الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

أعلى التالي

التعديل الأخير: 15/06/2008

دراسات

دراسات في أدب المرأة في العالم العربي1

 

الأدب النسائي.. بين مؤيد ومعارض

المرأة المثال في وجدان الشعر العربي

الصراع في قصص بثينة إدريس

الأناقة والإغراء في لغة أحلام مستغانمي

الأدب النسائي يفرض نفسه في ندوة بالقاهرة

 منظور الأدب النسائي في مذكرات هدى الشعراوي

أدب العواطف

تساؤلات حول إبداع المرأة

الكتابة النسوية وآليات التغييب

صورة المرأة في لا وعي المثقف العربي

الأدب النسائي

أدب نسائي في عالم عربي

صورة المرأة في القصة النسائية الإماراتية

المرأة العربية ... تأملات في حالها ودورها في صنع القرار

 

 

 

 

 

 

بعضهن رفض تصنيفه

الأدب النسائي.. بين مؤيد ومعارض

 

نشر في الوطن العمانية بتاريخ 7/8/2005

 

دمشق ـ أمينة عباس: مازال مصطلح الأدب النسائي موضع شك وارتياب بالنسبة للكثيرات من المبدعات، ومازال بالنسبة لبعضهن تهمة تلصق بما يكتبنه.. ومن هنا بقي هذا المصطلح يتأرجح بين مؤيد ومعارض، وسط مناقشات في الأوساط النسائية الأدبية بشكل خاص.

الكاتبة دلال حاتم تقول ليس هناك أدب نسائي وآخر رجالي، بل هناك أدب وموهبة، مع اعترافها بأن هناك مواقف وقصصاً تكون فيها الكاتبة أقدر على سبر أغوار المرأة لكونها امرأة، كما أن الرجل يكون قادراً على توصيف حالات وضع الرجل أكثر من المرأة على الرغم من وجود نماذج من أدباء استطاعوا الدخول إلى العوالم الأخرى مثل الكاتب يوسف إدريس الذي كان بارعاً في وصف عالم المرأة لكونه طبيباً، وعلاقته مع النساء جيدة، فنجح في سبر أغوار المرأة.

وتستطرد حاتم قائلة: ما يؤخذ على ما تكتبه المرأة أن الهم النسائي مازال موجوداً في كتاباتها، رغم أن هذا الهم هو جزء من هموم عامة، ولا يفترض أن نختصر الهموم في هذا المجال فقط.

د.ناديا خوست تقول: برأيي هناك مدارس أدبية في العالم، وبين تلك المدارس لا يوجد مدرسة تدعى الأدب النسائي، وبالتالي يصنف الأدب الذي تكتبه المرأة في مدرسة من هذه المدارس الأدبية التي يشترك فيها النساء والرجال على حد سواء، لأن المرأة إنسان ذو موقع اجتماعي واقتصادي، وذو علاقات إنسانية بالمجتمع الذي نعيش فيه، ومن هذا الأساس تعبر عن مبادئها وعن رؤيتها إلى الحياة، وهي في ذلك تتفق مع بعض الكتّاب، وتختلف مع بعضهم الآخر، لذلك وعلمياً لا نستطيع أن نطلق اصطلاح أدب نسائي نجمع فيه كاتبات مختلفات تماماً في الأسلوب والاتجاه والرؤية الفكرية.

يمكننا أن نستخدم كأسلوب عمل ونقد مفهوم أدب المرأة بدلاً من الأدب النسائي وذلك إذا كان التقييم لدراسة ملامح معينة في واقع معين وبشروط واضحة ومحددة وتحت عناوين واضحة، وهذا ما أقبله أنا، أما مفهوم الأدب النسائي فأنا أرفضه تماماً، وأعتقد أن ترديد هذا المفهوم ليس لزيادة قدر المرأة ورفع شأنها وإنما لتصغيرها وإعادتها إلى الحريم بحريم الأدب النسائي .

القاصة لبنى ياسين تقول: في البداية يجب أن نحدد معيار التصنيف, أن نقول أدبا نسائيا هل هو تعبير معياره الأسلوب؟ أم الإبداع أم انتقائية المواضيع أم خصائص تبرز في الكتابة النسائية تجعلها مختلفة عن الأدب الذكوري أو الرجالي أو الآخر مهما كان؟؟.

من ناحية الإبداع لا أجد فرقا في الكتابة معياره الجنس بل الاختلاف هنا شخصي تماما, أما من ناحية الأسلوب فقد تكون المرأة اشد حياءً في معالجة أمور العاطفة واكثر شفافية ورقة في التعبير عن المشاعر التي تنتابها أو تنتاب أبطال قصصها مثلا من نظيرها الكاتب الرجل وبالطبع ستسيطر عليها خصائص شخصية المرأة وخاصة إن كنا نتحدث عن المرأة الشرقية, لنأخذ الغزل مثلا ...قصيدة حب لامرأة تغازل فيها حبيبها تختلف تماما عما يكتبه رجل لحبيبته, فمثلا قد تجدين الكثير من القصائد أو القصص النسائية التي تحمل معنى (متى سيشعر هذا الرجل بمشاعري ويدنو ويبوح لي بمشاعره) ولكنك لن تجدي مثل هذا الموضوع عند الرجال لأنه هو المعني بالبوح والمصارحة وهذا فارق في شخصية المرأة والرجل أساسا, نحن لا نخلع شخصيتنا جانبا أثناء الكتابة مهما حاولنا أن نكون حياديين, هناك شئ منا يتسلل خفية بين السطور لكن القارئ يلاحظه بوضوح لذا قد تجدين هذا الفارق في تناول موضوع الحب والعواطف وما إلى ذلك كما في حال تناول موضوع الخيانة الزوجية في قصة كتبها رجل ستجدين تلويحا ما بان تقصيرا لدى الزوجة اجبر البطل على الارتماء في حضن أخرى بينما في قصة تكتبها امرأة ستتعاطف مع الزوجة غالبا وتظهر سمة الخيانة بوضوح وتصفها بشكل قاس.

أما في الهموم الوطنية والإنسانية فلن تستطيع على الأغلب أن تفرقي بين كتابة امرأة ورجل لأنها هموم إنسانية وهما أمامها سواء تماما لا فرق بينهما.

قد يطرح تعبير أدب نسائي كمعيار تصنيفي كما نقول أدب المهجر مثلا المقصود هنا دراسة آثار النساء الأدبية وخصوصية طرحهن ورؤيتهن للقضايا المطروحة وقلة تواجدهن العددي على الساحة مقارنة بتواجد الرجل, وأنا لا أجد في هذا التعبير من هذا المنظار أي ضير فبالنتيجة هنالك تعابير تصنيفية كثيرة في الأدب كما أسلفت (أدب المهجر, أدب الانتفاضة, أدب النكسة)، وطالما أن المعيار لهذا التصنيف ليس بقصد الإقلال من شأن المرأة بل بقصد إظهار خصوصيتها واختلاف رؤيتها فلم لا اقبله بل وارحب به أيضا؟!.

الروائية د.هيفاء بيطار وهي طبيبة انتقلت إلى عالم الكتابة في فترة التسعينيات وعرفت بغزارة إنتاجها بين قصة ورواية تعترف بأنها ليست ضد هذا المصطلح لاقتناعها بأن الكتابة النسائية لها خصوصيتها كما يمتلك الرجل الكاتب خصوصيته حيث تقول: أنا كامرأة عبّرت في روايتي (امرأة من طابقين) عن مشاعر شديدة الخصوصية لا تستطيع أن تشعر بها إلا الأم ولا يمكن للرجل مهما كان قادراً التعبير عنها بصدق، إضافة إلى أن المرأة تفهم العالم بصورة مغايرة لما يراه الرجل، فالمرأة لديها قدرة أكثر على الاحتضان والاستيعاب والتعمق في تفاصيل الأمور، وهذا لا ينتقص من قيمتها إذاً.. أنا مع أن يوجد مصطلح أدب نسائي ولكنني ضد أن يطرح هذا المصطلح على أساس أنه أدنى مستوى من أدب الرجل، وتضيف : أنا عندما أكتب لا أفصل بين كوني كاتبة وامرأة، فعندما بدأت الكتابة كان همي أن أعبر عن هموم ومعاناة شخصية، وبعد انتهاء هذه المرحلة بروايتي (يوميات مطلّقة) لم يعد الهم الشخصي هو محرضي بل أصبح هناك هم عام.

