج انبساطي سمح
يأخذ الحياة من أيسر جوانبها، إنه شعر الأداء الحسي، شعر بطبيعته غنائي الطابع،
فهو أبعد ما يكون فيه عن الروحانية والتأمل الذاتي» ولرياض معلوف دراسات أدبية
وتاريخية استأثرت باهتمامه منها:
1- شعراء المعالقة، اصدار المطبعة الكاثولوكية في بيروت سنة 1962م.
2- الشاعر فوزي المعلوف، المطبعة البوليسية، لبنان 1979م. 3- شاعر«عبقر» شفيق
معلوف. 4- العلامة عيسى«سكندر المعلوف، صدر في صيدا لبنان 1961م. 5- تاريخ فخر
الدين الثاني، المطبعة الكاثولوكية بيروت 1966م. كما صدر له عدة مؤلفات باللغات
الأجنبية منها كتاب- تلاوين- حبات ورمال- الفراشات البيضاء- شعر المرأة والخمر
عند العرب- غيوم.
*
إدارة تعليم منطقة الرياض
------------------------------------------
أضيفت في18/05/2006/ * خاص
القصة السورية / المصدر الكاتب
   

أدباء المهجر .. أرواح ترسم النجاح
بقلم الكاتب: عبد الله بن علي السعد
وقع بين يدي كتاب من تأليف الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي .. يتكلم
فيه المؤلف عن "قصة الأدب المهجري" .. والحقيقة أنني لم أكن قد قرأت كتاباً عن
أدب المهجر أو عن أدبائه ومنهجهم الأدبي .. وكل ما أعرفه عن هذا الأدب هو ما
أراه خلف الشاشات من لقاءات وانتقادات .. أو ما تقع عليه عيناي من مقالات
مبعثرة أو قصاصات من هنا وهناك ، وبعض الدواوين التي سطرها أدباء المهجر .. ولم
يدر في ذهني وقتها أن أتعرض للنص بتحليل أو دراسة .. فقط كنت أقرأ وأتمتع
بالقصيدة كنص أدبي دون أن أشعر أن هذه الأحاسيس كانت تعبيراً عن مشاعر بشر يسعد
في صور السعادة .. ويتألم في صور الألم .. ويحن عند صور الحنين .. أي أنني
أستطيع أن أقول أن الكتاب كان أول شيء أقرأه عن أدب المهجر .
ومع أن الكتاب لم يخلو من أخطاء هي في الحقيقة تمثل وجهة نظر الكاتب
فقط ، وليست رأياً تاريخياً ولا منصفاً ، وأقصد به ما يتعلق بموقفه من الدولة
العثمانية ، ولكن لأن الحديث عن أدب المهجر فلن أشير لهذه النقطة بأكثر من هذه
الإشارة وفيها الكفاية بإذن الله .
الحقيقة أن القارئ سيجد أن الكتاب يشده للتعرف على أدباء المهجر ..
وعلى الوقوف على دواوينهم وقراءة قصص معاناتهم .. بل ربما أخذه الخيال لأبعد من
ذلك فيرى نفسه وقد هاجر من بلده ليستقر في بلد أوربي ويكون لبنة في بناء الأدب
في المهجر .. كل ذلك من أجل أن يسطر روائع ما كتب هؤلاء الرجال في وصف أحوالهم
وغربتهم وأحاسيسهم وطريقة معيشتهم .
ومن مميزات الأدب المهجري الحنين إلى الأوطان وما أكسب ذلك النفوس
من رقة بدت واضحة في كلماتهم وقصائدهم .. وهذا الأمر هو أول ما سيراه المتأمل
لأي نص لأي أديب من أدباء المهجر .
ولكن بالجملة لحظت في هذا الكتاب أمرين .. لا يخصان الكاتب وإنما
يتعلقان بفكرة الكتاب وهي الأدب المهجري وأدبائه .
الأمر الأول : يتعلق باللغة العربية .. كم هي قوية هذه اللغة في
تعبيراتها حتى أنك تقرأ بعض الأبيات فتشعر أنك تقيم معهم في البرازيل .. أو
تقرأ وصفاً فتظن أنك على موعد في نيويورك .. وكم ستتخيل رجلاً يسير وحده في
الغابات يبحث عن موطن يستقر فيه .. أو تراه وهو يختبئ في سفينة في عرض المحيط
.. ثم تتخيل لحظة وصوله إلى ميناء مجهول وعليه أسمال بالية وبقايا كسرة في
حقيبة مهترئة .
وتساوى الجميع في التعامل مع هذه اللغة بغض النظر عن ملته .. وفي
هذا أعرض لكم نموذجاً لبعض الكلمات كتلك التي أطلقها جبران "خذوها يا مسلمون
كلمة من مسيحي أسكن يسوع في شطر من حشاشته ومحمداً في الشطر الثاني .. إن لم
يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوه الداخلي فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في
قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء" .
