الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 15/06/2008

دراسات

دراسات في أدب المرأة في العالم العربي4

 

   
   

النعامة الرقابية العربية

نساء يشبهن الماء

أدب المرأة بعيداً عن الاحتفالية

وراء كل عذاب امرأة رجل

أدب المرأة والمرأة السعودية

قراءة بين السطور في قصة (الأوبة) للكاتبة: وردة الصولي

 

 

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النعامة الرقابية العربية

أو حين يتحول النص الايروتيكي إلى بعبع

 

بقلم الكاتبة:  كلاديس مطر

 

 

لم يكن في نيتي ان اكتب عن النصوص الايروتيكية وما لها وما عليها ... ولم يكن واردا ان أرى اسمي بين عناوين مثيرة للجدل و للاخذ و الرد ..فهذا عالم لا اعرف كيف ادخله و لا اعرف كيف اخرج منه سالمه ...! ولأني امرأة فان الإشكالية اعقد و سوء الفهم اكبر. ليس هذا فقط ، فلقد كتبت الكثير عن الأدب النسائي الجريء الذي لا يفعل شيء سوى الصدمة المتأتية عن عرض العضلات اللفظية ومراكمتها من دون أي داع روحي أو فني أو اختباري ،فقط لان صاحبته تريد ان تنطلق في عالم الأدب معولة على لقب ( كاتبة جريئة ) و ذلك بغض النظر ان كانت هذه الجرأة قد وصلت الى حد التشريح لظواهر المجتمع المرضية الجنسية و تقديم الحلول من اجل تبديل القائم و دفعه في ركب افضل و احسن . كما انني هاجمت مترجم معروف لنصوص أجنبية جنسية لم اجد فيها إلا مرادفات  محضة لأسماء جنسية و شتائم من دون أي رابط بينها ومن دون أي توظيف فني ...أو حتى عمق روحي ..و رأيت اننا عبيد للغرب حتى في اختيارنا لنصوصه و كأن ما تخطه (أياديهم)  أيا كانت هذه  الأيادي لهو منزل أيضا مثلة مثل كتبنا المقدسة . و تساءلت لما هدر الوقت في ترجمة حوار جنسي  بين رجل عابر و مومس في لحظة من لحظات الزمن الهارب اذا لم يكن الحوار ( أيضا ) كاشفا لأزمتيهما معا و اذا لم تكن هذه الازمة تأريخا للفترة الزمنية التي تشكل خلفية لوجودهما معا ، و اذا لم يكن الحوار إنسانيا بمعنى قابل للحدوث و واقعيته هي فنيته بالذات !!

و لا اخفي ايضا ، أنني اختلفت مع  روائي مميز و مجتهد و معروف حول نص مشترك بيننا فقط لأنني لم اجد في توصيفه للفعل الجنسي أي بعد فني و إنما وجداته فجا ، محضا من دون أي حد أدنى من الصياغة الشعرية و كأننا نقرأ في مجلة جنسية رخيصة !

و فوق هذا و ذاك ، لن يعثر القارىء في كتبي و نصوصي  على أيه آثار ايروتيكية بالمعنى المتعارف عليه للكلمة و إنما هموما اخرى كانت تنقر شبابيك روحي من اول يوم كطيور الشؤم في شرقنا العربي المتألم هذا .

لكني ، قرأت في ساعة من ساعات الزمن الغاضب ، ان ديوان الشاعرة الأردنية منى طاهر ( أصابع ) قد تم منعه من قبل وزارة الثقافة لاحتوائه على ألفاظ جنسية خارجة عن الحياء و منافية للدين .

لست ممن سمعوا بمنى طاهر من قبل ، و لم اقرأ ديوانها ابدا ..و لكني توقفت عند الخبر كثيرا !! و فكرت ، ترى كيف يستطيع الأدب ان يتحدث عن الجنس و  مشاكله و تداعياته بلغة الإحصاء و البحث المقبولة و المباركة كما هو الحال في تقارير الامم المتحدة و منظمة الصحة العالمية و الهيئات  و الجمعيات اللاحكومية لكي يحظى بمباركة قلم الرقيب ! لم ترعب الشعرية و التناول الفني للجنس الموظف جيدا الرقابة العربية !!!

اليس الجسد البشري حالة ثقافية بكل ما للكلمة من معنى ! أليس هو ابن بيئته و ابن القوانين الاجتماعية و الفكرية التي تتحكم في هذه البيئة و هو ، لهذا ، حالة ثقافية متكاملة تتبدى فيها كل المتغيرات و المتحولات التي تطرأ على بينان المجتمع خلال حركة الزمن و صيرورته !

أليس للجسد  شيفرته الخاصة التي يجب على الأدب أن يعبر  عنها في أشكاله كلها ، و ان  يفكها و يترجمها  من اجل المزيد من  الكشف عن علم تشريح لا الجسد البشري  فحسب و إنما أولا النفس الإنسانية التي تقود هذا الجسد و تحركه !

الحق ، لا يستطيع الأدب ، من بين مهامه الاخرى ، ان يقف على الحياد فيما يتعلق بأمر يعتبر على هذه الدرجة الرحمية ، الشديدة الصلة بالذات الإنسانية ، و ليس يقبل ان يحيد مواقفه و رؤاه و جهات نظره و ان يتجاهل هذه الأداة – الجسد التي هي صلة الوصل الوحيدة بين عالم الروح و العالم الخارجي . فليست ( الكاميرا السينمائية ) التي بين يدي الأديب كاميرا انتقائية عندما تبدأ العمل  . انها تمر على كل شيىء امامها و تسمحه بادق تفاصيله . و لا يعني هذا ان لا دور  للأديب في تقديم الواقع برؤاه الخاصة ، ذلك ان دور المونتاج هو بالضبط تقديم المشهد ، مثكفا موحيا من دون شوائب بغرض ايصال الفكرة أو الرسالة المبتغاة من وراءها .

ليس النص الايرويتكي، اذا ، يتمحور حول الجنسانية بمعناها الاغوائي البدائي و إنما يتجاوزه لكشف مكامن الروح و بوصلتها و الولوج الى طبقاتها الاعمق .

من بين هذه الطبقات الهامة جدا هناك الحب بمعناه الأكثر تكاملا بين المراة و الرجل .. ! و غني عن القول ان التراث العربي الشعري و الأدبي يمتلىء بنصوص أكثر ايروتيكية من تلك التي تنشر هنا و هناك على مواقعنا الثقافية العربية اليوم ..بل حتى ان عقيدتنا دلت بدلوها بشكل مباشر في هذا الأمر و تدخلت في اعمق تفاصيل الاتصال الجنسي لتشرح ما هو محرم و ما هو محلل .

أليس الأجدى بالرقابة ان تتحول الى هيئة من النقاد المحترفين فيتناولون الجودة الفنية للنص و القيمة الفكرية بدلا من التلصص على هذا المثلث ( الجنس و الدين و السياسة ) الذي يتم اختراقه المرة تلو الاخرى و بكل مثابرة في كل نص ينشر اليوم اما في المواقع الالكترونية أو النصوص الورقية !!!

زد على ذلك ، ان منع هذه النصوص أصبح امرا تنقصه الدراية البسيطة ... فها هو الانترنيت حاضرا بكل قوته ، كبسة زر واحدة و تنهمر عليك النصوص من كل حدب و صوب بحيث تضيع قرارات الرقابة العربية في شربة ماء .

ليست  مقدمتي هذه دفاعا عن النص الايروتيكي مهما كلف الثمن ، ابداً ، و لست اعرف منى طاهر من قبل كما قلت و لم اقرأ ديوانها ..و لكني لست ممن يرون في الإبداع حدا يقف عنده أو سقفا ينحني امامه . لكن، مع ذلك ، ليست كل النصوص الايروتيكية تنطوي على ابداع لا لبس فيه ، و ليس كل حديث يتناول الجسد هو صحيح و مبتكر بالضرورة .. إنما  الرؤية الفنية و طريقة التناول هي التي تعطي للكلمة دورها الجميل و تحفر مكانها الصلصالي في جسد النص أو القصيدة بحيث نعرف ان اليد التي كتبتها هي يد عارفه مسؤولة غرضها المزيد من الكشف من اجل المزيد من المعرفة  و ليس الابتذال .

لم يعد هناك قراء أغبياء .. أصبحت وسائل المعرفة متاحة للجميع ، بل ان هناك مقدرة لدى بعض القراء  على النقد و التفنيد تفوق اكبر  الأكاديميين من النقاد  . إذاً، نخطىء عندما نستسهل ذائقة القارىء و نعتبره لاه و يبحث عن المحرضات الجنسية من دون مواربة .. ففي بعض المواقع الثقافية العربية التي تنشر نصوصا ايروتيكية فوجئت ان عدد القراءات ضحل جدا بل لا يتجاوز العشرات مع ان النصوص على درجة مهمة من العمق و الجدية ، بينما تجدون  آلاف القراءات التي تظهر تحت المقالات أو النصوص السياسية و الأدبية الخالصة .

