|

لولو تكتشف الطبيعة
بقلم
الكاتب:
يحيى
الصوفي

وصلت لولو
برفقة والديها المنطقة الريفية الجميلة القريبة من المدينة فوجدتها قد لبست
حلتها الخضراء الجميلة كعادتها في فصل الربيع، فراحت تركض فرحة وهي تلامس
بساقيها الصغيرتين العشب الأخضر الرطب فتثير من حولها المئات من الحشرات
الصغيرة الطائرة منها والنطاطة والتي بدأت بالهروب تاركة الزهور البرية
المتناثرة بينها، وقد شكلت بتموجاتها الداكنة لوحة متقنة مليئة بالألوان
تشبه تلك التي تغمس ريشتها الصغيرة بها عندما تحب أن ترسم على الأوراق
البيضاء في حضانتها التي بدأت ترتادها منذ أول العام.
فجأة وقع
نظرها على عينتين كبيرتين تنظران إليها بدهشة واستغراب !. اقتربت لولو
منهما متفحصة بفضول... فهي لم تشاهد مثلهما من العيون ملقاة على إحدى
الزهور دون رأس أو جسد من قبل !. مدت إصبعها الصغير تحاول أن تتعرف إليهما باللمس
أكثر فانطبقتا على بعضيهما البعض ليصبحا عينا واحدة ؟ .قبضت لولو على تلك
العين الغريبة المسطحة بإصبعيها الصغيرتين فسمعت من يصيح بها
-
أي ...أي ...أنت تؤلمينني ...اتركيني...اتركي جناحي !!!.
استغربت
لولو من ذلك الصوت وتركت العين الرقيقة لتتفاجأ بها اثنتين تصفقان وتطيران
بعد إن تركتا أثارا تشبه البودرة الناعمة على إصبعيها !؟.
صاحت لولو
مستغربة:
-عيون تطير
ضحكت نبتة
للورد قريبة منها وقالت:
-فراشة...تلك العيون اسمها فراشة، كانت ضيفتي
تتناول من رحيق أزهاري فطورها، لقد أفزعتها...هربت منك ؟.
لولو
مستغربة:
-ولكن لها عينتين كبيرتين
نبتة
الورد وهي تبتسم:
-أنها عيون وهمية مرسومة على جناحيها الرقيقين تتخفى خلفهما
حتى تخيف وتبعد عنها الطيور !.
سألتها
لولو:
-تطعمينها لماذا ؟.
نبتة
الورد: إنها كغيرها من الفراشات تسدي لي خدمة جليلة
!.
لولو:
كيف؟.
نبتة
الورد: تنقل ما لدي من غبار الطلع إلى زهرات أخرى لتختلط وتلقح... إنها
وسيلتنا للملامسة والتزاوج تشبه القبلات عندكم... وهكذا وبعد كل قبلة تنضج
بذرة تعطي إذا ما زرعت نبتة وزهرة جديدة.
لولو:
وأنت ما اسمك ؟
نبتة
الورد: أنا يسمونني الأقحوان، يأخذون مني الدواء والعطور والألوان.
أجابتها
لولو وقد لحظت حشرة ملونة تسعى على إحدى أوراقها:
-وهذه تطعمينها أيضا، إنها
صغيرة جدا تنزلق انزلاقا لا أرى لها أرجل ؟.
الأقحوان:
إنها خنفساء تعرفينها من النقاط السود المبعثرة بانتظام على ظهرها الأملس
الأحمر الذي يشبه الدرع، هي تأكل عندي أيضا ولكن من حشرات المن السوداء
الصغيرة المتخفية تحت أوراقي،
لولو:
ولكن البقع السوداء ولونها الأحمر لا يخيف كيف تتخفى عن أعدائها ؟
الأقحوان:
أنها تنذرهم بلونها الصاخب لتقول لهم بأنها لا تصلح للأكل، فان هاجمها
عصفور ما انقلبت على ظهرها وتظاهرت بالموت حتى يذهب عنها الخطر . !