ورتل القرآن وبكى قائلاً : "ويل لكم أيها المسلمون .. أتذل أمة بين
يديها هذا الكنز الثمين .. ويستعمر شعب يملك هذه القوة والعظمة" .. وأعادتني
هذه المقاطع إلى إعجاز هذا الدين في تحدي العرب بهذه اللغة القوية .. وعجز
العرب أن يأتوا بمثل آية من كتاب الله وهم أهل البيان واللغة .. وأهل الوصف
والتعبير .
الأمر الثاني : يتعلق بالأدباء .. ظهرت عدة مميزات في تلك الطبقة من
الشعراء تجعل المرء يتأمل في إعجاب الصورة النادرة من قوة العزيمة التي أعطتهم
هذه القوة وأوصلتهم إلى هذه المنزلة .. وكيف وصلوا واستقلوا بأدبهم .. ثم كيف
قاموا وفي سنين قليلة بوضع علماً ومرحلة من مراحل تاريخ الأدبي المعاصر .
-همة في التميز في تحقيق الأهداف .. بدا هذا الأمر من خلال
نجاحهم وهم الأقلية الغرباء الذين وصلوا إلى بلد غريب في لغته وعاداته ، لا
يملكون قيمة وجبة يقتاتون بها .. ولا يعرفون مكاناً يأوون إليه .. ثم يصبحون
أرباب التجارة والصناعة في تلك الدول .
-قدرة على الوصف .. سواء الوصف المادي الذي سلكه البعض لوصف
الأماكن أو الأشياء .. وكان ذلك في فترات ولادة المهجر تغير الكثير من الأشياء
المحيطة بهم في سرعة تستدعيها النهضة الصناعية في تلك الدول . أو من خلال وصف
المشاعر والتعبير عن صورة حب للوطن نادرة حقاً .
وهم بهذه الصور الرائعة نقلوا لنا جانبين .. الأول يتعلق بالماديات
والثاني يختص بالمعنويات .. وهي بلا شك متوفرة من قبل في الشعر العربي .. ولكن
ولطبيعة البلاد هناك فقد أثروا الأدب بمزيد من صور الجمال وبلاغة التعبير ..
ودقة الوصف .. ويستطيع كل ناظر إليها مطلع عليها أن يستفيد منهم حال خوض تجربة
كتابية مشتبهة .
-تميزاً في الإبداع .. وذلك من خلال طرق مجالات الثقافة
الأدبية المتنوعة كالقصة والقصيدة والمقال .. وتجديد فنون الأدب والوصف .
والقوة في التعبير يغذي ذلك الحنين الجارف إلى مواطنهم الأصلية .. مع الوفاء
لها والاعتراف بحبهم لها ومكانتها في نفوسهم.
-خلق أجواء مناسبة لهم .. تمكنهم من التعايش مع كل المعطيات
المحيطة بهم ، ومن ثم التغلب على المؤثرات والظهور بقوة في مجتمع غير مجتمعهم
وثقافة غير ثقافتهم .. مع تقنين هذا التواجد .. وذلك من خلال التوثيق الإعلامي
بإصدار مطبوعات دورية تعبر عن حاجاتهم .. ومن خلال إنشاء أربطة أدبية عربية في
دول غير عربية .. يلتقي فيها كل الناس من كل مكان لا يجمعهم رابط سوى رابط
القومية والحنين إلى العروبة .. وكم نحتاج إلى إعادة دراسة هذه الظاهرة الفريدة
الرائعة من زاوية جديدة .. ومحاولة الاستفادة منها في توجيه الطاقات الإسلامية
المنتشرة في كل مكان في العالم .. والبعد عن التعصب المذهبي والخلاف القائم ليس
بين المذاهب فحسب ، بل بين أتباع المذهب الواحد .. مع تجاوز السلبيات التي وجدت
فيها ، والتي لابد أن توجد بسبب التباين في طباع البشر .. ولا ننسى أن لكل أمة
من هذه الأمم صفات ومؤهلات ولذلك فمسألة وجود السلبيات ، أو التنوع في القرارات
والخلاف في وجهات النظر مسألة طبيعية .
------------------------------------------
أضيفت في24/05/2006/ * خاص
القصة السورية / المصدر الكاتب
   

قراءة في أدب الحنين
مهاة
فرح الخوري مسيرة نبل وعطاء
بقلم: مجموعة باحثين
* من قلب يحس بالمأساة وعظمها أتكلم اليوم، من حنين وشوق إزاء أصدقاء وأهل
وأبناء يبتعدون بالجسم، يتوارون عن النظر أتطرق للبحث الذي اخترت بمحض إرادتي،
وبرغبة جامحة في النفس.