 اعتقد اننا تجاوزنا كقراء و كمثقفين هذه الهرولة باتجاه النص الايروتيكي الجاف و المبتذل و بدأنا نعرف الصالح من الطالح . لهذا لا يجب بعد الآن ان تقوم الرقابة العربية بهذا الدور السخيف فتمنع دواوين و مؤلفات مر من فوقها شبح الجنس المقدس لا لشيىء إلا لانه كان تابوا و بقي تابوا في  بيئة تراثية تميزت بمسيرتها الطويلة على حبل التناقضات من الإباحية و الحجاب .

الحقيقة ، اننا لا نريد فقط ،كعرب ،  ان نتجاوز تجنب هذه المواضيع ، و إنما نريد ايضا، و هذا الاهم براي ، ان نرى البعد الاخلاقي  في تناولنا اياها  ! فالحوار و المكاشفة و عدم التستر عن الخطأ ليس من سمات المجتمع المتحضر فقط و إنما سمة لازمة  ايضا لبقائه . فحين نكتب عن الجنس فاننا نكتب في نفس الوقت عن جزءا كبير من حياتنا و مشاكلنا التي لا يمكن سترها أو حجبها بالمراسيم و البنود ، و لا يمكن التغاضي عن جماليتها و تشوهها و قدرتها على التأثير في كل شيء حولها .

------------------------------------------

أضيفت في05/03/2008/ * خاص القصة السورية / المصدر الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

   

 

نساء يشبهن الماء

 

بقلم الكاتبة:  كلاديس مطر

 

ليس العلم أداة التنمية فقط و لا ربما مجرد شرط للدخول الى الحضارة المعاصرة ، انه في الحقيقة لب هذه الحضارة ، و  وسيلة الإنسان للتعبير عن إبداعاته أو لنقل بتركيز اكبر انه حاجة روحية له .

لكن حين يكون الإنسان ، بقطبيه الذكوري و الأنثوي ، ناصل اللون   ،  إذا ، أي مجتمع هو صانعه ! و ما الإبداع الذي سوف تعبر عنه روحه الباهتة ! وإذا كان ، هذا الإنسان مغيبا عن العلم ، محجوبا عن وسائل المعرفة ، أية حضارة إذا سوف يلج بابها !!!

و قد يكون  الرجل متعلما (  و ليس مثقفا ) و ناصل اللون ، و قد تكون المرأة متعلمة و ناصلة اللون .

إذا ، ليست المعلومات هي العلم ، و ليست بحد ذاتها أداة التنمية المجتمعية .

ان عالم اليوم هو عالم الاضطراب و الطفرة ! أين تقبع المرأة ، بأميتها و أنوثتها الوجدانية المزيفة فيه ! أين هي منه و من تنوع صور الحياة المهولة حولها ! و ماذا تفعل لتثقف  ذاتها الجوانية بالفعل و تستعيد ( لونها ) الذي أهيل عليه تراب الأمية دهورا ! 

إن حرب المرأة العربية اليوم ليس لاكتساب حقوقها فقط  . فالمرأة في الغرب قد حصلت على كامل حقوقها و ها هي الان تقبع في عمق مستنقع الحضارة : انوثة وجدانية باهته و رحم وجداني ضامر . انها متماهية في صورة الرجل متماثلة معه ، لا متكاملة .

المراة العربية تمشي على نفس الطريق . تريد ان تخرج من قمقم الماضي  المؤلم و تدلف الى الحضارة من أوسع أبوابها : العلم ، لكنها على طريق ركضها السريع أسقطت أنوثتها من دون انتباه ،و ها هي اليوم على وشك الوصول  متماهية  السحنة لا هي تشبه ذاتها ولا هي تشبه الرجل .

 

 إنها تحارب أميتها بكل تؤدة و تراكم المعارف و المعلومات لكنها تسقط من ناحية أخرى في أمية وجدانها  الذي  ركنته في الزاوية كسيف محارب متعب . صحيح ان التنمية المجتمعية تبنى على تفعيل حركة العلم بكل ما للكلمة من معنى ، لكن النهضة المجتمعية لا تنتصب اكتمالا الا اذا خلق التوازن فيها قطبي أنوثة و ذكورة سويين مزدهرين وجدانيا و متحققين .

لا تستطيع دروس محو الامية بحد ذاتها ان تعمل على تفعيل أنوثة المراة الا اذا عرفت المرأة كيف تستغل المعرفة من اجل ازدهار هذه الأنوثة أولا . فالأسرة لا تحميها نظرية آينشتاين في النسبية فقط و لا تساعد الأبحاث الدؤوبة على مرض السرطان في تنشئة الطفل بشكل سوي ، ولا لعبت دورا قصائد نزار قباني في خلق مناخ وجداني عاطفي حقيقي بين رجل و امرأة . ان كل هذا لا يستطيع ان يبني خلية المجتمع الوحيدة – الأسرة بحد ذاتها. ان مراكمة المعلومات  لا تصنع نهضة مجتمعية !  ان ما يصنعها هو طريقة رؤيتنا لهذه المعرفة و استعمالنا لها .

و لان المرأة تشكل نصف تعداد سكان المجتمعات العربية إن لم يكن أكثر ، كان من الحيوي بل و الخطير بمكان أن تمحى أمية المرأة أولا ، ثم استخدامها المعرفة ليس فقط من اجل احتلال دور هام في هرم التنمية الوظيفي و إنما لكي تثقف من أنوثتها الوجدانية بحيث يصبح دورها فعالا بأقصى درجة ممكنة في النهضة المجتمعية و بناء الأسر السوية .

إن الأنوثة الوجدانية المثقفة و المحققة هي روح كل فرد في الأسرة . و لا مغالاة حين أقول إن الأنوثة المحققة هي التي تحافظ على البقاء كنوع ! فإذا سقط الفرد سقطت معه الحضارة برمتها . و الفرد لا ينمو الا ( بالرعاية ) اولا . و الرعاية هي الكلمة المرادفة المضمونية لكلمة ( أنثى ) .

إن الحنان هو احد عناصر النمو . و الحنان ليس فقط عاطفة و إنما هو الطريقة في التعاطي مع الآخرين، و هو الوقت الذي يصرف من اجلهم . إن الحنان هو احد مظاهر القوة في المرأة . فالمكتملة الأنوثة تشعر بميل لكي تحتوي أفراد أسرتها . انه ميل أصيل في غاية التنوع و التعقيد تماما كحاجة الصغار أو أفراد الأسرة إلى أشكال العاطفة المتنوعة و المركبة .

ومن الحقائق الملفتة في عملية نمو الكائن البشري أن الإنسان لا يصل الى حدود هذا النمو الكامل الذي تصل إليه سائر الحيوانات . فالحيوان متى كبر و اكتمل فان كل شروط وجوده تتحقق بشكلها المرسوم و المخطط له بما يتناسب مع نوعه . و الحيوان يغدو مستقلا و يمكن أن  يعتمد على ذاته بشكل كامل . بينما يصل الإنسان إلى مراحل متقدمة من النضج و لا زال فيه بقايا الطفولة التي بحاجة إلى الرعاية و إلى اللمسات الحانية و الحنان المشجع و المعيل أمام شدائد الحياة . انه بحاجة  إلى الحنان أو الأنوثة الوجدانية المتمثلة بفعل ( الإصغاء ) و ( الدعم ) و ( التفهم ) و حضور الآخر الفعلي و العاطفي في حياته . إن الإنسان مشروع لا يمكن أن يكتمل عاطفيا . و لهذا فانه يبحث عن شريك أو توأم روحه. و الشراكة أو التوأمة الروحية لا يمكن أن يعثر عليها في امرأة ناصلة اللون او ذات رحم وجداني ضامر، أو أنوثة مزيفة .

و لنصول اللون في شخصية المرأة أسباب ومظاهر . إنها امرأة مائية السحنة ببرقع المساحيق الملونة. 