أمسكت
لولو بإحدى الأوراق تقلبها فوجدت جيش من النمل يرسم خطا طويلا قادما من
الأرض نحو عش للمن فاستغربت من ذلك وقالت: والنمل أيضا ؟.
الأقحوان:
النمل يا صغيرتي لا أحبه أبدا هو يأتي ليحلب المن ويحمل ما يستخرجه من
بطونها من عسل إلى العش ليطعم صغاره... وهو يحميها ويربيها تحت أوراقي ولهذا
فهو ليس من أصدقائي !.
لولو: هل
تتألمين عندما يقضمون أوراقك ؟
ضحكت
الأقحوان منها وقالت:
-نحن النباتات لا نتألم، ليس لنا جهاز عصبي مثلكم لنحس
به ولا جهاز للهضم، ! ولكن قد نصاب بالمرض أو نموت من الجوع أو العطش، أو
بكل بساطة نختنق من قلة النفس.
استغربت
لولو منها وقالت:
-تتنفسين وتأكلين وتشربين ؟ لا أرى فماً لك فكيف تفعلين؟
قهقهت
الأقحوان وقالت:
-أنا أتغذى واشرب من التربة عن طريق جذور لي مدفونة فيها ؟
لولو:
غريب فمك تحت التراب ؟
الأقحوان:
لا... أنا لا فم لي... أنا لي جذور تشبه القصبة الرفيعة التي تشربين العصير
بها، واطرح عن طريق أوراقي ما يزيد من الماء ولهذا تجدينني غضة وطرية ونضرة
وأزهاري جميلة تحوي كل الألوان... ومنها تعرف الإنسان عليها وأخذها ليخط بها
ويرسم لوحاته بإتقان... ولون بها الشفا والخدود لتصبح كل فتاة رقيقة مثلك
أخاذة للجمال... وصنع من أريجنا العطر ليفتن بها الروح ويقرب القلوب ويطهر
الأبدان.
مدت لولو
يدها الصغيرة تتفحص أوراقها الخضراء وزهورها الصفراء الجميلة ثم قبضت عليها
براحة كفها وهزتها برفق ثم قالت: -لا تقولي بأنك تتنفسين كما تتكلمين معي وتتفصحين ؟ !.
أخذت نبتة
الأقحوان تتمايل بدلال وهي تضحك وتقول:
-أنت تدغدغينني وعلى ما يبدو لم
تصدقينني... ما رأيك إذا قلت لك بأنك بحياتك لي تدينين ؟
تفاجأت
لولو بها وبغرورها بعد أن أطلقت سراحها وقالت:
-كيف ؟ ! بهذا أيضا تتدخلين ؟.
الأقحوان
بفخر: لما لا فانا التي اصنع الأكسجين وأنظف جو المدينة المقيت المليء
بالمازوت والكربون لأصنع به غذائي وأعطي بدلا منه الهواء النظيف التي
تتنفسين.
لولو وقد
شعرت بالغيرة:
-وان قطفتك ولوالدتي هديتك فماذا تفعلين ؟
الأقحوان
بشيء من الزهو:
-تكوني قد أكملت عطائي وزينت المائدة بزهوري... فنحن نطعم
ونفرح وفي كل يوم نعطي الآلاف منا دون أن نكل أو نمل أو نستكين.
وما إن
همت لولو بقطاف الأقحوان حتى وجدت نفسها بين ذراعي والدها وهو يصيح بها:
-أين ذهبت تعالي لكي تتناولي فطورك... وهو يطبطب على ظهرها برفق: هيا ...هيا
سرت لولو
وقد وجدت المائدة جاهزة تتوسطها كأس فيها ماء وبعض من أزهار الأقحوان فقالت
وهي تمسك صحنها المزخرف: -فراشة انظر بابا هذه فراشة... ثم أشارت إلى الناحية
الثانية منه وقالت: خنفساء هذه خنفساء ماما أليس كذلك ؟... وتلك أزهار
الأقحوان جميلة هي ورائحتها عطرة ويوجد منها العديد من الألوان.