القاصة سمر شيشكلي قالت: طالما كان الإنسان بشكل عام كيانا تصوغه عوامل عدة تتباين بتفاعلها النماذج البشرية باستمرار وإلى نهاية هذا الوجود عوامل خارجية تتمثل في البيئة بأبعادها المتعددة, الاجتماعية منها أو الثقافية أو حتى الجغرافية وعالم الإنسان الداخلي تساهم في صياغته جيناته فتحدد قدراته وطاقاته ميوله ورؤاه إشعاعاته في ممارساته العقلية والنفسية من هنا والفكرة تتخذ أبعاداً أعمق مما ذكرت عندما تبحث بعلمية وموضوعية نجد اختلافاً وتنوعاً في الأنساق الفكرية والإبداعية بين البشر بين الرجل والرجل حتى في الوسط البيئي والثقافي الواحد فما بالنا بينهما في الأوساط المتباينة, وما بالنا بين الرجل والمرأة تحديداً.

مؤكدة أن طبيعة المرأة الإنسانية الأنثوية تختلف عن طبيعة الرجل ولكن ليس بمفهوم الأدنى والأعلى وليس على المرأة أن تدافع عن كيانها بالتغاضي عن اختلافها الطبيعي وتنكرها له وتشبثها بفكرة التماثل الإنساني بقدر ما عليها فهم طبيعتها واحترامها هي أولاً لتبدأ بالإشعاع برؤاها الفكرية والإبداعية النابعة من خصوصيتها المتمايزة عن خصوصية الرجل, علها تقدم للإنسانية نسقاً جديداً يحمل العالم إلى منعطف جديد من تاريخه, منعطف أكثر عدلاً وإنصافاً, إشراقاً وصحة.

الطبيعة الأنثوية ليست شيئا دونياً لتتنكر له المرأة, إنه جزء كبير من ذاتها, ولابد أنه سيلون إبداعها, سواء أكتبت عن شؤونها كامرأة, أو عن شؤون الإنسانية كجماعة تشترك بالعيش معا على هذا الكوكب, أو عن شؤون الرجل حتى إنها بذلك ستقدم العالم, بما فيه الرجل, برؤية تلونها ذاتها الخاصة, مما سيكون فرصة تنوع أصيلة للفكر الإنساني.

وإن بدأت المرأة بوعي ذاتها وإخراج تفاعلاتها الخاصة, إلا أن منطق العدل معها مازال قاصراً من جهة الرجل, ومازال السعي حثيثاً من جانبها لربح مواطنة حقيقية في مجتمعاتها والمقاومة ضد هذا المشروع شديدة سواء كان من جهة الجهل كخصم أول لها الجهل بإمكانياتها وخصوصيتها وقيمة هذه الخصوصية, أو من جهة الرجل باعتباره استمتع ويستمتع بدهر أزلي من التفوق الذكوري بكافة تجلياته.

والآن هل يمكن لنا أن نقارن أدباً أو فكراً تكتبه امرأة بما يكتبه الرجل؟ وكيف نقيمه؟

أظننا لو تكلمنا عن المعايير الفنية والتقنية فالأمر طبيعي أن تتم المقارنة بغض النظر عن الجنس, أما لو اتجهنا إلى خصوصية الرؤية فأظن أنه من غير العدل اعتبار أدب الرجل وفكره معياراً حاسماً.

ولا يمكنني أن أنسى مع كل هذا بأن الرجل هو أبي وأخي وصديقي وزوجي وابني, هو جزء عظيم من عالمي الذي أحبه والذي ساهم في تكويني بشكل أو بآخر, والذي أساهم في تكوينه أنا بدوري بشكل أساسي.

الناقدة الأدبية د.ماجدة حمود تقول: يبدو لنا أن مصطلح النسوية مازال يثير تساؤلات كثيرة، منها: هل هناك خصوصية في الخطاب النسوي؟ هل يعني استخدامه تمييزاً مطلقاً بين أدب ذكوري وأدب أنثوي؟ بمعنى هل يقصد من استخدامه التمركز حول الذات الأنثوية؟ هل هو مصطلح عادي يختزل دلالات متعددة عبر مفردة أو هو مصطلح بإمكانه أن يحمل دلالات خارجة عنه؟

لذلك مازال استخدامه يثير حساسية دعاة المساواة بين المرأة والرجل، كما يثير استخدام اسم المرأة حساسية التقليديين .

يبدو أن أي مصطلح يخص المرأة لا بد أن يثير الحساسية والجدل، مع أن المقصود من استخدام النسوية التعرف على الإبداع الذي تكتبه المرأة، وتلمّس مدى خصوصيته .

النسوية تعني جملة ما تكتبه المرأة من أدب، ولا شك أن مثل هذه الدراسة التي تحاول أن تختص بأدب المرأة تستطيع أن تمنحنا الدقة في الحكم، وبالتالي فإن استخدام مصطلح النسوية مثله مثل أي مصطلح لا يحمل دلالات تفضيلية، أما عزل أدب المرأة عن أدب الرجل فتقتضيه الضرورة المنجية البحتة، ولا يعني الانطلاق من رؤية ضيقة عنصرية غايتها التمركز حول الأنوثة.. هذه الحركة التي شاعت في الغرب وتبنت نظرة أحادية الجانب تغذي العداء بين الجنسين .

صحيح أن الأدب النسوي يتمحور حول العلاقة مع الرجل في أغلب الأحيان، فقد بدا هاجس الإبداع النسوي إبراز خصوصية هذه العلاقة، لكن هموم المجتمع والأمة كانت جزءاً من هم المرأة .

إذن لا يُقصد من استخدام هذا المصطلح الإشادة بتفوق جنس على جنس أو عزل الإبداع النسوي عن الإبداع الذكوري، وإنما الانطلاق من حقيقة الإبداع لابد أن يكون من نبض المعاناة الخاصة أولاً ثم يكسوه الفنان حلة عامة، ولا شك أن هذه المعاناة تتجلى عبر جماليات اللغة التي يمتزج فيها الفكر والشعور والتخيل، فيتجلى عبرها الشكل الفني، عندئذ نستطيع أن نلمس جماليات خاصة للرواية النسوية التي لخصتها بريجيت لوغار عبر أربعة محاور : الجنس وإدراك الجسد والتجربة الحياتية واللغة.

------------------------------------------

أضيفت في24/10/2005/ * خاص القصة السورية المصدر الكاتبة: لبنى محمود ياسين  ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

 

 

الأناقة والإغراء في لغة أحلام مستغانمي

 

بقلم: عبد السلام صحراوي*

 

تفردت الكاتبة والشاعرة الجزائرية "أحلام مستغانمي" وتميزت في تجربتها الكتابية لكونها أول كاتبة جزائرية وتميزت في تجربتها الكتابية لكونها اول إمرأة تخوض مغامرة الكتابة الروائية باللغة العربية، وهي دون شك مغامرة صعبة سيما حين نعلم ان جل الأدباء، والأديبات في الجزائر (الجزائريين) كتبوا بالفرنسية وترجمت أعمالهم بعد ذلك الى العربية. والأديبة "أحلام " تشير الى هذا الموضوع اشارة بليغة للغاية حينما تهدي روايتها الأولى "الى مالك حداد.. ابن قسنطينة، اذ تقول في اهداء روايتها "ذاكرة الجسد": "الي مالك حداد.. ابن قسنطينة " الذي أقسم بعد استقلال الجزائر الا يكتب بلغة ليست لغته.. فاغتالته الصفحة البيضاء.. ومات متأثرا بسلطان صمته ليصبح شهيد اللغة العربية، واول كاتب قرر أن يموت صمتا وقهرا وعشقا لها": وتقول أيضا في هذا الاهداء: "والى أبي.. عساه يجد هناك من يتقن العربية، فيقرأ له أخيرا هذا الكتاب.. كتابه " ا`ا. وليس عبثا ان تضمن "أحلام " هذا الاهداء لروايتها فالامع لا محالة متعلق بعشقها وحبها للغة العربية وهي تبعا لهذا تتجه نحو خرق القاعدة وتصدر روايتها الأولى باللغة العربية في الجزائر سنة 1993عن دار الآداب ببيروت، ويعاد طبعها عام 1996 في طبعة ثانية وفي طبعات أخرى فيما بعد. غير إن الطبعة الثانية لرواية "ذاكرة الجسد" يكتب مقدمتها الشاعر العربي الكبير نزار قباني.. وبعد سنوات من كتابتها "ذاكرة الجسد" تعود فتطل علينا من جديد برواية ثانية هي "فوضى الحواس" هذا العنوان الثاني لأعمالها الروائية الذي ارادته الكاتبة عنوانا للمرحلة الثانية من عملها الروائي الذي اشارت الكاتبة الى انه سيكون على ثلاث مراحل أي في شكل ثلاثية. فهي بذلك تعد بعمل روائي ثالث في المستقبل. اما "فوضى الحواس" فقد كان صدورها عام 1998 عن دار الآداب ببيروت (2). وقد اعتمد هذان العملان الروائيان للتدريس في كثير من الجامعات والمعاهد العربية، منها جامعة بيروت الامريكية وكذا معاهد الآداب في الجامعات الجزائرية من خلال اجتهاد بعض الاساتذة والطلاب.