من حرقة قلب، وفكر يحلق أبداً إلى الأراضي البعيدة، إلى ما وراء البحار، مما
أسمع ومما أرى ومما أحس، أنطلق اليوم وإياكم ببحث لعله يلبي مشاعر الحضور
الكريم وشيئاً من أفكاره أسعى في هذه الأمسية أن أكون مرآة لصفاء قلوب أخوة
وأصدقاء. أقول انعكاساً لما يراود النفس لدى الكثيرين...
يخال إلي اليوم أن المجتمع الذي أنا فرد منه، أنتمي إليه، يلهج حالماً بما يدعى
"البطاقة الخضراء"
Green Card.
يخيل إلي أن هذا المجتمع انقسم بين من حصل على البطاقة تلك وبين من سيحصل عليها
عاجلاً أو آجلاً. أما هذا الذي لم يفكر فيها أو لم تخطر على باله، فغدا على
هامش بيئة معينة.. أو مجتمع مختار.
هذا الحلم، يراه بعضنا جميلاً، يتحقق لدى بعضهم، يبقى مجرد حلم لدى أناس
كثيرين.
هذه السعادة، البطاقة الخضراء، العنقاء، أسطورة الأساطير، خرافة الجمال،
العجيبة الخارقة، إنها الحبيب المنتظر، لؤلؤة في قاع البحر.
على الأرصفة مع بدء ساعات النهار الأولى، ننتظر بزوغ الفجر، وإطلالة الشمس إلى
الظهيرة غالباً، أمام الأبواب الموصدة حيناً والمستقبلة بحذر أو بتردد أحياناً،
ننتظر أياماً طوالاً، سنوات عجافاً.. لم لا؟ هي حديث الأحاديث، جائزة
المتسابقين، إنها تقليعة العصر.. العدوى سارية لا محال..
هي مصدر السعادة، إذا حصل عليها المرء فقد قبض على ربة الجمال والعز. البطاقة
الخضراء... بها نقطع البحار فنستقر.. نحلق في الأجواء ونحل، بل نترك المعلوم...
لندرك المجهول..
لكن! هي ليست دائماً للسفر والابتعاد...
هنا وضعت في أدراج محكمة الإغلاق، هناك في صندوق حديدي مع قطع المجوهرات، هناك
هناك تشكل للحفاظ عليها، حجة مشروعة لإقناع النفس والغير، بالذهاب والإياب..
رحلة سنوية إلى ما وراء البحار، لا بد منها..
هي تصبح سبب زواج أقول (مهر أو نقد)، موفق تارة، موصل إلى الطلاق طوراً، هي سبب
ابتعاد مؤقت للزواج عن زوجه وللأم أو للأب عن أطفالهما..
كيف تصبح الحقيقة وهماً؟ والاستقرار قلقاً؟ يا إلهي إلى أين نسير؟ وإلى متى
نواصل السعي؟ كيف يصبح المجهول أقرب إلى النفس وأحب إلى القلب من المعلوم؟ لعل
لهذا أسباباً حقيقية واقعية حيناً وأسباباً وهمية أحياناً تدفع بالإنسان إلى
التخلي عما يعرف ويحب، واللجوء إلى ما لا يعرف، قد يحب وقد يكره. إذ لا يمكن
لأي منا أن يحب مسبقاً ما لا يعرف.
مع ذلك فالحصول على البطاقة الخضراء هي بشرى سعيدة نبثها للنفس وللغير. نبثها
أحياناً بشيء من السرّية ـ بفرح عظيم.
لست اليوم بصدد العودة إلى التاريخ القديم ولا إلى الهجرة بكل أنواعها... فمن
أرض إلى أرض قريبة،منتقلين رحلاً بحكم ظروف حياتية زراعية، من مجتمع البداوة
إلى المجتمع الحضري، من القرية إلى المدينة، من مدينة إلى مثيلتها، من بلد إلى
بلد عربي مماثل، أكثر غنى، من هنا إلى ما وراء البحار، لست بصدد إيجاد حل
لمشكلة مستعصية منذ أقدم الأزمنة.. ولا التحري عن أسباب الهجرات المتلاحقة عبر
التاريخ.
هل الهجرة طابع يختص بنا نحن؟
إن التنقل نزعة طبيعية لدى كل إنسان، بل إنه غريزة من غرائز المرء. يحب الجديد
يتوق إلى الاكتشاف، ويفتش عن المجهول.