تفاجأت
والدة لولو بها وقد تعرفت على الرسوم وقالت:
-من علمك كل هذا ؟
نظرت لولو
إلى أزهار الأقحوان فرأتها تبتسم وتشير إليها بان تحفظ سرها... سر
الحياة... سر الوجود...إذا كان لسرهم في قلبها من مكان... فرددت ببراءة:
-ماما هذه فراشة وهذه أقحوان...
يحيى الصوفي جنيف في 24/04/2004
-------------------------------
أضيفت في04/02/2006/ * خاص
القصة السورية (للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب الطفل)
  

لماذا سكت النهر؟
بقلم
الكاتب:
زكريا تامر

كان
النهر في الأيام القديمة قادراً على الكلام، وكان يحلو له التحدث مع
الأطفال الذين يقصدونه ليشربوا من مائه ويغسلوا وجوههم وأيديهم، فيسألهم
مازحاً: "هل الأرض تدور حول الشمس أم الشمس تدور حول الأرض؟".
وكان
النهر يبتهج لحظة يسقي الأشجار فيجعل أوراقها خضراء.
وكان
يهب ماءه بسخاء للورد كي لا يذبل. ويدعو العصافير إلى الشرب من مائه حتى
تظل قادرة على التغريد.
ويداعب
القطط التي تأتي إليه فيرشقها بمائه، ويضحك بمرح بينما هي تنتفض محاولة
إزالة ما علق بها من قطرات الماء.
وفي
يوم من الأيام أتى رجل متجهم الوجه يحمل سيفاً فمنع الأطفال والأشجار
والورد والعصافير والقطط من الشرب من النهر زاعماً أن النهر ملكه وحده.
فغضب
النهر، وصاح: "أنا لست ملكاً لأحد".
وقال
عصفور عجوز: "لا يستطيع مخلوق واحد شرب ماء النهر كله".
فلم
يأبه الرجل الذي يملك سيفاً لصياح النهر وأقوال العصفور إنما قال بصوت خشن
صارم:
"من
يبغي الشرب من ماء نهري، يجب أن يدفع لي قطعة من الذهب".
قالت
العصافير: "سنغني لك أروع الأغاني".
قال
الرجل: "الذهب أفضل من الغناء".
قالت
الأشجار: "سأمنحك أشهى ثماري".
قال
الرجل: سآكل من ثمارك متى أشاء، ولن يستطيع أحد منعي".
قال
الورد: "سأهبك أجمل وردة".
قال
الرجل ساخراً: وما الفائدة من أجمل وردة؟!.
قالت
القطط: "سنلعب أمامك كل صباح ارشق الألعاب، وسنحرسك في الليل".
قال
الرجل: "لا أحب ألعابكم، وسيفي هو حارسي الوحيد الذي أثق به".
وقال
الأطفال: "نحن سنفعل كل ما تطلب منا".
فقال
الرجل: "لا نفع منكم فأنتم لا تملكون عضلات قوية".
عندئذ
استولت الحيرة واليأس على الجميع بينما تابع الرجل الكلام قائلاً: إذا
أردتم أن تشربوا من ماء نهري، ادفعوا لي ما طلبت من الذهب".
لم
يحتمل عصفور صغير عذاب العطش، فأقدم على الشرب من ماء النهر، فسارع الرجل
إلى الإمساك به ثم ذبحه بسيفه.
بكى
الورد. بكت الأشجار. بكت العصافير. بكت القطط. بكى الأطفال، فهم لا يملكون
ذهباً، وليس بمقدورهم العيش دون ماء، ليكن الرجل الذي يملك سيفاً لم يسمح
لهم بالشرب من ماء النهر، فذبل الورد، ويبست الأشجار، ورحلت العصافير
والقطط والأطفال، فغضب النهر، وقرر الامتناع عن الكلام.