كما ان للكاتبة بعض الاصدارات الاخري خارج الرواية وفي الشعر تحديدا منها "على مرفأ الأيام "- الجزائر 1973، و"الكتابة في لحظة عري" عن دار الآداب 1976، وكتاب صدر لها في باريس يحمل عنوان "الجزائر- المرأة والكتابة "(سنة1985).

والمقام لا يتسع هنا للحديث عن مضمون هذين العملين الروائيين لهذه الكاتبة، فليس موضوعنا هوا لتعرض للمضمون وانما أردناه حول: "لغة الكاتبة في كتابتها الروائية كما هي واضحة في عمليها الروائيين "ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس ".

ولعل أفضل ما يلخص مضمون العملين ما قاله نزار قباني عن "ذاكرة الجسد" وهو ينطبق على "فوضى الحواس" لكونها استمرارا ومرحلة ثانية لـ"لذاكرة الجسد" قال نزار عن "ذاكرة الجسد". وعن الكاتبة "أحلام ": "روايتها دوختني. وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة ان النص الذي قرأته يشبهني الى درجة التطابق فهو مجنون، ومتوتر، واقتحامي، ومتوحش، وانساني، وشهواني.. وخارج على القانون مثلي. ولو ان أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر.. لما ترددت لحظة واحدة ". ويتابع نزار قباني قائلا: "هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تكتبني) دون أن تدري.. لقد كانت مثلي متهجمة على الورقة البيضاء، بجمالية لا حد لها.. وشراسة لا حد لها.. وجنون لا حد له.

الرواية قصيدة مكتوبة على كل البخور.. بحر الحب، وبحر الجنس، وبحر الايديولوجيا، وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها، وأبطالها وقاتليها، وملائكتها وشياطينها، وأنبيائها، وسارقيها..

هذه الرواية لا تختصر "ذاكرة الجسد" فحسب ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري، والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي..."(3).

 

والذي يعود الى"ذاكرة الجسد" و" فوضى الحواس"سيقف على مدى صدق نزار قباني عندما علق على ما كتبته أحلام بهذه الكلمات الموحية، ويقف على الأحداث التي ضمنتها الكاتبة روايتها، وهي الأحداث التي طبعت تاريخ الجزائر أثناء الثورة الجزائرية المظفرة، وبعد الاستقلال وصولا الى الأزمة والمأساة التي لطخت تاريخ هذا البلد الشامخ باسم الديمقراطية والتعددية وايديولوجيات شرقية وغربية دفعت بأبناء البلاد الى التناحر، والتطاحن والقتال والاقتتال والسبية كانت "الجزائر" هذا البلد العزيز على قلوب الوطنيين والغيورين، والبلد المقدس في عيون الشهداء الأبرار.

 

ان ما يهمنا في هذا البحث المتواضع هو الوقوف على لغة الكتابة الروائية لهذه الكاتبة التي فاجأت القواء بعملين روائيين هما مفخرة الأدب الجزائري الروائي..

اذ تمثل الكاتبة نموذجا فريدا للكتابة الروائية "النسائية " في الجزائر. وهي التي ترفض أن تحاكم ككاتبة وتعتبر مصطلح "الأدب النسائي" نوعا من الاهانة للمرأة اذ تقول في حوار أجرته معها مجلة "زهرة الخليج ": "أنا أريد أن أحاكم ككاتبة بدون تاء التأنيث وأن يحاكم نصي منفصلا عن أنوثتي، ودون مراعاة أي شيء"(4).

 

وتقول في موضع آخر: "ان الكتابة بالنسبة لي متعة، ولا أمارسها الا من هذا المنطلق..." غير ان من أجمل ما كتبته فيما يتعلق باللغة والكلمات والكتابة يرد في نصوصها الروائية ومن ذلك ما تحدثنا به في رواية "فوضى الحواس" اذ تقول: "

يحدث للغة أن تكون أجمل منا، بل نحن نتجمل بالكلمات، نختارها كما نختار ثيابنا، حسب مزاجنا ونوايانا". وتتابع قائلة: "هنالك أيضا، تلك الكلمات التي لا لون لها ذات الشفافية الفاضحة كامرأة خارجة توا من البحر، بثوب خفيف ملتصق بجسدها إنها الأخطر حتما لأنها ملتصقة بنا حد تقمصنا". ان عناية الكاتبة بلغتها الروائية يفوق كل توقع، حتى ليخيل للقارئ ان لغة الخطاب الروائي عند "أحلام" هو موضوع النص ذاته، وهذا ليس غريبا حين نعلم أن الكاتبة عاشقة للغة العربية وهي تريد أن تصل باللغة الى مجدها أو تعيد لها فطرتها الاولي بعيدا عن الدنس والابتذال.

وهذا الاحتفال والاحتفاء باللغة في الكتابة الروائية عند أحلام يتبدى في كل مقاطع النصوص التي يصدم بها القارئ وهو يقرأ في "فوضى الحواس" أو في "ذاكرة الجسد". ان "أحلام " يمتد بها سرورها باللغة الى جعلها "بطل" النص كما يذهب الى القول أحد الباحثين.(5)

 

وقد ذهب عبدالله الغدامي في ترضيه العلاقة بين الكاتبة أحلام ولغتها الروائية الى حد القول ان الكاتبة استطاعت ان تكسر سلطة الرجل على اللغة، هذه اللغة التي كانت منذ أزمنة طويلة حكرا على الرجل واتسمت بفحولته، وهو الذي يقرر ألفاظها ومعانيها فكانت دائما تقرأ وتكتب من خلال فحولة الرجل الذي احتكر كل شيء حتى اللغة ذاتها. واذا كانت أحلام تريد أن تحاكم ككاتبة بدون تاء التأنيث فان روايتيها ملتصقتان بالأنوثة وهذا الالتصاق هو الذي جعل عملها الروائي يحظى بالتقدير والتفوق، حيث استطاعت ان تصنع من عادتها اللغوية نصوصا تكسر فيها عادات التعبير المألوف المبتذل وتجعل منها مواد اغراء وشهية، وراحت وهي تكتب تحتفل بهذه اللغة التي أصبحت مؤنثة كأنوثتها، وأقامت معها علاقة حب وعشق دلا على أن اللغة ليست حكرا على فحولة الرجال بل تستطيع أن تكون أيضا الى جانب الانوثة، فصارت اللغة حرة من القيد والثابوهات وصار للمرأة مجال "لأن تداخل الفعل اللغوي وتصبح فاعلة فيه فاستردت بذلك حريتها وحرية اللغة. وكل ذلك من خلال علاقة جديدة حميمية بين المؤلفة واللفة وبالأحرى بين الكاتبة ونسغ الخطاب اللغوي المتألق والمغري كما يبدو عند أحلام. "فأحلام" هي مؤلفة الرواية، وأحلام هي ايضا بطلة النص، واللغة فيما كتبته أحلام هي الأخرى بطلة، بحيث ان اللغة الروائية في هذين العملين تطغى على كل شيء وتتحول الى موضوع الخطاب وموضوع النص. فامتزجت بذلك انوثة اللغة المستعادة مع انوثة المؤلفة وكذا انوثة "أحلام " البطلة في الروايتين ووحدة العلاقة بين الانثى خارج النص والانثى التي في داخل النص تعني عضوية العلاقة بين المؤلفة ولغتها. وتمتد هذه العلاقة من خلال "اتحاد الانثى (أحلام مع كل العناصر الاساسية في الروايتين فأحلام هي أحلام، وهي المدينة وهي قسنطينة، وهي البطل وهي الوطن وهي الذاكرة وهي الحياة، لأنها في البداية كان اسمها حياة، وهي النص وهي المنصوص، وهي الكاتبة وهي المكتوبة وهي العاشقة وهي المعشوقة وهي اللغة وهي الحلم وهي الألم لأن الحلم والألم:

أحلام تساوي حلما وألما.(6)

 

في الروايتين تحررت المرأة "البطلة " وتحررت معها "اللغة" وتولد من ذلك نص روائي جديد يمجد اللغة بالدرجة الأولى ويحتفي بها. الأدب فن اداته اللغة، فاللغة هي الاداة الرئيسية لكل خطاب أدبي، وكيفية وأسلوب التعامل مع اللغة هو الذي يحدد قيمة وطبيعة الخطاب، فعلاقة الأديب باللغة هي في كل الحالات علاقة خاصة واستثنائية ومن هنا تصبح هذه العلاقة الخاصة، عبارة عن ممارسة للغة ( Une pratique ) ,تكتسب ابعادا مختلفة وترتقي الى مستوى الحميمية ( L'intirnite ) ومن ثم فان الخطاب الأدبي من هذا المنطلق، ومن كونه يعتمد على اللغة بل هو اللغة ذاتها يصبح خطابا خاصا باعتبار خصوصية العلاقة ما بين اللغة وصاحب الخطاب، ومادام الأدب فنا، فالفن ينتج عادة للتأثير في الآخرين شعوريا وجماليا، والجمالية ( L'esthétique ) لا تتأتى للخطاب الأدبي الا من خلال لغته، ومن ثم فان الكتابة الأدبية تتحول لدى الأدباء الى عملية إغراء ( Séduction ) طريق اللغة( discours séducteur ) التي هي الأداة الاساسية لديهم. وهذه العلاقة الخاصة مع اللغة تكتسي أهمية خاصة في التأثير وجلب انتباه الآخرين واهتمامهم ثم تقديرهم. ان الأدب لا يتأتى له ذلك الا بفضل ما للغة من امكانيات هائلة في التعبير التي مصدرها الأساسي هو (المجاز) داخل الاستعمال اللغوي في مجال التعبير الأدبي. ففي الكتابة الأدبية تتحول اللغة من كونها تؤدي وظيفة الاتصال والابلاغ فحسب الى مستويات تعبيرية أخرى، وذلك بتفجير طاقاتها الكامنة عن طريق المجاز وبطرق لم يسبق لها مثيل. ولو ان الأدب كان مجرد كلام عادي لكان ككل كلام. غير أن الادب هو ان تعبر عن الأشياء على غير منوال سابق وهو "السمو بتعبيرية الأشياء والسعي الى احداث عملية تشويش مقصودة في قاموس اللغة..." (8).

 

والأديبة الروائية "أحلام مستغانمي" تمارس علاقة خاصة مع اللغة، هذه العلاقة الخاصة مع لغتها تجعلها تكسر تلك المعادلة التقليدية والكلاسيكية بين الدال والمدلول، ناهيك ان اللغة في كتابات "أحلام" تتحول الى أداة "اغراء" ( Séduction ) ان "احلام " تتألق في "ذاكرة الجسد" وفي "فوضى الحواس " بل انها تتأنق وتمتاز بلغتها الساحرة المغرية للقارئ، حيث تمارس نوعا من العشق والمحبة للغة، وتصنع من هذا العشق وهذه اللغة أشكالا تعبيرية مريعة ومغرية للقارئ.

والأكثر من ذلك أنها - ولا شك - تستمتع وهي تكتب وتبدي نوعا من اللذة والاشتهاء للكلمات والأشياء بغريزة الأنثى التي تعرف قيمة الكلمات المؤثرة.. ويمتد بها الأمر الى حدود المتعة والسرور بالكلمات وباللغة. وهي لا تريد ان يخصها هذا الأمر وحدها.. بل انها تلقي به الى المتلقي- القارئ- حيث تستدرجه بلفة رائعة، صافية، كالحب، كالمتعة، كالشهية.. تستدرجه الى ساحات الريع الكلامي، وساحات الحبور والاحتفاء بالكلمات. أكثر ما يميز كتابتها الروائية هي هذه اللغة الأسرة، التي تأخذك على حين غرة وتأسرك وتمتعك، وتحاول دائما ان تشبهك، حتى تنال منك.. وتغريك بالمزيد من المتعة والجمال.. فهي منذ الوهلة الاولي تمارس دور "الـداندي" ( Dandy ) الذي يختار لنفسه الصدارة والمنصة البارزة، المتمرد ضد الزمان والمكان وأفكار الآخرين، والبدع للجماليات، والمتمرد على القوالب الجاهزة المأخوذة باناقته وتألقه والذي يشع كشمس غاربة او ككوكب مائل " (9)

 

ولا يمكن الوقوف على ظاهرة "الاغراء" في لغة "أحلام" الروائية الا بالعودة الى بعض النصوص من روايتيها "ذاكرة الجسد" و "فوضى الحواس" فهي في الاولي ومنذ الصفحة رقم 1 تبدد كل وهم وابتذال وآلية اللغة المحيطة بنا اذ تقول في دعوة مغرية الى مرافقتها وقراءة روايتها: "الحب هو ما حدث بيننا، والأدب هو كل ما لم يحدث... يمكنني اليوم، بعدما انتهى كل شيء أن أقول: هنيئا للأدب على فجيعتنا اذن فما أكبر مساحة ما لم يحدث، انها تصلح اليوم لأكثر من كتاب، وهنيئا للحب أيضا.. فما أجمل الذي حدث بيننا، ما أجمل الذي لم يحدث.. ما أجمل الذي لن يحدث".  (10).

 

وهذا الكلام يفري بسرد الحكاية وهو نفسه الذي تعيده الكاتبة عند خاتمة الرواية:

"الحب هو ما حدث بيننا والأدب هو كل ما لم يحدث" ص 403.

 

ويعلق أحد الباحثين مشبها أحلام بشهرزاد موحيا بما كانت تغري به شهريار من حكاية وسرد وقصص ورواية، يقول: "بين ما لم يحدث وما حدث يقع النص بين جملتين امتد الفاصل بينهما ما يقارب 400 صفحة، وامتد زمنيا على مدى سبع سنوات وستة

أشهر(11) أي لمدة ألفين وسبع مائة وأر بعين يوما (أو ليلة) مما يجعله يعادل حكايات ألف ليلة وليلة مرتين ونصف المرة أو أكثر. انه النص الذيس ينقض ليالي شهرزاد ليضع مقابلها أيام أحلام...".(12)

 

ولكن في ألف ليلة وليلة تحكي المرأة ويدون الرجل وفي "ذاكرة الجسد" يحكي الرجل

(خالد) وتدون المرأة "أحلام " وهل كانت شهرزاد غير امرأة تحسن القصص وتغري بالمزيد؟ وكذلك كانت "أحلام " ومن أول صفحة امرأة تحكي على لسان رجل وتغري القارئ بالمزيد، فيرافقها على مدى 404 صفحات دون كلل ولا ملل وهو مأخوذ بلغة ساحرة أخاذة لم يعهدها في الرواية والقصص.