"سافر ففي الأسفار خمس فوائد"
وعلم وآداب وصحبة ماجد
تفرّج هم واكتساب معيشة
سبقنا اليونانيون، فهم أول من هاجر من بلادهم للاستقرار بعيداً، ولم يتردد
الإسبانيون في ولوج أنحاء أوروبة، أما الأمة الأرمنية فقد زحفت إلى أراضي الله
الواسعة.
هناك في القارة البعيدة في أوستراليا، أو في "فان كوفر" غربي كندا أو في أميركا
الشمالية تجد أعداداً لا يستهان بها من الرعايا اليونانيين، ولا بد من ناد
هيلليني في كل مكان وفي كل مدينة من مدن أوستراليا أو غيرها، يتجمع الرعايا
اليونانيون فيه يبعثون عادات اليونان وتقاليده، ترضع الأم ابنها مع حليبها
اللغة اليونانية والتراث التاريخي والشعبي.. والأرمن أيضاً وأيضاً، لا يختلفون
عن اليونان بهذه الأمور.. فالشعوب تتماثل وتتشابه.. وغريزة التنقل والهجرة
طبيعية لدى كل إنسان. ونحن لماذا نكون على نحو آخر.
إنني والكلمة العربية "هجر" ضدان. فلا أحب ترك الشيء أو الإعراض عنه، ولا
أستسيغ هجر الزوج لزوجه، مهما كانت الأسباب، ولا هجر الأرض ولا مشتقات هذا
الفعل، كهجرة الأدمغة وغير ذلك.. كما وأنني أنفر من فعل غرب ومشتقاته اغترب
وتغرب، حبذا لو لم أجدهما في المعاجم اللغوية، حبذا لو يبطل استخدامهما..
وينزعا عن ألسنة الناس.
يحن المرء إلى بيت أجداده، إلى البيت الذي ولد فيه، نشأ وترعرع، مهما أحب
الجديد، فإنه يتكلم بشغف عن بيت الطفولة.. يحن إلى الحي القديم الذي نشأ فيه.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل
تحضرني هنا قصة ميسون الكلبية، شاعرة من شواعر العرب تزوجها معاوية بن أبي
سفيان، نقلها من البدو إلى دمشق وأسكنها قصراً من قصور الخلافة فكانت تكثر
الحنين والتذكير بمسقط رأسها. سمعها معاوية تنشد قصيدة أقتطع منها الأبيات
التالية:
ولبس عباءة وتقر عيني
أحب إليّ من لبس الشفوف
وبيت تخفق الأرياح فيه
أحب إليّ من قصر منيف
وأكل كسيرة من كسر بيتي
أحب إلي من أكل الرغيف
فما كان من معاوية إلا أن أطلقها وطلب منها أن تلتحق بأهلها..
إذا كانت قصة شاعرة العرب قديمة ألا يطالعنا كتاب المهجر وشعراؤه بما يشبهها من
بعيد أو من قريب؟
مهما طال ابتعاد الإنسان عن بيته، عن وطنه، ومهما اندمج في مجتمعه الجديد فإن
هذا لا يحول دون الحب والحنين والإخلاص والوفاء للبلاد.
فالمسافات البرية الشاسعة، البحرية، الأجواء الواسعة التي تفصل بين جسم الإنسان
وبين قلبه العالق في تربته، وبين فكره المحلق أبداً إلى أرضه، هذه المسافات
إنها لعمري تزيد المرء تعلقاً وتؤجج فيه عواطف وأحاسيس متميزة، لأنها امتزجت
بحضارات وثقافات متنوعة.
لماذا الهجرة؟ ما هي أسبابها؟
بدأت الهجرة في بلادنا في النصف الثاني أو الربع الأخير من القرن التاسع عشر
وكان لها أسبابها في بلاد الشام قاطبة. إذ ابتليت هذه البلاد باحتلال عثماني
خلال خمسة قرون ذاق فيها الشعب العربي ما ذاق، من صنوف العذاب والتجهيل
والإفقار والتشريد. يضاف إلى ذلك التمييز الذي فرض من قبل العثماني بين الجنسية
وبين التبعية بين دين وبين دين آخر.
فلم تخل مدينة ولا قرية ولا حتى بيت من الهجرة ـ هذه لا خيار بينها وبين حل آخر
ـ إما هي وإما تحمل ما لا يُحمل من استبداد وقمع وجور.. كم وكم من أهلنا غادر
البلاد هرباً من الخدمة في الجيش العثماني من "السوق" هذا علاوة على فرض
الضرائب الباهظة التي كانت تجبى من فئة دون أخرى وعن طريق "متعهدين" همهم
الإثراء.
كم عانى هؤلاء للحصول على "الناولون" بطاقة السفر في باخرة شحن غالباً، أربعون
يوماً من العذاب للوصول إلى شاطئ السلامة.. إلى أرض "كريستوفوروس كولومبس.