و الحق لقد بدأ كل شيء على شكل مؤامرة  لاغتيال الأنوثة كفطرة طبيعية و كقانون الهي بشكل مباشر و غير مباشر . و ر بما هناك خطة مدروسة لحدوث هذا الأمر كما يعتقد بيير داكو في كتابة المستفيض عن سيكولوجية المرأة . لقد شرح داكو بشكل ابداعي مدهش بنود هذه الخطة و نتائجها على المرأة و قدم الحل تحت عنوان( خدعة الحرية )  و ذلك في فصل من أجمل فصول الكتاب . و المتتبع لفكر داكو و رؤيته لما عليه حال المرأة اليوم يعرف كم هو ثاقب النظر فيما يتعلق بوضعها الراهن و لما آلت إليه حالتها . و المرأة العربية التي هي في الطريق إلى نصول اللون و انهيار الأنوثة تنطبق عليها  تقريبا الظروف و الأسباب التي تنطبق تقريبا على المرأة في العالم ككل اليوم عدا كون صراعها الخاص يتجسد  بين الديني – الاجتماعي و الذاتي – الطبيعي الذي تدور رحاه في عمق وجدانها ، فكل حركة من قبلها لا تراعي الأصول المتعارف عليها تدفع الجميع إلى تكفيرها  اجتماعيا و حتى دينيا ، بل إن أية محاولة لوضع الإصبع في مكمن الغلط أصبحت مدعاة إلى التكفير و الإبعاد . و مع ذلك يبدو ان للمجتمع دينه الخاص و أصوله المعممة على كل طوائفه و بهذا المعنى فان مراعاة الأصول الأخلاقية الخاصة بالمجتمع تعني بشكل ما تحييد النماذج العليا الدينية لأوقات خاصة طقسية و التمثل  بتلك التي يفرضها المجتمع ( على الجميع ) بقوة القانون العام المكتوب و غير المكتوب . و إذا علمنا أن هذه القوانين المجتمعية التي تمشي على المرأة و الرجل معا تتأثر بالتقلبات الاقتصادية و السياسية و أوامر الهيئات و المنظمات الدولية .. ندرك المعنى العميق لفكرة تحييد  النماذج الدينية الكبرى و دورها الضئيل نسبيا أمام ما يفرضه المجتمع من استحقاقات و التزامات خاصة تجاه الفرد لكي يستطيع أن يصبح بالفعل جزءا من تركيبته و معترفا ، كانسان و كمواطن ، به .

تقع الأنوثة تحت مكبس هذه الرحى المتحركة و التي لها متطلباتها الآنية . و  النصول كسمة من سمات هذه المرحلة المجتمعية المعاصرة ، تشبه القانون المؤقت المتعارف عليه . إنها (موضة ) اليوم التي ترضخ لمتطلباتها الكثيرات من نساء هذه المرحلة . حتى انه يرتبط بهذه السمة تبعاتها النفسية و الاجتماعية … الخ . فمجرد وجودها كواحدة من سمات المرأة المعاصرة يفترض ضمنا أنها عامل جذب لرجل المرحلة ذاتها ، و ربما تجاوز الأمر لدى البعض حده الطبيعي – مع ان لا حد طبيعي له -  فاعتبرنها من أولويات ( حضورهن )

و ( وجودهن ) و أخذت وقائع حياتهن تدور في فلكها . و الطامة الكبرى دائما تكون حين تعتقد المرأة ان شذرات ( الموضة ) و قوانينها تشبه في تشريحها القوانين الثابتة ! فالنصول مثلا كسمة من سمات المرحلة يمر في دورة حياتية معروفة تنتهي بالموت أو الأفول

و التلاشي . فما هو مقبول اليوم يندثر خلال فترة زمنية معينة ليحل محله أمر آخر و هكذا دواليك …و ذلك على عكس القوانين الأخلاقية و الإنسانية العامة التي تعتبر، تقريبا ، ثوابت على مر العصور . فالقوانين التي تحرم السرقة  و القتل او تلك التي تدين الكذب تعتبر ثابتة أمام شذرات الموضة التي تفرقع في الهواء و لا تلبث ان تضمحل و تتلاشى بعد ذلك . و المرأة التي تبني أنوثتها على الشذرات المفرقعة غير تلك المرأة التي تبنيها على الثوابت من القوانين و المبادىء . فامرأة لا تكذب مثلا مهما كانت أنوثتها الخارجية قليلة بالمعنى الظاهري المتعارف عليه للكلمة هي أكثر أنوثة ، في الواقع ، من امرأة متذبذبة اللسان و الفكر و الأمر لا يتطلب أكثر من دقائق لاكتشاف ذلك ! و الجاذبية التي تصدر عن امرأة صادقة شفافة هي أقوى بكثير من تلك التي تصدر عن امرأة ناصلة اللون مبرقعة بشذرات الموضة الفانية . و مع ذلك ، فليس خطابي هنا ، دعوة بالمطلق للتخلي عن العناية المعقولة بالذات بحيث تعكس المرأة هذا التوازن بين أنوثة داخلية وجدانية محققة و أنوثة خارجية هي ( سبب ) او ( مقدمة ) لما يتفاعل في داخلها .

و الحرية الخداعة هي التي نصبت هذا الفخ الرسمي المبارك لكليهما معا ، الرجل و المرأة .

فقسماتهم الباهتة ، المأخوذة، بل حتى و كأنها المصفوعة على حين غرة،  تشي بذهول من يقمع ذاته الطبيعة من اجل هيئة لا تشبهه . فامرأة بعيدة طوال الوقت عن بؤرة اهتماماتها الطبيعية التلقائية لا تشبه جسديا بالقطع امرأة تتفاعل بحب و تلقائية و عفوية مع وسط من صنع طبيعتها و يديها . و القيمة الفعلية التي يمكن للمرأة الثانية ان تقدمها تتجاوز الكثير القيمة التي تقدمها المرأة الأولى التي تلوي رقبة طبيعتها الأنثوية . فليس المجتمع بحاجة إلى جيش من القطيع متماثل في  الوظيفة و الشكل و الدور و إنما إلى  ( فريق عمل متكامل ) يستطيع أن يحيط بكل جوانبه حتى  أكثرها بساطة و إهمالا .

اعرف ضمنا ان المرأة تحمل في طيات تركيبتها الطبيعتين .. حتى أنها تستطيع بجدارة أن  تقوم بكل منهما على حدا إذا ما تناولنا الأمر من ناحيته العملية …فالقدرات العقلية واحدة و كذلك نسبة الذكاء و القدرة على التخطيط و التحليل أيضا واحدة حتى إنها متفوقة ربما على الرجل في قدراتها التنظيمية … الخ لكن ليس هذا هو المطلوب منها بالمطلق …و  لا تكمن الحكمة في التخلي عن دورها المميز لتقوم بدور يمكن أن يقوم به ( أي رجل ) . فليست قدرات شهرزاد العملية ما أنقذها من الساطور لالف ليلة و ليلة و إنما الأنوثة الجبارة المغلفة بالحنكة و الإيحاء بالحنان .

عالم اليوم بخصائصه لا يشبه طبيعة المرأة بشيء . انه عالم يدفع إلى النصول شيئا فشيئا كما يفعل الغسيل المتكرر بقطع القماش الزاهية . انه يحيلها إلى خرق باهته ، مفككة تفتقد القها الأصلي القديم . إن عالم اليوم بكل مواصفاته و متطلباته يمر عليها المرة تلو الأخرى كمكواة لا تمل من التحرك بسرعة جيئة وذهابا ..ليس بقصد كيها و تقديمها بحلة جميلة و إنما بقصد حرقها و إذابتها من دون أن تستطيع أن تفلت من ذلك مرة واحدة .

و يكتمل الفخ عندما تتطلع المرأة في المرآة بعد كل هذا و تقرر ان ( كل شيء على ما يرام ) فها هي الآن امرأة من قلب هذا العصر .. إنها باختصار ( امرأة معاصرة ) ، محسنة ، مدجنة ، و مستعدة للنزال !

------------------------------------------

أضيفت في05/03/2008/ * خاص القصة السورية / المصدر الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

   

أدب المرأة بعيداً عن الاحتفالية

قراءة في كتاب نقدي حول أدب الكاتبات السوريات

 

قراءة: جاكلين سلام

 

       

هل يحمل الخطاب القصصي النسوي دلالة تفضيلية عن أدب الرجال؟

هل للخطاب النسوي خصوصية ما؟                                                                                            

 

سؤال تطرحه وتعالجه الدكتورة ماجدة حمود، مع الاشارة إلي تعميم مصطلح (قصصي) علي ما كتب في القصة القصيرة والرواية، إذ أغلب الكاتبات السوريات بدأن حياتهن الأدبية بكتابة القصة القصيرة.