 

الاغراء قوة جذابة، وهنا الاغراء تمارسه الروائية بلغتها الساحرة وتقترن اللغة بالانوثة في النص فتصير شباكا وجمالا خالصا يعد بالمتعة والجمال، وتعرف صاحبة القلم كيف تطرز لغتها ونصها فتزيح الكآبة واليأس عن القارئ وتعده بالنجاة والسلامة والدفء. ومهما قالت أحلام وصرحت، فاننا لا نزال نعتقد بقوة ان لغتها مغموسة ومعجونة بأنوثتها يفوح منها عطر الانوثة ودفئها، وأريج خدود المرأة، ورائحة مواد التجميل، ومسحوق الزينة، ان النص الروائي هنا هو مريب من سحر الانوثة وسحر اللغة حيث يمتزج الاثنان فيصبح النص اغراء بالحب وبالعطر وبالشوق وبالرغبة وبالذاكرة وبالصدق والكذب. انظر الى هذا المقطع من "فوضى الحواس " كم هو "اغراء" وسيلته اللغة الساحرة المغرية بالبوح: "في ساعة متأخرة من الشرق، يداهمها حبه. هو رجل الوقت ليلا، يأتي في ساعة متأخرة من الذكرى، يباغتها بين نسيان وآخر، يضرم الرغبة في ليلها.. ويرحل. تمتطي اليه جنونها، وتدري: للرغبة صهيل داخلي لا يعترضه منطق. فتشهق، وخيول الشرق الوحشية تأخذها اليه. هو رجل الوقت سهوا، حبه حالة ضوئية، في عتمة الحواس يأتي. يدخل الكهرباء الى اهازيج نفسها، يوقظ رغباتها المستترة، يشعل كل شيء في داخلها، ويمضي. هو رجل الوقت عطرا، ماذا تراها تفعل بكل تلك الصباحات دونه ؟ وثمة هدنة مع الحب، خرقها حبه، ومقعد للذاكرة، مازال شاغرا بعده، وأبواب مواربة للترقب، وامرأة، ريثما يأتي، تحبه كما لو انه لن يأتي، كي يجيء. لو يأتي.. هو رجل الوقت شوقا، تخاف ان يشي به فرحها المباغت، بعدما لم يثر غير الحبر بغيابه. ان يأتي، لو يأتي. كم يلزمها من الأكاذيب، كي تواصل الحياة وكأنه لم يأت كم يلزمها من الصدق، كي تقنعه انها انتظرته حقا.."(13). ان اللغة هنا تتحول الى مفاجأة مدهشة، وهي لم تعد "نظاما علاماتيا محايدا، لقد تحولت الى انثى مغرية قاتلة مع سمات انثوية قوامها الشعرية والسردية وجرعات زائدة من الذاتية والانفعالية والوجدانية.."، وما يبدو في هذا النص وفي نصوص ومقاطع كثيرة من الروايتين ان أحلام تتحكم في لغتها، تتقنها وتتأنق في استعمالاتها، وتذهب بها الى حدود بعيدة من الشعرية والأدبية، تمارس مع لغتها الغرابة والانزياح حينا والدهشة والفرحة والسرور حينا آخر، تلاعبها، تعانقها وتنتشي بها ولها، وتلامس الكلمات كما تلامس الورود والعطور في دفء، وفي عشق وفي نشوة عارمة تغري وتغري بالبوح دون ان تقول شيئا محددا تماما.

ان ملامسة الكلمات على هذا النحو، يذكرنا بقولها في الرواية، في الصفحة الاولي

منها: "هو الذي يعرف كيف يلامس أنثى، تماما، كما يعرف ملامسة الكلمات.. الى ان

تقول: "يحتضنها من الخلف كما يحتضن جملة هاربة بشيء من الكسل الكاذب..".(14)

 

لقد اختلط ما هنا حب اللغة بحب الجسد، وصارت اللغة جسدا للمغازلة والملامسة والاحتفاء، صارت اللغة والكلمات موضوع عشق ومحبة ومصدر متعة وروعة، وجمال ونشوة، بجمالية لا نجدها الا عند كبار من قالوا بالدهشة والغرابة في الأدب، وذلك في تراث الشكلانيين الروس في بحث مضن عن الأدبية والشعرية والجمال في الخطاب الأدبي.. وهم الذين أكدوا على "الاغراب" او "نزع الالفة ": "فالشيء النوعي بالنسبة للغة الأدبية - ما يميزها عن أشكال الخطاب الأخرى- هو انها "تشوه " اللغة العادية بطرق متنوعة. فتحت ضغوط الادوات الادبية، تتكثف اللغة العادية، وتتركز، وتلوى، وتنضغط، وتتمدد، وتنقلب على رأسها، انها لغة جعلت غريبة، وبسبب هذا الاغراب يصبح العالم اليومي، بدوره، غير مألوف فجأة.."(15).

 

وتزخر رواية "ذاكرة الجسد" وكذا رواية "فوضى الحواس"، بلغة الكاتبة التي صنعتها لنفسها وصنعت أدبها بلغة خاصة هي لغتها التي أحبتها وصارت عندها أداة إبداعية ووسيلة إغراء بالجمال الأدبي والفني والمتعة الفنية التي تسحر القارئ وتأخذه إليها طمعا في مذاق جديد للكلمة وللغة الأدبية التي كثيرا ما زج بها في خطابات مبتذلة سميت أدبا تجاوزا أو قهرا. وفي ختام هذا البحث نقدم هذا المقطع من "ذاكرة الجسد" الذي يختلط فيه الشعر بالنثر واللغة بالجسد جسد المرأة وجسد اللغة، وقسنطينة المدينة، وذاكرة الوطن، والرغبة بالخجل، والحب بالحلم، والحرائق والعشق، والمقطع على لسان خالد بطل الرواية: "أكان يمكن أن أصمد طويلا في وجه انوثتك ؟ ها هي سنواتي الخمسون تلتهم شفتيك وما هي الحمى تنتقل الي وها أنا أذوب أخيرا في قبلة قسنطينية المذاق، جزائرية الارتباك.. لا أجمل من حرائقك.. باردة قبل الغربة لو تدرين، باردة تلك الشفاه الكثيرة الحمرة والقليلة الدفء... دعيني أتزود منك لسنوات الصقيع، دعيني أخبئ رأسي في عنقك، اختبئ طفلا حزينا في حضنك. دعيني أسرق من العمر الهارب لحظة واحدة، وأحلم أن كل هذه المساحات المحرقة، لي فاحرقيني عشقا قسنطينة شهيتين شفتاك كانتا، كحبات توت نضجت على مهل، عبقا جسدك كان، كشجرة ياسمين تفتحت على عجل. جائع أنا إليك.. عمر من الظمأ والانتظار.. عمر من العقد والحواجز والتناقضات، عمر من الرغبة ومن الخجل، من القيم الموروثة، ومن الرغبات المكبوتة، عمر من الارتباك والنفاق. على شفتيك رحت ألملم شتات عمري..(16) وهذا النص الأخير أبلغ مثال على عنوان البحث وأشد تأكيدا على ما ذهبنا اليه..

* أكاديمي من الجزائر

الهوامش:

- أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، دار الأدب بيروت، ط 5، 1998. ص 5.

أحلام مستغانمي: ددفرضى الحواس"، دار الأدب، ط 1، 1998م.

انظر غلاف رواية أحلام مستغانمي: "ذاكرة الجسد" (بقلم نزار قباني، لندن) ط 5، 1998.

أحلام مستغانمي: "فوضى الحواس"، ط 1، ص 32.

عبدالله محمد الغدامي. المرأة واللغة، ط 1، 1996. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص 191.

انظر في هذا عبدالله الغدامي: المرأة واللغة ص 192، 193.

Séduction : Action de séduire -voir les sens du mot séduction et du mot séduire pour pouvoir assimiler et comprendre ce terme dans la littérature et I'art.

عبدالله حمادي: "ماهية الشعر". مقدمة ديوان "البرزخ والسكين "، وزارة الثقافة، دمشق 1998،ص 6.

أنظر عبدالله حمادي: مساءلات في الفكر والأدب (مقال بعنوان. طاهرة الدايديزم في الأدب العرمي) ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1994 "ذاكرة الجسد"، ص 7.

عبدالله الغدامي: المرأة واللغة، ص 185. لا بدأت أحداث الرواية في ابريل 1981 (ص 65) واستمرت حتى عام 1988، "ذاكرة الجسد".

"فوضى الحواس " ص 10، 11.

عبدالله الغدامى: المرأة واللغة.

فوضى الحواس، ص 1.

تيري انجلطون: مقدمة في نظرية الأدب، ترجمة: أحمد حسان، ط 2، القاهرة 1112، ص ا 1.

16 - ذاكرة الجسد، ص: 172- 123

------------------------------------------

أضيفت في30/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن موقع الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

 

الصراع في قصص  بثينة إدريس

 

 

بقلم: محمود رمـضان الطهطاوي

 

القاصة ( بثينة إدريس ) .. كاتبة تغوص بقلمها وفكرها في أعماق العلاقات الإنسانية ، وتكرحها على الورق بكل قسوتها ومرارتها وحلاوتها .

تتأقلم مع هذه العلاقات .. فتنقل بفنية مقاطع من المجتمع الذي نعيشه ، والذي تحتويه بخيالها الخصب ، وفكرها المستنير .

وهي كاتبة واقعية .. تتخذ من البيئة المحيطة بها مسرحاَ لأبطال قصصها ، ونجد أن ثقافتها الإسلامية تؤثر تأثيراَ مباشراَ على فكرة القصة عندها ، وكثيراَ ما توظف التراث الإسلامي لخدمة العمل الأدبي ، بل في بعض قصصها نجد أن هذا التراث الإسلامي موظفاً لخدمة العمل الإدبي ، بل في بعض قصصها نجد أن هذا التراث هو المحور الرئيسي للحدث .. وعليه تقوم الفكرة ، كما في قصة : (( ليست هي الصورة ولكن ؟! )) .

واللافت للنظر أن معظم كتاباتها تغوص في الجانب الإنساني تكشف الحقائق .. لذلك نجد الصراع يسيطر على مفردات الحدث

وقبل أن ندلف إلى أعمال القاصة ( بثينة إدريس ) .. نتوقف عند رؤية الكاتب ( على القحطاني : في ( أزمة القصة الإسلامية )، يقول القحطاني : (( تعاني القصة الإسلامية من ازورار وانصراف الكُتاب عنها وكأنها لاتعني لهم شيئا في دنيا التأليف )) . ويضيف موضحا : (( إن كًتاب هذه القصة غالبا ماينصرفون عنها بعد كتابة عدد محدود من القصص إلىالوان أخرى من الكتابة . والكُتاب الذين يواصلون الكتابة القصصية - وهم قلة - يذهبون إلى مذهبين : الأول : كتاب يكتبون بذات المستوى الذي كتبوا به قصصهم الأولى ، ولايبرحون مكانهم الأول فالأدوات هي الأدوات .. والثاني : الذين يتخلون عن كثير من النماذج القصصية التي يزعم أصحابها إسلاميتها وهي مستغرقة في الكثير من الشبهات والمواقف غير الإسلامية ....))

ولا أختلف كثيرا مع الأستاذ القحطاني ، وللحقيقة أقول : بعد بحث في عطاء الكاتبات السعوديات .. وجدت أن هناك كاتبات لهن محاولاتهن في القصة الإسلامية ، وأشرنا إلى بعضهن في هذا الكتاب مثل القاصة ( مقبولة مصلح صالح ) وقد قلنا عنها من قبل أنها تعد من كاتبات القصة الإسلامية ، و( بهية بوسبيت ) والتي تعطي للواقعية شفافية والقاصة ( حصة إبراهيم العمار ) والتي يعتمد بناء القصة عندها على الصراع الإنساني .. في محاولة منها للكشف عن أسرار الواقع بدلالاته . والقاصة ( بثينة إدريس ) .. محور دراستنا هنا .. لها أسلوبها الذي يبشر بامتلاكها الخطوة الأولى ، ولو استمرت لأصبحت من كاتبات القصة الإسلامية .. فهذه من الخصائص التي تتميز بها ، وإن كانت لم تجدد عوالمها بعد .

شئ آخر تركز عليه القاصة ، وهو الحالة النفسية للبطل ، ومن خلالها تبلور التجربة الفنية .. مع عملية المزج بين الواقع والخيال .. واقع بكل ثقله ، وخيال بكل شاعريته ورومانسيته ، وهذا واضح في قصتها ( ربما غداَ ) ذات الأسلوب الرومانسي ، والجمل القصيرة الموحية والتي تؤدي الغرض .. وهذا الأسلوب يتبعه معظم كُتاب القصة القصيرة الآن .. فلم تعد القصة تحمل الوصف الزائد ولا الجمل الطويلة المملة .

وعودة إلى قصة ( ليست هي الصورة ولكن ؟! ) . والتي تحمل كثيرا من مقومات القصة الإسلامية ، ففكرتها نابعة من الحديث النبوي الشريف .. الذي يوصي بالظفر عند الزواج ، بذات الدين . ونجد القاصة تعتمد في بنائها القصصي على الصراع النفسي للبطل .. فبعد لحظات القلق والتوتر .. يبدأ في التفكير في أمر زوجته التي طلقها .. بعد أن سمع أمام المسجد وهو يتحدث عن الحياة الزوجية والزوجة الصالحة .. وكأن القاصة تمهد للصراع ثم تجتاجه التداعيات .. فيتذكر زوجته وهي تصلي .. وبعد أن فرغت من صلاتها تقول وهي تبكي (( اللهم أنت تعلم بما تخفيه نفسي شراَ أو خيرَ .. ماذا فعلت هل أغضبته بدون أن أشعر ..)) . وبعد صراع مع الذات .. عاد إلى زوجته ليكمئن قلبه . نلحظ أن الصراع في هذه القصة بدأ من القمة - أي بداية القصة - وبدأ في العد التنازلي حتى تلاشى .ز والقاصة فعلت هذا بفنية رائعة وكما تقول هي في خاتمة القصة (( فليست هي الصورة ولكن هي الأخلاق والدين )) . وهذه القصة تثبت صحة مقولة القحطاني : ((إن الإلتزام بإسلامية القصة لايعني الجمود تماما ، كما أن التجديد لا يعني التضحية بإسلاميتها )) .

وتنقلنا القاصة إلى نوع آخر من الصراع .. من خلال قصتها : ( عفواَ إنها مطلقة ).. وتزيح الستار عن قسوة المجتمع ونظرته السيئة إلى المرأة المطلقة وتتساءل القاصة عبر القصة (( لماذا يحكمون عليها بالموت البطئ ويقتلون حبها ؟)) . سؤال توجهه القاصة إلى الآخرين وتعتمد القصة في بنائها على تصاعد الحدث المشحون بعنصر الدراما . . والقصة تجمع بين واقعية الحدث ، والتعبير عن الشخصية المطحونة .. والتي تحاول الخروج إلى معترك الحياة لتعيش خياتها .. ولكن المجتمع يرفضها فتعيش في إنعزالية .

ومن الهموم النفسية والروحية لأشخاص وأبطال قصص ( بثينة إدريس ) .. ينبثق الحزن والألم .. فنجد معظم شخصياتها معذبة ، كما في صورتها الخيالية : (ثم أشرقت شمس الحقيقة ) . وفيها نجد البطلة تستغل مواهب زوجها في الكتابة لتنشر مقالاته باسمها .. ثم يفتضح أمرها .. وبعد هذا الدرس القاصي .. تقرر الاعتماد على نفسها .

وفي قصة( وعادت المياه إلى مجاريها ) ، نجد صورة الأب القاسي ، المكابر ومن أجله تعيش اسلاته في عذاب نفسي وصراع

وكذلك حكاية ( لا يا أبي حاول أن تفهمني ) تجسد نفس الصراع والعذاب النفسي .. وفيها نجد الكاتبة على لسان البطلة .. ترفض وبشدة تصرفات الأب .. حتى أن حرف (( لا )) تكرر في القصة (17 ) مرة .

والحكاية تعتمد على التصوير الفوتغرافي والنقل الدقيق للجدث .. ولكن يغطي هذه الصورة المنقولة .. التأخير والتقديم في الحدث ودمجه بالتداعيات

والصراع في قصص الكاتبة لا يعتمد على اتجاهين فقط .. فأحياناَ يكون الصراع مع الذات كما في قصتي : (ثم أشرقت شمس الحقيقة ) و ( ليست هي الصورة ولكن ؟!( 9 )

وتبقى كلمت:

إن القاصة يتميز أسلوبها بالبساكة والعمق والوضوح ، وكما يقول د ( محمد جابر الأنصاري ) :(( إن الفنان الأصيل هو الذي يستطيع أن يجمع بين البساطة والعمق ، وبين الظاهر والخفي .. وإن مدعي الفن هو الذي يصطنع حاجزاَ ويختلق تباعداَ بين الجانبين ))

 

إغتيال الحلم في .. (( أواه يازمن الصمت )) للقاصة (( بثينة إدريس ))

 

(( أواه يازمن الصمت )) المجموعة الأولى للقاصة ( بثينة محمد إدريس )) ، والمجموعة تضم ( 10 ) قصص قصيرة ، يغلب عليها الطابع الرومانسي ، وتركز القاصة على الحالة النفسية للبطل / اليبطلة ، من خلال التداعيات .

وتحمل اللأسئلة لمحاولة الخروج من دائرة الكبت والصراع النفسي اللذان يحاصران (( الحلم )) ، ولكن الحلم يتحطم على صخرة الواقع ، فيغتال مرة ، ويضيع مرة ، ويموت مرة . الخ

إنشطار الحلم

في قصة (( إنشطار الحلم ) نجد الصراع النفسي للزوجة يتجسد ، فتحاول أن تكبت تلك الصرخة الكامنة في أعماقها ، وتخفيها على أولادها ، ولكن في لحظة ضعف يسأل ولدها : (( أمازال أبي سجيناً )) ، تنفجر : (( لا .. لا .. لا .. لم يعد سجيناً .. قد رحل ولن يعود ... ))

تقول في بداية القصة : (( في لحظات الصمت ثقبت جدار أحلامي .. ولامست يدي أحدهم ، تنحيت به جانباً وعدت أتلمس كم بقى من الأحلام في جعبة النسيان ؟ )) ص 13

وتقول في يأس : (( يمل الصبر من صبرنا في أوقات كثيرة وتتوارى الأحلام في ازدراء منا تخشى أن نبطش بها )) ص 14

استطاعت الكاتبة ان تجسد الحالة النفسية للبطلة بكل تداعياتها بكلمات تلغرافية .

ضياع الحلم

قصة (( ربما غداً )) تجسد ضياع الحلم من خلال الفتاة التي تعيش سعيدة مع اسرتها ، ويعدها والدها بألا يزوجها إلا بموافقتها ، ولكن ينقلب كيان الأسرة بعد زواج الأب من أخرى ، وإرغامها على الزواج من شخص لا ترغبه ، وبعد الزواج تتركه لتعيش مع والدتها .

وجسدت الكاتبة ضياع الحلم للبطلة وحيرتها ، حتى أن مفردة (( الحلم )) تتكرر في القصة بصورة ملفتة ومعبرة : (( أرحل بأحلامي . أعرف أنك حلماً . أعرفك تبدد أحلامي .. الخ )) .

وصورة أخرى من ضياع الحلم نلتقطها من القصة : (( أتدثر بستار الليل )) ، لذلك الفتى الذي يرغب الزواج من إنسانة يحبها ، ويشتد الصراع الصراع النفسي لبطل الضائع حلمه .. (( لشد ما أرجوه أن يتركني وعذابي وسفري المتواصل لأحلام أساسها الوهم )) ص 31 ، ويصرخ من أعماقه : (( حطمت كل أحلام الطفولة وامنيات الشباب )) ص 33

ويقرر الهروب : (( فالتمست الصبر من صوت الأحلام أرتجي الأمل من حقيبة السفر لأحلام الوهن .. )) 34

وتنتهي حياته بمأساة لحظة الهروب ، فتنحدر به السيارة ولايدري إلا وهو ملقى في المستشفى وقد فقد بصره .

واستطاعت الكاتبة توظيف (( الأنا )) في إبراز الحالة النفسية للبطل .

قتل الحلم

في قصة محكمة ، تجسد مشاعر امرأة طردها زوجها ومع أولادها من بيت الزوجية لتعيش في بيت فقير ، تصارع ما بداخلها من ذكريات مريرة ، حتى بعد موت زوجها لاتجد من دموعها أكثر من نصف دمعة تذرفها عليه ، ليس جحوداً منها ، ولكن ذكرياته المريرة وقفت حائلاً أمام دموعها هذا ماجسدته قصة (( نصف دمعة )) ، الذي تقدم لنا صورة لمقتل الحلم ، حلم امرأة كانت تود أن تعيش حياة طبيعية بين زوجها وأولادها ولكن الظروف أماتت حلمها البسيط

موت آخر للحلم نجده في قصة (( وريقات مطوية )) التي تحكي عن فتاة تموت أمها وتظل وحيدة في انتظار من يتزوجها ولكن الأيام تمر وتمضي سريعاً إلى أن تقول : (( وعليت في لوحة سمائي عنوان - عانس - )) ص58

ورغم أن القصة تعتمد عهلى سرد البطلة ، إلا انه من خلال التداعيات تشضصثقفغعهعر بالحركة والنقلة إلى عالم البطلة بكل مافيه من خلال مفاتيح الجمل والمقاطع : (( تلفت ، عدت ، رحت ، هتفت ، هجئت ، تناولت .. ألخ )) .

وقصة ( أواه يازمن الصمت ) رغم قصرها وتكثيفها ، إلا أن هذا التكثيف استطاع أن يظهر الصورة ويقدم لنا الخصائص الأسلوبية للكتابة بوضوح ، فتصور لنا لحظة قتل حلمها ، أو والديها اثر حادث أليم تنجو منه إلا هي

سقوط الحلم

سقوط الحلم تقدمه لنا الكاتبة بصورة مستفزة عبر قصتها : (( أهديك بقاياك )) .. التي تصور الرجل الجشع الذي يلقي بزوجته إلى المصحة النفسية طمعاً في مالها ، وبحاول ابنها الوقوف ضد والده من اجلها ولكن ترفض وتطلب منه أن يذهب إليه : (( إذهب إليه فهو أبوك .. كفاك .. لاتقل شيئاً .. )) ص80

ويسقط الحلم مرة أخرى في قصة : (( الرجال تموت صامدة )) .. والتي تجسد الصراع النفسي للشاب الذي يحب ابن عمه وعندما يتقدم لها يرفض والدها لعدم التكافؤ ، بعد أن فاته قطار التعبسيم ن واصبح مجرد بائع متجول ، فلا يجد بعد سقوط حلمه إلا البكاء ، واستطاعت الكاتبة طرح المشكل من الأعماق بأسلوب السهل البسيط ، ولغتها الشفافة .

أزمنة الحب

وتبقى في المجموعة قصة : (( أزمنة الحب )) أردت أن تكون الأخيرة ، لأنها الوحيدة التي تحمل حلماً عذباً ، وإن كان يتخلله الدم وصوت القنابل والرصاصات ، إلا أنه حلم جميل وسيمفونية رائعة لحب الوطن ، تجسدها الكاتبة بحبكة رائعة لاتخلو من الرومانسية التي تتغلب على كل قصص المجموعة

ولا أملك إلا أن أقول للكاتبة الواعدة كما ذكر الدكتور سيد حامد النساج : (( كاتب القصة القصيرة المجيد لايكتب كلمة واحدة لافائدة منها ، فإن كل كلمة تحسب عليه وهو حريص ألا يبعثر الرصيد هنا وهناك ))()

وهذا ماوجدته في مجموعة ( أواه يازمن االصمت ) بإستثناء قصة ( أنا ) التي غلبت عليها الجمل التقريرية ، مثل رسالة (( رُبى )) كان من الممكن الإشارة إليها فقط .

------------------------------------------

أضيفت في 29/05/2005/ * خاص القصة السورية/ المصدر الكاتبة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

 

المرأة العربية ... تأملات في حالها ودورها في صنع القرار

 

بقلم: زينب حفني*

 

منذ اللحظة التي وقعت فيها أول جريمة بشرية على سطح الأرض، حين أراق قابيل دم أخيه هابيل، والمرأة تحمل إرثاً ثقيلاً بسبب تلك التهمة الجائرة التي التصقت بها، إنها مصدر الشرور في العالم. هذه الواقعة استغلتها فئات متعصبة لتقص جناحي المرأة حتى لا تتمكن من الطيران بحرية في فضاءات العالم، وتناست هذه الفئات أن المرأة هي منبع الخصوبة والعطاء، من رحمها خرج الأنبياء، والقادة العظماء، وكبار الساسة. وليس غريباً أن يُطلق نابوليون بونابرت عبارته الشهيرة «المرأة التي تهز المهد بيمينها، قادرة على أن تزلزل العالم بيسارها».