لم تكن البطاقة الخضراء ولا ننسى "سفر برلك" واسطة لجنسية أو إقامة.
عبّر جبران خليل جبران عن انسلاخ الإنسان من جذوره، بغناء شعبي حزين يدور حول
"وصف المركب الجاثم على الميناء، ينذر صفيره بالرحيل، فتتمزق القلوب مع صوت
الصفير، والفراق الذي لا خاطر للمغترب فيه".. إنه مرغم على الرحيل.
أما معاناة المغترب لدى وصوله وصعوبة الحصول على سبل العيش و"الكشة" التي كانت
حلاً لا مفر منه لغالبية المغتربين في بدء حياتهم، فقد تركت في نفوس أكثرهم
أثراً ذكر في جل عطاءاتهم.
كذلك لم يقف المهاجر مكتوف الأيدي في بلاد الغربة بل كافح هناك إلى جانب أخيه
الذي بقي على أرضه. بنى كياناً لنفسه. أنشأ المنظمات والمؤسسات، والصحف،
المجلات، النوادي ومراكز لقاءات وتجمعات.
تمسك الإنسان السوري بشدة بلغته العربية، كان فخوراً بغناها وفعلها كوسيلة
للتعبير عن الفكر و قد جاء في كتاب الأستاذ فيليب حتي "السوريون في أمريكا" ما
يلي:
"ما زال الجيل الأول من السوريين ينظر إلى اللغة العربية نظرة تقرب من التقديس
ونفوسهم لا تهتز إلا لدى سماعها. وهم يتطلعون بشغف إلى خطيب عربي يخطب بينهم
بلغتهم الأم وما فيها من غنى وموسيقى، ولا يجدون مبرراً أن يحاضر خطيب بأية لغة
أخرى".
أريد أن ألفت الحضور الكريم إلى قول "حتي" هذا يشمل المغتربين المغادرين من
سورية الطبيعية، لا سورية كما هي اليوم في حدودها الجغرافية المصطنعة.
تحضرني قصة من الواقع جرت في أقصى جنوب الشيلي، نشرت في مجلة المسرة الصادرة في
بيروت.
حين وصل البطريرك مكسيموس الخامس حكيم إلى تلك البلدة النائية في جنوب الشيلي
في يوم أحد، راح يقيم قداساً في كنيستها الصغيرة. ولم يكن هناك مصلون قط.
ما أن أنهى الصلاة حتى شاهد في زاوية الكنيسة رجلاً مسناً يجهش بالبكاء. اقترب
منه وسأله باللغة الإسبانية عما به. أجابه الرجل باللغة العربية قائلاً:
"أصلي سوري، اغتربت منذ ستين عاماً، وانتهى بي الأمر إلى هذه القرية الصغيرة،
واليوم ما أن علمت أن قسيساً عربياً يقيم قداساً هنا حتى أتيت ليسرّ قلبي بسماع
اللغة العربية، التي فقدتها منذ اغترابي.. غمرني الفرح إلى درجة البكاء بهذه
الصلاة، وأنا مسلم"..
إنها لعمري قصة تعني ما تعني من التعلق باللغة كوسيلة حب وحنين للأرض.
قبل أن يلج الولايات المتحدة أبناء سورية، استقبلت الشعوب الأوروبية التي هاجرت
تحت ضغط الاضطهاد الديني، الضيق الاقتصادي، كبت الحريات وقساوة العيش.
بالنسبة إلى بلادنا حدثت هجرة واسعة إلى الأمريكيتين علاوة على مصر وإفريقيا
وآسيا وبقاع غيرها من بقاع الأرض. قدّر عدد المهاجرين بمليون شخص أي بثلث سكان
سورية في أواخر القرن التاسع عشر.. عدد لا يستهان به.
لم أعثر على القوانين الأميركية السائدة آنئذ والناظمة لاستقبال الغرباء
وإقامتهم.. لم تكن بكل الأحوال البطاقة الخضراء، كما قلت. أجهل جهلاً تاماً كيف
حصل هؤلاء بسهولة على الإقامة والجنسية والعمل إلى ما غير ذلك.. لكن لا بد من
الاعتراف بفضل تلك البلاد التي أتاحت البقاء للمهاجرين أذكر على سبيل المثال لا
الحصر، أميركا الشمالية، كندا، الأرجنتين، البرازيل، كولومبيا.. إلخ، وكانت هذه
البلاد إضافة إلى تدني نسبة الكثافة السكانية لديها، قدرت الأوضاع السائدة
وفتحت صدرها للمظلومين. لم يكن ثمة حل بديل.