وأقبل
فيما بعد رجال يحبون الأطفال والقطط والورد والأشجار والعصافير، فطردوا
الرجل الذي يملك سيفاً، وعاد النهر حراً يمنح مياهه للجميع دونما ثمن غير
أنه ظل لا يتكلم، ويرتجف دوماً خوفاً من عودة الرجل الذي يملك سيفاً.
   
رندا تلعب
رسمت
رندا بطباشيرها الملونة على الحائط ولداً صغيراً، ولما تأملته الفته عابس
الوجه، فسألته: "ما اسمك يا ولد؟".
قال
الولد العابس الوجه: "اسمي وضاح. لماذا تسألين؟".
قالت
رندا: "أنا أبغي مساعدتك. لماذا أنت حزين؟".
قال
وضاح: "ضاعت طابتي".
فضحكت
رندا، وبادرت إلى رسم طابة كبيرة ذات ألوان حمراء وزرقاء وبيضاء، ففرح
وضاح، وسارع إلى اللعب بها، فقالت له رندا: "دعني ألعب معك".
فلم
يوافق وضاح، فغضبت رندا، ورسمت بالطباشير نهراً أزرق كثير المياه.
رمي
وضاح الطابة بقوة إلى أعلى، فطارت ثم سقطت في النهر، فبكى وضاح منادياً
الطابة التي حملتها مياه النهر بعيداً عنه.
قالت
رندا: "لا تبك".
ظل
وضاح يبكي حتى أشفقت رندا عليه، ورسمت دراجة لها ثلاثة دواليب، فشهق وضاح
مغتبطاً، وامتطى الدراجة مطلقاً صيحات قصيرة حادة مرحة، ولكنه فجأة زال
فرحه، وعبس وجهه، فسألته رندا: "ما بك؟".
قال
وضاح: "أنا جائع".
قالت
رندا: "اذهب إلى بيتك وكل".
قال
وضاح: "لا بيت لي".
قالت
رندا: "إذن اذهب إلى مطعم".
قال
وضاح: "لا نقود معي".
قالت
رندا مبتسمة: "أنا مثلك جيوبي فارغة خاوية".
فبكى
وضاح مردداً: "أنا جائع. أنا جائع".
احتارت
رندا ولم تدر ما تفعل، ولكنها بعد تفكير قليل، أخرجت من جيبها منديلاً،
وبللته بماء النهر ومسحت به ما رسمت على الحائط، فتلاشى عندئذ وضاح
والدراجة والنهر، وظلت رندا تقف وحدها محنية الرأس حزينة لأن ولداً صغيراً
لم يجد ما يأكل.
   
القط الذي لا يحب
المطر
القط
الصغير يلعب مبتهجاً، والرجال الذين يحبون الأشجار الخضراء يحرثون ويبذرون
حبات القمح ثم يتوسلون إلى الريح أن تأتي الغيوم.
وأقبلت
الغيوم رمادية اللون، وهطل المطر، وركض الفرع عبر الحقول مطلقاً صيحات
عالية مرحة.
فرح
التراب العطشان، وشرب بنهم من ماء النهر.
فرحت
حبات القمح لأنها ستصير سنابل خضراء.
فرح
الرجال الذين حرثوا الأرض، فسيحصدون القمح في الصيف، وعندئذ يصبح
باستطاعتهم شراء ما يحتاج إليه أولادهم من طعام وثياب وكتب.
فرحت
الغيوم لأنها تخلصت من ماء يتعبها حمله، وصار بإمكانها التنقل برشاقة من
مكان إلى مكان.
فرح
العصفور إذ غسلت الأمطار ريشه، وحين ستسطع الشمس، سيحط على غصن شجرة، ويغرد
فخوراً بريشه النظيف.