تشير المؤلفة الدكتورة ماجدة حمود في مقدمة الكتاب (صحيح أن الأدب النسوي يتمحور حول العلاقة مع الرجل في أغلب الأحيان، فقد بدا هاجس الهم الابداعي النسوي، إبراز خصوصية هذه العلاقة، ولكن هموم المجتمع والأمة كانت كذلك جزءا من هم المرأة) وتذهب للتأكيد مرارا علي أن هذا المصطلح (النسوية) لا يحمل أي دلالات تفضيلية لأدب النساء عن أدب الرجال، بل تقوم بذلك لتسليط الضوء علي نتاج أدبي روائي وقصصي غزير متنوع في الأسلوب والموضوعات، بحيث يمكننا التعرف بعمق علي عوالم وأقلام سيدات سوريات، في هذا الإصدار، سواء في الرواية أو في القصة القصيرة. وتقسمه إلي فصول

* * *

الفصل الأول: وقفة مع رائدات الكتابة في سورية

الفصل تخصصه لدراسة تفصيلية في روايات الرائدات السوريات، متلمسة بذلك الرواية منذ عام 1950 الي عام 1970، تتناول خلال العرض نتاج الاديبات: وداد سكاكيني ــ هيام نويلاتي ــ كوليت خوري ــ إنعام مسالمة ــ سلمي الحفار الكزبري ــ خديجة نشواتي.

نجد واقع الروائية الشخصي مختلطا بخطاب الراوية في حالات كثيرة، وتعمد الكاتبة إلي تبيان ذلك من خلال ربطها بين الأحداث الشخصية والسيرة الذاتية للكاتبات، وخطاب بطلات القصص، كما نجد محاولة الكاتبات تصوير واقع (غربي) جغرافيا، ربما لارتباط ذلك بحياتهن الشخصية، أو تهربا من الكتابة عن واقعنا الشرقي بما له وما عليه، ويظهر(التغرب) عند الكاتبة كوليت خوري في (أيام معه) وعند سلمى الحفار الكزبري في (كارمن).

وحول سمات الخطاب كما تذهب إليه المؤلفة، فيمكن تلخيصه باللغة الفضفاضة والفرقة بينها وبين الحدث أحيانا، اختلاط وطغيان صوت الكاتبة علي صوت شخوصها، اللغة الرومانسية، الوصفية، صورة المرأة غالبا هي المحور وغالبا بصفات مثالية من حيث الجمال والأخلاق. كما نراها ترزح تحت هموم عادية يومية كالزواج والامومة والحب. كما وتلجأ الكاتبات هنا إلي أسلوب الرسائل والمذكرات اليومية التي تحد من إبداع المخيلة..

تشير المؤلفة إلا أن الوقوف علي عثرات الكتابة تلك، لا يعني أبدا (اصدار حكم إعدام) بحقهن وإنما يمكن اعتباره ركيزة للانطلاق نحو آفاق أرحب وأكثر اشراقا ظهرت في الفترات اللاحقة.

* * *

الفصل الثاني: الرواية النسوية السورية منذ السبعينات وحتي التسعينات:

يلاحظ القارئ أن نتاج الكاتبات في هذه المرحلة، نضح في التعبير والتصوير والرؤية من حيث الارتباط والتغلغل في الواقع الاجتماعي والسياسي والذاتي. ونظرا لكثرة الإصدارات في تلك المرحلة، تختار المؤلفة نماذج من أعمال: غادة السمان ــ قمر كيلاني ــ ألفة الأدلبي ــ حميدة نعنع ــ ماري رشو ــ د.هيفاء بيطار وأنيسة عبود.

غادة السمان: في (كوابيس بيروت) عام 97 وروايتها الاخري التي صدرت 1997 (الرواية المستحيلة). تتوقف مفصلا عند شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية والنفسية في الرواية من خلال: العلاقة بالذكور/ العلاقة بالاناث/العلاقة بالأب/ الاختلاط بين الهم الخاص والعام/ دلالات الأسم المختار في الرواية/ الفضاء المكاني والزماني/ الالتقاء بين السيرة الذاتية والمخيلة ولغة الحوار... نقف علي صور مشهدية ولقطات سينمائية وتداعيات كابوسية، حين ترسم غادة فسيفساء دمشق الذاكرة، كوابيس الحرب في بيروت، هموم المرأة المتحررة المتمدنة ــ صور الفقر والاضطهاد والغربة والحنين والوطن، إذ تعد روايتها (الرواية المستحيلة) واحدة من أهم الروايات العربية التي ظهرت في التسعينات.

قمر كيلاني وفي روايتها بستان الكرز: إصدار عام 1977، تتناول أهوال الحرب الأهلية في لبنان، عبر فضاء (متخيل) غير ملتبس بالسيرة الذاتية كما في كوابيس غادة السمان (إننا نعيش فضاء تنسجه لغة الواقع لا الأحلام والكوابيس، وقد قدمت الكاتبة فضاءها بلسان الرواي العالم بكل شيء، لذلك لم نسمع صوت (أنا) الشخصية مباشرة ).. تصور في هذا العمل آثار الحرب على المكان وعلى النفوس والعلاقات الشخصية والأفراد.

ويطالعنا عند الفة الأدلبي في روايتها الأولي (دمشق يا بسمة الحزن) الهم الشخصي والعام من خلال تصوير أحداث الثورة السورية والمظاهرات والإضرابات، مقاومة الاحتلال الفرنسي، وتقدم لنا من خلال بطلتها صبرية، واقع الفتاة وتمردها وانخراطها في الدفاع عن الحياة بتقديم (ذهبها) مساهمة في دعم الثورة...تكتب واقع صبرية وكيف تعشق وتحب وتنزوي بعد استشهاد حبيبها وأخيها... تفاصيل ولغة معبأة بالصدق وترزح تحت أنقاض الألم والمعاناة.

وعند الروائية حميدة نعنع، (من يجرؤ علي الشوق) تعطي الكاتبة مساحة لصوت الرجل الذي يأتي من خلال (صوت السجين، صوت الهارب صوت المهزوم القلق)

تطالعنا كيفية انخراط الشخصية النسائية بالهم القومي من خلال الانتماء الحزبي والانخراط في ميادين الثقافة والصحافة وتقدم هذه التفاصيل في أزمنة تتنقل بين الحاضر والماضي والمستقبل، أما المكان فمدن عربية (وهمية) بلا أسماء صريحة، وتفتقد مقومات الحياة الإنسانية، كما تتقاطع مع فضاء آخر هو المهجر (المنفى) الذي هرب إليه أبطال الرواية كملاذ وخلاص، لكنه في النهاية لم يحقق لهم امكانية الشعور بالانتماء.

المرأة تأخذ مركز الكون في رواية الكاتبة ماري رشو في (الحب في ساعة غضب) نشرت عام 1998، (وحين نتابع السيرة نجد الأبعاد الرمزية هي أساس الفضاء الروائي) عبر لغة ذهنية لا تعتمد ضمير (الأنا) في القص، وهذا الإيغال في الرمزية، لا يمكن إلا أن يكون معادلا وصنوا للواقع الذي يرزح تحت أعباء الدمار والتخريب والنأي عن القيم الإنسانية، ومأساة حضور القبح والبشاعة بشكل لا يطاق.

غالبا ما تسبغ الكاتبة علي شخصوها النسائية، مثالية رفيعة، فيصطدمن بالواقع بنزق وغضب وحزن ...

وفي أعمال د. هيفاء بيطار تطالعنا (يوميات مطلقة) 1994 وقبو العباسيين /1995... (الساقطة )2000

تقول الناقدة (يتواري في روايات هيفاء بيطار الهم العام، ليفسح المجال للهم الشخصي الذاتي، والذي يبدو لنا رغم خصوصيته ينطق هم كثير النساء في مجتمعنا، لذلك يعلو صوت المرأة ليجسد لنا خصوصية المعاناة بكل حرارتها وصدق تفاصيلها... كما نعايش نبض حياتها اليومية، بما تحمله من أفراح ومعاناة (الحب الامومة الطلاق).. ص 105

تفاصيل تنصبّ عن عوالم وأوجاع وإحباط المرأة المطلقة ونظرة الرجل إليها، مشكلة الطفلة التي تنتقل بين والديها، بالاضافة إلي قضية مهمة وذات حساسية وجرأة وهي موقف الكنيسة المسيحية من موضوعة الطلاق:

(أنتَ ببساطة تجلس وراء مكتبك وتطلق حكم الهجر لزوجين في قمة نضوجهما وشبابهما وتقول لهما: اهجرا بعضكما وترميهما في فم الغول... سنوات وسنوات، هلا تساءلت كيف سيعيش هذان الزوجان، أليس هذا وضعا مثاليا للأنحراف؟) ص 108

المحور الآخر عند هيفاء بيطار، ويدخل في صلب معاناة المرأة، هو علاقتها بجسدها وفعل الزمن فيه سلبا، عقدة انحسار الجمال الأنثوي، وكذلك ذبول الجسد ماديا وجنسيا والذي يسبب شرخا في العلاقة مع الرجل الذي يكون مأسورا بظاهر الجسد والفتنة الخارجية مشروخا عن العمق الإنساني الداخلي لهذا الكيان