بيد أنه في عام 1921 عقد اتفاق فيما بين فرنسا بوصفها دولة منتدبة ممثلة
بالجنرال
Gouraud
وبين الولايات المتحدة الأميركية ممثلة بقنصلها
Knabenshue
حول الاعتراف بالجنسية الأميركية الممنوحة لرعايا الدول تحت الانتداب، مفادها
أن الجنسية الأمريكية لا تمنح إلا بعد إقامة خمس سنوات في الولايات المتحدة،
ولا يعترف بها إذا ما حصل عليها بطريق الغش. وأن مفعول الحماية الأميركية ينتهي
مبدئياً إذا ما أمضى المشمول بها سنتين في بلده الأصلي، إلا إذا كانت هنالك
ظروف خاصة وقاطعة تقبلها ـ نادراً تزيل الحكومة الأميركية، قرينة الهجرة (من
أميركا). يعرف هذا الاتفاق باسم "اتفاق
Knabenshue Gouraud".
بكل الأحوال، فإن الظروف المحيطة بتلك الآونة، والشكل الذي خرج به أهل البلاد،
وأحوال المهاجرين المادية جعلت عودة المغتربين إلى بلادهم متعذرة بل مستحيلة.
جلهم قضى دون أن يطفئ جذوة الحب والحنين، ومنهم من تحققت أمنياتهم بالجيل
الثاني. كثيراً ما تردد على مسامعي في يفاعتي، بل كثيراً ما تساءلت؟ لماذا لا
يزورنا من أميركا إلا المسنون؟ كنا نضحك لهذه الظاهرة.. لقد فاتنا في تلك
الآونة أن ندرك ما حل بالمغتربين، العذاب الذي عانوه والشدة التي حلت بهم
لإدراك ما وصلوا إليه، فاتنا أن في شبابهم كانت العودة لزيارة بلادهم متعذرة بل
مستحيلة.
إننا نعرف حق المعرفة أن أغلبية المغتربين، من بسطاء الناس إلى المتعلمين، إلى
الأدباء والشعراء، إلى الفنانين العازفين، حملة الناي والعود والقانون، إلى
الأطباء والمهندسين والعلماء.. حملوا أبواقهم منشدين نشيد الحب، بعثوا بكلمات
الحنين، ذرفوا دموع الشوق، عبّر كل حسب هواه.
منذ مدة وجيزة عاد طبيب سوري معروف رجلاً مسناً شبه مقعد، كان هاجر من مدينة
حمص منذ زمن بعيد وقطن في إحدى الولايات الأميركية.
ما أن سأله الطبيب عن أحواله حتى أجابه: تعال وانظر من هذه النافذة.. كل ما
تراه حولي ملك لي.. هذه الأطيان والأبنية والسيارات.. وأنا على استعداد
للاستغناء عنها برمتها لقاء نظرة ألقيها على الحجر الأسود في حمص ـ وأجهش
بالبكاء..
بهذه البساطة عبّر رجل الأعمال الغني.
ما الفرق بين هذا التعبير البسيط وبين ما أنشده الشاعر نسيب عريضة في قصيدته
"أم الحجار السود" مما قال:
يا دهر قد طال البعاد عن الوطن
هل عودة ترجى وقد فات الظعن
عد بي إلى حمص ولو حشو الكفن
واهتف أتيت بعاثر مردودِ
واجعل ضريحي من حجار سودِ
شعراء المهجر وأدباؤه تطرقوا إلى الأجناس الأدبية المتنوعة واستحقوا اهتماماً
كبيراً من كتابنا وأدبائنا الذين أفردوا لهم دراسات عديدة. فصدرت الكتب
والمجلات التي قومت الشعراء ونتاجهم والأدباء وكتاباتهم. أذكر على سبيل المثال
لا الحصر سلسلة قبسات من الأدب المهجري للأستاذ نعمان حرب الذي اهتم بشعراء
البرازيل بصورة خاصة. ومجلة الثقافة التي صدرت بأعداد خاصة بالأدب المهجري
المعاصر وكان هدف الأستاذ مدحت عكاش صاحبها ورئيس تحريرها في إصدارها دحض
الافتراءات التي أنكرت على أدباء المهجر أدبهم ورفض الاتهامات التي ألصقت بهم
كالعقم والبعد عن الأصالة، وكتاب "التجديد في شعر المهجر" تأليف محمد مصطفى
هدّارة و"العروبة في شعر المهجر" لفريد جحا و"الأدب المهجري" و"نظرة إجمالية في
الأدب المهجري" لعيسى الناعوري و"أدب المغتربين" لإلياس قنصل "المغتربون العرب
في أمريكا الشمالية" للدكتور جورج طعمة. يخصص فصلاً فيه لأدباء المهجر، يعتبرهم
ظاهرة فذة.