 

صحيح ان المرأة عاشت عصوراً مظلمة، وعانت الأمرين من سطوة المجتمع الذكوري، الذي حال طويلاً دون تحقيق ذاتها، إلا أنها عاشت كذلك أزماناً مزهرة. ولو نقبنا في سجلات التاريخ منذ بدء الخليقة الى عصور الإسلام الزاهية، سنجد أن المرأة سجلت تفوقاً وبراعة في الكثير من أوجه الحياة، فكانت الملكة الحكيمة القادرة على إدارة شؤون دولتها، والعالمة، والفقيهة، والأديبة، والناقدة، والفارسة المقدامة. ولكن، شيئاً فشيئاً تقهقرت مكانة المرأة، وتضاءل دورها، وانكمشت صلاحياتها، وغدت مثل لعبة الشطرنج تُحركها الأيدي، من خلال استغلال جسدها في الدعايات التجارية، واستخدامها كواجهة في البرامج الغثة في القنوات الفضائية، حتى أصبحت تحيا حياة ضبابية لا نبض فيها، اللهم إلا محاولات مضيئة تنبعث على استحياء، من هنا وهناك، وبين حين وآخر.

 

هناك حكمة جميلة أطلقها أحد الحكماء، بأن المرأة قد أُخذت من جانب الرجل لتكون مساوية له، ومن تحت ذراعه لكي يحميها، وقرب قلبه لكي يحبها ويحترمها، ولم تؤخذ من رأسه لئلا تدوس عليه، ولا من قدميه حتى لا يهينها. أين المجتمعات العربية من هذه الحقائق الناطقة؟ كيف تمكن العودة الى هذه الآراء الصائبة؟ في رأيي، تغيير وضع المرأة يجب أن يبدأ بغرس هذه المفاهيم في فكر الأجيال الجديدة، من خلال المؤسسات التربوية والتعليمية، حتى تشب على احترام المرأة كإنسان له عقل واع وكيان مستقل، وليست مجرد جسد خُلق لغواية الرجل.

 

وتنقيح تراثنا العربي والاسلامي الذي شوِّه، وإعادة صوغه من جديد بنهج موضوعي، ونبذ الأحكام الجائرة التي تحط من قدر المرأة، وإبراز الانجازات العظيمة التي قدمتها المرأة على مدار التاريخ. فمن المعروف أن الكثير من الأوضاع المأسوية التي تعيشها المرأة اليوم، ما هي إلا حصيلة ثقافة ذكورية لا دخل للتشريع فيها، إضافة الى الاسرائيليات ومخلفات العصور الوسطى الغربية التي تحط جميعها من قدر المرأة، والتي حشرت في تعاليمنا الإسلامية حتى أضحت من المسلّمات في موروثاتنا الاجتماعية. كذلك كان للعهد العثماني المظلم دور في تضخيم الأنا الذكورية، من خلال نظرته الضيقة المتحجرة الى المرأة، بأنها خُلقت لمتعة الرجل وتلبية مطالبه الحياتية، ما أدى الى حصر أدوارها في أداء واجباتها المنزلية ورعاية الزوج والأبناء.

 

لا أبالغ إذا قلت ان المرأة اذا لم يُفسح لها المجال لتُشارك في صنع القرار، فلن يكون هنــاك نــضج فكــري، ولا تطور ثقافي، ولا تقدم اجتماعي، لأن الأمم تقاس من خلال احترامها لنصفها الآخر المتمثل في المرأة. فمن غير المعقول ان توضع تحت الإقامة الجبرية بحجة أنها ناقصة عقل ودين! لقد حان الوقت لكي يضع الرجل يده في يد المرأة، من دون أن يُعاملها على أنها أم الشرور ومبعث الرذائل في المجتمع، فكل إنسان رجلاً كان أو امرأة، وهبه الله نعمة العقل، لكي يُنتج ويُقدّم على مدار حياته ما فيه النفع لمجتمعه.

 

لم تتوقف نظرة العداء تجاه المرأة عند تحجيم مشاركتها في الحياة السياسية، بل تجاوز الأمر الى الاستهانة بفكرها، وعدم الاكتراث بأدبها والنظر اليه باستخفاف كما ينظر الى شخصها. سألني أحد الصحافيين: أين النقاد من أدبك؟ لماذا يحجمون عنه؟ ألأنك تكتبين أدباً يتميز بالجرأة والمكاشفة؟ حرت بداية في كشف النقاب عن الحقيقة المرة. لكنني أقولها بصراحة: إذا كنا نعيش اليوم زمن انحطاط اجتماعي وسياسي، فما العجب إذا أحجم النقاد عن الأدب النسوي؟ للأسف النقاد الرجال وأستثني قلة منهم، ما زالوا يستهينون بنتاج المرأة، ويرون أنه أدب بوح ومناجاة وأداة للتنفيس عما تعانيه من جور اجتماعي وقمع فكري. وفي معنى أدق هو أدب يدور في منظومة غريزة الأمومة، والعاطفة المكبوتة، والهم الخاص، وبعيد كل البعد من الواقع السياسي والاجتماعي العام، وهو ما جعلهم ينصرفون عنه بحجة أن لا دور أساسياً له في تطوير حركة التاريخ، وبالتالي لا وجود له في نسيج الأدب العربي.

 

في العالم أجمع ظلّت المرأة ملهمة الأديب والفنان، والتاريخ سجّل الكثير من النصوص التي كانت المرأة مصدراً لإبداعها، بل إن بعضهم بنوا صروح أمجادهم الأدبية من رفات النساء، في الوقت الذي غضّ التاريخ الذكوري الطرف عن الكثير من الإبداعات النسوية التي كان الرجل فيها مصدر إلهام للمرأة، من منطلق ان المرأة محظور عليها أن تطاول قامة الرجل لئلا تنتقص من قدره وتطعن في رجولته، بحسب ما يردد الموروث الاجتماعيّ! بل ان المرأة التي تجاسرت وتمردت على هذا القانون الذكوري، اعتبرت امرأة مسترجلة، تخلّت عن أنوثتها، لأنها تجاسرت ووطأت بقدميها أرضاً غريبة عنها، الى إحاطتها بسياج من الشك والريبة، وتعرضها للمساءلة القانونية والاجتماعية. وهو ما يدفعني للتوقف عند ما قالته الأديبة غادة السمان، من أن المرأة المبدعة تتعامل مع إبداعها من خلال موروثها الثقافي، بمعنى أن كما الرجال قوامون على النساء، كذلك الأدب الرجالي قوام على الأدب النسائي. في رأيي هذا الواقع أصبح من مخلفات الماضي، فقد دفعت أخيراً هذه الأجواء القاتمة بالأديبة العربية، الى الثورة على واقعها، والى تحرير فكرها من نغمة العيب والحرام، حتى نجحت في تمزيق الأغشية الوهمية المتمثلة في العرف والتقاليد، وفي كسر «التابو» المحرم عليها، من خلال إبداع عوالم حياتية تعكس واقع مجتمعها، الى أن أصبح أدب المرأة اليوم يتميز بالصدق الأدبي.

 

كثيرون يظنون أن كشف النقاب عن سلبيات المجتمع من اختصاص الأديب الرجل، لكنني أؤمن بأن الأديبة المرأة يجب ألا تُخلي مسؤوليتها وتنفض يديها عمّا يجري داخل أروقة مجتمعها. فطالما أن لهيب السلبيات يلفح بحرارته الجميع، وطالما أن الرجل والمرأة يخوضان غمار الحياة معاً، ويتجرعان مرارة الواقع المعيش من كأس واحدة، يجب أن تُسخّر الأديبة قلمها في طرح قضاياها، وفي المطالبة بحقوقها كون المرأة المثقفة وحدها القادرة على انتزاعها، لأن الحرف لا يعترف بالمسافات، ولا يخضع للجنسيات، ولا يتوقف عند الحواجز، والقلم الحر لا يهاب الأمواج العاتية ولا تضعفه عواصف التهديد.

*كاتبة سعودية، والنص محاضرة القتها أخيراً في جامعة القاضي عياض – المغرب.

--------------------------------------------------

أضيفت في20/05/2005/ * خاص القصة السورية/ عن الحياة ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

  

 

 

صورة المرأة في القصة النسائ