وهكذا
عمّ الفرح، غير أن القط الصغير الذي لم يكن يملك مظلة، غضب لأن الأمطار
بللته، وهرع إلى أمه ساخطاً مرتجف الذيل، وقال لها: "أنا لا أحب المطر".
فنظرت
إليه الأم مؤنبة مستنكرة، وقالت: "يجب أن تحب ما ينفع الجميع".
صاح
القط الصغير: "لن أحب المطر".
قالت
الأم بهدوء: "يجب أن تكره ما يؤذي الجميع".
فقال
القط الصغير بإصرار: "أتمنى ألا يهطل المطر أبداً"
وبعد
أيام، تحقق ما تمنه القط الصغير، فقد رحلت الغيوم، وكّف المطر عن الهطول
قبل أن تنال حبات القمح ما تحتاج إليه منا ماء، وحينئذ سارع التجار إلى
زيادة ثمن القمح حتى يتكاثر ما يملكون من مال، وبات الخبز لا يستطيع شراءه
إلا الأغنياء، ولم يعد بمقدور القطط الحصول على الخبز، فالقطط فقيرة لا
تملك سيارات أو أبنية.
جاع
القط الصغير، فقال لأمه باكياً: "أنا جائع".
فقالت
له أمه بحزن: "ماذا أفعل؟ لا يوجد خبز في الأسواق".
فقال
القط الصغير متسائلاً: "وأين الخبز؟".
فأجابت
الأم مبتسمة: "الخبز يصنع من القمح، والقمح لا ينبت إلا إذا شرب الكثير من
المطر.. المطر الذي لا تحبه".
فخجل
القط الصغير، وعاهد أمه على أن يحب المطر.
   
الريح
قال
الغزال الصغير للريح: "احمليني إلى شاطئ البحر".
فضحكت
الريح، وقالت بلهجة مؤنبة: "أنت كسول، فللماذا أحملك ما دمت سريع
الركض؟.".
قال
الغزال: "أنا متعب جداً فهيا ساعديني".
قالت
الريح: لا أستطيع تلبية طلبك، فأنا لا أشتغل في الصيف".
قال
الغزال بغيظ: "إذن متى تشتغلين؟".
قالت
الريح: "اشتغل في الشتاء فقط".
قال
الغزال متسائلاً بهزء: "وما هو عملك؟".
فأجابت
الريح بصوت دهش مستنكر: "ألا تعلم؟ أنا أخلص الأشجار من أوراقها الصفراء
اليابسة، وأنا أثقل الغيوم المحملة بالمطر إلى الحقول العطشى".
غضب
الغزال، واتهم الريح بأنها لا تريد مساعدته، وأبلغها أنه لم يتحدث معها،
غير أنه ابتسم حين أبصر أرنباً يتواثب مرحاً، فصاح به: "أنا أسرع منك في
الركض".
قال
الأرنب فوراً: "ماذا تنتظر؟ هيا نتسابق".
وانطلق
الغزال والأرنب يركضان، وهمت الريح أن تتحداهما وتشترك في السباق، ولكنها
ظلت صامتة هادئة إذ تذكرت أنها لا تشتغل في الصيف إنما تستسلم للراحة
منتظرة الشتاء.
-----------------------------------------------
أضيفت في07/02/2006/ * خاص
القصة السورية / عن
اتحاد الكتاب العرب (للتعليق
والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب الطفل)
   

الجني...
بقلم
الكاتب:
عادل أبو شنب

كانت
فطمة تقفز من الفرح، تنط كعصفور جائع في بيدر والأولاد يتحلقونها مأخوذين
بهذا الفرح الغامر غير المألوف الذي حولها إلى جنية صغيرة. وأمينة رفيقتها
التي لا تفارقها تحاول عبثاً معرفة السبب.