ولست بصدد تعداد ما كتب عن جبران بشكل خاص، ما هي رسائله إلى مي جمعتها الأديبة
السيدة سلمى الحفار الكزبري.. بجهد كبير يستحق منا وقفة وتأملاً، ويكفينا أن
نطلع على كتاب "جبران في آثار الدارسين" للأستاذ يوسف عبد الأحد.. لندرك حجم ما
كتب جبران وما كتب عنه فكتاب عبد الأحد أشبه ما يكون بمعجم يحتوي كل ما كتب عن
هذا الفيلسوف لعام 1981.. ومن أهم الكتب التي صدرت عن جبران مؤلف ضخم في
الإنكليزية "خليل جبران حياته والعالم" تأليف جان جبران و"خليل جبران" تزينه
مائة صورة في حياة جبران.
أما مؤلف جورج صيدح "أدبنا وأدباؤنا في المهاجر الأميركية" فقد أعيدت طباعته
مرات عديدة، وهو سفر ضخم أرّخ حياة المهاجرين العرب، والأدباء والشعراء،
الأحداث الوطنية، النكبات التي حلت بالبلاد.. فلكل هؤلاء الفضل في إبراز الحركة
الأدبية ولهم منا الولاء والشكر.
إذا كان بعض الكتاب والنقاد قسموا الشعر المهجري إلى شمالي وجنوبي وجعلوا لبعضه
خصائص وامتيازات عن البعض الآخر، من حيث الشكل والبنية الشعرية والأصول
والقواعد، والوزن والبحور والبيان والبلاغة، فإنني أرى أن الموضوع والمعنى
والعمق لا تختلف كثيراً من مغترب إلى آخر في الشمال عاش أم في الجنوب، فالحنين
واحد وإن اختلف الشكل، والحب أبدي وإن اختلف الوزن، أليس الشعر المهجري وأدب
الحنين خلقاً، إبداعاً منحى جديداً في الأجناس المعروفة قديماً وحديثاً؟
فالمسافات البرية، البحرية، والأجواء الواسعة التي تفصل بين جسم الإنسان وبين
قلبه العالق في تربته وبين فكره المحلق أبداً إلى أرضه، وأهله، هذه، إنها لعمرى
تزيد المرء تعلقاً وتؤجج فيه عواطف وأحاسيس متميزة. ألا يذرفون الدموع لكل
كارثة تلم في بلادهم؟ في أوطانهم؟ ألم تستحق فلسطين منهم صفحات بل دواوين؟
وكما قال صيدح "توخّى أديب المهجر أن يهز القلوب قبل أن يهز العقول أما أنا
فأرى أنه بالبعد تتجلى المحبة الكامنة الحقيقية فتنجلي بأشكال عديدة، محبة
منزهة عن المصلحة والمسايرة، لا شائبة فيها، المنزهة عن السعي لولوج مراكز
ومناصب فيها المغريات والعطاءات.. محبة إنسانية صافية...
أنشأ أبناء بلاد الشام ما أنشؤوا من رابطات وجمعيات: فمن "الرابطة القلمية"،
عميدها جبران خليل جبران إلى "رابطة مينرفا" في نيويورك إلى "العصبة الأندلسية"
في الجنوب مؤسسها ميشيل معلوف وتولى رئاستها، ثم خلفه الشاعر القروي ـ لا بد من
وقفة قصيرة عند هذه العصبة، فاسمها يدل عليها إذ تأثرت بالأدب والشعر
الأندلسيين وقد فسر حبيب مسعود معنى تسمية العصبة الأندلسية بقولـه "إنها
التيمن بالتراث الغالي الذي تركه العرب في الأندلس"...
أما في عالم الصحف والمجلات، فإنها تعد بالعشرات في الأمريكيتين.. أذكر منها
على سبيل المثال، صحيفة "كوكب" أول صحيفة يومية تصدر بالعربية في نيويورك وكان
ذلك عام 1892 أنشأها الدكتور نجيب عربيلي، تلتها "مجلة الثقافة"، "الفنون"،
"مجلة الرابطة"، "جريدة السائح"، "مجلة المواهب"، "العلم العربي"، "مجلة العصبة
الأندلسية"، "المراحل"، "النشرة الأرثوذكسية" إلخ...
كانت كلها بلا شك الناطق السياسي الأدبي العاطفي الوطني لشعرائنا وأدبائنا، كما
ساعدت على المحافظة على اللغة العربية وأدبائها. علماً أنه كانت لها سلبياتها..
أيضاً. فقد عكست الفردية والأنانية لدى بعض المغتربين وتعذر التعاون فيما بين
أبناء الوطن الواحد وقد قيل إنها كانت سبباً لإثارة مشاعر طائفية، وعائلية
وإقليمية، أدت إلى خلق فتنة بين أفراد الجالية في نيويورك عام 1904.