تختم الناقدة عرضها لأعمال الكاتبات في التسعينات بالوقوف علي إعمال الكاتبة أنيسة عبود، الشاعرة والقاصة وتتناول روايتها الوحيدة (النعنع البري) إصدار عام 1997 وتقول فيها:

(لعل هذه الرواية أكثر الروايات النسوية السورية تنوعا في فضاءاتها النابضة بهموم عصرنا بما تضم من فضاءات منغلقة علي حياة مشوهة...كما تقدم لنا فضاءات منفتحة علي الطبيعة تجسد لنا الخلاص، والأمل في حياة متجددة... لهذا تشكل لغة الطبيعة إيقاع الرواية ونبضها...) ص 126، ويصل هذا عبر لغة سردية واقعية محملة بخصوصية ابداعية تخطها الكاتبة أنيسة عبود بتميز وباتساق في بناء الشخصيات فنيا وفكريا معجونا بالتجربة الحياتية المعيشة، مستفيدة بذلك من أساليب وتقنيات الرواية الحديثة

* * *

الخاتمة: تأملات في خصوصية الخطاب النسوي:

تشير الناقدة الي غلبة تقنية كتابة الرسائل واليوميات في روايات النساء الصادرة منذ الخمسينات الي التسعينات، اللجوء إلي صيغة المتكلم، التقاطع الواضح بين صوت الساردة و سيرتها الذاتية، تأثير الزمن السلبي على الجسد، كما نلحظ طغيان صوت المؤلفة الشخصي علي صوت بطلاتها.

وحين الحديث عن (خصوصية المعاناة النسوية) تتوقف الناقدة بإمعان ودقة وموضوعية جميلة لتفنيد صيغ المعاناة ومن خلال علاقة الكاتبات مع الرجل (وكما تظهر في النصوص) وما ينجم عنها من انكسارت فنجد لغة القهر ولغة الفرح التي تعكسها علاقات الحب ونقف أمام حقيقة أنه قلما نجد (لغة فرح) في النصوص، بل تطغي العاطفية الحزينة والمكسرة والمحاصرة روحا وجسدا وتطلعات، وكأن حضور الفرح ينحصر في علاقة (الأمومة والأبوة).

تفصيلات عميقة تطرحها الناقدة هنا، وتدلل عليها بشواهد من نصوص الكاتبات مما يكسب هذه الدراسة علمية وموضوعية وذائقة شخصية تنم عن تفهم وتعمق لحيثيات الواقع السوري، وسيرة الكاتبة أيضا.

(تطورت الرواية ... وبدت لنا اللغة أكثر حيوية وجمالا، ابتعدت عن الثرثرة والرتابة، ولعل من أسباب حيويتها قدرتها علي تقديم أعماق المرأة المضطربة عبر لغة شعرية، وتقديم همومها الاجتماعية عبر لغة الواقع التي تمتزج مع الشعر، وقد ساعدها في ذلك استفادتها من تقنيات الرواية الحديثة وتيار الوعي، التي تقدم عالما مختلطا في فضاءاته الزمانية والمكانية وفي أصوات شخصياته) ص 154

 

* * *

الباب الثاني: القصة القصيرة النسوية السورية

في هذا البحث تتناول الناقدة الخطاب القصصي منذ الخمسينات وحتي التسعينات أيضا ومن خلال نصوص قصصية لكل من الكاتبات: وداد سكاكيني ــ خديجة الجراح النشواتي (أم عصام) ــ سلمي الحفار الكزبري ــ غادة السمان ــ ألفة الأدلبي ــ د. ناديا خوست ــ ملاحة الخاني ــ دلال حتم ــ نهلة السوسو ــ حنان درويش ــ د. هيفاء بيطار. ويطالعنا هنا تنقل الكاتبات من القصة الى الرواية...تدرس نموذجا لكل قاصة وتفككه، تعالج الخطاب ومقوماته ودلالاته الزمانية والمكانية والنفسية كما في دراستها لخطاب الرواية أعلاه.

 

* * *

الفصل الثاني: الحداثة في القصة النسوية في سورية

في هذا الفصل تتناول تعريف الحداثة بـ (الحداثة ليست تقليدا للآخر، ولا تعني رفضا للتعلم من تجاربه، ولكن ما نرفضه هو أن نظل عالة عليه! نقتات فضلاته فلا نملك سوي التقليد والتكرار) ص 215

تذهب في تقصي الملامح الحداثية في القصة السورية بتناول (لا بحر في بيروت) لغادة السمان.

 

* * *

نماذج حداثية في القصة القصيرة النسوية:

تدرس نماذج من القصص الحدثية لكل من الكاتبات: اعتدال رافع ــ ضياء قصبجي وأنيسة عبود، تعالج بنية الشخصية، اللغة، الفضاء الزمكاني، بناء الحدث، دلالة العنوان، العلاقة بالرجل، والمجتمع بعمومه.

* * *

الخاتمة: تصل الناقدة نتيجة هذه الدراسات الميدانية الغنية للقول (نلاحظ ندرة النماذج الحداثية الخالصة، ومعظم القصص تنحو الي المزج بين الأسلوب الحداثي والأسلوب التقليدي، كما وجدنا ضمن المجموعة الواحدة قصصا تعتمد اأسلوب التقليدي تارة والأسلوب الحداثي تارة أخري).. ص 245 .

كما تنفي ما يشاع عن الكتابة الحداثية بأنها تدمير للهوية والأصالة والتراث العربي (لقد لاحظنا أن القصة الحداثية التي تتصف بالتقان الفني، مهمومة بالحفاظ علي القيم الانسانية التي باتت مهددة في عصر الاستهلاك وهي علي نقيض ما يتهمها به الناس ... كثيرا ما تحمل دلالات تراثية أيجابية).. ص 246

* * *

كلمة الغلاف الخارجي للؤلفة الدكتورة السورية ماجدة حمود تقول (تحاول هذه الدراسة أن تقدم الخطاب الحقيقي القصصي النسوي السوري، بعيدا عن الأحتفالية التي زيفت حقيقته وخدعت المتلقي)

وأستطيع التأكيد في الختام، وكقارئة سوريّة، وعلى اطلاع علي بعض هذه الأعمال، بأن الناقدة قدمت رسالتها هنا باجتهاد ومحبة وصدق يعكس مسعاها وانشغالها العلمي الأدبي المدعم بأدواتها المعرفية الجادة.

والملفت للنظر هو اصرار الكاتبة في أكثر من مرة عن مبرر لهذا الكتاب، وللتأكيد بأنه ليس مفاضلة عن كتابات الرجل، وهذا يحمل في جذوره (التخوف) أو الحذر الشديد من مغبة التفسير المغلوط، واعتبار هذا تحيز غير مشروع.

ولربما لهذا السبب أيضا، تجفل غالبية الكاتبات العربيات ــ الشاعرة والقاصة والروائية - من مغبة اعترافها أو قبول تصنيفها في باب (كتابة نسوية)، بيمنا لا أحد يتزعزع، أو تثار حميته لو تحدثنا عن أدب مهجري جديد أو قديم، عن القصيدة العراقية في المنفى، عن أدب خليجي، أدب عماني... مثلا، وأعتقد أن جذور هذا الخوف تتعالق وتتشابك مع الخصوصية الدونية التاريخية التي عاشتها وما تزال المرأة العربية بدرجة كبيرة، والمرأة في العالم بدرجات متفاوتة، من القمع والتهميش والظلال.

ولا خلاف على أن الإبداع إنساني أو يجب ألا يكون خارج ذلك،

إذ يكفي الهباء والموت الذي يكبل شوارع العالم.

الكتاب: الخطاب القصص النسوي/ نماذج من سوريا المؤلفة: د.ماجدة حمود / سوريا  

--------------------------------------------------------------

 لناشر: دار الفكر / عام 2001  / *خاص القصة السورية حرر في 07/11/ 2004 / المصدر: الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

وراء كل عذاب امرأة رجل

 

 

بقلم الكاتب والباحث: احمد محمود القاسم

 

 

أثار كتاب الدكتورة السعودية، رجاء بنت عبد الله الصانع (بنات الرياض)، في حينه، ضجة كبيرة جدا بالأوساط السعودية والخليجية، والعربية بشكل عام، كونه يفضح ممارسات بعض الرجال السعوديين في مدينة الرياض، مع بعض النساء السعوديات، وان كان هذا ينسحب على باقي المدن السعودية الأخرى من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن أقصى شرقها إلى أقصى غربها.

الدكتورة رجاء الصانع من مواليد العام 1981م، و حاصلة على شهادة بكالوريوس في طب ألأسنان، من جامعة الملك سعود في العام الدراسي 2005م في الرياض-المملكة العربية السعودية، والتي أتحفتنا بكتابها بعنوان: (بنات الرياض).