وكان
النهر ينساب على بعد خطوات في مسكنة، يملأ ماؤه الأخضر اللون.. مجراه
المحفور منذ مئات السنين وعلى ضفتيه تشمخ شجرات الحور بجباهها التي تعانق
الشمس وترنو إلى الماء الكسول في احتقار.
قالت
أمينة:
-قولي.
قولي يا فطمة.
قالت
فطمة:
-الآن
أبدأ. حتى لو أطعمتني بقلاوة لن أقول. بعد قليل تشاهدين كل شيء بنفسك.
ونطت
على قدم واحدة كما تفعل في سباق القدم الواحدة في المدرسة ونهداها الصغيران
يثبان والأولاد يتبعونها.. باتجاه النهر.
كان
الوقت خريفاً والأشجار تتعرض لنسيم بارد يسقط الأوراق، ومن بعيد كانت تسمع
أصوات الفلاحين الذين يعملون في الأرض.
وكانت
شجرة الحور الكبيرة المنتصبة في خيلاء.. ترسم على صفحة ماء النهر ظلاً،
والظل المستحم في الماء يعطي الشجرة امتداداً معاكساً ذاهباً نحو الأعماق،
وكثيراً ما كان أولاد القرية يقفون على الضفة يحدقون إلى الظل المرسوم على
صفحة الماء:
-هاهنا
أعمق مكان في النهر.
-الماء
يغمر ثلاثة جمال فوق بعضها.
-كل
سنة يأكل الظل المرسوم على الماء.. ولداً.
وكان
النهر العجوز في انسيابه غير مكترث بالأولاد هادئاً رزيناً نائماً أو
متناوباً.. كأنه غيلان حكايات الجدات تنام بعيون مفتوحة الأحداق.
ورثت
الجدات قصة النهر عن جداتهن وهؤلاء ورثنها عن جداتهن من قبل وأصبح العرف
الشائع في القرية التي تحتضن النهر إن الاستحمام في نقطة وقوع ظل شجرة
الحور الكبيرة على الماء.. يؤدي إلى الهلاك بسبب من وجود جني هائل الحجم في
أعماق النهر، يبتلع الذين يقذفون بأجسادهم إلى الماء. ولقد حدث أن حاول
فتيان، في الماضي الاستحمام في النقطة الخطرة فابتلعهم الجني –تقول الجدات
–ولم ينج منهم أحد.
وصل
الأولاد الذين كانوا يجرون وراء فطمة إلى ضفة النهر وكان أحمد بوجهه الناحل
القلق ينتظر، كتفه تستند إلى ساق شجرة الحور، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة
شجاعة لم تستطع أن تخفي اضطراب عينيه. كان بلا ملابس تقريباً وبدنه البني
اللون يرتجف من لسعات نسيم الخريف.
قال
فطمة:
-أأنت
عازم فعلاً؟
قال
أحمد:
-أجل
وتهيب
الأولاد الموقف، كان ظل أحمد على صفحة الماء ملاصقاً لظل شجرة الحور
الكبيرة المنتصبة وكان النهر يسير هادئاً كسولاً.
وعندما
صمت الأولاد.. سمع من الضفاف القريبة نقيق الضفادع.. كأنه صلاة، فدب الخوف
في القلوب الفتية وأيقن الجميع أن أحمد، سيد لذاته من صبيان القرية،
سيختطفه الجني القابع في أعماق النهر.
كانت
فطمة من مطلع الثالثة عشرة حلوة فمها منمنم وعيناها سوداوان واسعتان يعيش
فيهما مكر صبياني وجديلتاها الفاحمتان.. تتقاتلان مع المنديل المزركش الذي
يلف وجهها الأبيض ويمنع تسللهما إلى الخارج. وكان أحمد يبدي في كل مناسبة
اهتماماً خاصاً بها وعندما قالت له قبل ساعة واحدة أثناء جولة قضياها معاً
على ضفاف النهر:
-أأنت
على استعداد لعمل ما أطلبه منك؟
قال
بسرعة:
-نعم
حتى ولو طلبت حليب السبع.
وقالت:
-وإذا
طلبت منك العوم في النهر قرب شجرة الحور الكبيرة؟
أجاب:
-افعل..
وقالت
تسأله، وتدعم سؤالها بحركة حائرة من ذراعها:
-ألا
تخاف؟
-ممن؟
-من
الجني.
-أنا؟
أنا أخاف؟ سأعوم من أجلك أمام جميع أولاد الضيعة.
نظر
أحمد إلى عيني فطمة ونظرت فطمة إلى عينيه بدورها.
كان
الأولاد واجمين ينقلون أبصارهم ما بين جسد أحمد البني اللون والجسد المائي
الممتد في كسل وتراخ داخل المجرى المحفور منذ مئات السنين، كانوا مذعورين
وكانت شجرة الحور الكبيرة المادة ظلها في فوق الماء.. تبدو في عيونهم كمارد
مخيف ولو لم يكونوا مجتمعين للجأ كل منهم إلى البكاء.
واستعد
أحمد للعوم: رفع ذراعيه إلى أعلى بعملية شهيق طويلة وراح يحدق بسرعة إلى
الوجوه الصغيرة المحتقنة بالقلق التي أذهلتها المفاجأة.
وتمتمت
فطمة:
-الله
معك.
وأسبل
أحمد أهدابه.. كمن يستسلم لمصير مجهول وتسارعت دقات قلب الأولاد وهبت نسمة
باردة أسقطت أوراقاً خريفية أخرى اضطجعت على صفحة الماء كأنها.. جثث، وسمع
النقيق الجنائزي بوضوح وراحت أمينة تلهث من الإعياء وظهر الندم في عيني
فطمة غير أن ارتطام جسد أحمد.. بالجسد المائي المنساب في المجرى بدل كل شيء
وجعل الأولاد يصرخون.
انشقت
نقطة وقوع ظل شجرة الحور على الماء.. عندما لامسها أحمد فكأنها شدق هائل
الاتساع.. ابتلع الجسد الفتي، وكف الأولاد عن الصراخ، وعادوا إلى الذهول
والصمت والترقب، ولأول مرة رأوا تكسر الظل المرسوم على صفحة الماء، غير
أنهم لم يفكروا جميعاً في هذه اللحظة إلا بالجني الهال الحجم القابع في
أعماق النهر.
ومرت
ثوان..
وعاد
النهر العجوز بسرعة إلى انسيابه الكسول، ومن جديد أسقطت نسمة خريفية أوراق
الشجر فوق صفحة الماء وراحت الضفادع تؤدي دورها وشجرة الحور الكبيرة تشمخ
بأنفها..
كأنها
آلهة، وأصوات الفلاحين البعيدة تختلط بخوار البقر الأجش، وكان الأولاد
ممتقعي اللون لا يتحركون.. كأنهم دمى خشبية يملأ عيونهم ترقب ملوث
بالدموع.
فجأة..
انشقت صفحة الماء في النهر المنساب بكسل.. عن جسد أحمد بالذات، ورأى
الأولاد الوجه مبتلاً بالماء وبالسعادة فراحوا يصيحون.. كأنهم يمتطون
أرجوحة العيد.
وسمع
صوت أحمد، لأول مرة بعد خروجه من الأعماق:
-الماء
بارد لكنه منعش..
وتتابعت الأسئلة التي كانت حائرة على شفاه الصغار:
-والأعماق؟
-..
كأعماق أي نهر آخر
-والجني؟
-لا
شيء حتى ولا سمكة صغيرة.
-والماء؟
-بارد،
بارد.. لكنه منعش.
-وصرخت
فطمة في فرح وقلق:
-اخرج
يا أحمد لئلا تبرد.
وكان
أحمد يسبح تارة على بطنه وأخرى على ظهر |