وقع على أثرها عدد من الجرحى، تطلب ذلك تدخل البوليس الأميركي ونشرت الصحف
الأميركية الكبرى أنباء الحادث.
وقد علق المؤرخ الأب قرطباوي على سلبيات تعدد الصحافة بما يلي: "غير أن صحافتنا
السورية نظير تجارتنا وسائر أحوالنا الأخرى يوجد فيها محل للإصلاح والرقي. ولو
لم نكن نكتب للتاريخ لكنا نتحاشى ذكر الأمور المحزنة التي حدثت بين السوريين
عام 1904. وقد أضرّت بأحوالهم وأشغالهم، وكبّدتهم من النفقات التي لو صرفت في
سبيل معهد علمي أو أي مشروع آخر لكانت أبقت لهم ذكراً حسناً خالداً... "ويوقع
الأب قرطباي اللوم على أصحاب الجرائد وأرباب القلم، فهم أول من أوقد جذوة تلك
الخصومات والقلاقل بين أبناء الوطن الواحد بينما هم أحوج ما يمكن إلى النظام
والتكافل في ديار غربتهم...
أدباؤنا وشعراؤنا وصحفيونا كثر، فمهما عددت ومهما ذكرت لا يمكنني أن أحيط بهم
وأن أوفي أياً منهم بعض حقه.
لم يتعدّ بحثي هذا محاولة إبراز التشابه أو المقارنة فيما بينهم في الحنين إلى
الأهل والوطن وفي الحب لديهم الذي هو نبع لا ينضب وبهذا لست مع التسلسل الزمني
لهجرة كل منهم لبقائه، لبدء إنتاجه، وعطاءاته.
* إذا ما أنشد المطران فيليب صليبا على متن الطائرة التي حملته إلى دمشق،
قالوا: تحب الشام؟ قلت جوانحي
مقصوصة فيها وقلت فؤادي
* فإن جورج صيدح قد أنشد:
وطني ما زلت أدعوك أبي
وجراح اليتم في قلب الولد
هل درى الدهر الذي فرقنا
أنه فرّق روحاً عن جسد؟
* أما إيليا أبو ماضي فيقول بهذا الصدد:
أنا في نيويورك بالجسم وبالـ
ـروح في الشرق على تلك الهضاب
أنا في الغوطة زهر وندى
أنا في لبنان نجوى وتصابي
قال أيضاً أبو ماضي:
اثنان أعيا الدهر أن يبليهما
لبنان والأمل الذي لذويه
نشتاقه والصيف فوق هضابه
ونحبه والثلج في واديه
وطني ستبقى الأرض عندي كلها
حتى أعود إليه أرض التيه
سألوا الجمال فقال: هذا هيكلي،
والشعر: قال بنيت عرشي فيه
* وشاعر الثورة الفلسطينية حنا جاسر بنفس الموضوع: بعنوان "من خلف البحور"
قلبي إلى وطني يحن... ينوح.... من خلف البحور.
يبكي بكاء اليائسين، فلا عزاء.. ولا سرور.
أواه... لو يصل النحيب إلى مسامع قريتي..
لشكوت أحزان النوى، وبثثت جمرة لوعتي..
لكنما شكوى الغريب تذوب في صخب الهدير..
* وميخائيل نعيمة، أنشد في شبابه قصيدة بعنوان أخي، يقول فيها:
أخي، من نحن لا وطن ولا أهل ولا جار
إذا نمنا، إذا قمنا، ردانا الخزي والعار
فقد خمت بنا الدنيا، كما خمت بموتانا
فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقاً آخر
نوارى فيه أحيانا"
* أما فوزي المعلوف فقد أنشد:
قسماً بأهلي لم أفارق عن رضا
أهلي، وهم ذخري، وركن عمادي
لكن أنفت بأن أعيش بموطني
عبداً وكنت به من الأسياد
سبب هذا الرفض هو المعاناة الشديدة من جراء الاحتلال.
* وقال الشاعر زكي قنصل في الحنين أيضاً:
حتام أخنق غصاتي وأنتظرُ
طال الطريق وأوهى عزمي السفرُ
جارت عليّ النوى واستنزفت كبدي
فكيف يضحك في قيثارتي وترُ؟
أنّى التفت رأيت الأفق معتكراً
أفي سمائي، أم في مقلتي الكدرُ؟
رأى قنصل أفق الغربة معتكراً، هل بسبب اعتكار النفس لبعده عن وطنه وأهله؟
* ومما قال عبد اللطيف يونس حول ذكرياته المغردة في رحاب بيته:
أيها البيت لا عدمتك بيتا
|