تقول الدكتورة صفية المزين بكلمة احتفالية عن الأديبة والكاتبة رجاء الصانع، بأنها الأديبة الصغيرة سناً.. الكبيرة قدراً.. الدكتورة رجاء الصانع، أديبة أذهلتنا بروعة أسلوبها.. واستطاعت أن تتجول في ردهات قلوبنا، تتسلل بخفة، لتسمع حديث و ساداتنا..تأخذ قهوتها على أريكة جراحنا.. تتندر على تناقضاتنا..بنفس الوقت، الذي تمارسها فيه.. بكل واقعيتها..وغمس ريشتها في "المسكوت عنه".. وترسم على الورق، ما ندركه بعقولنا..وما تم إلقامنا إياه مع الرضعة الأولى، وما نعجز عن الحديث عنه بصوت مرتفع.. في مجتمع.. لا تزيده الأيام إلا تعقيداً..تصبغ شفتيها بلون "فضائحنا".. وتمارس فعل الكتابة بإيمان..وأمل يحدوها.. نحو التغيير للأفضل منطلقة من قوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

ترش "دقة وثوم وشطة" على حكاياتنا العسيرة على الهضم.."تذب" و"تنكت" على واقعنا المر.. فتجعلنا نقهقه.. ألماً !لن أزيد على ما قاله الدكتور غازي القصيبي في كلمته:"هذه رواية تستحق أن تُقرأ.. وهذه روائية أنتظر منها الكثير...".

كتاب بنات الرياض، والذي فاض به الكيل، بما يتضمنه من قصص بعض الرجال وعلاقتهم الغريبة والعجيبة والشاذة، مع بنات الرياض، يضع النقاط على الحروف في مدينة الرياض السعودية، ويوضح بدون أدنى شك، واقع المرأة السعودية المؤلم، وعلاقتها مع الرجل والشباب السعودي بشكل عام، وعلى لسان بنات من بناتهم، وقصصهم الواقعية، بحيث لا يدع مجالا للشك، بما طرحنه من قصص مثيرة، ضد نساء سعوديات يعشن في مجتمع، يدعي بأنه محافظ، ومتمسك بالدين بحذافيره، وبالقيم والعادات والتقاليد، والتي نام عليها الدهر وشرب، وإذا كان ما طرح في كتاب بنات الرياض، قد يكون صورة حية، لما حدث ويحدث في مدينة الرياض، إلا أن هذا الكتاب، يمكن أن يكون نموذجا حيا، لما يحدث في كل المدن السعودية، ابتداءا من مدينتي مكة والمدينة، والى كافة باقي المدن السعودية، وبدون استثناء، وتأتي قصة فتاة القطيف، والمعروفة للجميع الآن، والتي انتشرت كانتشار النار في الهشيم، لتؤكد ما جاء بكتاب بنات الرياض، والظلم الذي يمارس عليهن من قبل بعض الرجل باسم الدين، والعادات والتقاليد البالية والظالمة.

ما هي قصة فتاة القطيف؟؟؟

فتاة القطيف، قصة فتاة في الثامنة عشرة من عمرها تغتصب من سبعة رجال سعوديين، أربعة عشر مرة، وتعتقل من قبل الأمن السعودي ظلما وعدوانا، كونها خرجت من بيت أهلها بلا محرم، وتتهم بالفسق والفجور، ثم يحكم عليها القضاء السعودي، بالسجن ستة أشهر، والجلد مائتي جلدة، كونها اختلت حسب ادعائهم، بسبعة شباب من المجرمين، اغتصبوها غصبا عن إرادتها، هذا الحكم الجائر، حري بأن يجعل الدماء تغلي في عروق الناس، ممن لديهم ذرة من ضمير أو شرف، بغض النظر، عن دقة تفاصيل القصة، لأنه لم تعد مهمة دقة تفاصيلها، بقدر ما يهم الإجراءات المتخذة بحق شابة سعودية، خرجت على ما يعرف على العادات والتقاليد السعودية، بينما الشباب السبعة، والذين قاموا بجريمة اغتصابها، لم نسمع بأحد، يتحدث عنهم، وعن جريمتهم، ولم يقف احد، إلى جانب الفتاة سوى المحامي الوحيد الشجاع (عبد الرحمن اللاحم) والذي يقال عنه بأنه يدافع عن قضايا المرأة بجرأة منقطعة النظير، وكذلك المجرم الحقير بوش، وهو الذي عفا عنها بطلب خاص من السلطات السعودية المختصة.

أن ما حدث بحق هذه الشابة السعودية، لا يقبله عاقل ولا مجنون، فأين رجالات العرب ونسائها من المحيط إلى الخليج، لماذا لم بتشرفوا بالدفاع عنها؟؟؟ فقط لكونها امرأة.

لماذا لم يتكلم أحدا بحق الشباب المجرمين، بتشديد العقاب عليهم، ومحاسبتهم حسابا عسيرا، يستذكرني في هذا المشهد الظالم، قول السيد المسيح-عليه السلام:

(من كان منكم بلا خطيئة، فليرجمها بحجر).

أن يسعى القضاء السعودي إلى التغطية على فضيحة حكمه، التي أثارت الدنيا وأقعدتها، بتدمير سمعة الفتاة، واتهامها في شرفها، والافتراء عليها، بما لم تقله، فإن الغضب يتحول إلى بركان، خاصة ونحن نعرف ما يعنيه الشرف لفتاة دُمر كيانها، نعرف ذلك جميعاً، في مجتمع مثل المجتمع السعودي، ومثلها مجتمعات شبه الجزيرة العربية، وعلى رأسها اليمن، تقول الدكتورة اليمنية الرائعة الهام المانع:

ذاك مجتمع تكفي فيه الكلمة أو النظرة، أن تقف فتاة مع شاب في مكان عام، حتى تتهم في شرفها! والشرف معناه في دول شبه الجزيرة العربية كبير، وكبير جدا، لأن قطرات الدم تتحول إلى نصل سكين حاد، يجز رقبة الشابة جزاً، لو هامت حولها مجرد شبهه.

لذا، تشب الفتاة منذ نعومة أظافرها على الخوف:

“خافي من جسدك”. “خافي من نفسك”. “خافي ممن حولك”. “خافي”. “لأن الخوف مفتاح الأمان”. ترضع على أوامر النهي والجزر. “لا تضحكي هكذا”. “لا تبتسمي أمام الرجال”. “واخفضي صوتك”. “لا ترفعيه عالياً أمام الرجال”. “ثم لا تحركي جسدك هكذا. حبذا لو لففت نفسك كالشبح، في قماشة حتى تغيبي.. تغيبي كالضباب”. “قفي وأنت مضمومة، مزمومة، عابسة، متجهمة، صامتة، ثم لا تحدقي فيمن حولك. اكسري عينيك، وانظري إلى الأرض”. “ليتك تتحولين إلى فقاعة، تذوب في الهواء فلا نرها”.

كل هذه التوصيات والتحذيرات، لفتاة لو رغبت بالخروج إلى الشارع العام، لقضاء بعض من حاجاتها، أو حاجات أسرتها، فعليها أن تحفظ كل المحرمات، وكل المحظورات الصغيرة جدا منها قبل الكبيرة، وكأنها أمام رجال أو شباب بصورة حيوانات كاسرة، ومتوحشة، بلباس من البشر.

هذا عن صورة المرأة في إحدى الدول الخليجية، وكيف يتعامل معها الرجال أو الشباب والقضاء، وبامكانك القياس عليها في باقي الدول الخليجية الأخرى، من عمان إلى البحرين والى دولة قطر مرورا بدولة الإمارات العربية المتحدة وبدولة الكويت، وان تباينت الصورة في التعامل مع المرأة، في كل بلد ذكرته، بين بلد وآخر؟

أما في باقي المجتمعات العربية الأخرى، فالنقل غير الخليجية، لنقرأ ما تقوله الكاتبة والأديبة السورية سلوى ألنعيمي عن أحد الرجال في بلاد الشام، وكيف كان يستقبلها عند حضورها من الخارج، من جو ممطر وعاصف في كتابها، (برهان العسل):

(كنت أصل إليه مبللة، وأول ما يفعله هو، يمد إصبعه بين ساقي يتفقد "العسل" كما كان يسميه، يذوقه، ويقبلني، ويوغل عميقاً في فمي.

أقول له: من الواضح أنك تطبق تعاليم الدين، توصيات كتب شيوخي القدماء:

كنت أعلم أن القبلة، أول دواعي الشهوة والنشاط، وسبب الاتعاظ والانتشاء، ولا سيما إذا خلط الرجل، بين قبلتين، بعضة خفيفة، و قرصة ضعيفة.

كيف يمكنني ألا أذكر المفكر به؟ لم يكن بحاجة إلى من يذكره بتراثه، هنا، كان مسلماً بامتياز، وأنا أيضاً).

لنقرأ أيضا ما تقوله الكاتبة والأديبة الجزائرية (فضيلة الفاروق)، عن صديقتها (باني بسطانجي) عن الزواج ونظرتها إليه، وحلمها فيه، في كتابها، (اكتشاف الشهوة) والمنشور من قبل دار رياض الريّس، للكتب والنشر، في دولة لبنان في عام 2006م، وهذه صورة أخرى تكاد تكون نموذجية لمعاملة بعض الرجال في المغرب العربي للمرأة هناك:

(هل تعريفين، حين تزوجت، كنت أظن أن كل مشاكلي انتهت، ولكني اكتشفت، أنني دخلت سجناً فيه كل أنواع العذاب، أنا "باني بسطانجي" التي منعت طيلة حياتها، حتى مجرد، أن تفكر في ذكر، بين ليلة وضحاها، أصبح المطلوب مني، أن أكون عاهرة في الفراش، أن أمارس كما يمارس هو، أن أسمعه كل القذارات، أن أمنحه مؤخرتي ليخترقها بعضوه، أن أكون امرأة منسلخة الكيان، أن أكون نسخة عنه، وعن تفكيره، المشكلة تجاوزتني يا "شاهي" ولهذا تطلقت، ما اخترقني، لم يكن عضوه، كان اغتيالا لكبريائي، وفيما أشعل هو، سيجارة انتصاره، ليتمم بها متعته، قمت أنا منكسرة، نحو الحمام، غسلت جرحي وبكيت.

لم أكن احلم في تلك الليلة، فقد فاتني قطار الأحلام، وتركني واقفة على محطة مقفرة، تنعق فيها غربان الخيبة، ليلتها، لم يزرني الشاب الأسمر، الذي لطالما حلمت به، لم يلامسني بغابته الصغيرة، قبل أن استسلم للنوم تماما، ولم تحل سمرته علي، كليل رومانسي جميل، كانت تلك ليلتي الأولى، بدون رجل، كانت ليلة تنزف بين الفخذين إهانة قاتمة، ليلة لا معنى لها، حولتني إلى كائن، لا معنى له، حقارتي بدأت من هنا، من هذا الزواج، الذي لا معنى له، من هذه المغامرة التي لم تثمر، غير كثير من الذل في حياتي، وكثير من الانهزامية والتلاشي والانتهاء، في غاية السخف، كانت تحدث لي أمور لا افهمها، أمور تجعلني انتهي، وأتوقف عند لحظة اتخاذي لقرار الزواج، خمس وثلاثون سنة، وأنا في انتظار عريس يليق بحجم انتظاري).

هذه صورة لشابة كانت تحلم بقطار الزواج، حتى يصل بها إلى جنات من الود والسعادة والهناء، كبقية من سبقنها من الشابات اللواتي ينتظرن قطار الزواج، ليحملهن إلى أعشاش الزوجية، أللذي ينتظرهن أحيانا طويلة، لعشرات السنين، فقد انتظرته هي، خمس وثلاثون عاما، وهي على أحر من الجمر، فماذا كان ثمرة انتظارها هذا؟؟ غير الذل والإهانة والامتعاض، لو كانت تعرف نتيجته مسبقا بهذا الشكل، لصامت الدهر كله، ولعنت الزواج ومن يفكر فيه ومن يبحث عنه أيضا.

حقيقة، إنني معبأ منذ زمن بعيد، وأعبيء عقلي يوميا وباستمرار، بعشرات المقالات، من بعض الكتاب والكاتبات العربيات، ومما يصلني من قصص يعض السيدات والشابات، عن تجاوزات البعض من إخواننا الرجال، في حق المرأة العربية من المحيط إلى الخليج، وممارساتهم الخاطئة في تعاملاتهم مع المرأة العربية وحتى غير العربية، وقد أكون أنا واحدا كنت من المخطئين في معاملتي للمرأة، واحترام حقوقها سابقا، قبل نضجي وفهمي الموضوعي للمجتمعات الإنسانية وتطورها، وموقع المرأة فيها.

اعتقد أن الكثير من القراء الكرام، يعرف الكاتبة والباحثة المغربية فاطمة المرنيسي وغيرها من نساء المغرب الشهيرات، والمناضلة السعودية الرائدة وجيهة الحويدر، وكتاباتها عن الظلم الذي تعانيه المرأة السعودية، وكذلك الكاتبة الرائعة الدكتورة رجاء الصانع، والتي ذكرتها في بدايات مقالتي، والتي أقامت المجتمع السعودي ولم تقعده بعد، ونماذج لمعاناة المرأة السعودية من بعض الرجال، وكذلك الكاتبة المصرية العظيمة د. نوال السعداوي، وما طرحته بكتبها جميعها، من معاناة المرأة المصرية من بعض الرجال المصريين المتخلفين، وكذلك ما طرحته الكاتبة السورية سلوى ألنعيمي في كتابها (برهان العسل)، والذي جاء ذكره سابقا أيضا، وكيف يعاملها زوجها، وأيضا ما طرحته الكاتبة الجزائرية (فضيلة الفاروق) عن صديقتها باني بوسطنجي، وقد جاء ذكرها سابقا أيضا،

اعتقد أن البعض منكم، يسمع برنامج سيرة الحب، الذي تقدمه الدكتورة الكويتية فوزية الدريع، على قناة الرأي الكويتية، والذي يبث أسبوعيا، وما يعرض فيه من مشاكل تتعرض له المرأة العربية بشكل عام، والمرأة الخليجية بشكل خاص، عبر بث حي ومباشر، وطبعا هناك كثيرا من المواقع على الشبكة العنكبوتية، توضح بقصص واقعية، مدى الظلم الواقع على المرأة العربية من بعض الرجال، ومنها موقع أمان الأردني، وغيره من المواقع المتعلقة بالعنف ضد المرأة، وأحداث قصص الشرف، التي نسمع عنها في الأردن يوميا، حقيقة، أنها تثير الاشمئزاز.

قصة ليلى المغربية، في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي إحدى القصص، التي تتعرض له المرأة العربية، من قبل الرجل العربي، وتلام فيه المرأة العربية دائما، فبعد أن حصلت هذه الفتاة، على عقد للعمل كمربية لمدة سنتين، ودفعت لأجل ذلك مبلغا ماليا كبيرا نوعا ما، أصابها ما أصابها في القصة التي ترويها بنفسها، لإحدى الصحف الخليجية تقول فيها:

(رمت بي الأقدار في أحضان شخص عربي، ليشرع باغتصابي، وفض بكارتي من أول يوم وصلته فيه، ثم فرض علي بالقوة والتهديد، بمضاجعة بعض الأشخاص، في مختلف الأوضاع الجنسية، ودام هذا الحال أسبوعا كاملا، وكلما كنت أرفض الانصياع لأوامره، كان يحتجزني بالمرحاض لعدة ساعات، ويمنع عني الطعام والشراب طيلة النهار، حتى اخضع لمطالبه، واستجيب لرغابته، إلى أن تمكنت من الهرب منه بطريقة وحيلة خاصة، فكرت بها جيدا ونجحت بتنفيذها).

ما أعرضه حقيقة، هو من بعض تصرفات بعض الرجال، ونظرتهم الدونية للمرأة، واحتقارهم واستغلالهم وعدم تقديرهم لها أيضا، وممارساتهم الخاطئة والمشينة معها، وإجبارها على ممارسة تصرفات ليست مقتنعة بها، وقد تقبل بها أحيانا، نزولا لرغباتهم و ارضاءا لغرورهم ولرجولتهم، وبدون إذنها أو رضاها المصطنع، وأنا لا أقول كلهم، بل مجموعة منهم منتشرة في معظم الدول العربية، من المحيط إلى الخليج، كما أنني لا أكتب هذا من مخليتي، بل منقولا عن كاتبات مشهورات، ذكرتهم سابقا، وهذه نماذج لما يحدث مع المرأة العربية، وليست حصرا، والمجال لا يسع هنا لحصرها وتعدادها ووصفها، وفعلا كما جاء في عنوان المقال: وراء كل عذاب امرأة رجل.

------------------------------------------

أضيفت في13/02/2008/ * خاص القصة السورية /المصدر: الكاتب (للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة بأدب الرسائل)

  

 

قراءة بين السطور في قصة (الأوبة)

 للكاتبة والأديبة السعودية وردة الصولي

 

بقلم الكاتب والباحث: احمد محمود القاسم

 

تنتاب المملكة العربية السعودية منذ فترة زمنية، موجة عارمة من الكتابة النسائية القصصية، من قبل كاتبات وأديبات سعوديات، اتصفن بالصراحة المطلقة، والشجاعة والجرأة، والتمرد، على واقعهن الاجتماعي المزري، والمظلم والتعيس، صار الموت لديهن أهون عليهن من معايشته، او القبول به، او التأقلم معه، ففضلن التصريح دو التلميح، بما يجول في خواطرهن من عواطف جياشة، وظلم وممارسات في المجتمع فادحة، عبر كتاباتهن القصصية النقدية اللاذعة، بشكل لم يسبق له مثيل، لمجتمع متحجر، منذ مئات السنين، يأبى أن يتزحزح ولو قيد أنملة، عن عقلية القرون الوسطى، ومهما كانت العواقب عليهن، او النتائج مدمرة أو أليمة، فهن يعتبرن ما سيحدث لهن، أفضل كثيرا مما آل إليه مجتمعهن ووضعهن، هذا المجتمع، الذي يتمسك بقيم وعادات وتقاليد وتراث قديم وبالي، نام عليه الدهر وشرب كثيرا، منذ عشرات السنين، وأصبح الدين وتقاليده وتطبيقاته، والذي يقود تنفيذ تعاليمه، التي ما أنزل الله بها من سلطان، جماعة تعرف بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حيث أصبحت كالسياط المسلطة على المجتمع السعودي عامة، وعلى المرأة السعودية بخاصة، فجماعة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتي هي عبارة عن تنظيم ديني متزمت يعيش في عالم خاص به، بعيدا عن الأحداث وتسارعاتها، بكل ما في الكلمة من معنى، والتي وجودها ينتشر بكل مكان على الأرض السعودية، أخذت على عاتقها منذ زمن بعيد جدا، مهمة تطبيق تعاليم الدين الإسلامي بحذافيره، وكما تفهمه هي، على الشعب السعودي المسالم، مع أن معظم منتمي أفراد هذه الجماعة، لا تحمل الشهادة الابتدائية، والقليل جدا منهم، من يملك شهادة جامعية، والأغرب من ذلك، عن تلك الجماعة، أخبار تتسرب، بنية تسليحها بالأسلحة الأوتوماتكية، كي تزداد قسوتها وقمعها لحرية المواطن السعودي، والمرأة السعودية بالذات، في نفس الوقت، الذي تشهد به معظم دول العالم، التحرر والإنعتاق والانفتاح من التخلف والعبودية والاستبداد الفكري والاجتماعي والإرهاب الديني.

الكاتبة والأديبة وردة الصولي في كتابها قصة (الأوبة)، وعلى لسان بطلة قصتها (سارة)، تعرض حياة بطلتها، وهي طالبة بالثانوية العامة، وكيف فاجأت صفها المدعوة (فلوة) الأخصائية الاجتماعية في المدرسة، حيث عملت مع زميلة لها على إخراج الطالبات من الصف بشكل فجائي، وتفتيش حاجياتهن، لعلهن يجدن ما لدى الطالبات من موبقات محروم عليهن تعاطيهن، مثل أدوات الماكياج والتجميل وأشرطة الفيديو كليب والأغاني والموسيقى المحرمة، وبعض الكتب الأدبية والعلمية والتي تعتبر محرمة عليهن تداولها. وقد تمكنت (فلوة) بشكل او بآخر، من تثبيت تهمة حيازة الممنوعات على الطالبة سارة، والتي قد تكون من ضمن عواقبها الوخيمة، الفصل من المدرسة، وإبلاغ أهل الطالبة، مما يترتب على الطالبة إجراءات قاسية من الأهل ومن المدرسة، قد تصل حد السجن في البيت، وحرمانها حتى من تنفس الهواء، إضافة لطردها من مدرستها.

تمكنت الداهية (فلوة) والتي تعمل مطوعة أيضا في جمعية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتي تعتبر من الناشطات العاملات بها، من عقد صفقة بذكاء ودهاء وخبث، مع الطالبة (سارة)، بحيث تعقد لها مصالحة مع مديرة المدرسة، وبعدم تبليغ أهلها بما حدث معها، على أن تكتب سارة تعهدا لدى إدارة المدرسة، كما هو متبع في مثل هذه الحالات، يتم بمقتضاه عدم معاودتها التعامل مع الكتب وأشرطة الفيديو وخلافه. فوافقت سارة على ذلك تحت إرهاب الخوف والتهدي،د والعقاب الشديد، وأسرعت "وقد وقعتُ على يد (فلوة) اليمنى وتقبّلها بامتنانٍ طفولي، وهي المرة الأولى في حياتها التي تنحني فيها على يد، وتقبلها كما تقول هي. وتتابع سارة:لكنني الآن أعي أن ذلك، كان إيذاناً ببدء تاريخ عبوديتي، ذلك التاريخ السحيق، الذي سلب من إنسانيتي حسها، ومن روحي رفيفها العلوي، وأطلق العجلة لتدور بسرعةٍ خرافية، فوق كل خليةٍ من خلايا جسدي وذاكرتي، ولتشكّل تلك المرأة، بيديها القاسيتين مصيري، بلا وجلٍ، وبلا تردد وبلا رحمة، وبلا شعورٍ بالذنب" (ص12).

منذ ذلك اليوم، أصبحت سارة تدور في فلك الاخصائية الاجتماعية (فلوة)، والتي أغرقتها بالكتيبات وأشرطة الكاسيت الدينية، لمشاهير شيوخ الصحوة، التي صارت الفتاة تخصص لها وقتاً يفوق ما تخصصه لدروسها، وتحت تأثير وسطوة (فلوة)، تحرق سارة كل ما تملكه من صورٍ وقصص ومجلات، وتذكارات ودُمى وأشرطة أغانٍي، خلاف الذي ستقدمه لها فلوة، حتى تؤكد قدرتها على هزيمة رغبات النفس والشيطان.

حقيقة الأمر، أن (فلوة) كانت تفكر بأعمق وأبعد من ذلك بكثير، حيث كانت تود ابتزاز (سارة) وجعلها طيعة، وكالعجينة بيديها، كي تعمل في المستقبل القريب، على تزويجها من أخيها المطوع (عبد الله)، دون مراعاة، لوضع أخاها ومرضه المزمن، وفرق سنه عن سن سارة، وغيرها من الصفات والطباع السلبية الأخرى والكثيرة، والتي لا يمكن أن تروم لسارة بأي حال من الأحوال، لولا الغشاوة التي أسقطتها (فلوة) على عينيها، وهكذا تمكنت (فلوة) بعد فترة زمنية مناسبة، وبظروف هيأتها مسبقا بشكل جيد جدا، من عرض فكرتها على سارة، وتقول لها وهي في آخر يومٍ من الامتحان النهائي، حيث تباغتها بلا تمهيد بالقول، بأنها لن تجد أفضل منها زوجة لأخيها عبد الله، حيث المواصفات تبدو مطابقة، إذ تصف سارة نفسها آنذاك بأنها "مطوعة صغيرة جديدة، و قبلية مثلها، وجميلة ومهذبة..ونعجة صغيرة!" (ص15).

تقول فلوة لسارة: فما رأيك يا سارة؟؟؟ وكأنها تحتاج أن تسمع رأيها،  وأنت تعلمين بأن أخي مطوع معروف، كل وقته يقضيه من البيت الى المسجد، ومن المسجد الى البيت، فأنت لا تحتاجين إلا الى رجل كي يتزوجك كباقي البنات، وأنت بحاجة الى رجل بهذه الصفات، وما عليك إلا أن تخدميه بعينيك قبل يديك، وتقضي معظم وقتك معه، بين المطبخ والسرير، وبين السرير والمطبخ، وستكون كل حياتك سعادة وهناء وبلا أي تعب، وعلى ضوء ذلك، تم زواجها وفقا للعادات والأعراف المتبعة، دون أن تعلم سارة، ما يخبأه لها القدر خلف هذا الزواج من آلام وأحزان ومآسي. فلم تكن تعلم بأنها قد تزوجت من ثور هائج، لكنه يلبس دشداشة بيضاء، تصل أسفل الركبة بقليل، وذو لحية كثيفة تصل الى منتصف صدره، وجسمه كل جزء فيه له كرش، فكرشه له كرش أيضا، قصير القامة وسمين، يسير بخطى ثقيلة، ويميل الى جانبه الأيمن قليلا.

تتحدى سارة أخاها (عمر)، وتتجاهل نصيحته لها برفض هذا الرجل الغريب الأطوار، الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً، ولكن الزواج يتم، ولا أحد يحول دون منعه.

تصف الكاتبة وردة الصولي على لسان سارة، ما حدث معها ليلة الدخلة فتقول: