الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 06/02/2009

دراسات أدبية للكاتب: د. عبد الله أبو هيف

القصة القصيرة في سورية من التقليد إلى الحداثة

إلى صفحة الكاتب

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

رؤى فنية وفكرية

استواء الاتجاهات التقليدية

رواد ومؤسسون

  مقدمة

من نماذج التحديث

 

القصة القصيرة في سورية من التقليد إلى الحداثة

 

المقدمة

 

أصبحت القصة القصيرة في سورية سيدة الفنون النثرية في خمسينيات القرن العشرين على أنها الإبداع الأبرز في كتابة الأجناس الأدبية، فتخطى القصاصون نظراءهم الشعراء إقبالاً على الاشتغال بالقصة القصيرة كمياً بالدرجة الأولى، فنشرت عشرات المجموعات القصصية، ثم تطور الإبداع القصصي في مستوياته الفكرية والفنية المتعددة خلال عقد الستينيات، وتصدر قصاصون مبدعون أمثال زكريا تامر وعبد السلام العجيلي وألفة الإدلبي وغادة السمان وسعيد حورانية وفاضل السباعي وأديب نحوي الساحة القصصية العربية، وخاض القصاصون في نهر التجديد والتجريب نحو الحداثة وما بعدها.‏

 

ويتصدى هذا الكتاب للتطور القصصي في سورية منذ تكوّن مصطلحها السياسي في ثلاثينيات القرن العشرين إلى اليوم، وقد وضعت تمهيداً ينظر في الإطار العام للنثر القصصي في هيمنة القص التقليدي وانبثاق الفنّ الروائي، وما آل إليه التطور السردي من تعدد أشكال النثر القصصي ونضوجها واستواء الكتابة فيها، وتلا ذلك توصيف للمشهد القصصي في الثمانينيات تمثيلاً لتباين الممارسة وأساليبها السردية خلال عقد ما، ثم التحليل النقدي الموجز للكتابة القصصية الجديدة التي استحوذت على الإبداع القصصي خلال نصف القرن الأخير.‏

 

وخصصت الفصل الأول للتعريف بالجهود الريادية والتأسيسية للقصة القصيرة واخترت عدداً من المبدعين الراحلين الذين تميزوا بإبداعهم منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وهم علي خلقي وفؤاد الشايب ومحمد الحاج حسين وسعيد حورانية وعدنان الداعوق وخديجة الجراح.‏

 

وعاينت في الفصل الثاني استواء الاتجاهات التقليدية كالواقعية عند نصر الدين البحرة وجمالية تقاليد القصّ عند اسكندر لوقا وارتقاء التعبير السردي عن الإحساس المأساوي بالحياة لدى صلاح دهني واحتضان القضايا الاجتماعية والقومية عند وهيب سراي الدين.‏

 

وتناولت في الفصل الثالث بعض الرؤى الفنية والفكرية المعبرة عن الانعطافة من التقليد إلى الحداثة وما بعدها مثل النظر في السخرية مظهراً من مظاهر الحداثة عند عدد من القصاصين وتحليل السرد الاستعاري مثالاً لتقانات القصة الجديدة وفلسطين والجولان في التعبير القصصي المقاوم حيث غلب الموضوع القومي والوطني على الكتابة القصصية إلى وقت قريب، إذ يندر أن تخلو كتابة قاص من التصدي للعدوان على الأمة والوطن وتعزيز الفعل المقاوم في منظومته القيمية الأشمل وأبعاده العربية والإنسانية والمباشرة وغير المباشرة المتعددة.‏

 

وعالجت صور المرأة في القصة القصيرة في نماذج قصصية تظهر مدى الدخول في النزعة النسوية عند القاصات والنزوع الذكوري عند القاصين تمهيداً لتحليل إنسانية صور المرأة التي جاوز فيها القصاصون معاناة النوع الاجتماعي في عمليات إنتاج المجتمع وإعادة إنتاجه.‏

 

وتناولت في الفصل الرابع نماذج التحديث القصصي ونزوعاته من خلال نماذج قصصية لعدد من القصاصين المتميزين مثل سرد الحداثة وما بعدها والاعتمال بشعرية السرد والتجديد القصصي واستطاعته الرؤيوية والسرد السوريالي في إهاب الأسطرة ومحاولات تحديث القصّ الواقعي والسرد الواقعي ورحابته في نقد المجتمع والصدق الواقعي وفن الإيماء ومجاوزة التبشير العقائدي والتحديث من خلال التزام تقاليد القص الواقعي وأسلوبية النصوص السردية وتمثل السرد السيري والابتعاد عن غواية الإنشاء اللغوي. وتظهر هذه النزوعات الكثير من مظاهر الانعطافة من التقليد إلى التحديث.‏

 

وجعلت الفصل الخامس توثيقاً لمصادر نقد القصة في سورية من خلال ثبتين الأول ثبت المجموعة القصصية من عام 1931 حتى اليوم، والثاني ثبت الكتب المؤلفة كلياً أو جزئياً عن القصة والرواية في سورية، لصعوبة الفصل في الكتابة النقدية عن أشكال النثر القصصي.‏

وآمل أن يقدم هذا الكتاب صورة عن تطور القصة القصيرة في سورية وانعطافتها من التقليد إلى التحديث.‏

المؤلف‏ أيار 2004‏

  

 

التمهيد

 

1- الإطار العام للنثر القصصي:‏

تعد فنون النثر القصصي ولا سيما القصة القصيرة والرواية، الإنجاز الأكبر للأدب الحديث في سورية سواء في تمثل تقنياته وأساليبه لغة وبنية وصنعة فنية أو في غنى الدلالة الاجتماعية والتاريخية أو في تعدد الاتجاهات والرؤى ويصعب الفصل بين أجناس النثر القصصي، وأكتفي بالإلماح إلى أهم ظواهر التطور القصصي (قصة ورواية) ثم أركز بشكل خاص على القصة القصيرة في الإطار العام لنضوجها واستواء تجاربها الفنية والفكرية، ثم توصيف المشهد القصصي في الثمانينيات انموذجاً للنظر في تطور الفن القصصي خلال عقد ما، ثم التحليل النقدي الموجز للكتابة القصصية الجديدة الناجزة أو مما هي قيد الإنجاز. وتتلخص أبرز الظواهر فيما يلي:‏

أولاً: تقلص مساحة المثاقفة بمعناها السلبي بفعل استواء المؤثرات الأجنبية، وامتلاك القاص والروائي لناصية فنه والتوازن بين هذا الفن والأفكار.‏

 

أن مقارنة سريعة بين الرواية «في المنفى» لجورج سالم (1962) ورواية «ملكوت البسطاء» لخيري الذهبي (1976) وروايات خليل الرز تظهر بجلاء مدى الاستفادة من النزوعات التجريبية الغربية من موقع مستقل وإبداعي واضح، فثمة تأثير أجنبي كافكاوي مباشر في الرواية الأولى، وثمة تأثير فوكنري قوي في الرواية الثانية، ولكن الروائي الثاني يوسع مجال تأثيره بنزوعات أخرى وجودية ونسبية وجديدة (نسبة إلى الرواية الفرنسية الجديدة) كتيار الوعي وتغير الضمائر وتناوب الرواة وتبديل الزمن وتعدد زوايا النظر، والتصرف بمسافة النظر، دون أن يقطع الروائي صلته بتاريخه وتجربته الروائية روائياً و مساراً روائياً عربياً وتمضي روايات خليل الرز في تجديد السرد الروائي إلى التعالق النصي والإبداعي مع الرواية الفرنسية الجديدة ضمن صياغة متميزة، بل إن روائيين آخرين يبدعون أشكالهم، وينوعون أساليبهم التعبيرية في صنعات روائية مبتكرة في الموقف من الواقع أو المجتمع الروائي أو الزمن أو التاريخ، كما هو الحال في روايات «الشمس في يوم غائم» لحنا مينة (1973)، و«المتألق» لعبد النبي حجازي (1980)، و«وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر (1984).‏

 

ثانياً: تقلص حجم العنصر السيري في الأعمال الروائية. صحيح أن أغلب الروايات المهمة في تاريخ الرواية العربية تستند إلى أساس سيري، إلا أن الروائي العربي في سورية قد استطاع أن يثمر هذا العنصر في صنعته الروائية، وأن يصير إلى حافز إبداعي في السياق الفني. وهذا واضح في أعمال حنا مينة «بقايا صور» (1975) و«المستنقع» (1977)، وأعمال نبيل سليمان «ينداح الطوفان» (1970) وحيدر حيدر «الزمن الموحش» (1973) وملاحة الخاني «بنات حارتنا» وغيرهم. وهذا واضح في القصة أيضاً كما في مجموعة «النار: حكاية طفل لم يرزق بعد» (1996) لمحمد عبدو النجاري.‏

 

ثالثاً: تقلص التحكميات السابقة على الأعمال الروائية مثل الأفكار والأيديولوجيات والتحزب والالتزام وفكرة الروائي عن فنه، وهي تحكميات غالباً ما تلغي الجنس الأدبي وتزيد من قلق الرواية وخلخلتها أمام الموقف الموضوعي في العمل الفني، وهذا القلق واضح في روايات كثيرة في الستينيات كزخم المعلومات المعرفية والطبية والذاتية والسياحية والتاريخية وغير ذلك، مما يكثر وروده في روايات عبد السلام العجيلي وفاضل السباعي وعبد الرحمن الباشا وحسيب كيالي، ويقال مثل هذا عن تحكميات أخرى.

رابعاً: نجاح القصاصين في تخليص القصة القصيرة من معضلات الممارسة الفنية التي تكمن في الإرث الطويل من تكريس الأوهام حول القصة القصيرة في النظرية والتطبيق. وقد تخففت القصة القصيرة من مظاهر التضييق المختلفة كالتداخل بين وظيفة القصة وموضوعها، والتداخل بين وظيفتها واتجاه كاتبها والتداخل بين فعالية القصة وفعالية المتلقي والتداخل بين الممارسة الاجتماعية والممارسة الفنية والتداخل بين الفن ومجرد الوثيقة أو المرحلية(1).‏

 

لقد وصلت القصة القصيرة إلى بلاغة مشهودة في تقنياتها وتعبيرها عن الجماعات الإنسانية والأوضاع الاجتماعية التي تصدت لها، ومن أبرز الأعمال القصصية التي تدخل دلالة واضحة على هذا التطور، «حكاية مجانين» لعبد السلام العجيلي (1972)، و«عزف منفرد على الكمان» لجورج سالم (1976)، و«النجوم» لعبد الله عبد (1977)، و«موت الحلزون» لوليد إخلاصي (1978)، و«النمور في اليوم العاشر» لزكريا تامر (1978)، و«الرجال الخطرون» لياسين رفاعية (1979)، و«الوعول» لحيدر حيدر (1978). و«سلامات أيها السعداء» ليوسف أحمد المحمود (1980)، و«رمي الجمار» لنصر الدين البحرة (1980) و«آدم والجزار» لعدنان الداعوق (1979) و«أحلام ساعة الصفر» لعادل أبو شنب (1973) و«رحيل المرافئ القديمة» لغادة السمان (1973)، و«أحزان حتى الموت» لفاضل السباعي (1975).‏

 

خامساً: تنوع الاتجاهات الفنية ولا سيما الواقعية بتقسيماتها المتعددة كالتعبيرية والانتقادية والانطباعية والاشتراكية والجديدة والطبيعية تحت وطأة تأثير الحداثة والتطلع المستمر إلى التجديد والالتزام. كانت الاتجاهات السائدة حتى مطلع السبعينيات هي التعليمية والإتباعية والرومانتية والواقعية بأشكالها الانتقادية والطبيعية، ولكن المرحلة الراهنة قد بلغت شأواً كبيراً في تحديث الخطاب القصصي بأشكال حداثية هي مجرد «موضات» عند الكثيرين، فنجد لدى القاص الواحد سوريالية وإتباعية وواقعية اشتراكية ورومانتية ووجودية وعبثية في مرحلة واحدة أو أكثر.‏

 

وفي هذا الإطار التاريخي، انطلقت تجارب القصاصين الجدد تتوسل إلى الحداثية بوسائل تعبير منسجمة حيناً، وغامضة أو مبهمة حيناً آخر، وربما كانت تجارب محمد كامل الخطيب ورياض عصمت وإبراهيم الخليل وخليل الحميدي ونيروز مالك وزهير جبور وجمانة طه وغسان كامل ووليد معماري وسحبان سواح وجميل حتمل وإبراهيم صموئيل وملك حاج عبيد هي الأكثر انسجاماً في تحديث أساليبها وتأطير رؤاها، بينما توغل تجارب أخرى كثيرة في التجديد الذي يستعصي أحياناً على الإيصال كما عند محمد خالد رمضان على سبيل المثال.‏

 

على أن ساحة القصة القصيرة ما تزال تعتمل بالصراعات الخفية بين الاتجاهات المختلفة، حيث الرومانتية والإتباعية والتسجيلية والواقعية الانتقادية ـ وما تزال ـ من أقوى الاتجاهات أيضاً، كما في قصص عبد السلام العجيلي وكوليت خوري وقمر كيلاني وفاضل السباعي وعبد العزيز هلال وصلاح دهني وجان الكسان وعدنان الداعوق وشوقي بغدادي ومظفر سلطان ودلال حاتم وحسيب كيالي وضياء قصبجي وغيرهم.‏

 

سادساً: وعي القصاصين والروائيين لتجاربهم، وهذا واضح في التنظير الواسع الذي بدأ يمارسه كثيرون مثل حنا مينة في كتابه «هواجس في التجربة الروائية» (1987) وعبد السلام العجيلي في كتابه «أشياء شخصية» (1968-1980)، وآخرون في شهاداتهم ومقالاتهم ومقابلاتهم المنشورة في الكتب والدوريات. وثمة وعي يتمثله القصاصون والروائيون في تطوير فنهم على مستوى اللغة والسرد والحكائية والحوافز والأغراض والبنية إجمالاً، وهذا ملحوظ في مئات القصص المنشورة.‏

 

2- المشهد القصصي في الثمانينيات:‏

ماتزال القصة القصيرة هي الأكثر دوراناً على أقلام الكتاب في سورية إنتاجاً وتنوعاً وغنى، بل إن نظرة عجلى إلى ثبت المنشور منها في مجموعات أو دوريات يشير إلى ذلك الكم الهائل بالنسبة إلى الأجناس الأدبية الأخرى، وإذا كان قصاصو الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين أمثال ألفة الأدلبي وعبد السلام العجيلي وأديب نحوي وحيدر حيدر، قد غادروا بدرجات متفاوتة إلى أجناس أخرى، ولا سيما الرواية، فإن القصة القصيرة تستأثر باهتمام الكتاب الجدد، وتثير حماستهم في الإبداع، ولا تنقل في هذا المجال إلا هوى كتابة القصة القصيرة، نظراً لطبيعتها اللاهثة المتوترة، لدى كتّاب السبعينيات اقتصر على مجموعة صغيرة واحدة لعدد غير قليل من القصاصين، ثم انقطعوا إلى مشاغل أخرى، مما يفضي إلى نتيجة أولى هي أن كتابة القصة القصيرة لدى الكتّاب الجدد في السبعينيات ليست هموماً تستأثر باهتمامهم، أو مركزاً يستقطب تطلعاتهم والتوجه الإبداعي لديهم(2).‏

 

ويتصدر المشهد القصصي في الثمانينيات قصاصو الستينيات والسبعينيات على وجه الخصوص أمثال، وليد إخلاصي ونصر الدين البحرة وناديا خوست وقمر كيلاني وكوليت خوري ومحمد كامل الخطيب ورياض عصمت وحسن صقر ووليد معماري وخليل الجاسم الحميدي وزهير جبور وغيرهم كثر.‏

ونشط الجيل الأسبق ممن كتبوا في الأربعينيات والخمسينيات إلى حد ما، كما هو الحال مع ألفة الأدلبي وأديب نحوي وعبد السلام العجيلي وفاضل السباعي وبديع حقي ومراد السباعي، وإن كانت القصة في المرتبة الثانية من اهتماماتهم. ومن اللافت للنظر أن بعض القصاصين المتميزين في المشهد القصصي في سورية قد صمتوا مثل سعيد حورانية الذي لم ينشر منذ منتصف الستينيات أكثر من قصتين أو ثلاث قصص قصيرة.‏

 

أما القصاصون المعتبرون مثل حنا مينة وفارس زرزور وهاني الراهب وحيدر حيدر فقد هيمنت الرواية على نشاطهم الإبداعي.‏

وعلى هذا النحو نجد أن الذين أصدروا مجموعات قصصية خلال هذا العقد، ولم يسبق لهم أن أصدروا مجموعة قصصية من قبل قد جاوزا الخمسين قاصاً(3)، ولعلنا نشير إلى أهم الملاحظات حول الكتابة القصصية في الثمانينيات:‏

 

1- فن القصة هو الأثير الدائر على الأقلام منذ أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وهي حقيقة تؤكدها كمية المنشور من القصص الجديدة للكتاب القدامى والجدد في الكتب والدوريات ووسائل الاتصال بالجماهير. ويشير العدد الممتاز والملف الخاص اللذين أصدرتهما «الموقف الأدبي» عام (1987) عن القصة القصيرة في سورية إلى استمرار الحضور الكبير للقصة القصيرة في الإبداع الأدبي في سورية، وكان العدد الممتاز عن القصة القصيرة في سورية، وقصص الملف للأصوات الجديدة في القصة القصيرة في سورية، شارك فيهما أكثر من أربعين قاصاً وقاصة تعبيراً عن مثل هذه الحساسية المستمرة في حياتنا الأدبية، كما أظهر هذان الملفان أصواتاً جريئة مبدعة تخوض غمار التجريب، وتفلح في الإفصاح عن أساليبها وأفكارها لدى غالبيتهم، بل أن بعض الأصوات متميزة في المشهد القصصي الراهن، كما أن عدد المشاركين في مسابقة «الأسبوع الأدبي» عام 1992 بلغ أكثر من 190 قاصاً شارك كثير منهم بنصوص جيدة، وأغلبهم أيضاً من الكتاب الجدد.‏

إِنّ هذه الوقائع وغيرها تؤكد صدارة القصة القصيرة للكتابة الأدبية في سورية، ربما أكثر من الشعر أيضاً، أما الأسماء المتميزة في المشهد القصصي في سورية من كتاب الثمانينيات فنذكر منهم: حسن حميد وجميل حتمل وإبراهيم صموئيل ونضال الصالح وعلي المزعل وجمال عبود ونادر السباعي وزياد كمال حمامي وغالية قباني وفيصل خرتش وسمير بلوكباشي وأنيسة عبود ونبيل صالح وأمية عبد الدين.‏

 

2- ونلاحظ أن الأصوات النسائية متعددة في هذا العقد، وتشير بطاقاتهن الفنية والشخصية عن مهنهن المختلفة كالمهندسة والطبيبة والمدرسة والمربية.. الخ مما يزيد من ثراء التجارب القصصية، فقد ظهرت في عقد الثمانينات مجموعة قصصية لكاتبات كثيرات ينشرن كتباً لأول مرة(4). مع العلم، أن لبعض هؤلاء الكاتبات كتباً منشورة في أجناس أدبية أخرى.‏

 

3- تغلب على الكتابة القصصية نبرة التجديد أو التوسل إلى التحديث في الكتابة القصصية بأدوات مختلفة يشير استخدامها في أكثر التجارب حفيظة دعاة التقيد بالأجناس الأدبية. مما يتيح أوسع الفرص لمعالجة قضية الاتصال والفنون بين الأجناس الأدبية سواء في الالتفات عن تقاليد النثر الفني العربي أو التراث القصصي العربي أو في اللحاق اللاهث الواضح بأشكال التجديد عن أصالة أو مجرد شهوة التعبير المختلف، فثمة إشارات واضحة إلى ممارسة غالبة على الكتابة القصصية لدى جيل السبعينيات ماتزال مستمرة في محاولات دائبة لتحديث الأدوات القصصية. إن ثمة تعبيراً جلياً عن هذه الحساسية الفنية الجديدة التي طبعت القصة القصيرة في سورية بطوابعها منذ مطلع السبعينيات في مجموعات قصصية كثيرة نحو الاختلاف في التعبير بعامة والتطلع إلى التجديد بخاصة، ولا سيما تطويع الحكائية والسرد لحاجات خطاب مباشر غالباً، وتعبير إنساني خافت أحياناً، وتحفل النماذج المنشورة غالباً بطوابع استحوذت على أساليب متوترة ومندفعة في استخدامات جريئة ومتأنية في بعض القصص مثل التقطيع و الترقيم وتنوع الحوار وتعدد الأصوات وشاعرية السرد. واللافت للنظر في بعض المجموعات القصصية هو تنوع التجارب القصصية والسعي الواضح لتطويع أساليبهم باتجاه حداثية منشودة.‏

 

هناك كثير من الكتابات ذات الميل التقليدي كما هو الحال عند مالك صقور وعلي المزعل وعادل بشتاوي ونضال الصالح وسميح عيسى ومحمد أحمد السوسو وخطيب بدلة وزياد كمال حمامي ومحمد رشيد رويلي وغيرهم، ولكن أصحابها جهدوا لتلوين أساليبهم بنبرات حديثة أيضاً في التمسك برؤية أشمل لموضوعاتهم، لا التوقف عند أغراض مباشرة أو صريحة، توكيداً على قلق مشروع في مساءلة أطروحاتهم في هذه الصيغة الفنية أو تلك، غير أن ثمة أصواتاً أخرى ارتهنت لذلك التجريب اليقظ في تحديث الأسلوب، في مغامرات جريئة.‏

 

يستفيد هؤلاء القصاصون من آخر إنجازات القصة الحديثة مع اختلاف التوجيه الفكري وتباين التحقق الفني: الشاعرية، نسبية وجهة النظر أو المنظور السردي، الاستفادة من معطيات الفنون الأخرى، التلاعب الحكائي بالزمن، كثافة المشاعر أو نذرتها، توسيع مدى استعارة الفعل الإنساني أو تضييقه، التجنيح الأخيولي (الفانتازي).. الخ.‏

 

وتشير هذه الكتابة القصصية إلى أن استخدام المنجزات الحداثية غير ناجز أو شاحب في بعض قصصهم، لأن كتابها تعمدوا التحديث الذي يصل إلى حدّ الاستغلاق على الدلالة ونقي الموضوع، إذ يحاول بعض الكتاب الجدد الترميز و«أسطرة» الواقع وتعدد الرواة أو المنظورات السردية والإكثار من التجنيح الأخيولي دون معادلات موضوعية كافية أو معللة بالتحويل الأدبي، إذ أن استخدام المنجزات الحداثية لا يتعلق بالنيات فقط أو وضع تقنيات قد لا تتناسب مع التجربة القصصية، والمهم في هذا المجال هو نجاح القاص في تحويل الواقع إلى أدب عبر ضبط القص وتنظيم السرد ووضوح التحفيز في تضافر البناء القصصي.‏

 

وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام هي ابتعاد غالبية قصاصي الثمانينيات عن هموم البحث في السرد في تجاربهم القصصية. إذ لا نجد قصصاً تعتني باستيحاء التراث القصصي أو ثراء السرد العربي الموروث، وإذا وجدت بعض المقاربات فلا تشير إلى وعي الهوية فثمة قصص كثيرة لجميل حتمل وسمير بلوكباشي ونبيل صالح تعلن خيارات فنية غير حاسمة، وتقارب سردها الحداثي من منظورات شاعرية وحكائية ممعنة في تحديد علاقتها بالموروث القصصي، وهي أقرب إلى القطيعة منها إلى التواصل فتعتمد على الدلالة الثقافية، وتثير الإشارات في بنية القصة، وتوغل في اللغة والتغريب اللغوي وهو التماهي المصنوع، أو تصوغ تحويلها الأدبي للوقائع الحياتية من ذكاء مشروط هو بعض حصيلة الخبرة الفنية. إن السرد في مثل هذه القصص واثق متمكن من حكائيته وكأنه يستند إلى الموروث، ويستوعبه.‏

 

4- هناك كتابات قصصية كثيرة في الثمانينيات تستمد نجاحها من موضوعها وشرف القيم التي تتحدث عنها، وهذا جلي أيضاً في قصص حسن حميد وعلي المزعل ومحمد وليد الحافظ. إنهم يتحدثون عن الموضوع القومي حيث القيم النضالية، ولا سيما فلسطين والجولان والانتفاضة، إلا أن قصصهم، وهذه مزية أيضاً، لا تكتسب قيمتها من تناولها للموضوع القومي وحده أو من إعلانها القيم النضالية فحسب بل لأسباب فنية بالدرجة الأولى، فقد جاوزت هذه القصص التعبير المباشر والمستوى الشعاري في التصدي للقضايا القومية، بمستويات متباينة إلى تعبير فني يعلي من شأن الوعي القومي في القصة القصيرة، ويواصل تقاليد القصة القصيرة في سورية في التزامها العميق والمسؤول بالقضايا القومية.‏

 

5- نجد اتساعاً في الموضوع القومي أولاً والموضوع الاجتماعي ثانياً، من حيث الموضوعات التي اقتربت منها القصص أو عالجتها، ولكن أغلب القصص ذات الموضوع الاجتماعي تعنى بالأسئلة، وتبتعد عن التفاصيل اليومية لصالح الانشغال بالمفارقة الاجتماعية كما في كتابات: عبد الباقي يوسف وعبد الحليم يوسف ومالك صقور وسمير عامودي وعماد نداف وخطيب بدلة، على أنه ملاذ للسخرية إلى حد الكاريكاتير أحياناً عند بعضهم أو ملاذ التغريب في فضاء سوريالي أحياناً أخرى.‏

6- ثمة ملاحظة لا يمكن إغفالها هي بروز قضية الإيصال، إذ تعاني بعض الكتابات القصصية من ضعف الإيصال وعدم ضبط التجربة القصصية، وقد عوض بعض القصاصين شيئاً من ذلك في الاستسلام لشاعرية سردية أو جمالية القص، ولكن فكرة القصة تحتاج إلى أكثر من عنصر واحد، ويبدو أن هوس التجريب لذاته قد بولغ فيه لدى عدد كبير من قصاصي الثمانينيات.‏

 

7- نلاحظ أيضاً سعي بعض الكتابات القصصية لتقديم أمثولات هي نداء لحكمة أو قيمة مما يقلل من تأثير خطاب الناشئة واليافعين فتكاد تكون قصصهم دروساً ونصائح وعبراً، فمثل هذه القصص تختزل التجربة، وتضيق عملية التحويل الأدبي كثيراً، ويشير هذا بحد ذاته إلى تنوع الأساليب لدى طلائع القصة استناداً إلى طموح مشروع تبدو القصة خطوة على طريق تحققه(5).‏

 

3- القصة الجديدة:‏

صار للقصة القصيرة في سورية عمر طويل ونضوج فني معتبر قياساً إلى التجارب القصصية في الأقطار العربية الأخرى، ولعل مرد ذلك إلى إقبال القصاصين على كتابتها أكثر من الرواية والمسرحية، فظلت القصة القصيرة سيدة فنون النثر القصصي حتى نهاية الستينيات، غير أن العقود التالية حتى منتصف التسعينات حفلت أيضاً بإنتاج قصصي وافر، فبلغ عدد المجموعات القصصية الصادرة منذ عام 1970 حتى 1995 أكثر من ثلاثمائة مجموعة قصصية، وهو انتاج غزير في الكم وذو دلالات نوعية في تحديث الفّن القصصي.‏

 

لقد برهنت سنوات الخمسينيات والستينيات أن القصة القصيرة في سورية رائدة في التجديد، فهذا الكم الوافر نتج عنه نوع لا جدال في قيمته الفنية، وفي نزعة القاص العربي الحديث إلى تأصيل الأجناس الأدبية الحديثة في حركة الحداثة التي شملت مناحي الحياة العربية كلها.‏

 

وقد أظهر عدد من الباحثين ونقاد الأدب في كتاباتهم أهمية الشغل القصصي الحديث المشبع بأصالة البحث في السرد التقليدي استناداً إلى التراث القصصي في العصور الكلاسيكية للأدب العربي وإلى وعي حاد بمعضلة الهوية إزاء تفاقم المثاقفة التي غدت أبعد من تأثير ايجابي معتدل للمؤثرات الأجنبية التي لابدّ منها لإدراج مغامرات التحديث الأدبي في دوائر الاستلاب والتبعية والخوف من الحداثة. فثمة تجديد قصصي في منتهى الثراء والجاذبية أدخل القصة القصيرة في سورية في عجلة التحديث، ويعبّر عن اشكالية التحديث برمتها القاص المبدع زكريا تامر الذي أطلق باقتدار نداء التجديد مشفوعاً بممارسة قصصية شديدة الوثوق من قابلياتها السردية والحكائية ولاسيما تحويل القصة إلى تعبير حي عن الوجود العربي المأزوم، وكان هذا واضحاً منذ مجموعته الأولى «صهيل الجواد الأبيض» (1960)، وترسخ عبر مجموعاته التالية وصولاً إلى كتبه القصصية «نداء نوح» (1994) و«سنضحك» (1998) و«الحصرم» (2000) و«تكسير ركب» (2002).‏

 

وإذا كان زكريا تامر ممن عقلنوا السرد في ضبطهم الواعي للزمن وفي إحاطتهم بأشكال متعددة للشرط الإنساني وفي ابتكار صيغ سردية تستجيب لحاجات التجديد على أنها سبيل للتحديث وفي المواءمة بين تقليد وتجديد بحلول فنية تدعو إلى الإعجاب، فإن قصاصين آخرين مهمين كانوا أوراقاً رابحة لمسار التجديد القصصي ولاسيما وليد إخلاصي منذ كتابه القصصي الأول «قصص» (1963) الطاعن في التجريب إلى منتهاه وحيدر حيدرفي كتابه القصصي الأول «حكايا النورس المهاجر» (1968) الذي اشتغل على جموح المخيلة في تجريب بديع لانبثاق السرد من هوس لغوي تصير معه القصة إلى انشاء سردي مفعم بدفق الشعر.‏

 

ولعل ميزة التجديد القصصي الذي كان علامة من علامات الفن القصصي في الستينيات هو الولع بالتجريب الشكلي اللغوي على أنه تركيب سردي مفتوح على تجربة تاريخية أعم مختلف عن القص التقليدي أو الإتباعي أو الواقعي، وإن كانت نمت في ظل هذه الوضعية واقعية جديدة أو واقعيات ذات ميل رومانسي أو طبيعي أو تعبيري أو انطباعي أو سوريالي أو نقدي مفسحة المجال واسعاً لتطوير ملحوظ للسرد في رحاب الأسطورة أو الرمز أو الوثيقة أو اللغة أو التاريخ أو الخطاب المباشر أو النفس أو الدراما، وهي ميادين طبعت التجديد القصصي مع مطلع السبعينات خلل تراكم طويل لتجربة القصّ المفتوح، وقد أثمر ذلك كلّه تيارات متداخلة كثيراً في أنماط رؤية العالم وفي تجسيد اللحظة القصصية وفي أشكال السرد وفي تقنيات الخطاب القصصي على وجه العموم.‏

 

ويعسر علينا أن نحصي القصص والقصاصين من انتاج القصة الجديدة، ليس بوصفها مخصوصة بجيل أو عمر أو مرحلة تاريخية بل بكونها حساسيات أدبية جديدة تعبر عن روح جديدة في رؤية الأدب وعن أشكال مغايرة أو مختلفة تصل في بعض التجارب إلى تطوير الأجناس الأدبية المعروفة، وهذا ما حدث في فنون النثر القصصي، فقد صار لهذا التجديد ظواهر لا شك في أهميتها خلال ربع القرن الأخير، أذكر منها:‏

 

أ- مقاربة التجريب بتحديث السرد متابعة للتحديث الذي بدأه رواد الخمسينيات والستينيات، ويتبدى التجريب واضحاً في كسر اللغة وتغييب السرد المنطقي التقليدي متضمناً كسر الايهام والنزوع إلى إيقاع داخلي لتنامي الفعل القصصي، فتوميء القصة أكثر مما تصرح به، وبرز في هذا الاتجاه قصاصون كثر(6).‏

 

ب- الاتجاه إلى تركيز الحياة اليومية بالتركيز على حدث مؤثر مقتطع من سيرورة السرد ليشبع بايحاء انساني مفعم بالدلالات، ومن أمثلته اللافتة للنظر قصص جميل حتمل في مجموعاته «الطفلة ذات القبعة البيضاء» (1981) و«انفعالات» (1985) و«ابق لهذه الليلة» (1992) و«حين لا بلاد» (1993)، و«قصص المرض قصص الجنون» (1995)، وقصص عماد عبد اللطيف نداف في مجموعاته «قصص حب، الكتابة على الماء «(1992) و«ما الذي حصل يا إلهي» (1994) و«خجل الكستناء» (1998).‏

 

جـ- الاتجاه إلى تحويل القصة إلى نص سردي مفتوح على التجربة الانسانية بمقدرة حكائية تمازح السوريالية على أنها سرد المخيلة في قيعان الشعور واللاشعور معاً، أو تمازح الأخيولة (الفانتازيا) على أنهاصوغ سردي آخر لجموح المخيلة دون لوازم السوريالية كلّها، وقصص سمير بلوكباشي في مجموعاته «الموناليزا تبتسم لنصل المقصلة» (1991) و«مذيعة التلفزيون وقصص أخرى» (1994) و«أمل ببضع ساعة» (2004)، وقصص نبيل صالح الذي آثر أن يسميها مجموعة نصوص، وهي «الرب يبدأ نصه الأخير» (1991)، ولعل قصص فاروق مرعشي من النماذج القوية لهذا الاتجاه فهو يسربل سرده بعلاقات غير منطقية مشحونة بالرموز والادهاش كما في مجموعتيه «الخروج من الكابوس» (1979) و«رقصة شجرة الرولة» (1987).‏

 

د- الاتجاه إلى انبثاق السرد من الأساطير والرموز أو اشباع السرد بالاساطير والرموز باجتهادات مختلفة إلى حّد التباين بين قاص وآخر،ومن نماذج هذا الاتجاه المتميزة قصص محمد ابراهيم الحاج صالح في مجموعتيه «قمر على بابل» (1993) و«دفقة أخيرة» (1995)، وتتمتع هذه القصص بدهشة أسطرة الحوافز القصصية والقدرة على ضبط الأنساق الحكائية باتجاه أغراض محددة في تحفيز تركيبي واع مدرك لقابليات السرد في استيعاب الوعي المعرفي للشروط الانسانية في وضع تاريخي ما، ومن نماذجه الدالة أيضاً أنيس ابراهيم في مجموعتيه «التفاحة» (1984) و«أرض الديس» (1993)، وفيهما استحضار واسع لمعنى الاسطورة ، بل إنه يحول مدار السرد أحياناً إلى نفس أسطوري مشبع بأمداء الاستعارة والمجاز.‏

 

وكذلك تبرز في هذا الاتجاه قصص عبد الحميد يونس، ولا سيما مجموعته «كرات الظلام» (1922) التي تفلح في صوغ جمالية سردية تعتمد على تطويع الوحدات القصصية إلى مبنى رمزي موحٍ.‏

 

هـ- الاتجاه إلى استلهام الأسطرة (المثيولوجيا) الشعبية بتعبيراتها الدينية والملحمية والحكائية الفولكلورية، لا مجرد تضمين أو استعارة لعناصر منها، بل ما هو أدخل في تناصٍ يندغم في نسيج السرد كلّه غالباً، ومن نماذجه بعض قصص نيروز مالك في مجموعاته «حرب صغيرة» (1979) و«كتاب الوطن» (1982) و«أحوال البلد» (1983) و«ما رواه الجليل» (1995) و«تلك الحكايات» (1998)، ووهيب سراي الدين في مجموعاته «الحل» (1991)، و«طائر الكريم» (1992) و«العالم في سهرة» (1994) و«نفاذ الرمل» (1998)، ونجم الدين السمان في مجموعتيه «ساعة باب الفرج» (1994) و«نون النسوة» (1995)، وهما ينحوان بالسرد إلى دعابية ساخرة إلى حدّ المرارة، ومن الواضح أن هذا الاتجاه يستأثر بتحديث تقنيات القص، واذكر قاصاً اشتغل كثيراً وآخر قليلاً الأول هو مروان المصري في مجموعاته «تفسير الأحلام في جزيرة نامو» (1979) و«التغريبة اليمانية» (1984)، وفي بعض قصص مجموعتيه «أقاصيص دمشقية» (1986) و«ما حدث لعبد اللّه» (1990)، والثاني هو مالك صقور الذي برع في استحداث الموروث الديني والشعبي بسخرية بارعة وماكرة كما في بعض قصص مجموعته «الحقل» (1991). ولاسيما قصته التي تحمل عنوان المجموعة و«حبة شجاعة» (1998).‏

 

و- السرد القصصي ما بعد الحداثي: من خلال تشظية السرد وتشظية اللغة والتداخل النصوصي والأجناسي والتماهي الوثائقي والسيري مع اللعبة السردية، وكسر الإيهام والخطاب الحواري في تعدد الضمائر الساردة وتمازجها مع المشهدية والتداعيات الذاتية على الأنساق السردية. كما هو الحال لدى سمير عامودي في كتبه القصصية «حارة البحر» (1989) و«بقايا النهار» (1996) و«مثل الكذب» (1997) و«قبر العبد» (1999).‏

 

وهذا واضح أيضاً في قصص أحمد اسكندر في مجموعاته «الانقلاب الصيفي» (1994) و«نصوص لم تكتمل» (1996) و«الكائن في عزلته» (2003)، وعبد الباقي يوسف في بعض قصصه داخل مجموعاته المتعددة، ومنها: «طقوس الذكرى» (1992) و«كتاب الحب والخطيئة» (2004).‏

 

ز- الاتجاه إلى تجريب تقني في بعض أدوات القص دعماً للتجديد القصصي الذي يكاد يطبع الكتابة القصصية في سورية بطوابعه التي عرضنا بعض ظواهرها، ومن القصاصين المجددين نذكر نادر السباعي في مجموعته الأخيرة «الغابة النائمة» (1993) الذي يمازج بين الفانتازيا والأحلام والواقع في تخييل يقظ، ورياض خليل في مجموعته «القرش والأسماك» (1995) الذي يجنح إلى الترميز دون أن يعنى بلوازم المذهب الرمزي المعروف، معولاً على تحديث السرد بتخييل ينطلق من الواقع إلى النفس ليعود في واقع آخر مشوب بدلالات ثقافية واجتماعية لا تخفى، وغسان كامل ونوس في مجموعاته «دوار الصدى» (1997) و«أحمر أبيض» (1998) و«العائذ» (2000) و«خطايا» (2002) و«مفازات» (2003) التي ينهض فيها المبنى القصصي على الاستعارة الشاملة والترميز الأعمق.‏

 

ح- القص القصير جداً: انتشر الإقبال على كتابة القص القصير جداً، وسمي عند ممارسيه «القصة القصيرة جداً»، ووضع أحمد جاسم الحسين كتاباً عن هذا الفن القصصي، ونظم مع آخرين مهرجاناً سنوياً منذ عام 2000، وأصدر عدد من القصاصين مجموعات قصصية قصيرة جداً أو ضمنوا مجموعاتهم صفحات كثيرة لهذا الفن، مثل «ذماء» ليوسف حطيني (2001). و«على هامش المزامير» لعدنان كنفاني (2001) و«الحلم المسروق» لمحمد توفيق السهلي (2001) و«جرائم شتوية» لعماد نداف (2000)، و«ومضات» لهيمى المفتي (1997)، و«ربطة لسان» لأسامة الحويج العمر (2002).‏

 

ط- القصة النسوية: اندرجت كتابة المرأة القصصية في مداميك الأدب النسوي الذي يناهض المجتمع الأبوي إلى حدّ هجاء السطوة الذكورية عند كثير من القاصات، ويندر أن نجد قاصة خلال العقدين الأخيرين لا تكتب قصة نسوية كما هو الحال مع نادرة بركات الحفار في مجموعتها «أرملة رجل حي» (2004) ووفاء خرما في مجموعتيها «الأجنحة المتكسرة لـ س و ع» (1999) و«البرج» (2000).‏

 

تلكم إلماحة سريعة حول القصة الجديدة في سورية، وهي غنية بظواهرها واتجاهاتها الحداثية التي تجعل من القصة تعبيراً فنياً عن اللحظة الحضارية التي نمّر بها، وهو تعبير فني موصول بالتراث العربي والانساني، وهذه مزية من مزاياه الكثيرة.‏

 

(1) حللت النتاج القصصي لأكثر من سبعين قاصاً وقاصةً من سورية في أبحاث ومقالات عديدة لم تنشر في كتب بعد ووضعت عدداً منها في هذا الكتاب. وفي كتابي:‏

- فكرة القصة، نقد القصة القصيرة في سورية، منشورات اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1981.‏

- الأدب والتغير الاجتماعي في سورية، منشورات اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1989.‏

(2 ) ونذكر من أصحاب المجموعة القصصية الواحدة أكثر من عشرين قاصاً وقاصة منهم نبيل صالح وأحمد سنبل وعبد الباقي يوسف وإبراهيم خريط، وعبد الرحمن سيدو وسليمان سعد الله وإسماعيل تامر وأديبة تقي الدين ووفاء حمارنة وعصام حقي وبسام الحافظ وحمدان حمدان وفلك حصرية وغالية قباني وعلاء الدين الغادري وإسماعيل مروة وفريد الملا وأنيس بندك وزرياف المقداد وفتحي فطوم وعماد نداف ومالك صقور وأحمد محمود المصطفى وسمير بلوك باشي وحاتم علي وأحمد عمر وأحمد عساف، أما الذين صدر لهم مجموعة و مجموعتان ثم انخرطوا في أجناس أدبية أخرى فعددهم كثير أيضاً نذكر منهم: ماجدة بوظو وأسامة آغي ووفاء حمارنة وعصام حقي وماري رشو ونزار غانم وفيصل خرتش وأمية عبد الدين.‏

(3 ) نشير إلى أن أغزرهم إنتاجاً حسب عدد المجموعات القصصية هم: حسن حميد (ثماني مجموعات قصصية). وعادل سعيد بشتاوي (أربع مجموعات قصصية). وجمال عبود (ثلاث مجموعات قصصية) ومحمد باقي محمد (ثلاث مجموعات قصصية)، ومحمد سليمان (مجموعتان)، ومحمد الحاج صالح (مجموعتان)، ونضال الصالح (مجموعتان) وخطيب بدلة (مجموعتان)، وسميح عيسى (مجموعتان)، ومحمد أحمد سوسو (مجموعتان)، وماري رشو (مجموعتان) ونزار غانم (مجموعتان)، ومحمد رشيد رويلي (مجموعتان) وباسم إبراهيم عبدو (مجموعتان)، وجميل حتمل (مجموعتان) وغسان كامل ونوس (مجموعتان)، وأسامة آغي (مجموعتان) وعلي المزعل (مجموعتان)، وإحسان شراباتي (مجموعتان) وإبراهيم صموئيل (مجموعتان).‏

(4 ) هؤلاء الكاتبات هن: ماري رشو (مجموعتان) وغالية قباني (مجموعة واحدة)، وأنيسة عبود (مجموعة واحدة)، وإحسان شراباتي (مجموعتان)، وهيام المفلح (مجموعة)، وزرياف المقداد (مجموعة واحدة)، ووفاء حمارنة (مجموعة واحدة)، وملك حاج عبيد (مجموعتان)، ونادرة بركات الحفار (مجموعة)، وماجدة بوظو (مجموعة)، ونجوى قلعة جي (مجموعة).‏

(5) لقد سبق لي أن كتبت عارضاً وناقداً لتظاهرات الأصوات الجديدة في «الموقف الأدبي» وفي مسابقات «الثورة» و«تشرين» و«البعث» و«الأسبوع الأدبي» للقصة القصيرة، ومن الواضح أن كثيراً من الآراء الواردة قد سبق وطرحتها في هذه التظاهرات طلباً لمعايشة أكبر لقصاصي الثمانينيات وقصصهم.‏

(6 ) اكتفي بالإشارة إلى خليل الجاسم الحميدي في مجموعاته «السخط وشتاء الخوف» (1975) و«الركض في الأزمنة المنهوبة» (1983) و«موت الرجل الغريب» (1987) و«قمر أخضر على شرفة سوداء» (2003)، وإلى ابراهيم الخليل في مجموعاته «البحث عن سعدون الطيب» (1980) و«البازيار الجميل» (1996) و«مال الحضرة» (1998) و«غدير الحجر» (1999)، إذ انتقل بعدها إلى كتابة الرواية أو الرواية بوصفها قصصاً داخل قصة أكبر كما في روايتيه «حارة البدو» (1982) و«الضباع» (1985)، وإلى زهير جبور في مجموعاته «الحلم مرة أخرى» (1978) و«الورد الآن والسكين» (1979) و«الوقت» (1981) و«حصار الزمن الآخر» (1994) و«رذاد المطر» (1987) و«ذبحنا الطيور وهي تغرد» (1998) و«أكافي» (2003).‏

 

 

الفصل الأول: رواد ومؤسسون

 

1-علي خلقي‏

تعدّ مجموعة القاص علي خلقي(1) (1911-1984) القصصية «ربيع وخريف» (1931) أول مجموعة قصص ذات مستوى فني جعلت منه رائد القصة القصيرة في سورية، واستطاع مبكراً أن يعالج قضايا إنسانية متعددة في مناخها الاجتماعي وأبعادها الفكرية ضمن صوغ قصصي متخيل ومبتكر حرص فيه على الواقعية والتحليل النفسي واللغة القصصية.‏

وطبع مجموعته القصصية عام 1931، وضمت سبع قصص هي: «العم طنوس» و«مونولوج منثور» و«فتاة الحانة» و«على طريق زحلة» و«أورانغ ـ أوتانغ» و«عازف الكمان» و«مذكرات ممثل بائس»، وأثقلته طباعة المجموعة بتكاليف مادية، وانقطع عن النشر، وأعد مجموعة ثانية للطبع أواخر الثلاثينيات، وضمت المجموعة سبع قصص أخرى، وهي التي أضيفت بتقدير الباحثين والقاص نفسه إلى الطبعة المعدلة عام 1980. وقد استهلكه التدريس والإدمان على الخمر فترة طويلة بالإضافة إلى ضغوط العيش مع أسرته، فلم يطعمه القلم كسرة خبز، وصرفته الحياة إلى العمل والتعليم، فكان خلال عقود من السنين معلماً ماهراً ثم مدير مدرسة ناجحاً ذا وجدان، وحرق في الخمسينيات عدداً من قصصه والمسرحيات التي كتبها لينقذ نفسه من تهمة الشيوعية التي سببت له كارثة، فتوهم أنه ملاحق، وعاش الذعر يومياً. وأحيل إلى التقاعد في أواخر الستينيات، وقام بعدة رحلات إلى باريس وألمانيا حيث ابناه يدرسان، وبدأت حياته تأخذ طابعاً هادئاً بفضل ابنته التي سهرت على رعايته حتى رحيله عام 1984.‏

نُظر إلى علي خلقي رائداً للقصة القصيرة في سورية باتفاق الباحثين والنقاد الذين كتبوا كثيراً حول إبداعه(2)، فقد حوت «قصصه تصويراً رائعاً لحياة عصره، بعضها يروي ما قاسى في حياته الخاصة من مآس، وبعضها يقصّ علينا مشكلات الناس الذين تصيبهم الغيرة والشك والحبّ، وبعضها يعرض علينا النزاع بين الحياة الاجتماعية الجديدة التي تنفتح على الحرية وبين بقايا الطبقة السائدة من المنافقين الذين يدعون الزهد والعفاف والانصراف عن ملذات الحياة، ولكنهم يغرقون فيها حتى آذانهم، وهي قصص تضمّ إلى واقعيتها الصميمة إبداعية واضحة» بتعبير عبد المعين الملوحي في تقديمه للطبعة الثانية المعدلة.‏

وتصور قصصه على سبيل المثال حالات نماذج إنسانية تعاني من وطأة التغيرات الاجتماعية وخلخلة القيم، ففي قصة «العم طنوس»، صار الرجل إلى مجنون إثر خيانة زوجته مع أخيه، فغرق في الخمرة عندما انتحرت زوجته، فبقي طنوس سمير الجعة وسمير الشيطان.‏

 

وتتحدث قصة «فتاة الحانات» عن امرأة تدعى شمس التي تعلق بها صديق الراوي، وتزوجها، وأحضرت فجأة ابنة عمه رزمة من الرسائل تنال شرفه وشرف أبيه إلى الأبد مثل عداء عمه لوالده، ورضخ لأمر زواجه بابنة عمه، وما كادت سيارة العروسين تسرع بهما خارج الكنيسة حتى زعقت مكابحها، وتجمع الناس، إذ كانت جثة شمس تحت العجلات!‏

 

وتناول في قصة «مونولوج منثور» التي تشبه نجوى درامية تفاصيل الحياة على وجدان ممثل. وحفلت بعض القصص بالنقد الاجتماعي القاسي، وفي قصة «الشيخ الورع» يلحق هذا الشيخ بخادم إلى غرفتها، ويواجه بالفضيحة المدبرة، حين التم حشد الرجال المدعوين إلى وليمته، فدخلوا يصيحون برجل الدين والتقى، بينما كان الشيخ يخبط بيديه كالمجنون، ويلملم بعض ثيابه، ويهرب من الباب بين أشجار البستان.‏

وتشير قصص علي خلقي إلى رومانسيته من جهة وآثار المشجاة (الميلودراما) لديه من جهة أخرى، كما في ظهور حالات الموت والدم والانتحار في بعض قصصه مثل انتحار زوجة العم طنوس وانتحار فتاة البار شمس. وظهر تأثر قصصه بالعلاقات بين الفنون مبكراً مثل «المسرحة» و«التوليف» السينمائي بالنظر إلى ملازمته لأخيه الممثل أكرم طويلاً وإلى إقباله على مشاهدة الأشرطة على ندرتها حينذاك، وتبدو هذه الآثار جلية في قصتيه «منولوج منثور أو محاضرات الممثل ف عن العصر» و«الموسيقي البائس: عازف الكمان».‏

وحرص خلقي في كتابته القصصية على عنصرين، عنصر الواقعية المأخوذة من نطاق تجاربه وخبراته في حياته القلقة والعاصفة، وعنصر التخييل الذي يمضي إلى الانتقاد والسخرية والمفارقة، وهي تقانات فنية بادية في قصصه «الكأس» و«المرحومة» و«الضيف الثقيل».‏

 

وقد انتقل خلقي في قصصه التي منحته قيمة الريادة من أشكال المقال القصصي والصورة القصصية أو القلمية مما هو شائع آنذاك على أقلام الكتّاب إلى فنية القصّة التي تستند إلى براعة الوصف ودقة تحليل دواخل الشخصيات كما في قصة «الموسيقي البائس: عازف الكمان» التي تعبّر عن حالات تجسيد الشخصية ومعاناتها في مجتمعها من ضغوط البيئة والنفس، وقد ختمها بالعبارات التالية تشخيصاً للدواخل العميقة وتنازعاتها مع ما واجهه هذا الموسيقي تشخيصاً من عذاب:‏

 

«جن جنوني واستطار عقلي لهذه الصدمة، راجعت دائرة الشرطة فأبلغت الأمر للمخافر في العاصمة والقرى والمدن المجاورة دون جدوى اختفت ابنتي وزوجتي الفاجرة، ومنذ ذلك اليوم لم أعثر لهما على أثر. لقد فقدتهما إلى الأبد وبفقدهما دفنت هنائي وسعادتي. إني أرى دائماً زوجتي الطاهرة البريئة ماثلة أمامي في السماء في إطار من الغيوم محلولة الشعر منتحبة مولولة تناديني يا خائن ماذا فعلت بابنتي يا ظالم... امتزجت دموعي بدموع محدثي، ولم أجد أمامي لتخفيف آلامه إلا الصمت فقام ورجلاه لا تقويان على حمله يتوكأ على عصاه ينشد السلوى في كأس من الخمر في زوايا الحانات، وسمعته يقول ما أعظم عدلك يا إلهي» (ص132).‏

وقد حرص خلقي على القيم الأخلاقية والاجتماعية في قصصه مناهضة للرياء والفساد والابتذال بلبوس صريح حيناً وبإيماء إلى رسوخ القيم الإنسانية حيناً آخر حين ينتشر الصراع الطبقي إلى منتهاه، وأظهر من أجل ذلك دعوته المباشرة إلى الالتزام بالأفكار والعقائد والعواطف الهادفة والقيمة المتوخاة، ويتلفع ذلك كلّه بالنصح والحكمة، كخاتمة قصة «الغيرة والشك» على لسان سامي أفندي إزاء موقفه من زوجته المتهمة:‏

 

«- أين أجدها؟ لقد تمنى لو عرف أين ذهبت ليسرع إليها... ,تذكر أنه صفعها على وجهها وانهال عليها بأشد أنواع الشتائم. وبعينيه المخضلتين بالدموع، شاهد طفله يصرخ بين يديها، فشعر بالأسى يطغي على نفسه، ويهصر روحه، فهام على وجهه في ذلك الليل، وما دري كيف وصل المنزل، ولا كيف فتح بوابته الحديدية، ولكنه رأى ويا لهول ما رأى، رأى زوجه المسكينة على درجة أسفل السلم، وقد حضنت طفلها تنتظر عودته، فهلع قلبه وجثا بين قدميها، وراح يضمها، ويبلل وجهها وصدرها بدموعه، وشعر حينئذ أنه غسل بهذه الدموع أدران ماضيه وأنه استفاق من حلم كريه مزعج» (ص123).‏

وثمة عناية لا تخفى بلغة القصة التي تسعف عنصر التخييل بفيض التحليل النفسي المفعم بالدلالات كقول صاحب الكأس في قصة «الكأس»:‏

«- نعم أنها ذكرى قاتلة، ويا لها من قاتلة فلندعها إلى حين... انظر يا أخي إلى هذه الكأس أنها سمير روحي، ونديم خيالي، وهي هادمة اللذات، ومفرقة الجماعات... هذه الكأس مخففة آلامي، ومبعث فنائي، سبب سقمي وعلة آلامي..‏

الكأس، الكأس، أنها صديقي الودود، وخصمي اللدود... أجرعها لأنسى، وإذا حرمت أن أجرعها عاودتني الذكرى، ولاحقتني الدماء... الجثة المحبوبة، وعلى ثغرها بسمة الأطفال البريئة.. الدماء دائماً الدماء.. ثم راح يهذي بكلمات مبهمة، فتركته وانصرفت تنازعني عوامل متباينة صعب عليّ تحليلها» (ص115).‏

وحمل إهداؤه نفحات صادقة عن رياديته وتوظيفه للقصة في أبعادها الوطنية والإنسانية على أنه يكتب ببساطة، وأنه صنع أسلوبه القصصي بنفسه، وبذر بذور القصة في تراب بلده الطيب، وجاء كتّاب بعده، وتعهدوا تلك البذور، ونفخوا فيها روح الحياة.‏

 

2-فؤاد الشايب

فؤاد الشايب(3) (1911-1970) من أصحاب الريادة الأولى في الإبداع القصصي، على أن القصة القصيرة صور حياة «ووليدة ظروف زمنية وأحوال نفسية» بتعبيره، وقد تمثلت تقاليد القصة بمفهومها الإتباعي (الكلاسيكي) في صوغها الفني المتميز في زمنها، واستطاعت أن تحمل رؤى إيجابية عن مشكلات إنسانية واجتماعية وحضارية لدى استهدافه «إرضاء نفسه» من جهة، والارتقاء بفنّ القصة إلى مستوى أدبي رفيع وعميق من جهة أخرى.‏

 

أصدر الشايب مجموعته القصصية الوحيدة «تاريخ جرح» عام 1994، ثم وجدت خمس عشرة قصة أخرى في مسودات الشايب وفي الدوريات، وجمعت في المجلد الأول من المؤلفات الكاملة(4). وبدأ حياته الأدبية في وقت مبكر من العمر، وظهر المقال الأول له عام 1930، وهو في العشرين من عمره(5). وحوى المجلد الثاني من مؤلفاته الكاملة أبحاثاً ومقالات جاوزت الستمائة صفحة من القطع الكبير. وتناولت هذه الأبحاث والمقالات الأجناس الأدبية وعدداً من قضاياها مثل فهمه للقصة والأدب والقومية والشعر الحديث والفن الروائي وأدب القصة في سورية والأدب والحرية.. الخ.‏

 

وكتب الشايب عشرات الأبحاث والمقالات السياسية والاجتماعية أيضاً، مثلما وضع مشروعي كتابين، الأول بعنوان «ذكرى لورنس: فصول من سيرة رجل في تاريخ أمة» (1945)، والثاني يعالج ظاهرة الحرب، ويحمل عنوان «لمن تقرع الطبول» (1950)، وقدم الشايب في هذه الكتابات «نظرات وتحليلات معافاة، ولكنه يقف ضد شوارد الفكر، ولا يدخل عمقاً في تحليل الظواهر، وإن كان يطمح إلى ذلك باستمرار، وإن كانت بعض محاولاته قد أصابت نجاحاً متفاوتاً في عملية الاستقصاء والتعمق» حسب رأي حسام الخطيب(6).‏

 

تكتسب مجموعة قصص فؤاد الشايب الوحيدة «تاريخ جرح» التي أعاد اتحاد الكتاب العرب طباعتها عام 1978 أهمية خاصة لسببين أولهما مكانة هذه المجموعة في تاريخ القصة السورية، وثانيهما كونها تقدم برهاناً ساطعاً على نضوج الممارسة القصصية المبكرة لدى صاحبها. وقد صدرت هذه المجموعة في المرة الأولى عام 1944، ولم يسبقها آنذاك إلا أعمال قليلة أصبحت آثاراً على الماضي أكثر منها دليلاً للمستقبل مثل مجموعات علي خلقي ومحمد النجار، ثم تأتي إعادة طباعة هذه المجموعة تأكيداً لمعنى الريادة في فن القصة السورية.‏

 

إن ما تتميز به قصص فؤاد الشايب لهو كبير، فريادته لفنّ القصة لا تدخل في باب أوليات الكتابة القصصية فحسب، بل تتعدى هذه القيمة التاريخية إلى توغله الفني في التأسيس لجنس أدبي كان وما يزال حتى وقت قريب مما يختلط في أجناس أدبية أخرى من جهة، ومما يصعب على الانخراط في تقاليد أدبية محكومة بعوامل السلفية الثقافية أكثر من الانضواء تحت لواء قيم التطور والتجديد من جهة أخرى.‏

 

بدأ الشايب الكتابة مثقفاً كبيراً مدركاً لطبيعة فن القصة القصيرة مؤمناً أنه يرضي نفسه أولاً، وكأنه في جهد دائب لاكتشافها، وهو في هذا كلّه لا يجترح فناً، ولا يغاوي هدفاً، فالأدب في رأيه لا يحتاج إلى قيود خارجة عنه، بل يؤدي وظيفته من تلقاء نفسه، لأن رسالة الأدب فيه، ولعل في مثل هذه الالتفاتة إلى غاية الكتابة مما يعطي الشايب رسوخاً في الفن لم يبلغ شأوه إلا القلة القليلة ممن اندفعوا فيه وكتبوا كثيراً.‏

 

يقول الشايب:‏

«على أنني قد وضعت هذه القصص لأرضي نفسي، وما أشق سخرة إرضاء النفس ذات الأهواء، فلي أن أسأل هل أرضيتها؟ سؤال خطر لي وأنا أنسخها عن مخطوطاتها. وسرعان ما أتى الجواب: لا!. إني لأذكر حين كنت أفرغ من إحداها أني ضمنتها من نفسي كل ما أحب وما أبغض. فكم هي اليوم في نظري، أصغر وأضيق من أن تتضمن شيئاً! كأني الطفل يقضي ليلته مع الدمى حتى إذا أصبح ملهاً واجتواها» (ص15 ـ تاريخ جرح).‏

إن مأثرة الشايب الأساسية في ممارسته لفن القصة حيث أنجب في النهاية قصصاً تدوم وتبقى على صياغتها الدقيقة المرهونة لحدث أو فكرة مثل «الشرق شرق» و «أحلام يولاند» و«العانس» بصورة خاصة، فهي قصص قامت لتبرهن على صواب فكرة أو عموم تجربة. أما ما حوته هذه القصص من حياة فهي محكومة بعوامل قسر الوجوب على سريان الحياة ذاتها لصالح فكرة عن صدام الحضارات مثلاً كما في «الشرق شرق» أو حصر تجربة «المرأة فقط» على حد تعبيره في ممارسة أحادية كما في قصة «العانس».‏

 

استشهد فؤاد الشايب في مقدمة مجموعته القصصية بحديث للروائي فرانسيس كاركو حول الهدف من كتابته، وذكر فيما ذكر: «ويخيل إليّ أنني سأظل دائماً أفتش حتى أظفر بالإطار الأخير أو يظفر بي إطاري الأخير؟» (ص15).‏

 

ويعلق الشايب قائلاً: «أليس في التفتيش عن الإطار المفقود كل تلخيص القانون الأدبي الخالد؟. فأي عبث! وكم معجزة في هذا العبث!» (ص16).‏

أدرك الشايب عميقاً أن شهوة الكتابة مثل شهوة الحياة تلوح في الساعات القليلة التي ينجز فيها الكاتب عملاً فنياً يكشف عن النفس فتصبح القصة بعيدة الغور في الحياة مثلما هي بعيدة الغور في الفن. إنها ثمرة تذوق الحياة وقد استوت وحان قطافها، وقد أشار الشايب في مقدمته إلى أهمية التلازم بين الفن والحياة فكابر طويلاً على فن قصير النفس لا يستوعب الحياة كالقصة القصيرة في سبيل فن آخر هو فن الرواية حتى أنه أورد أن أكره ما يكرهه «في هذه الحرفة، حرفة الأدب، أن أعود إلى ما كتبت مرة ثانية عودة تذكرني بحمل يجتر أو بطفل يأكل من قيئه» (ص13)، وربما لهذا السبب نفسه كانت «تاريخ جرح» المجموعة الأولى والأخيرة في حياة الشايب خلا بعض القصص التي ظلت طي درجه حتى نشرت في مؤلفاته الكاملة تقديراً من وزارة الثقافة.‏

 

صحيح أنه ترك مجموعة متفرقة من القصص وجزءاً من رواية، غير أن من المؤكد أن فؤاد الشايب من هؤلاء القلة القليلة التي تأنف من صناعة أدب سريع زائل لا يقوى على الزمن، ومن المؤكد أيضاً أنه من هؤلاء القلة القليلة التي يسكنها هاجس الإبداع مغترباً بعد أن أفنى زهرة عمره وعصر حياته منهمكاً في الصحافة والإعلام والثقافة.‏

تشكل قصص «تاريخ جرح» ظاهرة في تاريخ القصة السورية مثلما كان الشايب نفسه علامة على ثقافتنا وهي تبني نفسها وسط صراع القديم والجديد من جهة، ووسط صراع الثقافة الوطنية مع العوامل الدخيلة من جهة أخرى، وما إعادة طباعة مجموعته من قبل اتحاد الكتّاب العرب هذه إلا احتفال بأصول فنّ قصصي نما سريعاً على يد فنان ومثقف ومعلم هو فؤاد الشايب وأكملت هذه الاحتفالية بطباعة وزارة الثقافة لأعماله كاملة.‏

 

لقد قيل الكثير حول مميزات الفن القصصي عند الشايب وكتبت مقالات ودراسات حول ما تثيره بعض قصصه فكرياً وفنياً دلالة على حيوية قصته(7)، إلا أنه ما يزال هناك الكثير مما يقال عن قصص الشايب بخاصة وتطور القصة السورية بعامة، ونربط هنا بين قصة الشايب وتاريخ القصة السورية، لأن الشايب يمثل مرحلة الريادة الحقيقية في هذا الفن، فن القصة القصيرة، ولعل في إعادة طباعة هذه المجموعة ما يشحذ همم أبناء جيله ومن تتلمذوا على يديه وممن رعاهم، وعاشوا في كنفه الأدبي أو الثقافي أن تكون فرصة لكي يكتبوا عن الشايب وأدبه وجيله والتطورات التي عاشها وهي ذات صلة وثيقة بالتطور الأدبي في سورية في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين خصوصاً وفي ظل مثل هذه الكتابات يمكن «تقويم فؤاد الشايب وأدبه تقويماً جاداً ومفصلاً» كما يدعو إلى ذلك الأستاذ عادل أبو شنب في تقديمه للمجموعة (ص10).‏

تضم «تاريخ جرح» إحدى عشرة قصة كتبت بين أعوام 1930 و1940 باستثناء «العانس» و«ربيع يتضور» و«المعركة» في أعوام الأربعينيات الثلاثة الأولى. ويؤكد فؤاد الشايب، أنها «وليدة ظروف زمنية وأحوال نفسيه لا تجمعها جامعة، ولا تربطها قرابة» (ص13) مما لا يصح أن تكون بين دفتي كتاب، إلا أن شأن القصة الخاص في أدبنا الناشئ هو ما دعاه لطباعتها، وهذا يعني وعي الشايب الكبير للريادة، ولقد كان رائداً حقاً.‏

 

3-محمد الحاج حسين

عُرف محمد الحاج حسين (1914-1989)(8) بريادته لأدب القصة والرواية إلى جانب أمثاله الرواد مثل شكيب الجابري وعلي خلقي وفؤاد الشايب، ولا سيما تعمقه في التواصل الثقافي مع الأدب العالمي، إذ عني بتلازم الرومانسية مع تعبيراتها الإنسانية المتفائلة في النظر إلى معاناة البشر الاجتماعية إزاء الإحساس المأساوي بالآلام الناجمة عن الفقر والوهن والمرض والاستغلال.‏

 

أصدر محمد حاج حسين كتابه الأول «عبقرية الأدب العربي ـ الجزء الأول» عام 1944،(9) وأوضح في مقدمته أنه بدأ معالجة الأدب، وهو في السابعة عشرة من عمره عندما كان طالباً في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة، وانصرف بكليته إلى نشر قصصه ومسرحياته في الدوريات العربية. وصرح عن كتابته لعدة روايات لم يطبع منها شيئاً، وأكد أنها «تعالج مشكلاتنا الاجتماعية ومعضلاتنا النفسية» (ص6).‏

 

وجمع في هذا الكتاب بعض مقالاته وأبحاثه عن محمود سامي البارودي وإسماعيل صبري وحافظ إبراهيم والملاحم والشعر العربي والغزل والرثاء والمصنوع والمطبوع والهجاء في الأدب العربي وشاعرية الحطيئة وابن خفاجة الأندلسي، والأدب العربي في ميدان التوجيه.. الخ. ونشر مسرحيتين قصيرتين من تأليفه هما «ميلاد أبي العلاء» و«صاحبه عمر»، وأظهر وعياً بالكتابة لديه، إذ ألحق مسرحيته الثانية بتعقيب عن مصادرها وصياغتها الفنية واستهدافاتها القيمية.‏

 

ونشر كتابه الطريف «عباقرة الفكر في حياتهم العاطفية» عام 1956. وفيه فصول شائقات تصور أدق الخلجات الوجدانية عند كارل ماركس ونيتشه ولامرتين وتولستوي ومارك توين وديستويفسكي وبلزاك ولرمنتوف وغوته وشكسبير ومكسيم غوركي وجان جاك روسو وبوشكين وفيكتور هيغو وتوماس كارليل وغيرهم. وألمح في تصديره للكتاب أنه موضوع شديد الصلة «بينبوع الإلهام الذي كان يتفجر منهم، فأرى الحبّ يفيض بين أجنحتهم اللهيفة، هذه النيران المتضرمة التي تشعل قبة الوحي في إنتاجهم الفني الغزير، فأهرع لأسجل قصة هذا الحبّ الكابي تارة الباسم أخرى بأسلوب قصصي» (ص5).‏

 

وكان كتاب «الكميت حياته وشعره» (1972) الأخير في منشوراته على الرغم من إعلانه المتكرر في كتبه جميعها أنه سينشر مؤلفات كثيرة من إبداعه الروائي والمسرحي. وهذا الكتاب بحث علمي عن شاعر لم تلق سيرته وشعره عناية الباحثين والنقاد اللائقة.‏

 

وقد نشر محمد حاج حسين مجموعته القصصية الأولى «جنازة قلب» (1950)، وراعى في كتابتها مستلزمات الاتجاه التقليدي في إتباعه عناصر القصة التقليدية لدى تناول مشكلات جماعة مغمورة تحت وطأة مصاعب الحياة من خلال التلازم بين الوصف الخارجي والداخلي حتى تفاقمت هذه المصاعب، وأصاب عائدة مس من الجنون، و«مضى العام أثر العام، وتقادم العهد، ففقدت كلّ شيء، وكأني بذلك الرمس الذي تخيلته في اللانهاية أشيّع إليه جنازة قلبي، ما يزال فاغراً فاه ظامئاً حران» (ص36-37). وسرعان ما دفعت عائدة الثمن باهظاً إثر دخولها المستشفى، وأشهر الراوي تعاطفه العميق مع عائدة:‏

«وفي صبيحة يوم من أيام الخريف القلقة، وفي موكب مؤلف من شبحين اثنين، سار حفّار القبور يحمل على كاهله الضعيف جنازة قلب بريء بإثمه وأثيم ببراءته. أجل لقد فقدت عائدة كلّ شيء. وفقدت أنا كلّ شيء» (ص37).‏

 

اهتم محمد حاج حسين في قصصه بأغراض القصة إشاعة لقيم التعاطف مع شخوص جماعته المغمورة الذين أرهقتهم الحياة. وصور محمد حاج حسين في روايته «الجوع لا يرحم» (1953) التنشئة العصيبة لشخوصه في بيئة فقيرة تجاهد أسرة الراوي في سبيل تأمين لقمة العيش، وتقترب الرواية من المتن الحكائي الذي يسرد وقائع سيرية فنيّة ليافع في مقتبل العمر اضطر إلى العمل المبكر وهو يعاني من رحيل أمه وقسوة الجوع، ولا يريحه سوى الاستغراق في الأحلام حتى أتيح له العمل مع أسرة ثرية ساعدته على التكون الذاتي السليم مما يدفع عائدة ابنة الأسرة إلى مصارحته برغبتها في الزواج منه، وأعتقد أنها اختارت سواه، لأنه عامل لدى أسرتها، ثم فاجأته باختيارها:‏

«وحدقت بي، وطافت في عينيها الساجيتين أنوار بهية، وشعّ فيهما ألق رقراق.. وتمتمت كالحالمة: إنك أنت يا مصطفى الذي اخترته زوجاً لي.. وكدت أترنح وأهوي من فرط السعادة التي انتابتني» (ص135).‏

 

خصص روايته «ملكة الجمال» (1954) لمعاينة التعلق بالمرأة من جهة والتأسي للضغوط الاجتماعية التي أدت إلى انتحار المرأة التي أحبّها، فقد توجعت لميا من عهر أمها التي «تبيع جسدها لطالبي اللذة»، و«فدحتها النقمة على هذه الأم التي وضعتها في الوجود ثم لم تلبث طويلاً حتى غفرت لها خطيئتها.. من يدري كيف كانت ظروفها القاسية، وتعاورها الشجن العنيف، عندما استرسلت مع خيالها، واتضح أنها ستسير بنفس الطريق التي اخترقته أمها.. فالذئاب البشرية لن ترحم جمالها وشبابها، بل ستلغ في دمائها» (ص149).‏

 

وخالجها السؤال الملحاح: «أما خير لها وأبقى أن تقضي على حياتها، وتصعد إلى السماء تشكو لخالقها ظلم الإنسان» (ص149). ومضت إلى البحر، وانتحرت، فاندفع سمير إلى الجنون، على أن ملكة الحسن لا تموت، و«في مستشفى المجاذيب يقضي سمير كامل أيامه يغني ويرقص وينادي: لميا.. لولو» (ص154).‏

ومال محمد حاج حسين في روايته «اعترافات الشيطان الأزرق» (1954) إلى التعليمية، ومهّد لها بتوجيهه للمنظومة القيمية الأخلاقية التي بنيت عليها الرواية، وحلل تركيبه الروائي على أن الرواية تستند إلى ذكريات عاشها صديقه خالد وقصّها على المؤلف ذات يوم فسجلها بدقة. وأوضح أن خالداً يلقب بالشيطان الأزرق إزاء ولعه القاهر بالنساء، «لأنه كان دائماً يردد: إن ألم القلب الذي يخلفه حب امرأة: لا يزول إلا بألم من حبّ امرأة أخرى» (ص3).‏

 

وعرّف بموضوع روايته وطبيعة صوغه الروائي احتضاناً للحبّ: «فالحب هو الدفء والحنان والحياة.. وبدونه تتوقف أنفاسي، ,تموت نبضات الحياة في جسدي، فالحبّ يحرقني في لهبه المقدس، ثم يصفيّني ويسمو، حتى أُستحيل إلى روح شفافة تهيم في الوجود» (ص3).‏

 

وجعل الرواية منطوقة بضمير المتكلم، أي أن المدعو خالداً هو الذي يروي وقائع حياته ومجرياته، ولا سيما انغماسه في رغباته غير المحدودة بالمرأة وامتداد ذلك إلى فهمه للقيم والأخلاق، فإذا ذكّروه بالإخلاص لزوجه الطيبة ذات الخصائص الممتازة، أجابهم: «كلما ازددت خيانة لزوجي كلما ازددت لها حباً» (ص4).‏

 

وحفلت الرواية بهذه الوقائع والمجريات حتى بلوغه سن الأربعين واعداً بالتغيير، وجعل الجزء الثالث عشر والأخير من الرواية بلسان الروائي عارضاً عليه تدوينه لاعترافاته، على أنه أحسن التعبير عنها، ولو سجلها بنفسه لما جاءت أروع مما فعل، فقد رافقه ذات مرة ليلاً إلى بحمدون، وأسرع يبغي الفندق ليرتاح من جنون انهماكه في عشق المرأة، أي امرأة، فتشبث به قائلاً: «إذا أردت أن تتذوق الحياة، فيجب أن تعشق». وختم الروائي الاعترافات تاركاً إياه لمصيره المرفوض من قبله:‏

 

«وضحكت.. وأجبت لا تخلص منه: سأفعل.. سأفعل.. ثم حدق بي طويلاً.. وصرخ: سأنساها يوماً.. وستكون مجرد شبح يطوف في حياتي.. لا يحمل أي ذكرى، سيغيض جمالها، وسينطفئ سحرها.. أما أنا.. فسأقهر ألمي.. وسأتطلع إلى أفق جديد.. وسأنفض عني هذا الحبّ القاسي.. إنها لا ترحم، فهي، بعد أن اطمأنت إلى حبي العظيم لها.. عافتني ولفظتني.. سأبدأ حياة جديدة.. بعد الأربعين.‏

 

وصرخت: ليوفقك اللّه أو ليفعل بك ما يشاء..» (ص144).‏

وتابع أسلوبيته في كتابة القصة القصيرة في مجموعته الثانية «ثلاث شفاه» (1955) محللاً نفوس شخوصه وهي تنغمر في تجارب حياتها من خلال صوغ قصصي إتباعي يعنى بتقاليد القص من المقدمة إلى العرض إلى الوصف الخارجي لفضاء القصة بوصفها أمثولة في النهاية يتعلم منها المتلقي والقارئ بعض دروس الحياة من خلال التعاطف الإنساني الذي يرتقي بالفعل إلى مرتبة الإحساس المأساوي بالحياة كقول المرأة في ختام القصة التي تحمل اسم المجموعة شاكية من ظلم الرجل لها:‏

«وقبل أن أسدل الستار الأسود على مأساتي، سأرفعه بيدي، لأقول لك.. أن تبتعد عن طريقي.. فالحلم الذي عاش في ذهني قد انطفأ.. وأرجو أن تبحث عن غيري، لتكون قرباناً لفنك» (ص17).‏

 

ولجأ محمد حاج حسين إلى أسلوب الرسائل في كتابة القصة القصيرة مثلما فعل في كتابة قصة «الرجال عيونهم فارغة» التي تخاطب فيها «هيام» صديقتها العزيزة «سحاباً» عن مدى إخلاص الرجل للمرأة التي يحبها، فقد أصرت الأخيرة على رأيها الذي يزعم أن الرجل إذا خفق قلبه بالحب لفتاته المرموقة، ظل مخلصاً وفياً لها حتى آخر نفس يضطرب في صدره، وضحكت الأولى من عنادها، فثارت بها، واتهمتها بالتشاؤم وقالت لها: «متى أتاحت لك الأيام خطيباً كخطيبي، ستذوقين لذة التفاني في الحب، وتعرفين معنى الإخلاص عند الرجال» (ص75).‏

 

ثم مرّت شهور على مناقشتهما العاصفة، وقدمت هيام لسحاب تقريراً خطيراً قد يؤذيها في الصميم، عندما عملت على تحقيق فكرتها، واتخذت خطيب سحاب المصون حقلاً لتجاربها التي تؤيد فيها رأيها، فقد طلب منها الخلاص من سحاب ليخطبها، وتمنت حينها هيام أن تكون صديقتها بجانبها لترى إخلاص رجلها ولتؤمن معها «بأن الرجال عيونهم فارغة» (ص79)، على أن هيام لم تفعل ذلك إلا للبرهان عن رأيها، فنبذت هذا الخطيب، ورجتها ألا تحقد عليها وتتهمها بالدس والبهتان وعدم الإخلاص لها، «وكلي أمل ألا تصرمي خطيبك، لأن كلّ الرجال على شاكلته» (ص82)(10).‏

 

محمد الحاج حسين رائد من رواد كتابة القصة والرواية في سورية التي تلتزم بتقاليد القصة ونزوعها التعليمي والأخلاقي على وجه الخصوص.‏

 

4-سعيد حورانية‏

برز سعيد حورانية (1929-1994)(11) قاصاً واقعياً بجدارة في مجموعاته الثلاث التي وضعها في خمسينيات القرن العشرين وستيناته، وارتقى بفنّ القصة إلى مستوى عال في احتضان فكرة القصة وتعبيرها الفني المتميز عن تجارب بشرية في خضم الحياة وضغوطها، وحققت قصصه لدى معالجة موضوعاتها قيماً اجتماعية ووطنية وإنسانية بقلم فنان ماهر في الصوغ القصصي الناهض بالرؤى العميقة.‏

 

وشارك في تأليف مجموعة قصص «درب إلى القمة» التي حوت قصصاً لأعضاء من «رابطة الكتاب السوريين» وأضاف قصصاً إلى كتابه في أدب الرحلات «سلاماً يا فارصوفيا»، وأصدر بالإضافة إلى مجموعاته القصصية الثلاث مسرحيتين هما «صياح الديكة» (دمشق 1957)، و«المهجع رقم 6» (دمشق 1963)، ومجموعة مقالات وقصص، كما أشرنا بعنوان «سلاماً يا فارصوفيا» (دمشق 1957)، ومسرحية مترجمة للأطفال بعنوان «القطة التي تنزهت على هواها» (دمشق 1983).‏

 

صوّر سعيد حورانية في كتابته القصصية عن وعي المبدع بإبداعه على أن القصة رؤيا شعرية مكثفة للناس والأشياء ضمن حركية المجتمع نحو مجاوزة شروط التاريخ الباهظة على الوجود الإنساني لتصبح الحياة ذات قيمة أكثر جمالياً ومعرفياً. ولطالما قاربت قصصه أمداء الرؤى الشعرية في إدغام المشكلات الاجتماعية والوطنية بإحساس إنساني راق على أنها قضايا مؤرقة في سبيلها إلى تحقيق معاني الخلاص في التجربة البشرية الأشمل، وعضد رؤاه الشعرية بالتناص والاستعارية اندغاماً في شمولية الرؤيا وسعياً لتشرب المنظور القصصي والأسلوبية مسؤولية الكاتب والتزامه بالمنظومة القيمية المنشودة.‏

 

اهتم سعيد حورانية بالمبنى القصصي وغنى إيحاءاته على أنه يضيء جوهر التجربة البشرية من خلال ضبط المنظور السردي، وتبدى ذلك في إهداءاته وإشاراته القليلة وعتباته السردية المتعددة، فقد أهدى مجموعته الثانية «شتاء قاس آخر» لحنا مينة،(12) وخاطبه قائلاً:‏

«يا من فهمت ماهية الضعف البشري والقوة الإنسانية.. إليك يا صديقي.. أقدم هذه القصص» (ص5). وأشار في مقدمته لمجموعته مخاطباً القارئ أن هذه القصص جزء من عمره ومن عمر وطنه سورية، وقد منعت الظروف البائسة التي عاشها الوطن«سنوات عجافاً مظلمة» من ظهورها في وقتها، ونبذ المقدمات، وعدّها نافلة، لأنها «لعبة ساذجة من الكاتب لخداع القارئ» برأيه، «أما وجه الكاتب الحق بدون قناعه السابع فهو في إنتاجه» (ص6).‏

 

وأهدى مجموعته الثالثة «سنتان وتحترق الغابة» إلى «السنديانة الصامدة التي ترمز إلى روح شعبنا، هذا الشعب الذي تألم أكثر من كلّ شعب، إليك يا أبي.. أيها الثائر القديم» (ص5). وواضح من هذه الإهداءات أنها تندغم في مدلولات قصصه ومبناها الاستعاري.‏

 

يتبدى التناص في عنوان مجموعته الأولى «وفي الناس المسرة» وتتعالق عنوانات مجموعاته مع محتوى موضوعاتها ودلالاتها القصصية، واستخدم العبارات المفتاحية إلى جانب عنوانات قصصية تثميراً لأبعادها في إثراء العتبات السردية، كتصديره لقصة «.. وأنقذنا هيبة الحكومة» (من مجموعته شتاء قاس آخر) بعبارة توكيد يدس من الكتاب الخامس:‏

«قد تكون مصلحتكم في أن تكونوا أسيادنا.. ولكن كيف يمكن أن تكون مصلحتنا في أن نكون عبيدكم؟» (ص7).‏

وترصد القصة نضال الشعب في سورية ضد ذيول الاستعمار الفرنسي ممن عرقلوا سيرورة السلطة الوطنية حين واجه ضابط راعياً بدوياً بعد أن أطلق عليه ورفاقه الرصاص وهم في طريقهم لتسليم موارد الميزانية لبعض المراكز في الشمال، فلاحقه ليعطيه درساً في احترام ممثلي السلطة. ويبتعد سعيد حورانية في بناء قصصه عن المباشرة والوعظ، فالقصة على سبيل المثال حوار يتمازج مع الوصف لمتابعة الحدث لاستكمال مكونات التحفيز الواقعي، وألمح لدى ربط الحدث بأغراضه بذكر حالات التعدي على هيبة الحكومة كقوله:‏

«وكالعادة حميت الحديدة، عندما علم أن الشخص الذي تجرأ، وتعدى على هيبة الحكومة هو من جبور الفاضل التي كان يكرهها لسبب غير معروف. وكانت نظراته للرئيس فيها عتاب شديد على هذه الإنسانية التي جعلت أصابع الرئيس لا تشد على الزناد في الوقت المناسب، لتخرج الروح النجسة إلى ملكوت السموات، بدون أن يرتفع رأس بعقال للمطالبة بدمه. وكان في نظرته أيضاً شيء من عدم التصديق بدوافع هذه الإنسانية، لم يبرزها بشكل واضح يحرج ضابطه، وهذا هو السر الذي جعل كل الرؤساء يرضون عنه» (ص33).‏

 

وتأخذ قصص عديدة بعدها الوطني، إذ يتابع القاص مجريات النضال ضد الاستعمار الفرنسي فيما يقارب طوابع الأمثولة أيضاً، كما هو الحال مع قصتي «حمد ذياب» (من مجموعة «شتاء قاس آخر») و«من يوميات ثائر» (من مجموعة «سنتان وتحترق الغابة»). تتناول الأولى وقائع نفي ثائر من ثوار الجبل وعذابه في المنفى حتى عودته للوطن ليعين آذناً، على أن الغرض لا يتوقف عند حدود القيم الوطنية، بل يتعداها إلى كشف عذاب هذا الثائر لدى عودته وتعيينه في هذا العمل الوضيع بعد عشرات الواسطات، ولكنه لم يتظلم «ومثل ما قال المثل: شو علمك عالمرّ؟ قال هللي أمرّ منه» (ص76) وختم حورانية القصة بإظهار التأسي إزاء حال الثائر ضمن المنظور الأشمل:‏

«الريح لا تزال تعصف بالخارج.. وهسيس الثلج مكتوم أصم، ,الخشب يطقطق ويطقطق، وينشر دخانه رائحة حبيبة فطرية.. ما أقرب الأبعاد.. ثمة أشخاص يتقدمون، وصوتهم يطعن قلب الليل كسكين مرهفة.. كان صوتهم ينفذ قوياً عمقاً خلال المصاريع الخشبية المتخلعة التي كنا وراءها.. كانوا يتحدثون بمرارة شديدة، ولكن كم كان هذا الصوت حقوداً وقاسياً ومليئاً بالعزم!!» (ص76).‏

 

وعالجت القصة الثانية على شكل مذكرات وقائع من قصص الثورة الكبرى في سورية عام 1925، ولا سيما وصف أحوال الثوار واشتباكاتهم مع المنتدب الفرنسي وجنوده واستشهاد بعض المجاهدين، ووضع لها عبارة مفتاحية هي قول للورنس من كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» في وصفه لثائر تصدى للجيش الأجنبي، فقد «انحدر وحده عن قمة الجبل وهو يهزّ بندقيته بغضب في وجه الجيش، وتخطى قاعاً عميقاً فذهلنا أمام هذا الجنون وكأننا قد صعقنا في أمكنتنا وهو مندفع كالسهم، وجمد الكون من حولنا، وصمتت الطبيعة، فلم يعد يسمع غير وقع سنابك فرسه» (ص175).‏

 

ومهّد للقصة بأن الراوي وجد هذه اليوميات الحية في دفتر صغير لثائر، ولقد حاول أن يحتفظ ما أمكن بروحها ولغتها، وهي لهجة دمشق ضمن محاولة تفصيحها. ومدّ أسلوبه في معالجة القيم الوطنية إلى أهمية العناية بالنشء الجديد و تربيته مثل قصة «ثلج هذا العالم» التي عاين فيها ألم المعلم لدى علمه بقرار نقله إلى مدرسة أخرى بسبب آرائه غير المقبولة لدى الإدارة، فتقترب القصة من أفق النجوى تستحضر ما حصل واحتمالاته المتباينة في التأثير في نمو وعي الناشئة القومي، واستعان بعبارة مفتاحية لسارتر في كتابه «الغثيان» على أنه وحيد، «ولكنه يسير كفرقة تهبط نحو مدينة» (ص65). والقصة مزيج من وطأة المال على المعلم وتلاميذه في الوقت نفسه؛ وجاءت الخاتمة مجازاً من وصف الطبيعة تمثيلاً للوصف النفسي للمعلم:‏

«الثلج ينهمر.. والأستاذ يبتعد عن المدرسة، نقطة سوداء في المحيط الأبيض، كان الصقيع يتكسّر تحت قدميه وهو ينتزعهما منه بقوة وعزم» (ص83).‏

وبنى قصته «شتاء قاس آخر» وفق هذه التقنية المتطورة في ملاحقة وصف لوحة نفسية واجتماعية عن معنى الصمود أمام تقلبات الحياة وضغوطها المستمرة من خلال استحضار الشخصية لجوانب من ذكرياتها المرّة، ورمّز لذلك بشجرتي نارنج وسنديان في حديقة منزل أثناء اشتداد عاصفة شتوية ما لبثت أن انفرجت الأحوال إلى الربيع. ولا نغفل عن المبنى الاستعاري الشامل للقصة بعد ذلك حين يربط الغرض بالعتبة السردية المفتاحية في مطلع القصة المأخوذة من كلمة للشاعر هايني: «يا إلهي ما أطول ليل الظلم، وما أقسى شتاءه» (ص77).‏

 

اعترف الراوي في مطلع القصة بحبّه لشجرة الليمون اللطيفة التي تعيش في بيته، وأكد أنه لم يعقد صداقة مع شيء في الدنيا على مثل المتانة التي عقدها مع هذه الشجرة. «كانت تشبه أميرة رقيقة من الأميرات اللواتي كنت أقرأ عنهن في القصص، أميرة حقيقية شامية، تجلس على أريكتها وقد تدثرت بحرير أخضر.. النوافذ مفتوحة على جبال خضر، والكتاب الذي بين أصابعها النحيلة موشح بضفائر من الديباج الأخضر تنوس ثم تتكئ في دعة ورخاوة على أطراف معاصمها التي تبرق باللآلئ» (ص79).‏

 

ويوحي هذا الوصف بتعضيد المبنى الاستعاري للقصة لدى المقارنة بشجرة السنديان المعتادة على مقاومة الشتاء والعاصفة، مما جعل والده يربت بحنو ووجد على جذعها ثم استدار نحوه، وخيل إليه «أن دمعتين غبراوين كلون السنديانة تدحرجتا من عينيه الصارمتين فامتصتهما سريعاً تجاعيد وجهه كما تمتص الأراضي العطشى صيّب السحاب» (ص92).‏

 

حفلت غالبية قصص سعيد حورانية بتعاضد المبنى الواقعي والمبنى الاستعاري إضاءة للمشكلات الاجتماعية والإنسانية لنماذج بشرية تعاني من وطأة العيش واستشراء الفساد(13) كما هو الحال مع قصتي «سنتان وتحترق الغابة» و«الخفاش يفتح عينيه»، وتصور القصة الأولى الأوضاع الحياتية القاسية لطفلة فلسطينية تبيع أوراق اليانصيب منتظرة الرجاء والخلاص من البؤس المخيّم عليها وعلى والدها المقعد الضرير، أما القصة الثانية فتنتقد الفساد المنتشر، وأما الحوار فيمتزج بفيض النجوى إلى الشجن القائم والمقيم:‏

«ومنذ ساعتين وهو يرفع من أشلاء نفسه كُلاًّ عظيماً، لم يصل إلى هذه العظمة إلا بتجارب تعصر وتقتل وتجعل للحياة معنى. وافهمهما، ولعله أراد أن يفهم نفسه، أن هذا التمزق الذي يعانيه، سببه أنه أضاع التوازن، بين نفس مسحوقة وإيمان عميق بالحياة وساكنيها. كيف يناضل الرجل يا أصدقاء؟ أنا مؤمن بأشياء عظيمة، حياتنا بائسة ويجب أن نغيرها، أتعرفون؟ واستمر يتحدث حديثاً طوباوياً مدة ساعتين، ومنذ ساعتين أيضاً بصق بصقة حمراء» (ص201).‏

 

سعيد حورانية قاص واقعي شديد التميز في التزامه وتحققه لمسؤولية الكاتب الاجتماعية والإنسانية وفي براعته على صوغ المبنى الاستعاري الذي يضيء الأبعاد العميقة للتجربة البشرية في رؤية الاشتراطات الواقعية المتشابكة والمعقدة.‏

 

5-عدنان الداعوق

برز عدنان الداعوق (1932-1986)(14) كاتباً قصصياً في أواخر خمسينيات القرن العشرين مع إصدار مجموعته الأولى «ذات الخال» (1959) التي حفلت بخصائص القصة القصيرة، واعتنت بعناصرها الفنية، ولا سيما الحديث عن نماذج بشرية في حال معاناتها وقلقها من ضغوط الحياة ضمن أسلوبية تحليلية للواقع والنفس في آن واحد، ثم تتعمق القصة في رؤية المواقف في خضم المشكلات النفسية والاجتماعية.‏

 

اهتم عدنان الداعوق بوضع الدراسات والبحوث التاريخية والنقدية عام 1968، فوضع كتابه «أبطال وأمجاد ـ سجل في تاريخ حمص الثوري عام 1925»(15) وهو تاريخ الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، وأهدى الكتاب إلى أبنائه «خالد وجاهد وزياد وإلى أبناء هذا الجيل كافة الذي يلتمس خيوط النور ليصنع بها غده المشرق الوضاء» (ص5).‏

 

ونقل في الكتاب قصة الأبطال كما أملاها الأحياء منهم «بصدق وأمانة، وبندب وجروح غائرة وكسور قد جبرت في غير انتظام، لأنه لم يكن لديهم الوقت الكافي للراحة، وحتى تجبر الكسور.. وبالرصاص الذي اخترق أجسادهم في أكثر من موضع» (ص17).‏

 

وقدم لكتابه بلمحة تاريخية، وحوى عدة فصول عن بداية الثورة ومعركة المزرعة ومعارك المسيفرة والغوطة والثورة في حماه وضرب دمشق وثورة النبك، ثم خصص القسم الثاني الأكبر للثورة في حمص: بدايتها والتخطيط لها ـ ثوار حمص في النبك ـ ثوار حمص في الهرمل ـ أول معركة في المدينة ـ مجزرة ضربة غازي ـ نظير النشواتي حياً ـ الأسطورة الخالدة ـ من هو خيرو الشهلا؟ ـ تحول وجه الثورة ـ ثوار حمص في معركة كفر بطحا ـ أشهر معارك المدينة ـ العودة إلى حمص ـ اعتقال نساء الثوار ـ واقعة السيباط ـ واقعة الفاخورة ـ مصرع الحاج دلال ـ انتقام الثوار ـ الثورة تحل مشاكل العمال ـ موقف رجال الدين من الثورة ـ اختطاف حسن إدريس ـ اختطاف ريف الحسيني ـ اختطاف عبد المجيد آغا سويدان ـ اختطاف صفا حاكمي ـ دور المدينة المشرف في حماية الثورة ـ آخر المواقع ونهاية الثورة.‏

 

اعتنى عدنان الداعوق أيما عناية بشكل القصة الإتباعي الذي يهتم بعناصر البناء التقليدي من التقديم إلى العرض فالذروة فالخاتمة ضمن فضاء مفتوح على الاحتمالات في رؤية المشكلات الواقعية والوجودية التي تتمازج مع أمشاج اللامعقول أحياناً، وهو المناخ الأدبي السائد آنذاك لدى شيوع الفلسفة الوجودية وفلسفة العبث والتحليل النفسي.‏

 

وأشار الروائي نظير زيتون في مقدمته لمجموعة الداعوق الأولى «ذات الخال»(16) إلى الخلجات الإنسانية والقبسات الوجدانية والرهرهات الاجتماعية منسابة على الأوراق وساجية الأحداق وهفافة الأشواق ووردية المذاق ورخيمة الأبواق في قصصه المنسابة انسياب الجدول الرقراق فوق اللآلئ الرِّقاق، بما يفيد شعرية القصة وإيمائيتها وبراعتها في الحب ولباقتها في السرد وطلاوتها في الأسلوب وتساميها في الغاية.‏

 

وأيد القاص والروائي المعروف محمد عبد الحليم عبد اللّه في تصديره للمجموعة إياها رأي زيتون على أن القصة عند الداعوق(17) صورة شاعرية بحتة ليس فيها إلا حدود الصورة، ويكتمل مبناها الدلالي الثّر بسحر عنوانها، فقد توافر على سبيل المثال لقصة «أعمى» عناصر كثيرة للقص الرفيع، «فحلاوة السرد وتناسقه وتوافق تموجاته واطراد البناء ووفرة عنصر التشويق، كلّها قائمة في هذه الأقصوصة» (ص17).‏

 

اهتم الداعوق بالتحليل النفسي لنماذجه البشرية تحت وطأة معاناتها من قلق الوجود واختلاط المشاعر والكرب الذاتي المقيم على نحو شديد التبسيط غالباً، فتتحدث قصة «التمثال» عن اندفاعة شاب في الخمرة إثر اليأس من الحبّ، ويتأسى الحبيب من خيبته عندما يخطف المرض محبوبته في قصة «القلوب عند بعضها»، وختم قصته بجذوة تحليله: «ولكنه رغم البعد وطول المسافة بينهما كان يردد في نفسه دائماً: إن من أحبّ أحداً لابدّ أن يكنّ له صاحبه نفس الحب، ولو لم يفصح له أو يقابله.. أو حتى لو فصلت بينهما رحاب الأرض الواسعة، فالقلوب عند بعضها دائماً» (ص40).‏

 

ويستغرق الداعوق في تأمل مشاعر الحبّ في حالاته المتأججة الصاخبة أو الهادئة، ففي قصة «عندما يخطئ الحب» تنغمر نفس الزوجة باعترافاتها عن نأي زوجها ومكنونها لشاب جذاب علقته ذات مرة في مصيف، وما زالت تتهجى لغة الحبّ المعذبة:‏

«وعند المساء.. وكل مساء، عندما كنت أطل من نافذتي إلى الصخرة العالية، كنت أجد شبحاً يجثو هناك، عند أعلى الصخرة.. وكأنه عابد يكّفر عن ذنوبه وخطاياه في هيكل العبادة والتقوى.. فأهمس مع الليل همسة مؤلمة، وأقول:‏

- ويل للمرء عندما يخطئ الحبّ معه» (ص122).‏

 

واستفاد الداعوق في مجموعاته القصصية اللاحقة من تيار الوعي والتداعيات الحرة وتشظية الزمن من خلال تثمير تقانات الاسترجاع في الإحاطة بالتجربة البشرية موضوع القص كما هو الحال مع قصتي «في الطريق» و«الساعة الخامسة» من مجموعته «السمكة والبحار الزرق» (1962)، وتهتم الأولى برصد أحزان زيارة قبر الأم، وتقوم الثانية على التداعي وفيض الذكريات لامرأة تأمل اللقاء المعسول بالحبيب.‏

 

وأشاد القاص والروائي الكبير عبد السلام العجيلي بقصص الداعوق التي تحمل كثيراً من سمات القصة الجديدة في تقديمه لمجموعة «السمكة والبحار الزرق»، فالقصة التقليدية تقدم للقارئ الحادثة، «في حين تقدم القصة الجديدة جوّاً، وهذا هو أهم الفروق التي تفصل بين مدرستي القصة في نظري» (ص10).‏

 

وتعالج قصة «السمكة والبحار الزرق» جو الضياع و التشرد والشذوذ عند فنان مقهور بالجنس ومغامر وإباحي وشاذ، هجر محبوبته التي حملت منه سفاحاً بطفلة اسمها «يولا»، ما لبثت أن ماتت في ميتم، غير أن المحبوبة المهجورة ظلت وفية لحبّه. ويتخلل المبنى القصصي الجديد التداعي والتعابث الزمني والتركيز على فضاء دلالات العلاقة الخاطئة به ومغامراته الشاذة الكثيرة في بلاده وفي الغرب، ويتمازج السرد مع حكاية ترميزية عن احتراق السمكة بالصاعقة عند ملاحقتها حبيبها الذي قضى بالصاعقة عند شاطئ مهجور أيضاً، ومحاولة البطل الفنان الانتحار لدى عودته إلى بلده ولقاؤه بمحبوبته والمضي بها إلى منزله ليرسم من جديد يولا جديدة.‏

 

وجدد الداعوق تقاناته القصصية في مجموعته الأخيرة «آدم والجزار» (1979) مثل الأخيولة (الفنطزة) والمجاز والسرد الطويل والسخرية كما في القصة التي تحمل اسم المجموعة، إذ يصير المبنى القصصي إلى تركيب مجازي وأخيولي مثير لمعان كثيرة من منطلق بحث آدم المستمر عن لقمة العيش، ويلاحظ هذا التركيب في الاسم «آدم» وسعي المرء إلى مناهضة ذوي السلطان الجزارين ونضال دون كيشوت برأيه بوصفه بائع لحم شريف، وتباين نظرته إلى أعمدة الحكمة السبعة من حاجات الإنسان الرئيسة «الماء والهواء والطعام والكساء وحفظ النسب وإتقاء الخطر وحسن المعاملة» إلى «اللحم» مكررة سبع مرات بلسان الجزار. ثم تناذر مفهوم الإنسان عند الجزار إلى تماهيات الوجه مع الأقنعة، حين «قال في ارتباك:‏

- أنت الإنسان.. وأنت المالك لآلاف الأقنعة على مرّ التاريخ» (ص101).‏

وختم القصة بالمجاز اللفظي الساخر لمفهوم الخروج عن القانون بأن قرر مجلس الإدارة تسريحه الفوري دون أي التزام أو رجوع عن القرار، مع تغريمه بالمصاريف وفرض العقوبات المنصوص عليها في القوانين المرعية ومصادرة أفكاره المنقولة وغير المنقولة.‏

 

وتتجاذب هذه القصة في استخدام تقاناتها مع قصة «الوجه والأقنعة»، فقد تحدث مع البائع عن عهده بأنه لن يتراجع عن كلمته، «وشرف الرجل من شرف الكلمة» (ص67)، ثم فكر في رحلة طويلة عبر الماضي، وتذكر قصة طريفة من طفولته عن تردد صديقه لأمه تسعى لتبديل صورتها الدميمة، وتتكاثر حالات الوجه و القناع والمظاهر والجوهر، فاللصوص سرقوا كل الأقنعة، وضحك الرجل طويلاً، ومشى وهو يقول:‏

- و سرقوا أيضاً وجهك الحقيقي دون أن تدري» (ص71).‏

وتشير قصة «سرّ على الدانوب» إلى استغراق الإنسان في بحر أسراره بالنسبة إليه وبالنسبة إلى الآخرين، فقد التقى الراوي رجلاً في مصعد في بودابست أثناء زيارته للمجر، وأخبره أنه عربي مولود هنا، لأن والده هاجر الى المجر وتزوج وأقام فيها، فتشوق الراوي إلى معرفة قصة حياته وحياة أبيه الرّحالة الجوال. وجلس في الكازينو، وكانت إلى جانبه فتاة وهي التي حيّته، أما هو فقد انتقد أمثالها وسلوكهن، واعتذر منها، لأنه على موعد مع صديق، وأخبرته أن الصديق هو الذي أرسلها إليه خوفاً من أن يضيق ذرعاً بالوحدة والانتظار.‏

 

ومضى معها وجلس، وعرف أن اسمه هانتوس، ورقصا على أنغام أغنية. ثم أشارت إلى صديقتها ايلينا، وتحدثا عن هانتوس وسرّه، فهو بولوني، وطلبت روزا أن تنام عنده، ورفض عرضها، ونصحه الساقي بالابتعاد عنها، ليصرح له أنها ابنته، وفوجيء أن عامل المصعد مقتول، وقرأ في اليوم التالي في الطائرة أن الشاب انريكو إسباني، وثمة حدث غامض في سبيله للكشف. فكانت النتيجة بتأملها العميق والفسيح:‏

«أغمضت عيني، بعد أن ودّعت من نافذة الطائرة صور العاصمة الجميلة ذات الثمانية جسور، وذانوبها الغارق في بحر من الأسرار» (ص27).‏

تتسع قصص الداعوق للإيحاءات والرموز ونبرات اللامعقول والأحلام وأحلام اليقظة والكوابيس في تقصي مشكلات نماذجه البشرية الذين يخوضون في الإباحة والشذوذ والجرأة وقد تراءت لهم أطياف الفضيلة في وسط حمأة الرذيلة.‏

 

6-خديجة الجراح‏

مثلت خديجة الجراح (1923-2000)(18) في أدبها هموم النسوية متلفعة بأردية رومانسية على أن الرجل ذئب مفترس للمرأة غارق في المتع الرخيصة والتسلية مع المرأة جسداً دون عناية بالقيم من جهة أو كرامة المرأة من جهة أخرى، وتعللت الجراح في غالبية قصصها بزخم العاطفة وفيض المشاعر من المرأة إلى الرجل منعزلة عن اشتراطاتها الاجتماعية وتحليلها النفسي مما لا يراعيه الرجل أبداً. ثم مازجت في بعض قصصها الأخيرة هذه الهموم النسوية بهموم الوطن.‏

واللافت للنظر أنها عنيت باسم الرجل حين ربطت اسمها على أغلفة كتبها باسم ابنها «عصام»، فكتبت «أم عصام»، وأضافت اسمها الحقيقي خديجة الجراح النشواتي إلى صفحة الغلاف الداخلية، و«النشواتي» هو اسم عائلة زوجها.‏

 

إن نظرة فاحصة لقصتها المتوسطة من حيث الطول «ذاكر يا ترى»(19) (تقع في 63 صفحة من أصل صفحات مجموعتها التي بلغت 192 صفحة) تكشف عن تفكيرها القصصي برمته، فالقصة ببساطة هي تعلق «سمر» بـ «عامر» لدى رؤيته أول ذلك على الرغم من معرفتها بزواجه واعترافه لها أن ثمة قطيعة وجفاء مع زوجته مما نمىّ اللقاء المتواصل بينهما في غرفة النوم.‏

 

تباعد القاصة بين طبيعة هذا التعلق ومحيطه الاجتماعي وشروطه التاريخية في احتوائها على خصائص الفضاء القصصي من أعراف وتقاليد، فلا تذكر شيئاً عن اللقاء في غرفة النوم سوى التقبيل والضمّ، ولا تحفل بنظرة «عامر» إلى المرأة سوى أنها مادة للتسلية والإمتاع بالنسبة إليه، ولا تفكر سحر بمسوغات العلاقة ونتائجها سوى أنها حب المرأة للرجل، ولا تعنى بدوافع المنظور السردي التي تعلل تتالي الحوافز القصصية، فتتكرر اللقاءات في فيض الإنشاء اللغوي العاطفي بطوابعه الرومانسية، وتتفاقم هذه الوطأة على الذات دون تعليل عندما اتهمها بالتفاهة والعادية ما لم تتجاوز حال العلاقة من طرف واحد، وتنخرط في عشرات العلاقات الأخرى، فما كان منها إلا أن قررت «الأخذ» بأفكاره، وأن تعيش «كما يريد» (ص61) متخلية عن تفاهتها وعاديتها متمادية في الخوض في تطبيق مبادئه وهي التفريط في العلاقات من الزواج إلى لقاء الرجال، واختصرت وجهة نظرها بالعبارات الختامية التالية:‏

«علمتني كيف أحيا..‏

علمتني كيف أكفر بالحب.. وأتفهم الغاية..‏

لقد أصبحت امرأة ناضجة.. امرأة غرست فيها أفكارك لكنك خسرتها..‏

لم تعد العيون الوالهة تسكب فيَّ شيئاً..‏

لم تعد أيامك تعني لي سوى أيام عشتها وأنا جاهلة الواقع..‏

لم تعد الكلمات المعسولة تعني لدي شيئاً..‏

لقد عرفت الحقيقة وفهمتها..‏

ودعت سمر عامراً بنظرة أخيرة.. حين كانت الدهشة تعانق وجهه.. وشيء من الحسرة يسري في جنباته!‏

الحسرة على ماضٍ بعيد طوته الأيام..» (ص63)‏

وثمة قصص أخرى لا تفترق عن هذا الموضوع على أن المرأة ذائبة في حب الرجل، بينما لا يستحق الرجل هذا الحب مما يدفعها إلى محاولات تخطي هذه العلاقات المتعبة التي تؤدي إلى شقاء المرأة وعذابها، وتفرط القاصة في وصف معاناة المرأة باللغة بالدرجة الأولى، ونلاحظ أن المجموعة الثانية «إليك» لا تحمل ثقة بهذا العنوان، لأن قصص المجموعة برمتها تدور في فلك هذه النظرة التي أوجزتها في العتبة المفتاحية في الصفحة التي سبقت صفحة العنوان الداخلي:‏

[من ظلمك أثور.. وفي دوامة حبك أدور‏

تفجعني.. تسعدني.. ترهبني.. تسكرني..‏

تبعدني.. تشدني‏

اشتكي منك وعلى يديك أرتمي‏

أهرب منك.. والى صدرك احتمي‏

إليك أهدي «إليك»] (ص1).‏

وأذكر قصة «الستائر الخضر» أنموذجاً لأسلوبها في مجموعتها الثانية «إليك» الذي لا يختلف أيضاً عن كتابتها في مجموعتها الأولى، فهي قصة تدور حول لقائها به مصادفة «وبسهولة لم تكن تحسبها انصاع إليها كغنيمة جديدة صاماً أذنيه عن الهمسة الصادقة ليضعف أمام الإغراء الحوائي الكبير.. وتتسلل قدماه كغيره إلى الغرفة العجيبة، ويرتمي على سرير اللعب.. ذلك الشاب تميز عن غيره لديها.. لقد تعلق بها الكل.. أما هذا فلم تعرف الملك بين ذراعيه القويتين بل صهرت تجاربها وخبرتها في سبيل الاحتفاظ به (ص85).‏

 

ثم آلت الخاتمة إلى الوجهة إياها: ضغوط الضياع والحسرة والعذاب والألم عليها لدى معرفتها بزواجه من الصديقة ذات الهمسة الصادقة:‏

«حينذاك عادت إلى غرفتها العجيبة والى ستائرها الخضر.. توهم نفسها بأنها ستبحث كالماضي عن صيد معتق جديد لتعيش في ألق سحر جديد.. لكن القنديل حين يخبو ويصبح في النزع الأخير. هيهات أن يحس بالحياة ثانية» (ص86).‏

 

وطوّرت القاصة نزوعها الرومانسي في مجموعتها الثالثة «عندما يغدو المطر ثلجاً» بمقاربة أوثق لعنصري التوتر والتكثيف تخفيفاً للاسترسال الإنشائي اللغوي وملامسته لمبنى استعاري عن طريق التحليل النفسي ودقة الوصف المجازي، فالعلاقة بين المرأة والرجل لم تغادر مثواها الأثير عند خديجة الجراح عندما يكثر الرجل من علاقاته بالمرأة، ويترك من تحبه أسيرة لقيود عشقها، ثم تسعى جاهدة للخروج من هذا الأسر، وقد دللت على هذا المبنى الواقعي للعلاقة بإشارات إلى مبنى استعاري من خلال حرارة العلاقة وبرودتها وانهمار الثلج والمطر والتجمد أو انقطاعه:‏

«ما أرهب المسافة بين نقطة البداية ونقطة النهاية..‏

يجمد في عينيها كل شيء، يتكاثر الثلج في الخارج يكللها على الرصيف وهي تغادر السيارة.. تقف فترة.. تستسلم إليه وهو يمحوها كتلة بياض ناصع.. يوشوش الصغار: عندما كنت مطراً شاركتني عيناك. تسره: عندما تتكاثر البرودة يغدو المطر ثلجاً.. تدخل بيتها.. وتسحقها غربة كبيرة حتى الصقيع».(ص120).‏

 

وجعلت القاصة الإهداء من هذه الوشوشة وهذا الإسرار تغليباً لعذاب المرأة من خذلان الرجل لها وخيبة الحب. غير أن المجموعة الأخيرة حوت قصصاً جاوزت فيها المرأة هموم النسوية، على لارغم من التباس هذا المصطلح في النظرية والتطبيق إلى حد ما حين اعتنت بدواخل المرأة وتحليلها نفسيتها ووعيها الأوضاع الاجتماعية والإنسانية برفض أن تكون المرأة رقماً ضائعاً في قصتها «الرقم الضائع» فهي «طوال حياتها كانت تحاول أن تمتلك شيئاً بين قبضة أصابعها ولا تجد إلا الفراغ.. فراغاً رهيباً أحرقت معه سني عمرها الضائع.. هي المرأة الشرقية التي خلقت من فراغ قوقعة وتربت بين جدران قوقعة.. وشبت وعرفت الصبا والقوقعة تحنطها.. حتى في عمر النضج والمعرفة ما تزال تسبح في قوقعة ودوامة رهيبة من التساؤلات: علام حصلت كامرأة شرقية؟» (ص29) وختمت الجراح قصتها والسؤال ما زال مفتوحاً: «إلى متى أظل رقماً ضائعاً بين الملايين» (ص43).‏

 

ووضعت خديجة الجراح روايتها الوحيدة «أرصفة السأم» بالاشتراك مع الشاعرة هيام نويلاتي. وتميل الرواية إلى الاشتغال على الهموم النسوية الناجمة عن الزواج والأوضاع الاجتماعية التي تندرج في مآل اضطهاد المرأة وافتقادها للحرية، وتستخدم شيئاً من التحليل النفسي الذي يتلاقى مع توصيف النمط الاجتماعي السائد الذي تبدو فيه المرأة منسحقة تحت وطأة الهيمنة الذكورية حين تصير المرأة إلى مجال إمتاع للرجل الغارق في الفسق والملذات والفساد. وتصور الرواية تعلق «ماريا» برجل اسمه «حبيب» الذي أوحى إليها بتقديره للمرأة ومكانتها في التقدم الاجتماعي، بينما هو مخادع كاذب متلاعب بالمشاعر ومجالها الرئيس: المرأة، على أنها متزوجة، ويعمل زوجها تاجراً في لندن، فيضطر إلى السفر كثيراً، وتصفه بمثل مآل أوصاف «حبيب» في النهاية، فهو زير نساء، لا هم له سوى ارتياد أماكن الابتذال ومطاردة النساء البغايا والمتاجرات بأجسادهن. وعمدت المؤلفتان إلى جعل العلاقة بالزوج لفظية عن طريق الرسائل، أما العلاقة العملية فكانت مع الحبيب والعشيق «حبيب» الذي لطالما التقت به في الأماكن العامة وشبه الخاصة.‏

 

وتقترب الرواية من دفق النجوى واسترسالها الحواري مع الذات والآخر داخل سيارة المرأة «ماريا» غالباً. بما يقترب من كشف النوازع الذاتية الرومانسية عن التعلق بالرجل، وقد غطاها الأسى والتأسي على حال المرأة مع الرجل المخادع لدوام استهلاك المرأة مادة للمتعة والتلذذ. ثم عاد الزوج إلى بلاده، ولم تنقطع اللقاءات بين ماريا وحبيب، ويلحّ المنظور السردي على التماثل بين ذوبان الرجلين في الابتذال المرفوض من قبل المرأة: الزوج في لندن، والعشيق في دمشق، إلى أن لمحت ماريا خاتم الخطبة في إصبع العشيق، وواجهته بذلك، ولم يهتم، بل كذب عليها بأن غيابها عنه هو السبب الذي أوقعه في علاقته بمن خطبها، مما أوقعها مجدداً في الحيرة والتردد حول استمرار العلاقة معه أو العودة إلى زوجها، إلا أن الأمر الضاغط عليها هو «السأم» من كل شيء، وكأن الذكورة قدر ظالم وجائر على الأنوثة، فالرجل غارق في خيانة المرأة التي تدفع المرأة دفعاً إلى العلاقة مع الرجل دون أن تسميها خيانة.‏

 

وبدا تأثير الوجودية في المنظور السردي طاغياً، وقد تلونت بتلوينات التحليل النفسي والرؤية الاجتماعية، وثمة رواية لالبرتومورافيا بعنوان «السأم» تقترب الرواية منها إلى حدّ ما في إطارها الأعم والأعمق بتصوير العلاقة بين الرجل وعشيقته، والرجل وزوجته.. الخ. وتمتلئ الرواية بالحوارات والأحاديث السياسية والفكرية والأخلاقية من منظورات المرأة الضيقة، فالمرأة تنتقد على سبيل المثال زوجها، ولا تنتقد نفسها. بل تسعى لأن تعطي ذاتها سبل الرحمة والرجاء لدى المتلقي من تسلط الذكورة على القيم الاجتماعية. وتلوذ المرأة بالشاعرية في ملامسة السأم الناجم عن غربة المرأة واغترابها في دنيا الرجل ومجتمعه، ولا يحدد المنظور السردي مفهوم السأم وحدوده واندغامه بالفضاء الروائي، لأنه ملفوظ يستلزم الإقناع أو الصدق الفني والتاريخي.‏

 

وتردد المؤلفتان من حين لآخر عبارات انتقادية للطبقة البرجوازية والطبقة المتوسطة دون تمثيل هاتين الطبقتين في شخصيات الرواية، لأن هذه الشخصيات كثيرة، و سرعان ما تغيب عن مشاهد الرواية، وهذا كله شديد الصلة بمستوى الرواية الفني الذي يميل إلى النجوى الذاتية الخطابية عن حال المرأة المتأسية من الهيمنة الذكورية، ولو كان الأمر عن طريق الإلماح والإيماء.‏

 

ووضعت خديجة الجراح مجموعة قصصية أخيرة عام 1985، عنوانها «غداً يوم آخر»، وغلبت عليها الرومانسية في الدفاع عن خريف المرأة والمرأة التي تلتبس ظروف حياتها مع المشكلات الناجمة عن المتغيرات الاجتماعية الجديدة، ونفحت الجراح لشخوصها نفحة أمل وتفاؤل وسط صعوبات الحياة المستمرة على المرأة. وثمة مواقف متكررة في هذه القصص لنساء يفقدن العمر، ولا يردن أن يخسرن كلّ شيء، وهي مجازفات على سبيل الأمنيات، ولا تجد تحققها في الواقع، على أن ذلك محاولة للتشبث بحنان الرجل وحمايته وصداقته على أقل تقدير ومحاولة لرؤية الحياة المريرة على المرأة بروح باسمة.‏

 

وصفت الجراح في قصتها «بقايا مائدة» سيارة حمراء كبيرة وركابها، وتداعيات الصور والأفكار لهؤلاء الركاب الثلاثة في المقعد الأمامي والثلاثة في المقعد الخلفي.‏

 

وانداحت الخواطر في دواخل نساء المقعد الخلفي، فقد تركت المرأة مع ضيوفها مائدة عامرة، وهما عروسان على أبواب الحياة وزوجان منذ عشرة أعوام وأحزان منذ عشرين سنة. وللمرأة أولاد خمسة، وقد رحل الكبير إلى روما للدراسة، والثانية صبية جميلة بريئة، والثالثة صبية حلوة ناعمة لم تبلغ العشرين بعد، والرابعة صبية صغيرة، والأخير طفل في العاشرة، وثمة شعور وحشي يمزق حنايا الأم من قسوة الحياة. وتوقعت أن يأتي يوم تترك فيه دارها على بقايا مائدة فقط، فهو خوف الوحدة والغربة، وتوالت حالات هجوم المخاوف على هؤلاء الركاب دفعة واحدة، ولكنهم نجوا بصعوبة من حادث السيارة.‏

 

وتألمت المرأة في قصة «دائرة الضوء» من ذكرى علاقته ببثينة، ثم استرسلت في حديثها عنه طلباً لمحاورته، والتساؤل مستمر حول نوعية هذه المرأة: عادية أم لغز؟ والاعتراف حاصل بالتطورات الاجتماعية والطبقية، وهي امرأة جبارة لا تتعب من المغامرات، وتذكر أنها سرقت حبيبها منها أيضاً، واختلطت صورة المحدث بحبيبها المسروق، وانداحت المشاعر رافضة نموذج بثينة، وصعد أنموذج المرأة القوية في قلمها وروحها: «وأنا أشعر بنمو وردة جديدة في أعماقي.. وردة الصبر والانتظار الطويل» (ص13).‏

 

وسمعت لينا في قصة «كانت» كلمات الإطراء كلما خرجت إلى الشارع، ثم يسمع المتلقي على الفور نغمة الخوف من الزمن الذي يهزم الجمال والشباب، وانتقل القصّ فجأة إلى مرحلة تقدم لينا بالعمر، وتعليق الفتيات والنساء حول دخولها الأربعين، وعرفت متأسية أنها خسرت صديقتها العزيزة بالموت، وأصبحت لينا حزينة مع خريف العمر، ولطالما توجعت من كلمة «كانت»، فهي وحيدة إذن، وأمعنت في تأمل علاقتها مع حماتها وبيت الزوجية، ورأت في لوحة الاتحاد النسائي العام مثاراً للتغير في الحياة الاجتماعية والأفكار الرئيسة أمام ظلم الماضي: الأب والأسرة والزوج والأولاد والعمر الذي يذوي رويداً رويداً. وقررت أن المرأة الآن تختار حياتها في ظل التحرر المادي. والقصة بعد ذلك أنين روح ومرثية لعمر المرأة «عبر الزمان الذي نحمله على أكتافنا حينما نكبر ونتعب» (ص22).‏

 

وتصف قصة «الكف» رحلة امرأة مع الكف والصفعات المرتبطة بها، فالعينان حزينتان، وثمة سيارة مسرعة تخطف نجوى في الازدحام، وتتراءى صور ثلاثة أكف ملونة مرسومة زرقاء وحمراء وسوداء، وتتوارد تعويذات أم لتذكر بالصفعات، وتشير للسائق أن يتوقف، فما من أمل، كل شيء أسود، وهذا هو حالها في تذكر صفعة الصديقة التي اختطفت منها زوجها، وهناك صفعات كثيرة مماثلة إزاء المشكلات المتفاقمة على أن «الصفعة هي تلك الحرية العمياء»، وتصف حاجة المرأة إلى الرجل وسلوك الرجل إزاء المرأة، ثم قررت التخلص من ذكرى الصفعات والتعامل مع حبيبها كصديق، مثل كل صديق.‏

 

ورأت في الحب وهماً في قصة «رحيل الوهم» عندما عانت هيفاء من وهم عادل، وعاملت عادلاً ودلالاً صديقين فقط أيضاً. بينما أوردت نظرة أخرى إلى الحبّ في قصة «الساق الخشبية»، فقد التقت معه في سهرة، وكان ثمة توافق بينهما، ودعاها آخر للرقص ففعلت، وكانت رجله من خشب.. وأحبته.. وأحبته، فالحب يصنع المعجزات. ودافعت عن الرجل في قصة «على زند الصخور» من منظور التعاطف معه ما دام مؤمناً بالقيم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية حين فقد سيارته، وقد تذكر كل شيء: بيته وزوجته وهو يغادر إلى حلب، فأسرته هي كل شيء بالنسبة إليه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وواجه حادثاً من جسر وارتمى على الصخور، ونجا من الموت، وحمد اللّه أنه معه!.‏

 

وشكت من ذكورية الرجل إزاء المرأة في قصة «نزوة»، فسحر امرأة وحيدة أرملة مات زوجها وابنها بعد سنة، وأحبت عمر حباً جارفاً صادقاً، وعبدته عبادة وهو ادعى حبّه لها. كان متزوجاً، وأخبرها أنه لم يحبّ زوجته قط، وبقي معها طويلاً وهي عاقر إرضاء لوالده، وتحين فرص الخلاص منها ليتزوجها، فصدقت سحر كلامه، وقدّرت عاطفته، وقابلته حباً صادقاً نافية الرغبة في الزواج ما دام هذا الحب مشتعلاً. ثم فجعها عمر، وتخلى عنها دون أن تعرف، وتعذبت في بيتها وحيدة، ذات مساء قررت الخروج إلى أي مكان، وركبت سيارة أجرة، ودهشت عندما رأته يحضن امرأة، وكتبت حبّها له وشوقها إليها، وأدركت أنه خدعها ولم يكن حبّه سوى نزوة!.‏

وأظهرت قصة «رسالة» التباس معنى الحبّ بين زوج وزوجته بسبب رسالة، اكتشف فيما بعد أنها من أخيها، فتصالحا وتعانقا، وعاتبها لأنها لم تشركه في أحزانها.‏

ودانت الرجل الموغل في نزواته في قصة «الدمى» لفرط علاقاته بالنساء، فغادرته الفتاة سلمى الخادم في بيته، ومشت في الشوارع الخالية التي أخذ نور الشمس يملؤها على الرغم من تعلقها به، واستعدت لبدء حياة جديدة.‏

 

وتباينت المواقف بين الرجل والمرأة في قصة «أسرار الدروب الضيقة»، فالمرأة الأم المتصابية خسرت ابنها، لأن إحساسها طاغ عليها بأنه أدرك علة تصابيها، وتراءى لها مراراً دون حقيقة، فجلست وفي قلبها حسرة أن تراه أو تلثمه(20).‏

 

خصصت خديجة الجراح إبداعها القصصي والروائي للعلاقة بين المرأة والرجل على أن المرأة هي المحبة والصادقة، وإذا خرجت عن ذلك، فالرجل هو المسؤول الذي يظلمها ويخدعها ويخادعها ويدفعها إلى الابتذال والمرض والموت، ثم طوّرت تجربتها القصصية في مجموعتها الثالثة إلى وعي الشروط التاريخية والاجتماعية الضاغطة على وجدان المرأة وتهميشها من قبل الهيمنة الذكورية وتسليعها للمرأة.‏

 

(1) ولد علي خلقي في منطقة دوما ـ دمشق عام 1911، وتلقى تعليمه فيها، وتخرج في دار المعلمين العليا بدمشق. وعمل معلماً في محافظات متعددة حتى إحالته على المعاش في عام 1971. ونشر مجموعته القصصية الوحيدة «ربيع وخريف» عام 1931 التي تعدّ من أوائل المجموعات القصصية ذات المستوى الفني الرفيع. وحظيت هذه المجموعة بالتقدير والثناء الذي جعله من رواد الفن القصصي في سورية، وكرّمه اتحاد الكتاب العرب عام 1980، وأعاد طباعة هذه المجموعة معدّلة ومصدرة ببعض المقالات التي احتفت به وبإنتاجه القصصي الريادي.‏

لم ينقطع علي خلقي عن كتابة القصة، ولكن طوابع حياته المضنية اضطرته إلى البحث عن عمل، فخاض معركة الحياة، فقد كان والده ضابطاً وأستاذاً للأدب التركي في أستانبول، وتوفي باكراً، واحتضنه أخوه فترة، فأذاقته زوجة الأخ مرّ العذاب، وبدأ منذ ذلك الوقت تشرده، فكان يعمل إلى جانب دراسته صانع أحذية، ويحضر تمثيليات أخيه الممثل، ويهرب إلى بيروت ليقيم في بيت أخته الكبرى، ثم يعود إلى دمشق ليدرس وليسهم في المظاهرات السياسية، ولينام في الفندق يوماً وفي السجن ليلة، ونال شهادة دار المعلمين، وعين معلماً في مدارس بعض المحافظات النائية.‏

(2) وضعت أبحاث ومقالات ودراسات كثيرة عن قصص علي خلقي، ونذكر منها:‏

- شاكر مصطفى: القصة في سورية حتى الحرب العالمية الثانية. معهد الدراسات العليا ـ جامعة الدول العربية ـ القاهرة 1957.‏

- عادل أبو شنب: صفحات مجهولة في تاريخ القصة السورية. منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1976.‏

- عدنان بن ذريل: أدب القصة في سورية. مطبعة الأيام ـ دمشق 1967.‏

(3) ولد فؤاد الشايب في معلولا عام 1911، وانتقل إلى دمشق ودرس في مدرسة الجامعة العلمية، ونال الشهادة الثانوية عام 1928، وتخرج من معهد الحقوق بدمشق عام 1932، ودرس اللغة الفرنسية وآدابها والحقوق في باريس، واعتنق الكثير من المبادئ الحرّة والنظريات الاشتراكية هناك فيما بين عامي 1932-1934، وعمل في جريدة «فتى العرب» لمعروف الأرناؤوط و«الاستقلال» لتوفيق جانا، وشارك في تحرير عدة دوريات عربية فيما بين عامي 1935-1939، وسافر إلى العراق، وترأس تحرير جريدة «البلاد» في بغداد فيما بين 1939-1941 خلال إبعاد صاحبها رفائيل بطي، وتسلم وظيفة أمين رسائل رئاسة الجمهورية في سورية خلال عامي 1942-1994، وعمل معاوناً لرئيس المطبوعات في سورية خلال عامي 1944-1946 ورئيس شعبة المطبوعات في الدعاية والأنباء خلال عامي 1947-1949، ورئيس دائرة المطبوعات (1949-1951) ورئيس دائرة الدعاية والأنباء (1951-1953) والمدير العام للدعاية والأبناء (1954-1959)، ورئيس مؤتمر الأدباء العرب الثاني (بلودان 1956)، ونال وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية من رئاسة جمهورية مصر بمناسبة إعلان الوحدة بين مصر وسورية عام 1958، ومدير المكتبات في وزارة الثقافة والإرشاد القومي ورئيس جمعية الأدباء في سورية عام 1959، وعمل مديراً عاماً في رئاسة الجمهورية العربية المتحدة في القاهرة (1959-1961). ومديراً للإرشاد القومي في وزارة الثقافة (1962-1967)، ورئيساً لتحرير مجلة «المعرفة» وأميناً عاماً لوزارة الإعلام عام 1962 ومديراً لمكتب الجامعة العربية في بونيس ايرس بالأرجنتين (1967-1970)، وتوفي بالسكتة القلبية على أثر إلقاء إحدى المنظمات الصهيونية قنبلة محرقة على مقر مكتب الجامعة في الأرجنتين وتدمير جزء منه، ونُقل جثمانه إلى دمشق، ودُفن فيها.‏

(4) احتلت هذه القصص الصفحات 263-421 من المجلد الأول من مؤلفاته الكاملة التي تقع في ثلاثة مجلدات. انظر:‏

- فؤاد الشايب. المؤلفات الكاملة. المجلد الأول: القصة (إشراف وتقديم: حسام الخطيب). وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1984.‏

(5) فؤاد الشايب: المؤلفات الكاملة. المجلد الثاني: آثار أدبية (إشراف وتقديم: حسام الخطيب). وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1985. ص5.‏

(6) فؤاد الشايب: المؤلفات الكاملة. المجلد الثالث: مقالات في السياسة والاجتماع ومشروع كتابين. (إشراف وتقديم: حسام الخطيب). وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1990. ص7.‏

(7) انظر على سبيل المثال:‏

- نسيب الاختيار: أدب القصة عند فؤاد الشايب. في مجلة «الصباح» (دمشق) العدد 524، 20 نيسان 1942.‏

- حسام الخطيب: فؤاد الشايب وأدب القصة في المجلد الأول من المؤلفات. ص25-77.‏

- عبد الله أبو هيف: الأدب والتغيير الاجتماعي في سورية. اتحاد الكتّاب العرب. دمشق 1990 ـ ص249-253.‏

(8) ولد محمد الحاج حسين في طرطوس عام 1914، وتعلم في مدارسها، وأنهى دراسته الثانوية فيها، وسافر عام 1933 إلى مصر، وحاز على شهادة الماجستير في الأدب العربي من جامعة القاهرة عام 1937. وتعرف في مصر إلى عمالقة الأدب العربي: المازني والعقاد وطه حسين ومصطفى أمين حيث كان الأخيران أستاذين له، وبدأ نشاطه الأدبي في جريدة «البلاغ» (القاهرية)، وهو ما يزال طالباً في الجامعة، وعاد إلى سورية، ومارس فيها مهنة التعليم في ثانوية اللاذقية، ثم عين مديراً للمعارف فيها في مطلع الخمسينيات، وتابع دراسته العليا في مصر عام 1956، وحاز على شهادة الدكتوراه بامتياز مع درجة الشرف الأولى من جامعة القاهرة عام 1960، وتسلم شهادته من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بحضور د. طه حسين. وعين مديراً للمعارف في الرقة إثر عودته إلى سورية، وسافر عام 1965 إلى المملكة العربية السعودية، وعمل فيها أستاذاً للأدب العربي بجامعة الملك عبد العزيز في جدة.‏

واستمر في نشاطه الأدبي، ونشر العديد من الأبحاث والمقالات في مختلف ألوان الأدب في الدوريات السورية واللبنانية والمصرية والسعودية، وكان متقناً للغتين الإنكليزية والفرنسية، ويملك مكتبة ضخمة جمعها في حياته، وفيها الكثير من الكتب القيمة والنادرة.‏

وأصدر عدة كتب نقدية مثل «عبقرية الأدب العربي» (1944)، «عباقرة الفكر في حياتهم العاطفية» (1956)، و«الكميت بن زيد: حياته وشعره» (1972)، ونشر كتاباً في المسرح ضمنه عدداً من التمثيليات، وسماه «الحقيقة المرة» (1970)؛ أما إنتاجه الأبرز فهو التأليف القصصي والروائي.‏

(9) أصدر محمد الحاج حسين الأعمال القصصية والروائية والأدبية التالية:‏

- جنازة قلب ـ دار اليقظة ـ دمشق 1950.‏

- الجوع لا يرحم ـ دار العلم للملايين ـ بيروت 1953.‏

- ملكة الجمال ـ دار الرواد ـ دمشق 1954.‏

- اعترافات الشيطان الأزرق ـ دار الرواد ـ دمشق 1954.‏

- ثلاث شفاه ـ دار ابن المقفع ـ دمشق 1955.‏

- زاوية في الجنة ـ دار الأجيال ـ دمشق 1971.‏

- محمد حاج حسين: عبقرية الأدب العربي ـ ج1 ـ دمشق 1944.‏

- محمد حاج حسين: عباقرة الفكر في حياتهم العاطفية ـ دار ابن المقفع ـ دمشق 1956.‏

(10) لم يلق أدب محمد حاج حسين العناية اللائقة، وما كتب عنه لا يتجاوز المراجعات الصحفية، ثم صدر عنه ملف في مجلة «الثقافة». انظر:‏

عدة كتّاب: «ملف خاص بفقيد الأدب الدكتور محمد الحاج حسين». في مجلة «الثقافة» (الدمشقية) نيسان 1990. ص51-64.‏

(11) ولد سعيد حورانية في دمشق عام 1929، وتلقى تعليمه فيها، وتخرج في جامعتها مجازاً في الأدب العربي ثم نال دبلوم التربية، وعمل في التدريس في سورية ولبنان، وأقام فترة طويلة في موسكو من مطلع الستينيات حتى عام 1974، ثم عاد إلى وطنه، واشتغل في وزارة الثقافة حتى وافته المنية عام 1994.‏

كتب سعيد حورانية القصة القصيرة، وبرز فيها ملتزماً بنهج الواقعية الاشتراكية بحكم التزامه بالماركسية والحزب الشيوعي، إذ غلبت على حياته مضاعفات هذا الالتزام في عمله وإقامته المتنقلة وسفره إلى الاتحاد السوفييتي آنذاك، وعمل فيه أكثر من عقد من الزمن.‏

وضع سعيد حورانية ثلاث مجموعات قصصية، هي:‏

- وفي الناس المسرة. دمشق 1954.‏

- شتاء قاس آخر. بيروت 1962.‏

- سنتان وتحترق الغابة. بيروت 1964.‏

(12) - سعيد حورانية: شتاء قاس آخر. قصص. دار العصر الحديث ـ بيروت 1962.‏

- سعيد حورانية: سنتان وتحترق الغابة. قصص دار العصر الحديث ـ بيروت 1964.‏

(13) كتب عن قصص سعيد حورانية الكثير، ومن أهمها:‏

- عدنان بن ذريل: أدب القصة في سورية. منشورات دار الفن الحديث العالمي. دمشق 1967.‏

- نبيل سليمان (وبوعلي ياسين): الأدب والإيديولوجيا في سورية. بيروت 1974.‏

- محمد كامل الخطيب: السهم والدائرة. دار الفارابي. بيروت 1979.‏

(14) ولد عدنان الداعوق في أدلب عام 1932، وتلقى تعليمه في حمص، وعمل موظفاً ومحرراً أدبياً في سورية والسعودية، وتوفي في الرياض عام 1986. ووضع عدة مؤلفات في البحث والمختارات القصصية العربية، وأصدر ست مجموعات قصصية وروايتين:‏

1- 15 قصة سورية. القاهرة 1957.‏

2- ذات الخال. قصص. القاهرة 1959.‏

3- وحدة الحب. رواية. بيروت 1959.‏

4- ستشرق الشمس زرقاء. قصص. القاهرة 1961.‏

5- 15 قصة من حلب. بيروت 1962.‏

6- السمكة والبحار الزرق. قصص. بيروت 1964.‏

7- مدينة العبيد. قصة مطولة. مدريد 1967.‏

8- من روائع القصص العربي الحديث. مدريد 1968.‏

9- أبطال وأمجاد. سجل في تاريخ الثورة السورية. دمشق 1968.‏

10- نظير زيتون الإنسان. دراسة في حياته وأدبه (تحرير وجمع). دمشق 1968.‏

11- أزهار البرتقال. قصص. دمشق 1969.‏

12- قارب الرحيل. قصص. تونس 1975.‏

13- آدم والجزار. قصص. دمشق 1979.‏

(15) - عدنان الداعوق: أبطال وأمجاد ـ سجل في تاريخ حمص الثوري عام 1925. مطبعة الأندلس ـ حمص 1968.‏

(16) أنظر أعماله القصصية:‏

- ذات الخال. قصص من الإقليم الشمالي ـ دار مصر للطباعة ـ القاهرة 1959.‏

- السمكة والبحار الزرق. مجموعة قصص ـ دار مكتبة الحياة ـ بيروت 1964.‏

- آدم والجزار. قصص. منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1979.‏

(17) كتب القليل عن أدب الداعوق، ونذكر منه:‏

- عدنان بن ذريل: أدب القصة في سورية ـ مطبعة الأيام ـ دمشق 1967.‏

(18) ولدت خديجة الجراح (النشواتي) والمعروفة باسم «أم عصام» في دمشق عام 1923، وتلقت تعليمها في دمشق، ولا يعرف عنها المشاركة في عمل أو نشاط اجتماعي أو علمي أو تعليمي، ولكنها برزت قاصة من خلال مجموعتيها «ذاكر يا ترى» (1960) و«إليك» (1970) ثم تابعت إبداعها في روايتها المشتركة مع هيام نويلاتي الشاعرة «أرصفة السأم» (1973)، ومجموعتها «عندما يغدو المطر ثلجا،» (1980).‏

(19) - خديجة الجراح (أم عصام ـ وهيام نويلاتي): أرصفة السأم. دمشق 1973.‏

- خديجة الجراح (أم عصام): ذاكر يا ترى. دار الثقافة بدمشق 1960.‏

- خديجة الجراح (أم عصام): إليك. دار الأجيال ـ دمشق ـ 1970.‏

- خديجة الجراح (أم عصام): عندما يغدو المطر ثلجاً. مطبوعات دار مجلة الثقافة في دمشق ـ 1980.‏

- خديجة الجراح (أم عصام): غداً يوم آخر. دمشق 1985.‏

(20) كُتب القليل عن أدب خديجة الجراح، ونذكر منه:‏

- د. هيام ضويحي: الرواية النسائية في سورية 1946 ـ 1985. دراسة مشهدية نقدية ـ مطبعة العجلوني ـ دمشق 1992.‏

- د. ماجدة حمود: الخطاب القصصي النسوي ـ نماذج من سورية. دار الفكر المعاصر. بيروت ـ دار الفكر ـ دمشق 2001.‏

 

 

الفصل الثاني: استواء الاتجاهات التقليدية

 

1-قصص نصرالدين البحرة: الواقعية والتحولات الاجتماعية‏

ينتمي نصر الدين البحرة(1) إلى جيل البناة أو المؤسسين في القصة القصيرة في سورية، ممن نهضوا بهذا الفن نهضته المعتبرة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين على وجه الخصوص أمثال عبد السلام العجيلي وأديب نحوي ومراد السباعي وحسيب كيالي واسكندر لوقا وصميم الشريف وألفة الأدلبي وسعيد حورانية وفاضل السباعي.‏

 

كانت سنوات الثلاثينيات مؤئل مصطلح سورية، افتراقاً عن مصطلح بلاد الشام، وفي هذا العقد والعقد الذي تلاه ظهرت بوادر القصة القصيرة بصوغها الفني على يد عدد من الرواد أمثال علي خلقي وعبدالله يوركي حلاق وخليل هنداوي ومحمد النجار وفؤاد الشايب ووداد سكاكيني وعبد الوهاب حقي، غير أن جيل البناة أو المؤسسين هو الذي منح القصة القصيرة إنجازها الكبير حتى غدت سيدة الفنون النثرية في الخمسينيات، واستنباتاً لهذا الفن عبر اتجاهاته المتعددة، التقليدية الاتباعية والواقعية، ولا سيما النقدية والاشتراكية والجديدة المتلونة بميول رومانسية أو طبيعية أو انطباعية.‏

 

لقد تأصلت القصة القصيرة في سورية في جهود الواقعيين بالدرجة الأولى، بتنويعاتهم المختلفة. وكان نصر الدين البحرة في مقدمتهم، قاصاً متأنياً مدققاً مجوداً مجتهداً، يكتب قصة واقعية على الدروب المأثورة لكتاب القصة الذين رسخوا هذا الفن في تاريخ الأدب العالمي ولا سيما انطون تشيخوف. وقد برز بين هؤلاء القصاصين الواقعيين في سورية من خلال مجموعته القصصية الأولى «هل تدمع العيون» (1957)، ثم ألحقها بأربع مجموعات قصصية تالية خلال نصف قرن، علامة على تأنيه وتدقيقه وتجويده واجتهاده الدؤوب، هي «أنشودة المروض الهرم» (1972)، و«رمي الجمار» (1980)، و«رقصة الفراشة الأخيرة» (1989)، ومحاكمة أجير الفران» (1997).‏

 

1- مكانة البحرة القصصية:‏

ولعلنا نستجلي مكانة البحرة القصصية ضمن جيل البناة أو المؤسسين عندما نستعرض المنشور القصصي وطبيعته الفنية في عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، فقد ظهر خلال عقد الثلاثينيات خمس مجموعات قصصية لعلي خلقي وعبدالله يوركي حلاق وخليل هنداوي ومحمد النجار وعلي الطنطاوي، وتحتفظ مجموعة علي خلقي «ربيع وخريف» (1931) بقيمة فنية عالية ومبكرة، ثم ظهر خلال عقد الأربعينيات ست عشرة مجموعة قصصية لصلاح الدين المنجد وفؤاد الشايب ومحمد الحاج حسين وعبد الوهاب حقي ووداد سكاكيني وأديب النحوي ويوسف العش وعزمي علي البغدادي وسامي كيالي ومراد السباعي وعبد السلام العجيلي ورياض الصباغ، ولا شك في أن مجموعات فؤاد الشايب «تاريخ جرح» (1944) وعبد الوهاب حقي «صراع» (1945) ووداد سكاكيني «مرايا الناس» (1945)، ومراد السباعي «الدرس المشؤوم» (1948)، وعبد السلام العجيلي «بنت الساحرة» (1948)، هي الأكثر مقاربة للقصة القصيرة بمفهومها الفني المتواتر الذي مهد لنهضة القصة القصيرة في العقود التالية، ولا سيما عقد الخمسينيات الذي شهد ذلك الوكد والجلد لكتابة قصة قصيرة متأصلة في بيئتها وفي مجتمعها وفي سياقها الثقافي، وهي القصة الواقعية بتنويعاتها المختلفة لدى قصاصي الخمسينيات، إذ ظهر آنئذ أكثر من ستين مجموعة قصصية تحظى ثلثاها بمستوى فني جيد أو مقبول.‏

 

وخلال هذه الفترة تكونت التيارات الواقعية التي جعلت القصة القصيرة في سورية في مقدمة الأجناس الأدبية، عبر كتابات الواقعيين الكبار الذين أشرنا إليهم وهم عبد السلام العجيلي وحسيب كيالي واسكندر لوقا وصميم الشريف وسعيد حورانية وألفة الأدلبي وفاضل السباعي ونصر الدين البحرة، ولا يتسع المجال لذكر مجموعاتهم القصصية المميزة، وإنما أردنا أن نضع شغل البحرة القصصي في سياقه التاريخي والثقافي، لأن العقود التالية هي التي دشنت ظهور الاتجاهات الحداثية في القصة القصيرة في سورية، استناداً إلى شغل هؤلاء القصاصين الواقعيين البناة أو المؤسسين الذين عملوا جاهدين على تأصيل هذا الفن القصصي اللطيف في المناخ الثقافي السائد.‏

 

ظل نصر الدين البحرة أميناً لفكرته عن كتابة القصة طيلة أربعة عقود ونيف هي عمره في الإبداع القصصي الذي كرَّسه مع صدور مجموعته القصصية الأولى «هل تدمع العيون» (1957)، وهي فكرة حريصة على الميل التقليدي لفهم القصة وصنعتها وتنظيم انساقها السردية وتوسل أغراضها ومقاصدها، وإن مازج هذا الميل التقليدي نزوع إلى التجديد، ضمن السعي إلى تأصيل السرد التقليدي العربي نفسه، كما في مجموعته المتميزة «رمي الجمار» (1980).‏

 

انطلق نصر الدين البحرة من الحكاية في سيرورتها التقليدية في التراث العربي القديم من جهة، وفي التراث العربي الحديث مستفيداً من التقليد الغربي كما مارسه القصاصون الواقعيون الكبار، أمثال تشيخوف وموباسان وأو. هنري، على أن القصة مبنية على الحكاية المنتزعة من الحياة، مهما كان الشكل الذي تصاغ به، وقد أعلن في مقدمته لمجموعته القصصية الأولى أنه لا يستطيع أن يتحدث عن شكل معين للقصة، ولا يمكنه أن يقترح أو أن يطري طريقة محدودة لكتابة القصة، لأنه يعتقد أن القصة كالحياة في حركة وتطور دائمين، متسائلاً بما يشبه الجزم أن القصة قطعة من الحياة، دون أن يعني ذلك أي تهاون في الشكل الفني للقصة على حساب مضمونها (ص5).‏

 

2- خصائص الكتابة القصصية:‏

واستلزم هذا الفهم التقليدي للقصة طوابع فنية لا زمت كتابته للقصة حتى مجموعته الخامسة والأخيرة «محاكمة أجير الفران»(1997)، ولعلنا نوجز هذه الخصائص فيما يلي:‏

1ـ الإيمان بأن القصة تستند إلى القص، أي قيامها على السرد وما يستتبعه من قص وقائع أو أحداث، أو ما نسميه «التحفيز» بلغة النقد القصصي، أي أن القصة ينبغي لها أن تنهض من داخلها على فعل، هو مجموعة حوافز (وحدات قصصية أصغر) تندغم في عملية السرد داخل بنية التحفيز، أي ضبط تنامي الفعلية، وعد البحرة ذلك ضرورة للقصص الحديث، تبدو دونه القصة سبيلاً لتعقيد القراء «كاد يوصد دونهم باب القراءة» (ص9)، كما أوضح ذلك في مقدمة مجموعته القصصية الرابعة «رقصة الفراشة الأخيرة» (1989).‏

 

يغلب على تنظيم نسق التنضيد عند البحرة التحفيز الواقعي، وهو أن يخضع التنامي الفعلي، توالي الوحدات القصصية الصغرى، لاعتبارات التدرج الزمني المنطقي، بالإضافة إلى خصائص أخرى غدت علامات للقص التقليدي مثل وضوح البناء، وتناظر العلاقات الداخلية، والعناية بالسببية الخارجية، وتجنب الميوعة العاطفية ما أمكن مما لا يقود العمل الفني إلى المشجاة «الميلودراما»، أو الارتهان لمجرد التعاطف، وقد تخلص البحرة من الانزلاق إلى وهدة الانفعال، محتفظاً لقصته بمدى مقبول من المنطق والتحكم بحركة السرد من خلال الاقتصاد في الحوافز حيناً، ومن خلال تجلية المعنى الإنساني في قلب الحبك القصصي حيناً آخر.‏

 

وتوضح قصص البحرة المبكرة حرصه على انبناء السرد برمته داخل التحفيز الواقعي سعياً للاحاطة بالشرط الإنساني لجماعته المضطهدة تحت وطأة وضع اجتماعي أو أخلاقي جائر، ولعل هذا ما يسوغ نبرة التعاطف. ولكنها لا تركن إلى إغراء الاسترسال العاطفي والتباكي على مضاعفات الشقاء، فالإنسان يكابد هذه الشروط القاهرة، ويقارعها، ويفلح في خلاص، أو يتأسى من التجربة، وهذا ما جعل واقعية البحرة متميزة من واقعية أقرانه من القصاصين العقائديين داخل رابطة الكتاب السوريين أو خارجها.‏

 

2ـ الحرص على الواقعية، ذات الميل النقدي من جهة، أو الرومانسي من جهة ثانية، أو ذات الميل الانطباعي من جهة ثالثة. وبلغ في واقعيته مبلغاً تبشيرياً بالاشتراكية في بعض القصص مما يجعلنا نلحظ ميلاً إلى واقعية اشتراكية خالط نزوعاته النقدية أو الرومانسية أو الانطباعية، وكانت هذه الواقعية بنزوعاتها المختلفة ظاهرة في مجموعاته كلها، وبخاصة في مجموعاته الأولى والرابعة والخامسة، مما سبقت الإشارة إليه.‏

 

ولعلنا نذكر بعض هذه الأمشاج التي مازجت واقعيته، ولا سيما الرومانسية أو الانطباعية. وهذا واضح في مدار كتابته القصصية، باستثناء كتابه القصصي الفريد «رمي الجمار»، ونذكر من مجموعته القصصية الأولى قصته «عندما يأتي المساء» بما تتوفر عليه من أمشاج رومانسية من غلبة الذاتي إلى معاناة الكآبة، إلى الشعور العميق بالفردية المريضة، إلى الانعزال والقلق وعدم التكيف والأذى النفسي وتعذيب الذات بالخمرة أو سواها، ومرد ذلك إلى أن حبيبته تركته وتزوجت غيره.‏

 

ونذكر من القصص التي تنطوي على أمشاج انطباعية قصة «هذا الثمن غال جداً» من مجموعته الأولى، كالإفراط في الوصف المحايد، والنظرة الخارجية، وتجنب التصريح بوجهة النظر بانفتاح المنظور السردي على مشهدية حكائية تنقل من الحياة دون أن تعني بتحديد أغراضها، محيلة إلى التباس الفعل الموضوعي ذاته، ليأمل القاص بعد ذلك أن يصير بصر السارد بصيرة لدى المتلقي. إن القصة وصف متأن لعالم الطفولة وما يلتم عليه من فعل سرعان ما يشي بغرضه الكامن.‏

 

عرض البحرة في قصته حال الشخصيات: قمر التي لم تنه بعد السنة السادسة من عمرها، والعم، ورويدة، ثم الطفل، وتغلغل في ثنايا تعبيره الإنساني بحنو يناسب هذه الحال الطفولية:‏

«قامت قمر من مكانها مسرعة، وتركت الكتاب وصوره على بساطها الصغير:‏

ـ عمو، كمل لي القصة.‏

ـ وين وصلنا!‏

ـ لما فوّتت سلوى الكلب على البيت من البرد والثلج، وراحت تجيب له حليب، مضبوط؟‏

كنت جالساً على الكرسي أقرأ إحدى الجرائد، قرب قمر على الشرفة، أتدفأ بشمس تشرين المقبولة، ودون أن تستأذنني قمر تسلقت الكرسي واطمأنت في حضني، ومدّت يدها إلى ذقني، وأخذت تلاطفني، وهي تقول:‏

ـ ما بدك تحكي يا بي؟‏

ـ بدي..‏

ـ أي ما تحكي؟ بزعل هه.‏

ـ طيب، شو بتعطيني؟‏

ـ بوسة...‏

كانت قمر تعلم أن هذا الثمن غال جداً، ولعلها متأكدة من أنني أستسلم بسرعة.. دون ثمن:‏

يكفيني أن تقبل عليّ، وتتسلق الكرسي، وتنظر في عيني، وهي تكتم ضحكة، فما أكاد أحكي الحرف من القصة حتى أطلقها، حبيبة، لطيفة، ناعمة مثلها تماماً، ولا تلبث حتى تنصرف إليّ وإلى القصة بكل جوارحها، فتتصدى لكل حادثة بالتعليق، وترتسم كل الانفعالات على وجهها» (ص ص4-37).‏

 

ولعله واضح تعمد البحرة استخدام الحوار بالعامية الملطفة، القريبة من الفصحى، حرصاً على مقاربة واقعية انطباعية، غير مثقلة بالتحليلات الفكرية والنفسية، فثمة ملامسة رقيقة لعفوية الطفولة ونمو الانفعالات والمشاعر التي ما تلبث أن تندغم في غرض القصة الإنساني.‏

 

ولا يختلف ذلك عن قصته «انسجام كامل» من مجموعته الرابعة «رقصة الفراشة الأخيرة» التي تصف بحيادية مقنعة جو الازدحام في أحد الباصات الذي يقوم برحلة مسائية بين الريف والمدينة، أما الغرض فهو مفتوح على احتمالات الرؤية التي تعضدها وفرة الأمشاج الانطباعية، وكأن الانسجام هو مدى البؤس الإنساني الذي يفرض على هؤلاء الركاب ان ينحشروا في باص عتيق يفتقر لأبسط شروط الاستعمال. حوى الباص حيوانات بالإضافة إلى ركابه من البشر، (لاحظ المجاورة بين الحيوان والإنسان) مما يضاعف من الانضغاط الروحي والنفسي، غير أن السارد المضمر لا يقول غرضه مباشرة، بل يستغرق في الوصف المحايد لأول وهلة:‏

«وعادت السيارة تدرج على الطريق، وهدأ الضجيج بعض الشيء، إلا أنه انبعث مرة أخرى، فكان أقوى وأكثر حدة، وكان مصحوباً بقوقأة دجاجة.. لم يبق سوى هذه! دجاج أيضاً! وعلا صوت طفل صغير من الأمام:‏

- باضت.. باضت.. » (ص121).‏

 

ويستمر الوصف المحايد حتى النهاية جاعلاً من التحفيز الواقعي مراحاً لانطباعية نفاذة، كما في نهاية هذه القصة:‏

«في هذه الأثناء رن في جو السيارة مواء قطة صغيرة، رفعها صاحبها الفتي بكلتا يديه، وراح يرقصها على قوقأة الدجاجة.. وبدا أن كلب الصيد قد صحا من نومه فطاب له أن يشارك في هذه الجوقة، لم يكن نباحه مزعجاً على أي حال، خلا أنه أضفى على الجو مسحة غريبة من الانسجام» (ص121).‏

 

مثلما نلاحظ أن البحرة قد اعترف بحنينه إلى واقعية الخمسينيات، وما رافقها من الولع بالتبشير العقائدي الذي كان البحرة مقتصداً فيه، بالنظر إلى أقرانه من أعضاء «رابطة الأدب الحديث» أو «رابطة الكتاب الشباب»، كما في قوله في مقدمة المجموعة الرابعة: «على أني أردت أن أتوقف ملياً لأتذكر واقعية الخمسينيات بكل ما تحفل به من عودة إلى الناس البسطاء وعوالمهم الفنية، القومية... التي يظل المستقبل المشرق الآتي جزءاً لا يتجزأ منها» (ص9).‏

 

2-3- نلمس الفهم التقليدي لفكرة القصة لدى البحرة أيضاً في توكيده العناصر التالية: الصدق في نقل التجربة الإنسانية، الإخلاص والأمانة للتجربة الواقعية في الحياة، البساطة في السياق والتعابير المحلية بما هي الشعبية أيضاً، تبسيط الحوار إلى مقاربته الواقعية لما يجري في الحياة. ومن الواضح أن هذه العناصر تصف ممارسة البحرة لفكرة القصة إلى حدّ كبير وتنطوي على غلبة التقليد السردي في بناء القصة في تعبيرها عن معاناة جماعته المغمورة التي تواجه الظلم الاجتماعي وشظف العيش، وهم غالباً من المعلمين أو الحرفيين أو المعذبين تحت وطأة الفقر والبؤس دون تحديد لوضعيتهم الاجتماعية والطبقية، على سبيل التعميم حيناً، أو مبالغة التبشير العقائدي حيناً آخر، وهذا واضح في القصة التي تحمل عنوان المجموعة الأولى، فقد سيطر اليأس على المعلم الفقير الذي يعيش مع والدته وأخوته الصغار دون أمل بالزواج وبناء أسرة لأن حبيبته تركته إلى زواج آخر، فيمضي المعلم وقته بين المدرسة والمقهى. يقلب هذا المعلم فكرة الانتحار، وسط حاجة أمه وأخوته إليه، مما يضطره إلى العدول عن فكرته، بينما يؤدي البؤس الاجتماعي بنسرين في القصة التي حملت اسم المجموعة الرابعة إلى الموت. إن نسرين الطالبة الجامعية ابنة الحادية والعشرين وابنة معلم ابتدائي أيضاً، تتعرض لحادث سيارة مع ثري عربي في طريق عودتهما من الزبداني إلى دمشق، ولا يفلح تهديد شقيقها أو نصح أبيها في السيطرة على سلوكها وتطلعها إلى الخروج من ضغوط الواقع عليها.‏

 

توسل البحرة إلى فهمه التقليدي للقصة بالأمانة للتجربة الواقعية في الحياة على وجه الخصوص، دعماً للعناصر الأخرى مثل الصدق في نقل التجربة الإنسانية، ومراعاة المحلية في تصوير البيئة والشخصيات، ثم لم يغفل عن عرض متنه السردي ضمن تشويق باد في صوت الراوي المتكلم غير المحايد:‏

«بلى.. ها هي ذي الفتاة تسقط. ساقطة؟ إنها ليست كذلك، كانت تسقط. تترجرج فوق صفحة الزئبق، غير أن صقيع الماء لا يضربها. كان الدفء يسري في أوصالها، فتبدو وجنتاها مشتعلتين، كأنها قاعدة أمام موقد متوهج. ولم تتأفف من اللزوجة. فكانت تتقلب بين يديها كفراشة تستحم في ندى الصباح. لم ينتبه والدها، إلى أن في الأمر شيئاً غير عادي، حين وجهت إليه يومها ذلك السؤال الصاعق:‏

ـ أبي... لماذا أدرس» (ص53).‏

 

كان السؤال عن الدراسة مفتاحاً لكشف التناقض في نزوع الفتاة إلى الحياة الهانئة دون مشقة، فهي تحاول «تغيير هذا الواقع الفظيع» بأي ثمن وبأية وسيلة. وما سعى إليه البحرة هو تبيان المفارقة الأخلاقية والاجتماعية الضاغطة التي تجعل الناس يسقطون، ولذلك كانت المفارقة اللفظية الأولى: «تسقط» ـ «ساقطة»، تمهيداً للمفارقة المعنوية: قلة جدوى الدراسة ونيل الشهادة إزاء عيشة غير مرضية، كما في قول الفتاة لأبيها مرة:‏

«ـ إنني أستغرب كيف أنت قانع بهذه العيشة.» (ص54).‏

 

ويلاحظ أن البحرة يضع أسئلته دون إشارة استفهام على أن لا جواب لها إلا في فعل الشخصيات نفسها إيحاءً شفيفاً.‏

 

ويتكرر هذا التعاطف مع الصبي في القصة التي حملت عنوان مجموعته الخامسة، فهذا الصبي الذي غدا محامياً ناجحاً مرّ بظروف قاسية جعلت أباه يدفعه إلى العمل أجير فران. ثم دعاه العوز، وألحت عليه الحاجة أن يأخذ أرغفة من الفرن فيتعرض للصفع والإهانة والإذلال والمحاكمة، غير أن القاضي أنصفه ليس بالقانون وحده، بل بالأخلاق والوجدان، لأن العدالة قرينة الرحمة والتعاطف الإنساني الرحيم والنبيل، وهي قيم شائعة في قصص البحرة على مدار تجربته الطويلة.‏

 

لقد بادر الراوي المتكلم إلى ضبط متنه السردي، بما يخدم موضوعة هذا التعاطف الإنساني الرحيم في مطلع قصته، ليوفر هذه الاستطاعة الفنية على تجسيدها بتعدد مسوغاتها في التاريخ وفي النفس البشرية في آن معاً، وساعد على ذلك أن الراوي المتكلم هو نفسه أجير الفران، وهو نفسه المحامي اليوم الذي يتأمل في معاني العدالة واقترانها بالحاجة الإنسانية:‏

 

«ولست أدري، إن كان شعوري بفداحة الظلم وقسوته وعشقي للعدالة وبحثي عنها ولو بمصباح كمصباح ديوجين.. الذي كان يضيئه حتى.. في نهار، هما اللذان وجهاني إلى دراسة الحقوق. غير أنني واثق تماماً أن ذاك الحادث الذي رسخ في ذاكرتي أقوى من الوشم، وأعمق من أثر جرح بليغ طويل.. انسحب على حياتي كلّها..» (ص16).‏

ويظهر تقصي هذا الراوي المتكلم لما يسعف حالته الباعثة على الشفقة في انطلاقته من مثال فريد في بابه: «جان فالجان» وأولئك البؤساء الذين لا حصر لهم في الأزمنة والأمكنة كلها، وقد برع فيكتور هوغو في وصفه الرومانسي المتعاطف معهم، على أن البحرة قد التقط جوهر ذلك في مقاربته لنموذجه الإنساني:‏

«وسمعت يومها للمرة الأولى باسم فيكتور هوغو.. و.. جان فالجان.. فعرفت حينذاك، كم هي الدنيا صغيرة، وإن كبرت، وكم هم الناس متشابهون، وإن اختلفوا، وتأكدت يومها أن ما حدث قبل مئة سنة أو ألفي سنة.. يمكن أن يحدث الآن، وربما.. بعد ألفي سنة» (ص16).‏

 

وهذا هو معنى محاكمة أجير الفران، وفيه تكمن المفارقة الباقية: فعل العوز وفعل الرحمة في حياة البائسين تحت وطأة العيش القاسي.‏

 

2-4- ثمة عناية واضحة للبحرة بالموضوع وبما ينبثق عنه من قيم، إذ يندر أن نجد قصة تخلو من موضوع إنساني أو اجتماعي على وجه العموم، أو موضوع وطني أو قومي على وجه الخصوص، بل إن البحرة مازج بين القضية الاجتماعية والقضية الوطنية في بعض قصصه، كما هو الحال في قصة «الشرف» من مجموعته الرابعة على نحو مباشر، أو في قصص «أنشودة المروض الهرم» من مجموعته الثانية على نحو غير مباشر دعوة للشجاعة، أو قصة «الإشارة الأولى والجمرة الأولى» من مجموعته الثالثة دعوة للوحدة الوطنية وانتزاع العصبيات الأسرية والفئوية.‏

 

قام الشاب محي الدين، أثناء فترة الاستعمار الفرنسي لسورية، وهو متطوع في الجيش الفرنسي، بمواجهة عساكر العدو الغازي المحتل من السنغال بينما هم يهمون باختطاف فتاة، فقتل جنديين، وفقد ذراعه، ثم هرب إلى فلسطين وعمل في أحد مقاهي حيفا، وعندما عاد إلى دمشق بعد رحيل المحتلين عنها استقبله الناس بطلاً، ولم ينسوا تضحيته، وقد استعاد شريط الماضي أثناء تدخينه النرجيلة لتمجيد فعل البطولة في مواجهة المستعمر الغازي المحتل على نحو مباشر:‏

«لو أنه بقي في دمشق.. لأعدمته السلطات الفرنسية.. ولولا أنهم غادروا البلاد منذ أيام لما استطاع أن يعود.. ومع أن عشر سنوات طويلة مضت.. وهو بعيد في فلسطين، فإن أحداً لم ينسه.. مازالوا يذكرونه.‏

 

لقد فوجئ عندما دخل الحارة. كانت مكتظة بالأعلام والزينات والأضواء كأنها تستقبل حاجاً عائداً.. وحين عرف الأمر.. لم يعد يعرف ماذا يفعل.. فصار يبكي ويضحك» (ص127).‏

بينما يأخذ التمازج بين الموضوع الاجتماعي والموضوع الوطني صيغة التعاطف والاستئناس بقيم نشوة الماضي، كما في قصتي «أنشودة المروض الهرم» و«ظلال موحشة» من مجموعته الثانية. يصطاد العجوز في القصة الأولى الذئب الذي يهدد القطيع، وعندما تلتئم جروحه يطلقه ليتوارى خلف الجرود الشرقية، ويبدو مطلب الشجاعة غاية بحد ذاته:‏

 

«وعلى كلّ حال، فإن أهل القرية جميعاً قصدوا منزل الشيخ حمد، ليتفرجوا على الذئب.. وقد رُبط إلى جذع شجرة ضخمة في الحوش، مكبلاً بالحديد.‏

ـ لماذا يحتفظ الشيخ بهذه الآفة؟ لماذا لا يطلق عليه النار ويريحنا منه؟ والأعجب أنه يطعمه ويكرمه، وكأنه كلب أمين!‏

.. هكذا كان الناس يتساءلون وهم يغادرون الحوش.‏

قال أحدهم:‏

ـ الشيخ يريد أن يستعيد ذكريات شبابه..‏

فرد آخر:‏

ـ ولكن.. لماذا لم يخطر له ذلك سوى الآن.. عندما عجز الرجال جميعاً؟» (ص ص 9-10).‏

ويذهب الراوي وصديقه إلى حمام السوق في القصة الثانية، ويتذكر تقاليد هذا الحمام وذكرياته فيه، ويصف مجرياته، وما يبعثه من ظلال موحشة، ويغادره وكأنه لن يعود إليه. ومن الواضح، أن البحرة شحن سرده بطاقة إيحائية ترميزية غامرة:‏

«سمعت أصداء خطواتنا ونحن نغادر الحمام كأنها تنبعث من كهف عميق، وتركت مصابيح الطريق المغبرة أمامنا ظلالاً موحشة، وبدت بيوت الأبواب القديمة الموصدة ساكنة كأنها لم تفتح منذ سنوات بعيدة، في حين استسلمت طرقاتها لهدوء ثقيل» (ص22).‏

 

وثمة تباين في معالجة الموضوع وصولاً إلى القيم المتوخاة بين قصة وأخرى. ونلمس هذا التباين في المحتوى من جهة، وفي تغليب الانطباع على الغرض القصصي برمته من جهة أخرى. ونذكر مثالاً للاتجاه الأول في قصة «أبو دياب يكره الحرب» من مجموعته القصصية الأولى وهي معنية بوصف أجواء مطعم شعبي حيث يتحدث صاحب المطعم أبو دياب بمرارة عن أيام السفربرلك وويلات الحروب على وجه العموم، بينما يعرض عليه أحد الشباب أن يوقع على عريضة تدين القنبلة الذرية والهيدروجينية. ولاشك أن كراهية الحرب لا تعني محبة السلام أو انتفاء الحروب، لأن المسألة أعقد من ذلك بكثير. ونذكر مثالاً للاتجاه الثاني قصة «انسجام كامل» من مجموعته الرابعة، وهي مجرد وصف لجو الازدحام في أحد الباصات في رحلة مسائية له بين الريف والمدينة، وقصة «هذا الثمن غالٍ جداً» من مجموعته الأولى، وهي وصف حيادي لعالم الطفولة من وجهة نظر العم، الذي يراقب أبناء أخيه الثلاثة، الصغيرة الحلوة التي تحاول إصلاح لعبتها، والأخرى التي تساعدها على إصلاحها، والطفل ذا الحادية عشرة عاماً. ينقل الكاتب العم حوارهم الصادق دون تدخل:‏

«قالت له رويدة:‏

- عندك ورقة لزيق؟‏

- ليش؟‏

- بدنا نلحم راس اللعبة.‏

- شبها؟‏

- امبارح لما ضربتها على الأرض انشق راسها.‏

- أي.. شو دخلني؟ مالي فاضي، بدي غيّر ورنيش البناية..‏

وتدخلت قمر. تمسحت بأخيها، ورفعت إليه عينين مستعطفتين حنونتين، وهي تقول:‏

- من شان الله. شقفة لزيقة..‏

- بس هالمرة هه.. بس هالمرة..‏

وغادر سعيد الغرفة متأنياً، ثم ركض، واتجه نحو الغرفة العالية المطلة على شارع آخر يحيط بالبيت، وعاد وفي يده شريط قماشي أسود مصمغ بلون شعر اللعبة» (ص ص42-43).‏

2-5- تبدى تجديد البحرة القصصي في إطار الميل التقليدي الواقعي إياه في مجموعاته الثانية والثالثة والخامسة على وجه الخصوص، غير أن تجديده اللافت للنظر في إطار جهده للتأصيل القصصي كان في مجموعته الثالثة «رمي الجمار»(1980) وهي تجربة فريدة في استعادة الموروث السردي العربي، وبناء قصة شديدة الضبط السردي، وشديدة الإيحاء الدال على قيم إنسانية واجتماعية ووطنية باقية. بنى البحرة مجموعته بمزيد من الإتقان، وبمزيد من الإيحاء مما يشكل كتاباً قصصياً متساوقاً تعبيراً عن منظومة قيمية تجعل من هذه المجموعة مغامرة نادرة في التحديث القصصي العربي الحديث. تبدأ المجموعة بكلمة تدرج هذا الكتاب القصصي في التخييل حفاظاً في الوقت نفسه على مدى المحاكاة التي تساوقت معاً: التخييل، التاريخ، السرد الأدبي والتاريخي مندغماً بالسرد القصصي؛ فذكر البحرة أنه عثر على هذه الأوراق في مفكرة شاب منتحر:‏

«قيل إنه كان مصاباً بانفصام الشخصية، وقد دخل ذات مساء إلى دورة المياه فأحكم غلق الباب، وأحرق نفسه، على طريقة الرهبان البوذيين» (ص5).‏

ثم استهل مجرى السرد بإعادة معنى رمي الجمار في التراث العربي، على أنه حاجة ذاتية لدى الإنسان، وبإعادة المعنى المسيحي حول ما تقوله الروح للكنائس، وأن يحتفي الإنسان بما تقوله الروح دائماً، وهما إعادتان للمغازي الحية التي ميزت وقائع تاريخية قديمة تستضاء بالراهن وضغوطه الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية، وقد أفلح البحرة في استنطاق الواقعة التاريخية تخييلاً شديد الدلالة على ضغوط التاريخ ووعيه، ونورد مثالاً لذلك «الإشارة الأولى»، وهي عن امرئ القيس وطلبه الدائم للثأر إذ اعتدي عليه بقتل حجر. إن الجمرة الأولى، ففيها الصوت، وهو ينبئ عن ناقة البسوس المعروفة، وفيها الصدى، وهو التخييل المقارب للتاريخ، والمحاكي للواقع، حين يقتلون البقرة وقبول الفداء رمزاً، ثم ما يلبث من تعرضوا للعدوان أن يمضوا إلى القتل إلغاء للترميز ودخولاً في واقع قاس وفاسد:‏

«جثا الغلام على ركبتيه أمام أبي ياسين. وقام هذا فاستل مدية من زناره، ثم أهوى بها على عنق الغلام، فإذا الدماء تنبجس حارة غزيرة من عنقه» (ص21).‏

على أن القتل يؤدي إلى القتل، فيندفع والد الفتى المذبوح إلى القتل:‏

«ولم يدر أحد كيف امتدت يد خالد النعسان إلى زناره، أية سرعة! الطلقات جميعها استقرت في جسد أبي ياسين، فسقط غير بعيد عن الغلام» (ص22).‏

لم تنته القصة، الجمرة الأولى، عند هذا الحد؛ فمن الضروري (الحاجة الذاتية) أن يطرد الإنسان الشر من داخله، وأن يستمع إلى نداء الروح، ويمنع براكين الغضب والعنف وارتكاب الفظائع، وهذا هو المعنى الثمين والجوهري يشي به غرض القصة التي قامت على تناوب الواقع والتاريخ، التخييل مندغماً بالسرد الأدبي والتاريخي:‏

«وفجأة دوى في الفضاء انفجار رهيب تلفت أهل القرية حولهم يبحثون عن مصدر الصوت، فلم يعثروا على شيء، ولكن أحدهم قال:‏

- لابد أن أحد البراكين الخامدة قد... ثار فجأة.‏

فقال آخر:‏

- لكنه ليس خامداً بل لعله لم يخمد أبداً» (ص22).‏

ثم ما يلبث السرد القصصي أن يندغم في مبنى استعاري شامل عن طريق المفارقة اللفظية التي تصير إلى تلاقٍ في الدلالات شديد الثراء، كما في القصة الثانية من «رمي الجمار»، حيث التوق الممتنع إلى الحرية في لعبة السياسة والأمن، يحضر الصوت في مطلع السرد لينبئ عن واقعة الحلاج وسجانه، إذ «جاء السجان إلى الحلاج في وقت العتمة، فقيده ووضع في عنقه سلسلة، وأدخله بيتاً ضيقاً. وعندئذ سأل الحلاج: لماذا فعلت بي هذا؟ فقال: كذا أمرت. وعاد الحلاج يسأل: الآن آمنت بي. أجاب السجان: نعم. وحين تحرك الحلاج بعد ذلك تناثر الحديد منه كالعجين. وأشار بيده إلى الحائط، فانفتح فيه باب، فرأى فيه السجان فضاءً واسعاً.» (ص25).‏

تنطلق القصة «صوتاً» من خبر معروف في سيرة الحلاج، ايغالاً في الاعتبار بمعنى الكرامة الصوفي، متناقضاً مع فعل دنيوي هو السجن، لتثار قضية الحرية مع قيودها على الرغم من الأثر الأوليائي الذي يظهر على السجان، وتبدو المفارقة اللفظية جلية في ذلك التباعد -التقارب بين الحلاج وسجانه عندما يعيده السجان، فيردد الحلاج نبرة الإيمان به، وعندما يذعن السجان مجيباً بنهم، يتناثر الحديد، وينفتح باب السجن إلى حرية مطلقة أو متوهمة، لا فرق. غير أن المفارقة اللفظية لا تكتمل إلا بتلاقي دلالتها مع دلالة الصدى، فثمة رواد في مقهى في أمسية، بينما فتيان يلصقان إعلانات على الجدران، ثم تداهمهما الشرطة والأمن، ليهرب أحدهما ويقبض على الآخر، ويلاحظ المراقب أن الضابط أخرج من جيبه أوراقاً ورماها في السيارة، وكأن الأمر يتعلق بتهمة، ولا يوجد متهم، مما يعيدنا إلى الإشارة في مطلع القصة المأخوذة عن «الرسالة القشيرية» من واقعة أخرى لمتصوفين آخر، في ذلك الحوار المؤرق عن الحرية والعبودية. إن الشبلي والجنيد يستعيدان قول الحسين بن منصور، الحلاج: «إذا استوفى العبد مقامات العبودية كلها يصير حراً من تعب العبودية، فيترسم بالعبودية بلا عناء ولا كلفة» (ص23).‏

 

إن السرد الراهن يستعين بفضاء دلالات الحلاج الذي يعاد ثالثة في موال على الهامش، من شعره الداعي إلى كتمان السر، وشتان ما بين نشدان الحرية والرسوف في أغلال العبودية، وإن تراءى ما يتراءى، لتؤكد القصة بعد ذلك وطأة سؤال الحرية داخل لعبة السياسة القذرة. لقد أمر الضابط بجمع المناشير، وربما كان قد نثرها بنفسه، في غفلة من الأعين، فهذا «الحقير- يقصد الفتى- يريد أن يسفهنا»(ص31)، فيعلق أحد رواد المقهى ناعياً غيبة الحرية: «في حياتنا كلها لن نصير بشراً.. ما هذا؟!»(ص31)، ثم يردف التعليق بمفارقة لفظية أصغر«ألم تقل إنك لم تعد تشتغل بالسياسة».(ص31).‏

 

ثم يبلغ لقاء الدلالات ذروته، إحالة إلى معادل موضوعي هو حصيلة المفارقات اللفظية، في هذا القول التهكمي، إشارة لاستحقاقات قيم المجتمع المدني:‏

«-متى يعرف هؤلاء الناس كيف يشربون القهوة» (ص31).‏

 

ويتعمق المبنى الاستعاري إياه في القصة الثالثة من المجموعة نفسها «رمي الجمار» تنويعاً على عزف آخر، هو دلالات محنة الشيخوخة وعقوق الأبناء وجريمة الحياة ذاتها. ورد في «الإشارة» عن فضاء الموضوع خبر عن أسد وتميم أنهما لجأتا إلى الوأد، فراراً من العار أو خشية الإملاق، وقد افتخر بذلك الفرزدق، فيما بعد، لأن جده حمى جماعة من الوأد، فقال:‏

وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد، فلم يوأد (ص33) ‏

وتكون أول مفارقة مع «الصوت» الذي يستند إلى خبر آخر عن الأسكيمو «العاجزين منهم، حين يدركون أنهم عالة على ذويهم يحملون أمتعتهم من الكوخ، ويرحلون إلى العراء.. ليموتوا»(ص35).‏

 

أما المفارقة الثانية فهي السرد الراهن في «الصدى» عن العجوز وزوجة ابنه التي تضربه بالنعال استثقالاً لوجوده، وعن العجوز وابنتها التي تضربها حتى تحول رأسها بين يدي ابنتها إلى مطرقة ثقيلة تضرب الجدار في الليل، وتمنع عنها الطعام، بينما يغطي الفضاء نشيج مرير وشكوى فاجعة من العاجزين وإذلالهم في الليل الأسود الثقيل الطويل: الجد والجدة.‏

ويتسع مدى المفارقة اللفظية إلى معنى قهر المظلومين، ولا سيما العاجزين منهم، الذين يصفهم «سفر الجامعة» بالأموات «العائشين بعد» في تحفيز يسعف على بناء الدلالة، وقد حمل عنواناً ذا معنى دال «قنديل في القبو».‏

 

ثم تنفتح القصة في التحفيز التالي على ذروة هذا المعنى المأساوي حين تطلب الأم من ابنتها خرقة تمسح بها هذا الدم النازف من الرأس، وتعدها ألا تتكلم عما يحدث معها. غير أن المعنى المأساوي يصير فجائعياً حين يتنكر الأحفاد للأجداد، وحين تذكر الحفيدة رعبها من جدتها الغولة، ولا غرابة في ذلك، وهذا هو الفجائعي، ما دامت الحفيدة بنت أمها المتوحشة!.‏

 

يرجع السارد الدلالات ويغنيها في تحفيز جمالي آخر فيما سماه «رؤوس أقلام»، وهو قول طاغور عن اتحاد الإنسان والحيوان الأعجم، بينما يفتقد الإنسان إلى الرحمة مع أقرب الناس إليه. وكما هي الحال، في خواتيم المآسي يشير هذا التحفيز الطاغوري إلى أن الأم قتلت أمها ـ الجدة، لأن الصغيرة ـ الحفيدة «التي كانت ترى وتسمع كل شيء... هي التي باحت بالسّر» (ص43). لعل هذه القصة نموذج لتلاقي الدلالات الناجم عن تعدد المفارقات اللفظية والمعنوية، في تحفيز واقعي يخرج من نسقه إلى آفاق أرحب لرؤية التجربة الإنسانية المرّة عن طريق إدخال بعض التحفيزات الجمالية.‏

 

ولا شك أن غالبية قصص «رمي الجمار» تنتمي إلى هذه الأسلوبية الحداثية المستندة إلى أمرين هما السرد التراثي، الأدبي والتاريخي والصوفي على وجه الخصوص، والمخيلة الخصيبة اعتمالاً بواقع محتدم التحولات.‏

 

2-6- حفظ البحرة للقيمة الفنية لقصصه مكانها اللائق، فعني بالشكل عنايته بالمحتوى، ولم يستسلم لشهوة التبشير العقائدي، أو يولع بإغراءات التعاطف المبالغ فيه مع جماعته المغمورة على سبيل المشجاة (الميلودراما)، أو اندياحات فيض الوجدان كما في الرومانسية، مؤمناً بأهمية صوغ قصصي مكتف بذاته، وهذا واضح على وجه الخصوص في قصص مجموعته الثانية والثالثة والخامسة. وتتجلى هذه التقنية في استيعاب التحفيز الواقعي لأبعاد رمزية ودلالية واستعارية لا تخفى. ونجد مثالاً لذلك في قصتي «ظلال موحشة» و«العنقاء» من مجموعته الثانية. في قصته «ظلال موحشة»، يذهب وصديقه إلى حمام السوق ويتذكر تقليده ويصف مجرياته ويفعم بذكرياته وهلة، على أن ذلك كله باعث لظلال موحشة على نفسه وروحه، فيغادره وكأنه لن يعود إليه. هل هو موقف من الماضي؟ اعتقد أن سريان الدلالة القائمة على علاقة استعارية بين التحفيز والقصد جلي وواضح.‏

 

وقد آثرت في هذه المقالة، أن أتوقف عند قصص بعينها، لمزيد من التدقيق والتحليل. تتبدى العلاقة الاستعارية في دلالات وصف المكان كما ينطبع على وجدانه على وجه الخصوص:‏

«فجأة.. انتابني شعور عميق بالضيق، كما لو أن بخار الماء الضبابي غزا رئتي، وتغلغل في جميع الخلايا.‏

كان ينبعث من أقصى الحمّام، من مقصورة مجهولة غناء أشبه بعواء ذئب كئيب، سمعته وكأنه موقع على قرقعات الكاسة على جوانب الجرن، ودوّت هناك صفعات مجلجلة تبعها صوت قوي:‏

ـ تعا..‏

ففتح الباب الخشبي بحركة مباغتة، ولاح ياسين راكضاً باتجاه الصوت. خُيّل إليّ أن صاحب الصوت هو الذي أعطى هذه الإشارة، فحين ظهر الرجل وقد لفّ نفسه بعدة مناشف تأكدت أنه إنسان آخر» (ص ص20-21).‏

 

ثم تأتي الخاتمة لتعلن ختام هذه العلاقة الاستعارية قصداً خفياً متشرباً في المتن السردي، وقد سارع الراوي ورفيقه إلى مغادرة المكان كلياً:‏

«ودون أن يكلم أحدنا الآخر بدأنا نسرع لنبتعد عن المكان» (ص22).‏

 

وفي قصته «العنقاء» من المجموعة نفسها، صادف الفتى امرأة محتاجة في الشارع محاصرة بنهم الرجل إليها، وهو الطالب الريفي الذي يقدم امتحاناته الجامعية، فأوصلها ممتنة إلى البيت، وأنقذها من ثلاثة رجال يطاردونها ووعدته باللقيا بعد أسبوع، ولكنها لم تأت، بينما هو ينتظر مجيئها مثل شيء في ذلك المكان. لعله التوق الأبدي إلى المرأة المحبوبة التي تلمع شهاباً في ظلام العالم، ثم تغيب في سجفه، بينما هي تأتلق في وجدانه، لا يكتمل الزمن إلا بها.‏

 

ولعل الموقف من الزمن في قصة «العنقاء» نظير موقفه من المكان في قصته «ظلال موحشة»، فقد صار انتظار الفتاة عديم الجدوى، ولكنه باعث على تشبث عنيد بالمشاعر الكامنة التي أججتها المرأة، ثم ولت في الغياب. إن العلاقة الاستعارية تتجلى في مراودة الراوي لفعل الانتظار وممارسته على الرغم من يقينه أنها توارت في غياهب زمنها:‏

«... شيء ما في داخلي، كان يؤكد لي أنها لم تأت.. وكمدمن عريق، وبكل الحنين الذي يفجره الظمأ في العروق.. رجعت انتظر.‏

ولم أعد التفت إلى الزمن. تحولت إلى شيء، بعد أن تضاءلت المسافة بيني وبين الأعمدة المتناثرة على جانبي الطريق، وحجارة الأرصفة، وجدران البيوت» (ص32).‏

 

ويمعن البحرة في قصص مجموعته الأخيرة في هذا التخييل بطاقة دلالية رمزية أو استعارية، ضمن أنساق التحفيز الواقعي إياه، كما في قصة «رؤيا» على سبيل المثال. خلال زيارته الثانية لموسكو، يستوقفه «وجهها البيضوي النبيل»، وهي تقف خلف طاولة مستديرة بالفندق بائعة للتذكارات والطوابع، ويستعيد ذكرياته وأيام مرحه في الزيارة الأولى، غير أنه متيقن من أن هذه المرأة التي تقف وراء الطاولة هي نفسها تلك الفتاة التي تحرش بها في زيارته الأولى بحجة مكشوفة لا تخفى على امرأة جميلة مثلها، وهي أن تدله على صورة لينين المصفوفة من الزهور في الحديقة، وقد أسرته بلطفها وحيائها إلى حدّ الإرباك مما منعه من معاودة الحديث معها، وكل ما فعله هو أنه اشترى منها بعض الطوابع، ونسيها على طاولتها؛ بينما أسئلة الحياة والتعلق مفتوحة على جروحها الغائرة والفاغرة.‏

 

2-7- اعتنى البحرة ببعض الخصائص الفنية لقصصه مثل السخرية في بعض قصصه ذات الموضوع الاجتماعي، كما في قصته «انسجام كامل» من مجموعته الرابعة، وقصتيه «الحنش» و«فلفل» من مجموعته الأخيرة. تركز «انسجام كامل» على مفارقات وصف الازدحام في أحد الباصات حتى أن إحدى الدجاجات باضت بين الركاب، ويتجه هذا الوصف إلى ما يسمى الفكاهة القاتمة أو السوداء.‏

 

يجلس الرجل وحيداً في بيته الدمشقي العتيق في قصته «الحنش»، يستمع إلى المذياع، وهو يبثّ حواراً مع حاو يخرج الأفاعي من أوكارها، ويسقط أثناء ذلك حنش ضخم من سقف الدار فيهرع الرجل هارباً، ويتذكر الخوف من الأفاعي والحشرات منذ طفولته في مزرعة أبيه في الغوطة حيث حديث الفلاح أبي محمود عن الحشرات والأفاعي، وتنتهي القصة بإعلانه كراهية البيوت العربية والمذياع وآلات التسجيل، وقد قرر الإقامة في منزل والدته الحديث:‏

 

«وأقمت بصورة دائمة في منزل والدتي فرب ساحة الشهبندر.. حيث لا عقرب يمكن أن يتسلل ولا أفعى قد تتخبط من السقف فتجعل القلب عند القدمين، وتترك العقل طائراً حتى بنات نعش» (ص97).‏

 

واستعاد الراوي في قصة «فلفل» أيام طفولته حيث كان يتردد على بيتهم رجل ربعة قصير ونشيط يدعى أبا أحمد، وقد لقبته والدة الراوي بفلفل نظراً لمهارته ونشاطه في إصلاح الأعطال المنزلية الطارئة. وعندما تمرّ مدة تنقطع فيها زيارة «فلفل» عاد بعدها ليتحدث عن أقاربه الضيوف ممن أقاموا في بيته وقد عبث أولادهم بنباتات الدار، والتهم أحدهم عناقيد العنب، وسط ضحك الجميع.‏

 

3- ملاحظة أخيرة:‏

أفلح نصر الدين البحرة في كتابة قصة واقعية شديدة الثراء والتنوع الفكري والأسلوبي، وعمادها تعاطفه الحميم الدافئ والإنساني مع جماعته المغمورة من الحرفيين والعمال والمعلمين والبؤساء الكادحين الذين غدوا نموذجاً هو شاهد على التحولات العميقة التي مرّ بها المجتمع العربي في سورية لينفح المتلقي تفاؤلاً حيناً وإحساساً مأساوياً بالحياة حيناً آخر.‏

 

2-قصص إسكندر لوقا: جمالية تقاليد القص‏

إسكندر لوقا كاتب بالفطرة، فالكتابة فعاليته الرئيسة، ولم تفعل العقود المتعاقبة إلا تجويداً وترسيخاً في هذه الفعالية التي جعلت من صاحبها قامة من قامات القصاصين المؤسسين في خمسينيات القرن العشرين، ممن واصلوا الإبداع القصصي حتى اليوم، فقد صدرت مجموعته الأولى «حب في كنيسة» عام 1952، إلى مجموعته العاشرة «عودة شاهين» (1997) التي ألحقها بمختارات من مجموعاته المتتالية، وهي:‏

في ليلة قمراء 1953‏

العامل المجهول 1954‏

أنصاف مخلوقات 1955‏

نافذة على الحياة 1958‏

رأس سمكة 1961‏

النفق والأرقام 1963‏

من ملفات القضاء 64-1966‏

الوليمة 1971‏

ولعلنا نوجز ملامح إبداعه القصصي فيما يلي:‏

 

1- إتباعية ومعيارية:‏

يصدر لوقا عن فهم للقصة منسجم مع ممارسته لكتابتها، فهو حريص على إتباعية تستحضر تقاليد القص الكلاسيكي كما نضج على أقلام مبدعيه الكبار: «فن له مقوماته» (ص1) «المعايشة» (ص1) بما هي «تحليل الحادثة واتخاذ الموقف الذي لابد من توافره، في مكان ما من القصة، لتكون جزءاً من وظيفة اجتماعية، تسهم في بناء الوعي» (ص2)، و«الرصد» كأن يلتقط الكاتب موضوعه، كمثل الطبيب حين يضع يده على موطن الداء، وقد يكون الداء ظاهرياً أو خفياً» (ص2)، واللغة «التي توصل معايشة الكاتب إلى من يريد مخاطبتهم» (ص2). ثم صدق الرؤية أو التحليل، ثم المعاناة «فالرصد يقودنا إلى الموضوع، واللغة تساعدنا على التعبير، والتحليل ينتهي بنا إلى الموقف، عبر معايشة الموضوع. وأما نوعية المعاناة فهي التي ترسم الخط الفاصل، بين صدق الانتماء وعدمه» (ص3). ثم «البساطة وصولاً إلى عمق الفكرة التي أردت عرضها أمام القارئ».. ولا تعني البساطة اعتماد القالب الوصفي للبحث، بل «صدق المعايشة، ووضوح التعابير، وإثارة الرغبة لتحديد الموقف من خلال عرض الفكرة، لا فلسفتها على طريقة البعض، فالحياة لا تحتاج إلى الفلسفة بقدر ما تحتاج إلى تعريف» (ص5).‏

 

إنه فهم إتباعي تقليدي، ينهض على عناصر دقيقة واضحة: المعيارية، الواقعية، المحاكاة، الأسلوبية، النمذجة، الجمالية. وأتوقف عند قصة «عودة شاهين» مثالاً لكتابته الإتباعية التي تلتزم بقواعد محددة راسخة في القص التقليدي من الوصف إلى رسم الشخصيات إلى الحبكة إلى العناية المستمرة بالواقعة أو الحدث أو الفعل إلى لحظة التنوير أو الإفصاح عن شبكة الدلالات بلوغاً للمعنى من خلال ضبط الوحدات الثلاث: المكان والزمان والفعل. هذا هو شاهين يعود من خدمة العلم في إجازة في أحد أيام تشرين الثاني عام 1973 إثر مشاركته في الحرب المجيدة، ويدخل غرفة جدته، لتكون مناسبة لاستذكار الماضي، ووصف سحب الجد شاهين إلى حروب السفرلك، ثم غاب، ولم يعد، ويفعل الوصف فعله للتداخل بين الخارج والداخل، حين يتوالى وصف الدواخل النفسية الموجعة حتى الآن من أوجاع الخارج، فقد «أخذ» شاهين منها إلى حروب غيره ليموت بعيداً عن وطنه وقومه وأسرته؛ كما في ذكرى الجدة:‏

[مع سماعها اسم «شاهين»، ارتسمت على شفتي الجدّة ابتسامة. وفجّر الاسم في ذاكرتها قصّة قديمة. قالت بصوت خافت متردّد كخطى إنسان كهل يصعد على جبل:‏

«بعد زواجنا بشهرين فقط، قامت المدينة وقعدت. حضر إلى المدينة رجل فظيع اسمه أحمد، أحمد جمال باشا. كل أهل المدينة خافوا من هذا الرجل وأنا كنت واحدة منهم. لم أكن خائفة على نفسي بقدر ما كنت خائفة على زوجي شاهين. كان الباشا رجلاً فظيعاً، أخذ مني شاهين ولم يعده إليَّ».] (ص7).‏

 

وتشتد أواصر نسيج السرد الواصف لتنامي الفعلية من خلال الإلماح إلى تأثير هذه الفعلية في سلوك الشخصيات وإحساسها المتفاقم بعودة الغائب مقترنة بوصف ذكرى المفقود أو الفقيد لا فرق؛ فتتمازج صور لوعة الماضي وبهجة الحاضر في الاستذكار المروع حيناً، والمتأمل لخيبته ومكابدته حيناً آخر، إذ يتداخل التخييل مع مرجعيته التاريخية والواقعية.‏

 

«مثلما أثار اسم «شاهين» في ذاكرتها قصة قديمة، كذلك حدث عندما سمعت عبارة ليلة رهيبة. هذه المرّة لم تبتسم، رأوها تغمض عينيها وتعضّ على شفتيها:‏

- أراهن أنكم لا تعرفون شيئاً عن تلك الليلة. في تلك الليلة كل من جاء لوداعه كان يبكي. ولم يكن أحد يستطيع أن يفعل شيئاً لاسترداده. كان يخرج من الدار مع الرجلين اللذين حضرا لأخذه مني، قدماه إلى الأمام وعيناه إلى الخلف. كانت نظراته كنظرات مسافر يلقي آخر نظرة على شاطئ الوطن. نعم، كنت وطنه، وكان يناديني بيا وطني. إنه قبل أن يصير زوجي كان معلمي. علمني القراءة والكتابة. ودائماً كان يحدثني عن التاريخ. وبشكل خاص كان يحدثني عن سنة /1516/ بينما كنا نحن في سنة /1916/. وفوق ذلك، علمني كيف أحبه كوطن لي. وهكذا صرنا زوجين، هو وطني وعمره ثلاثون عاماً، وأنا وطنه وعمري أربعة عشر عاماً. وكان أيضاً، أستاذاً لي، بينما كنت تلميذة له. الجميع كانوا يلقبونه بالأستاذ. لكن الجدار، لم يدم لي سوى شهرين. انهار الجدار، وانطفأت الشمعة في بيتنا فجأة. حتى أن أبي لم يحتمل الصدمة عندما طالت غيبته فمضى هو الآخر. ومنذ ذلك التاريخ، أنا وابني شاهين الذي أعطيته اسم أبيه، بانتظار أن يعود» (ص8).‏

 

وتسترجع الجدة مع خبر عودة الحفيد شاهين مرارة الخبر الكاذب لعودة الجد شاهين، فقد حاول الضابط الإساءة إليها مما اضطرها للدفاع عن نفهسا باستخدام السكين ذئبة تواجه ذئباً يتحين لحظة الانقضاض عليها، فلا تقبل الضيم والذلّ مثل شاهين الذي غيبه العدو، ثم حضر ضابط منهم ليخبرها الخبر الكاذب ذريعة للنيل من شرفها:‏

«منذ زمن بعيد كنت أعلم أنهم قتلوا شاهين وتركوا جثمانه فوق الرمال، لأنه فقط كان يتحدّث عن سنة /1516/. لكن شاهين الصغير كان لي وطناً مثل أبيه. والوطن غال كا تعلمون. في أيامكم هذه تدافعون عنه بالطائرات والصواريخ والقنابل. في أيامنا تلك، كانت تكفي حتى السكين.‏

عدت إليه ذئبة متمرسة، وسمحت ليده أن تزحف على ساقي. وسمحت لها أن ترتفع إلى الأعلى كأفعى تندس بين الأعشاب لتبتلع مكمن فريستها. وعندما رأيت حدقتيّ عينيه تميدان بإغفاءة النشوة، بسرعة لا تقاس، رسمت فيهما حالة ذعر لا توصف.‏

 

وغاب كل شيء، تحت جنح الظلام، في مترين من الأرض عند قنّ الدجاجات. لكنني احتفظت بالسكين» (ص10).‏

وتتداخل باستمرار الوقائع الراهنة بذكرى الوقائع القديمة متمازجة مع الروح الوطنية التي تعمّر وجدان شاهين وأسرته، كما في تصوير الحبكة، وهي الاحتفاظ بسرّ حياتها المأساوية عندما جاوزت المحنة بالمحافظة على نقاوة خلقها القويم:‏

«مع شروق الشمس، كانت الجدة قد خرجت إلى حديقة المنزل لتتفقد، كعادتها، شجرة الياسمين. كانت الوريقات البيضاء متفتحة، فاقتطفت منها ما يكفي لتصنع منه الأطواق، كما في كل صباح قبل أن يلتحق «شاهين» بالخدمة: واحدة لشاهين، واحدة لشيرين، واحدة لسوزان، وواحدة لكل من ياسين وأحمد ورنا. وصار صعباً أن تصير الحقيقة حلماً» (ص12).‏

 

ويضاء الفعل في معنى المقاومة المتألق والدائم، فقد هدأت الجدة، وأيقنت بحلول راحة البال ما دام شاهين عائداً من حرب منتصرة:‏

«وقرّبت المرأة العجوز وسادة النوم من مكان جلوسها» (ص13).‏

 

لقد عني لوقا بالعناصر التقليدية في كتابة قصته الإتباعية، ولا سيما تخييله لموضوعه عناية فائقة بالقصد المنشود، تثمين القيم الأخلاقية في إهاب القيم الوطنية المتوهجة على الرغم من عناء الذكرى وقسوتها. والبارز في الوصف هو معاينة وقع الفعل واستجابته داخل النفوس الملتاعة من وطأة الاستعمار وارتفاع إرادة المقاومة مما لا فكاك منه لكل نفس أبية.‏

 

ويستفاد من هذا التحليل أن كتابة القصة تستند إلى معايير ثابتة: المقدمة، العرض، تنامي الصراع إلى ذروته، ثم الانفراج إلى حل يشي بفكرة القص. ولا تختلف قصصه الأولى عن قصصه المتأخرة في بلوغ شأو عال من تنظيم المقدرة الحكائية عن طريق راو مضمر عارف غالباً، ورأينا ذلك في قصة «عودة شاهين». لقد دخل شاهين غرفة الجدة واحتضنته، ونكتشف أن الجدة تعاني من عقدة نفسية، فقد أخذ جمال باشا السفاح زوجها شاهين ولم يعده إليها، وما تزال وهي في سن الثانية والسبعين أو الثالثة والسبعين تتعرف إلى الوجوه حولها، وتخاطب الابن على أنه زوجها. وتتذكر تلك الليلة. كان يناديها يا وطني، وأعطت اسم شاهين لابنها بانتظار أن يعود. وكان شاهين وطنياً، إذ قتل لأنه يلهج بمعاداة الاستعمار عام 1516. ويفصح الحوار مع الجدة عن ذكرياتها الحية مع الأب الفقيد وقد أشرقت القيم الوطنية والقومية متماهية مع شرف الذات.‏

 

2- الجماعة المغمورة:‏

احتفى القص عند لوقا بنماذج بشرية هم جماعات مغمورة تعاني من صعوبة العيش، ثم يمدّ لوقا هذه الجماعات لتغدو صوراً عن مكابدة ضاغطة لبشر في منعطف حياتي أو سيرورة وجودية قاهرة. كما في قصة «الاختيار»، فقد عين معلماً في قرية بعيدة، ودعاه أحدهم إلى المبيت عنده، لتهزه خيارات ابني صاحب البيت، حسام الذي اختار بنفسه وغادر إلى مصيره، و«رباب» التي رضخت لمشيئة الوالد وتزوجت صاغرة بمن لا تحبه. وها هو ذا يعاني مشكلة الاختيار إزاء حسام المنتصر الوحيد، وهزيمة رباب مثله وقد انعكس ذلك كلّه على وجدانه المعذب بتعلقه بالأخيرة وعجزه عن الاقتران بها بالنظر إلى وضعه البائس.‏

 

يبدأ الراوي المتكلم في القص شارحاً معاناته في الحياة بالإلماح إلى الشواغل الضاغطة عليه من مهنته معلماً في الريف، فيورد شكواه ونقمته على أوضاعه المرهقة بسبب السفر والغربة.. الخ، كما في الوصف المباشر في أسطر القصة الأولى:‏

«بعد ثلاث عشرة ساعة من السفر المتعب، توقف محرك السيارة، وبدأ الركاب يهبطون الواحد في أثر الأخر. في هذه القرية، كتب عليَّ أن أبدأ حياتي العملية في حقل التعليم» (ص69).‏

 

ثم يتقصى أجواء الوحدة، فهو لا يجد أنيساً طوال رحلته المتعبة، وكأنه محكوم بالعزلة من الجميع:‏

«لامست قدماي الأرض الجديدة، في الساعات الأخيرة من ذلك اليوم الذي أحدثكم عنه. ولم يكن حولي من آنس به، باستثناء الرجل الذي شاركني المقعد في الباص. إلا أن هذا الرجل كان نائماً طوال الوقت، فلم أتبادل معه كلمة واحدة. فترات اليقظة القصيرة، كان يقضيها إما في شرب كأس شاي داخل الاستراحات المتواضعة على الطريق، أو في بيوت الخلاء! وبالنسبة إلى باقي الركاب، فقد عزلني عنهم أنين المحرّك المتواصل، كما المريض يئن تحت وطأة الألم المزمن» (ص69).‏

وتتوالى إلى الصفات الدالة على عذابه المستمر منذ وصوله إلى أرض القرية وامتلائه بأحاسيس الغربة، فثمة استهجان من سؤاله عن فندق للإقامة، وتظهر ردة الفعل من ذلك الوصف العميق للشخصيات دون غلو:‏

«ورفع عينيه إلى الأعلى قليلاً، وغرسهما في عيني. قرأت في نظراته، وهي تعكس ضوء مصباح شاحب، قرأت سؤال استفهام:‏

- فندق في قريتنا هذه يا ولدي؟ وتريده، أيضاً، قريباً من الساحة؟‏

أعاد الصرة إلى مكانها، وتفرس في وجهي:‏

- غريب؟‏

قلت بلهجة من ارتكب ذنباً غير مبرر:‏

- نعم. أنا غريب» (ص70).‏

وتنداح معاناة أهل القرية أنفسهم، فهم بالكاد أفلحوا في افتتاح المدرسة الإعدادية من أجل أبنائهم، أما الفندق فهو للأغراب، «وليس لدينا ما نقدمه لهؤلاء» (ص71)، على أن المجيب على أسئلة المعلم يضطر إلى دعوته لقضاء هذه الليلة في بيته، لتنشأ بينهما علاقة تعاطف كما هو حال أفراد الجماعات المغمورة التي تعاني من قسوة العيش ووطأة شروط الواقع، فيتبادلان حمل الأغراض نفسها ورواية أشكال المعاناة:‏

«لا أذكر بالتفصيل كل ما رواه، إلا أنه كان يومئذ عائداً من دمشق، بعد استكمال بعض المعاملات المتعلقة بضرائب مستحقة على عقار أو أرض يملكها. وأذكر، أيضاً، أنه كان خلال الحرب العالمية الثانية، مع الجنود الإنكليز الذين قاتلوا في الصحراء الليبية، وبعد انكسار رومل عاد إلى الوطن وترك الخدمة» (ص72).‏

ولعل المعلم شعر بتوحد الحال مع مثيله صاحب البيت الذي دعاه ليعتبر نفسه في بيته، وهذه الغرفة هي غرفة ابنه حسام الذي سافر إلى الشام منفذاً خياره في استكمال دراسته التي يرغب. وترتفع وتيرة الإحساس بالمعاناة لدى المعلم إثر لقائه بمدير الثانوية الذي يعيد على مسامعه صعوبة عمله «التدريس مهنة شريفة، ولكنها قاسية ومضنية خاصة في القرى البعيدة المهملة» (ص74).‏

 

ثم غدا مسكوناً بكلام المدير حول مسألة الاختيار التي تجرأ حسام عليها، وباشرها بإرادته، فقرر أن ينتزع صورة حسام من مكانها، وأن يخفيها في خزانة الثياب، ولعل ذلك تقدير لمقدرته على الاختيار. ورأى في صباح اليوم التالي فتاة تجوس بين الزرع كالهمسة، فخّمن أنها من أهل البيت، وهيأ نفسه لملاقاتها، وما لبث صاحب البيت أن دعاه لتناول الإفطار مع الأسرة، ليتعرف إلى الفتاة، وهي ابنته رباب، وظهر تقارب عاجل بينهما، وقاطع الأب شردوهما بقوله:‏

«- إذن نعتبر الموضوع منتهياً. حتى يعود حسام من الشام الغرفة تصبح لك. وحتى ذلك الوقت، تكون رباب قد سافرت إلى عريسها في فنزويلا. إنه ليس غريباً، إنه ابن عمها، وقد أرسل في طلبها إليه. إنه شبيه حسام. مركزه هناك جيد، ومدخوله كبير. وعندئذ تنتقل أنت إلى غرفتها» (ص77).‏

 

وكانت الحبكة شديدة الإلماح في قول أبيها الذي يصعّد الفعلية إلى الخيار الحاسم، فالفتاة رضيت بما نصحها به أبوها، على العكس من حسام الذي مضى إلى خياره بنفسه، وبلغت الذروة منتهاها في صمت الفتاة عما ألزمت به من نصح لا يوافي خيارها، لأنها غدت شريكة له في مشكلته ما دامت التزمت بخطبة من لا يعنيها، وفي سبيلها للالتحاق به في المغترب البعيد:‏

«ومع أني فتحت النافذة محدثاً صوتاً مسموعاً، لم ترفع بصرها نحوي. وربما لم تكن تجرؤ على ذلك. فأيقنت أنها تقاسمني مشكلتي. كلانا تتحكم به الأرقام، ولا يملك حق الاختيار من المرة الأولى. حسام الذي لا أعرفه حتى هذا اليوم، كان المنتصر الوحيد بيننا» (ص78).‏

 

من الواضح أن القصة تروى على سبيل الاسترجاع، فالراوي المغمور في بؤسه ومكابدته للشقاء الإنساني تضاعف إحساسه المأساوي بالحياة القاهرة بخسران الحبّ الذي من شأنه أن يخفف من وطأة العذاب:‏

«ورغم السنوات التي تفصلني عن القصة، لا تزال الطائرة التي حملت رباب باتجاه الشمس الغاربة ذات يوم، عالقة في مكان ما في السماء، في عينيّ، لا أدري» (ص78).‏

يختار لوقا لقصصه شخوصاً من هذه الجماعات المغمورة، لا سيما المعلمين في الأرياف ممن يفتقرون إلى أبسط أشكال العيش الرحيم، على أن مكمن النجاح لديه لا يكمن في إظهار التعاطف أو الشفقة، بل يجاوزه إلى الغوص العميق في شفافية الرؤية لمقاربة الإحساس المأساوي بالحياة، كما في هذه الإشارة الوصفية الدالّة على المشاعر الدفينة:‏

«وبعد ذلك اليوم، لم أرَ رباب سوى مرتين أو ثلاثاً. آخر مرة رأيتها، كانت تجوس بين الزرع، في حديقة المنزل. لم تكن كالهمسة، وإنما كالفراشة الهائمة تودّع ربيع الحقل. كانت تتلمّس بيدها غصناً، ثم تنتقل إلى غصن آخر، فآخر، إلى أن ودّعت كل الأغصان» (ص78).‏

 

3- العناصر الواقعية:‏

تحفل قصص لوقا بعناصر واقعية، بما يجعل من هذه القصص علامة على شرطها البيئي والتاريخي، ويظهر ذلك في العناية المطلقة بوصف البيئة، ووصف الدواخل النفسية لشخوص هي بنت واقعها، فليس ثمة اجتلاب لقضايا أو مشكلات خارجية، بل إن كثيراً من قصصه تحمل وثائق عن زمنها كما في قصة «الولادة الجديدة» المبنية على واقعة بناء سدّ الفرات والتحولات الاجتماعية الكبرى التي شهدتها سورية خلال نصف القرن الأخير، تصور القصة رحلة جريس العائد إلى الطبقة بعد أربعين سنة من هجرته إلى البرازيل، فقد ورثه عمه حنا ماله، ثم عاد في سبعينيات القرن العشرين، وهو ما يزال يحمل خزنة للصور البشعة التي لا تفارقه، عندما ابتلع النهر والده، ويعود اليوم ليشهد ولادة حياة جديدة مع قيام السد وبدء عمليات التنمية الواسعة.‏

 

ثمة راو مضمر يسرد تفاصيل عودة جريس إلى الطبقة مندغماً مع استرجاع وقائع الماضي، ويستحضر من خلال الوصف حال النهر المدمر قبل قيام السدّ:‏

«في تلك الأيام البعيدة، كان قدر المسافر من حلب باتجاه الشرق، يتوقف على فراسة السائق وحالة الطقس. كانت الصحراء لا تنبت غير الرمال، وأما المعالم المحيطة بمجرى نهر الفرات، فكانت، في معظم السنوات، تحت رحمة المياه المتدفقة في جوف النهر.‏

 

من بين تلك الصخور التي تتزاحم أمام عينيه، يستعيد «جريس» مشهد الفيضان الذي اقتلع منزله ذات يوم، وجرف كل ما فيه: جسد أبيه المتدحرج فوق الأمواج الغاضبة. صرخة أمه في ذلك اليوم البائس. قطعان الغنم الطافية على وجه الماء. الأيدي الملّوحة المستغيثة» (ص47).‏

ثم يستذكر واقعة موت أبيه غرقاً:‏

«جسد أبيه يتدحرج فوق الموج. صرخة أمه تمزّق أذنيه. قطعان الغنم تطفو فوق سطح الماء كالوريقات تتطاير أمام وجه العاصفة. الأيدي، تلوّح مستغيثة في الفضاء، ثم مزاح «ناظار» أفندي، ووجه «اشخين». الصور تتشابك وتتفرّق، فمن أين يبدأ؟» (ص49).‏

 

وتضاء جوانب حياته السالفة والتغير الهائل بتأثير توريثه من عمه ليخوض غربة داجية أشرقت في المغترب، وإن بقي الإشراق شاحباً تحت قسوة فقدان الأب:‏

«- اسمع يا جريس. تزوجت ولم أنجب أطفالاً. ستكون وريثي الوحيد في هذه الأرض البعيدة عن الوطن. لم يبق في أسرتنا التي تشتت في الدنيا سوانا. أنا الماضي الذي بدأ يميل كالشمس ساعة غروبها، وأنت هو الشروق. كم هي قاسية هذه الحياة التي تنتزع أناساً من أرضهم، كما تُقتلع الشجرة من ترابها. كم هي قاسية الأيام التي يجد فيها المرء نفسه غريباً حتى عن أقرب الناس إليه» (ص49).‏

 

وتكاد القصة تكون سجلاً للتاريخ القريب، من استعادة هجرة الأرمن عام 1915 إلى مجمل الوقائع الكثيرة من خلال رسائل ابن خالته «غطاس» إليه في المغترب: سلخ لواء الإسكندرونة، جلاء الفرنسيين عن سورية، الانقلابات العسكرية المتتالية، إعلان الوحدة مع مصر، الانفصال، ثورة آذار، العدوان الإسرائيلي على البلاد سنة /1967/، الحركة التصحيحية عام /1970/، ثم حرب تشرين سنة /1973/. «حتى أخبار الفن والثقافة، كان «غطاس» يقتطعها من صحف البلد، ويبعث بها في ريودوجانيرو. وبقيت أخبار الوطن تشده إلى كل ذرّة من ترابه، ومع كل حرف يقرؤه، يسمع ذلك النداء المجهول، الذي لا يستطيع تفسيره، كما يستطيع الآن، إنه نداء الأرض. وهكذا، عاد» (ص50).‏

 

ثم يشرحون لجريس فعالية السد في التغيرات الاجتماعية، ليخاطب غطاساً عن قراره نحو خياره الصريح المختلف:‏

 

«- اسمع يا غطاس. من هنا سأبدأ حياتي الحقيقية. سأبدأ بأي شيء يجعلني أنتمي إلى الأرض التي أنبتتني ولم أرَ ولادتها. ولادتي الجديدة ستكون هنا يا غطاس. هنا تحت شمس هذه الأرض، حيث أشهد مقتل هذا الوحش الذي التهم أبي وأمي وقطعان الغنم، وكل الأيدي التي كانت تلوح مستغيثة ذات يوم مشؤوم» (ص52).‏

 

أما قصة «وانقطع حبل الكلام» فهي مبنية على وقائع العمليات الاستشهادية ولا سيما استشهاد حميدة الطاهر لفضح الفساد المنتشر. يلتقط القاص الجالس في مقهى شعبي حديثاً بين أربعة مقاولين يبحثون عن طريقة ملتوية للحصول على مناقصة وهم يشربون الويسكي. وفجأة تظهر على شاشة التلفاز صورة الشهيدة حميدة الطاهر موجهة رسالتها قبل استشهادها. ثم يغادر المقاولون المقهى، وتسيطر على المقهى أحاديث عن البطلة حميدة.‏

 

تتباين في القصة المفارقة بين الوالغين في التهالك على المفاسد من جهة ونداء الروح الوطنية الغامر في العمليات الاستشهادية من جهة أخرى. وينقطع السرد على لسان الراوي المضمر العارف بتشخيص حال هؤلاء الوالغين في الشرور بإعلان جانب من قصد المفارقة:‏

«ولأن الإنسان، يقرف أحياناً من الاستماع إلى مثل هذه الأحاديث السافلة، لا يجد مبرراً لتفصيلها، حتى وإن كانت قصة قصيرة، تكتب للتسلية، ولا يدّعي كاتبها أنها قد تصلح لتكون عبرة أو درساً أو موعظة. ولهذا أتخطى ما سمعته على لسان الاثنين الآخرين، وكلاهما لم يبخل عليهما الدهر بمثل ما لم يبخل به على الأولين: مال كثير، سيارات، بنايات وطوابق، وجاهات، أساليب مختلفة لتمارين الفك، ومعارف من كل مستوى» (ص38).‏

وعلى الرغم من هيمنة صورة المفارقة الأخرى على رواد المقهى وانشغالهم بخبر العملية الاستشهادية ورسالة الشهيدة، فإن الفاسدين غادروا هرباً من المناخ الوطني والقومي النبيل:‏

«أحدهم اقترح: أحسن شيء نفعله، نبدل هذا المكان ونتابع حديثنا حتى نجد حلاً لمشكلتنا. هذه الليلة يجب أن نعثر على مخرج وإلا ضاعت المناقصة من بين أيدينا.‏

فقط هذه الكلمات سمعت في تلك اللحظة المشحونة بمشاعر لا يمكن أن تُوصف، وانقطع حبل الكلام فترة من الزمن، حتى استعاد زبائن المقهى أنفاسهم، وبدأوا يتحدثون عن حميدة...» (ص39).‏

 

(1) ـ أعمال نصر الدين البحرة القصصية:‏

1. «هل تدمع العيون» ـ مطبعة الجمهورية ـ دمشق 1957.‏

2. «أنشودة المروض الهرم» ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1972.‏

3. «رمي الجمار» ـ وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ دمشق 1980.‏

4. «رقصة الفراشة الأخيرة» ـ دار المجد ـ دمشق 1989.‏

5. «محاكمة أجير الفران» ـ دار المجد ـ دمشق 1997.‏

 

4- المحاكاة:

تمثل قصص لوقا المحاكاة بأزهى قواعدها، فليس ثمة مبالغة أو تبسيط، بل تماثل لفعل ما يلبث أن يتنامى في حرص واضح على ما يسمى بالوحدات، وحدة الزمان، وحدة المكان، وحدة العمل، وصولاً إلى وحدة الأثر، إذ يتجنب لوقا أية استطرادات غير وظيفية في بناء قصته، كما في قصة «الشجرة اليابسة»، فالجارة العانس في حفلة عرس، وتسكن في الطابق الأسفل للعروس، وتعاني من الجدري، وينتهي العرس، وتحس العانس بأنها شجرة يابسة.‏

 

تستغرق القصة في ضبط حوافزها (وحداتها القصصية الصغرى) إمعاناً في تنامي الفعلية لإظهار قصدها إيماء، حيث يتوازى في السرد صوت الراوي العارف المضمر وصوت المرأة العانس الوحيدة البائسة، وأذكر مثالاً لنسق تنضيد السرد، إذ يصف الراوي الاستعدادات الدقيقة للعرس كقوله:‏

«توالي اختفاء العروس وظهورها بالثياب المختلفة. كل ثوب يفوق الآخر أناقة كما يفوقه تكلفة. وفي كل مرة تبدو العروس وكأنها إنسانة جديدة انبثقت أحلى وأحلى. وتتعلق بها عيون بعض الفتيات المراهقات وقد ارتسم فيها جوع عينين بائستين تتطلعان إلى رغيف أبيض ساخن» (ص171)

بينما تعلن المرأة حزنها ويأسها من وحشة الحياة من خلال مراقبتها المستمرة لعلاقة العروس بخطيبها يوماً بعد يوم، وتفصح عن مشاعرها المكبوحة شيئاً فشيئاً:‏

«وأشعر بمعدتي خاوية. لطالما تمنيته لنفسي. إلا أنه كان يصعد في كل مرة إلى الأعلى. كنت أعلم أنه يحبها حتى العبادة. ورغم ذلك نمت في قلبي ذات يوم أمنية. لكن هذه النبتة الصغيرة بقيت صغيرة ولم تكبر. بقيت بذرة في التراب تهفو للقاء الشمس والشمس بعيدة» (ص171).‏

 

ويصير وصف العروس والاستعدادات الجارية للعرس إطاراً لكشف دواخل المرأة العانس التي تتعلق بأي حركة إنسانية صادرة عن رجل ما عبر بجانبها، أو أطل في مروره أمام عينها الرقيبة على أية لفتة إنسانية محرومة منها:‏

«... بصورة عفوية تلتقي عيناه بعيني، ولكن كعابري سبيل عند منعطف شارع مزدحم بالناس، لا يلبث أحدهما أن يفسح الطريق للآخر مردّداً كلمة اعتذار مهذبة. إنني واثقة من أن هذه الوقفة لا تعنيه في قليل أو كثير، إلا أنها بالنسبة إليَّ، كدفقة الهواء المنعش، تدخل صدر إنسان متعب فترد حياته إليه. ولكن أية حياة حياتي هذه؟ ثلاثون سنة نصفها الآخر عين على الشارع وعين على المرأة» (ص172).‏

وتبلغ مأساة المرأة الوحيدة ذروتها حال مغادرة العروس إلى عريسها في موكب السيارات من أمام البيت، بينما يتفاقم إحساسها المروع بالموات:‏

«وأما الشجرة اليابسة فإنها تُقطع وتُرمى في النار. إنني أود أن أكون تلك الشجرة المثمرة مع أي رجل، أي رجل يسقط قلبي عليه. لن أسأله ماذا تأكل ذهباً أم أعواد قنب؟ صورته تنمو في مخيلتي، والصورة تفقد معالمها يوماً بعد يوم، حتى تستحيل إلى ظل» (ص173).‏

وتتبدى المحاكاة صريحة في قصة «كل النوافذ مغلقة»، فقد تزوج عم محروس شابة صغيرة، ظلت وفية له، على الرغم من أقاويل بعض أهل الحارة بأن شاباً جامعياً لا يغلق نافذته المقابلة لنافذتها، ثم تغير كل شيء، واطمأن عم محروس أن زوجته معه.‏

ونلمس وحدة الفعل وتناميه في تتبع موقف عم محروس من الوشاية بزوجته ومجاوزته لقلقه العنيف من الأقاويل باختباره المتكرر لإخلاص زوجته الشابة، لتصبح القصة أشبه بمراودة نفسية وسلوكية لمعنى العلاقة بين الرجل والمرأة على الرغم من تفاوت السن وتباين النظر إلى دوافع الارتباط بينهما. لقد جعل الراوي المضمر حبكة القصة في قول الواشي صبي اللحام: «- يا عم محروس في بيتك نافذة يأتي منها الريح.. سدها واستريح» (ص65).‏

ويستمر تنامي الفعلية في معاينة حالات الاختبار التي تتعداها الزوجة إلى قلقها على زوجها عم محروس بحثاً عن أسباب راحته، فليس يعنيها سوى علاقتهما:‏

«اضطر عم محروس إلى لزوم الصمت، ولكن عينيه، في تلك الليلة، لم تغمضا. كانت النافذة المضاءة تشغل باله، ووجه الشاب أيضاً كان يقفز من خلال التصورات المؤرقة ليحتل كل المعالم. وأكثر من مرة نظر عم محروس في وجه زوجته، فرآها نائمة بهدوء كالملاك. وبرغم المحاولات التي بذلها لطرد الأفكار السود عن ذهنه، فإن عين الشاب الواحدة كانت تحط على الكتاب، وعينه الأخرى تنصب على نافذة المنزل» (ص66-67).‏

 

وتكتمل المحاكاة في تأمل الفعل الإنساني وقد صار إلى فعل قصصي مشحون بدلالاته المتعددة عن قصد لا يخفى هو اطمئنان عم محروس لخيار علاقته مع زوجته الشابة:‏

«لم يدر عم محروس ما كانت تعنيه بالضبط، إلا أنه مع ذلك، أحس بفرح طفولي يغمر كيانه كله. وارتسمت على صفحة ذهنه، صورة لزورق يبتعد قليلاً قليلاً عن شاطئ الناس والأرصفة، وليس فيه سوى مخلوقين، هو وزوجته، ومن حولهما طيور البحر تعلو وتهبط كأنها في مهرجان... ونوافذ المدينة كلها مغلقة» (ص68).‏

 

5- الأسلوبية:‏

ثمة عناية فائقة بالأسلوبية في قصة لوقا، إذ تستوي قصصه على أسلوبية محددة ازدادت ضبطاً لأنساق السرد وإحكاماً لوجهة النظر التي تنخرطُ في منظور سردي واضح، كما في قصة «إكراماً لعينيها»، فقد حذرت الجدة من القراءة، لأنها تفقد النظر أو تورث الجنون، وترد قصة جده نامق أفندي الذي انتحر، كما توضح أوراقه التي كشفت فيما بعد، لأن جمانة التي يحبها دعته للانتحار معاً، ففعل هو، وزارت هي قبره على سبيل الوفاء، فيا لها من مفارقة مؤسية!‏

يعنى لوقا كثيراً بالمنظور السردي إبرازاً لوجهة النظر التي تختلف عن تصريح شخصية من الشخصيات أو عن تعليق راو من الرواة، أو تدخل الكاتب في مباشرة الخطاب، حين نصحت الجدة أحفادها بنبذ عادة القراءة، لأنها تكتم أمراً لا تريد لهم أن يطلعوا عليه، وهو تعلق المرأة جمانة بجدهم، ووفاؤها له عندما غيّبه الموت، فظلت تزور قبره، مما جعل الراوي الحفيد يتكتم على اسمها:‏

«إكراماً لعينيها، لعينّي جدّتي المسكينة الطيبة، احتفظت لنفسي بتفسير وجود تلك المرأة عند قبر «نامق أفندي»، وإن كنت، حتى هذه اللحظة، لا أجرؤ على القول إنها جمانة!» (ص82).‏

 

6- النمذجة:‏

تفلح قصص لوقا في خلق نمذجة في غالبية قصصه بمعنى النفور من المصادفة أو التطرف في بناء الشخصيات الإنسانية ضمن شرطها الإنساني والتاريخي كما في قصص «السؤال الكبير» أو «غربة الغريب» أو «لحظات الضياع».‏

 

تفترق قصص لوقا عن مرجعيتها لتنغمر في صوغ نماذج إنسانية ضمن تخييلها الخاص، فنقع في قصة «السؤال الكبير» على طالبة كاتبة قصة تبحث عن موضوع لفنّها، ثم تجده في امرأة جالسة على الرصيف وهي ترضع طفلها، مثالاً ترميزياً للواقع العربي، فتستعرض وقائع من البيئة العربية ووثائق إخبارية من هذا الزمن القريب، وهي تنتقل من فكرة إلى أخرى مستعينة بالذكريات وقراءة الدوريات والاستماع إلى المذياع كقول الراوي:‏

«من الكويت، من المنامة، من نواكشوط، من دمشق، من، من، من، أعني كلَّ الإذاعات العربية على وجه التقريب، كانت مشغولة بالترفيه عن المواطن العربي، في أرجاء الوطن الممتد من الماء إلى الماء، فيما انفردت إذاعة B. B. C بمواجيز الأنباء عن اعتبار نتنياهو المستوطنات أولوية وطنية، وعن نصيحة قدّمها بلليترو للعرب، وبالمجّان، كي يتعاملوا مع أولبرايت، وزير خارجية الولايات المتحدة بإنصاف، وأيضاً عن كشف النقاب عن أطماع إسرائيل في المياه العربية بمناسبة انعقاد مؤتمر أوروبي حول المياه، وعن ساعات إضافية في مدارس إسرائيل لتدريب أطفال المدارس على التعامل مع ظروف الحرب الذرية إذا ما وقعت مثل هذه الحرب مستقبلاً.‏

ولم تدر «هيام» لماذا حشرت إذاعة الـ B. B. C نبأ حول إعلان بعض الأدباء العرب رفضهم التطبيع مع إسرائيل تحت أي ظرف من الظروف» (ص45-46).‏

 

وتتضح النمذجة من خلال انتهاج الترميز والمبنى الرمزي حاضناً لمبنى واقعي دال على الواقع:‏

«قررت «هيام» أن تكتب قصة تلك المرأة. سترمز للعالم العربي بالمرأة. وللإنسان العربي بالطفل. سيقولون لها قصتك رمزية، ولكنها راضية سلفاً بالحكم. قصتها هذه، ستكون أول قصة تعاني من أجل خلقها. أول قصة واقعية تنتمي إليها بكل حرف من حروفها» (ص46).‏

وثمة تلوينات أخرى للنمذجة من خلال المبنى الواقعي نفسه كما في قصة «غربة الغريب»، إذ يحس البطل بأنه غريب عن محيطه في هذه السهرة الهادئة التي جمعته إلى آخرين على الرغم من متعة المكان المفتوح في حديقة عامرة بالنوافير والظلال الوارفة، مما يجعله مجرد «كاميرا» تلتقط الآخرين، ثم يتعرف خلال السهرة إلى فتاة يقدمها له أحد الأصدقاء على أنها زوجته منذ الليلة، فيتذكر أيضاً فتاة عرفها أثناء دراسته، ولكن ظروفه المادية العسيرة أعاقت الزواج منها. وتتداخل الصور مع ذكرى شقيقه الأصغر الجندي على الحدود، ليشعر في النهاية أنه آلة حقيقية لا قيمة له، وليس جزءاً من صورة أخيه.‏

 

وتفترق قصة «لحظات الضياع» عن النسق إياه في مقاربة الشرط الإنساني بمعاينة الفعل الصادر عن غير قناعة وما يستتبعه من معاناة، ومشكلة فاروق بطل القصة هي عليا زوجته التي تزوجها إرضاء لوالده، ثم توالت المتاعب التي تؤدي إلى ضياع كل شيء لولا المجالدة والمصابرة.‏

 

7- جمالية القصّ:‏

تتحلى قصص لوقا بجمالية جلية، وتتبدى هذه الجمالية في لغة فنية دالة على الوصف والحوار، وفي اقتصاد الحوافز أي الوحدات القصصية الصغرى، وفي تنظيم أغراض القص، فلا يستسلم القص للإنشائية أو الخطابية أو المباشرة، حتى في القصص التي تميل لنبرة موضوعية مغالية مثل قصص «الذي لم يغب» أو «الشظية». تسأل المرأة في قصة «الذي لم يغب» عن فراس، وكيف يغدو الابن مثار الاهتمام، بينما تنخرط في ذكراه، وتعاود النظر إلى الصورة المقابلة لها، وكأنه لم يذهب، فهو الشهيد الحي:‏

«وتدفق الدم إلى وجنتيه، أحس بالحرج، حاول أن يدير دفة الحديث:‏

- طبعاً فراس.‏

- هذا أمر آخر، هو الذي سيبقى يجسد الصورة الأحلى في وجودنا، ولكن، مع هذا، يبقى الكل في حياتي هو أنتِ.‏

ووجدت نفسها، في المجال الذي حاولت أن تتهرب منه. واقتربت أكثر:‏

- سواء كنت حاضراً أو غائباً» (ص16).‏

وتتمازج صورة فراس وصورة أبيه، وتنهمر الذكريات بلغتها الشفيفة الدالة:‏

«وحيدة بقيت أمام الصورة المقابلة لها، تستعيد الذكريات، مرها تارة، حلوها تارة أخرى، وفي الغرفة المجاورة، اليوم أيضاً، كما في كل الأيام السابقة،كان أدهم الصغير ينام على صدر أمه» (ص21).‏

ولعلنا نشير أيضاً إلى لغة الوصف الوظيفية التي تتعدى مباشرة القول:‏

«عندما قيل لها إنه صار واحداً من شهداء الوطن، أحست بأن كل اللحظات تتجمدّ في مكانها، وأن الحياة قد توقفت لفترة من الوقت تستطيع فيه استيعاب ما يُقال لها، وأن الصرخة التي وصلت إلى حلقها قد امتنعت، من تلقاء نفسها، عن الاندفاع، وتقبلت وسام القيادة، وهي واقفة على قدميها» (ص17).‏

وتقوم قصة «الشظية» على تداعي ذاكرة رقيب أول مشاة يشهد حرب تشرين، ويصاب بحروق نابالم. يستيقظ في المنفى، ويسأل عن سترته التي أودع في جيبها شظية قنبلة طلبها منه ابنه الصغير قبل أن يذهب إلى الحرب. فقد بنيت القصة على ضبط الحوافز ليوازي المتن الحكائي في احتضانه لتنامي الفعلية النبرة الإيحائية عن المبنى الواقعي:‏

«وتنامى صوت ابنه الصغير في ساحة سمعه: لا تنس، أريد شظية قنبلة... أريد شظية... قـ... ن....‏

 

قليلاً قليلاً بدأ المورفين يسري في عروقه فغرق في دوامة من دوامات الغيبوبة، إلا الشظية بقيت طافية على سطح ذاكرته، حتى صارت بين مقتنيات ابنه الصغير في مكتبته المنزلية: مكتبة تشرين» (ص33).‏

تلكم هي سمات الفن القصصي عند إسكندر لوقا: مقدرة عالية على صوغ المتن الحكائي ضمن رؤى فنية وفكرية باعثة لمنظومة قيم عامرة بالتعاطف الإنساني والاجتماعي والقومي مع جماعته البشرية المغمورة وهي تكابد صعوبات العيش إلى الكرامة وشرف الذات.

 

3-قصص صلاح دهني: الإحساس المأساوي بالحياة‏

كتب صلاح دهني عشرات القصص على مدار أربعة عقود من الزمن، غير أنه لم يطبع منها في كتب إلا ثلاث مجموعات قصصية هي: «حين تموت المدن» (1976)، و«الانتقال» (1980)، «ربّما غداً» (2000)(1). ضمت الأولى ست قصص وخمس قصص أخرى سماها «حكايا حرب تشرين»، أما المجموعة الثانية فضمت عشر قصص، وحوت الثالثة اثنتي عشرة قصة، وهذا يعني، فيما يعنيه، أن صلاح دهني كاتب مجود يعتني كثيراً بقصصه بحكم اتساع الأجناس الأدبية التي يكتب فيها كالقصة والرواية والمسرحية والنقد والمقالة، وبحكم مسؤوليته النامية والمبكرة التي طبعت موقفه الأدبي والفني بطوابع اجتماعية وأخلاقية وإنسانية يلمسها صريحة حيناً ولماحة حيناً آخر كل متتبع لأدبه وهي تبدو جليلة في قصصه على وجه الخصوص ـ كان صلاح دهني، وما يزال، أميناً لفكرة القصة كما مارسها رواد القصة الكبار في القرن التاسع عشر، وأبرز عناصر هذه الفكرة عند صلاح دهني هو اهتمامه بالنسق الحكائي المدعم بفعلية تتنافى وتتصارع في مشهدية هي بعض تمكنه من فن الصورة السينمائية، وصلاح دهني، كما هو معروف، مخرج سينمائي ومن رواد صنّاع السينما العربية منذ مطلع الخمسينيات، فيوجد في غالبية قصصه حكاية يسردها «حكواتي» ماهر يجمع خيوط السرد بين يديه واعياً أنه يستطيع أن يضيّق دائرة السرد إلى حدود موضوعة محددة أو أن يفتح هذه الدائرة في نسقه الحكائي إلى مدار حياة كاملة، ونذكر مثالاً لمثل هذا النسق قصتيه «حين تموت المدن» و«الانتقال».‏

 

في القصة الأولى يستعيد صلاح دهني سيرة الثلاثينيات الفلسطينية من خلال ذكريات حسين الجمل الذي تطفو مع روحه مرارة الشجن الذي رافق موت مدينة حيفا أو بتعبير آخر تمكن اليهود منها.‏

 

يخرج محمد العبد الرحمن من درعا إلى حيفا حرفياً أواخر الثلاثينات ثم يلحق به حسين الجمل الذي يخوض معه تجربة انهيار حيفا وموتها. وتتحول هذه الفترة إلى لحظات عصيبة في مدينة فلسطينية شهدت فترة تعايش العرب واليهود، «فما من بيت عربي إلا وخيم عليه الحزن وحام شبح الموت، بات للشقاء اسم: حيفا» (ص25).‏

يروي حسين الجمل تمسكن (من مسكين) اليهود في حيفا حتى تمكنوا منها وأرغموا أهلها على الهجرة «كان واضحاً أنه حفظ كل الدروس التي تلقنها من شلومو.. حفظ دروسه وتعلم كيف يكرهه. كانت كراهية سلبية لكنها من النوع المعدي، التي يمكن لها أن تنتقل حتى بالوراثة» (ص27).

 

تحفل القصة بحوافز هي وقائع التعايش في مجتمع حيفا حتى الانفصال والهجرة ثم حوافز ـ وقائع ـ الانتقال إلى دير الزور حيث عاش حسين الجمل بقية حياته حزيناً مكلوماً إلى أن عاد في آخر حياته إلى درعا «فقضى بصمت كما عاش بصمت» (ص27). يفرش صلاح دهني المهاد التاريخي لحوافزه فيما نسميه في النقد بالتحفيز الواقعي، أي الذي يتوالى فيه سرد الحوافز ضمن منطلق واقعي صارم لا يخضع لنزوعات المصادفة أو الولع بالتجريب أو انفراج الأخيولة «الفانتازيا»، ومع هذه الأشكال يلازم السرد الشعر ولغة التجنيح والتزويق الجمالي والرؤى التي تعمد إلى تركيب الواقع أو تشويهه ضمن مستويات يصطنعها الكاتب، وقد رافقت مثل هذه النزوعات القصة الحديثة.‏

 

ثمة تحفيز واقعي عند صلاح دهني يعنى بالتفاصيل القابلة للمحاكاة والنمذجة داخل مهاد تاريخي يستوعب فاعلية الأشخاص ضمن الفعالية العامة، لذلك أعاد لنا مناخ الثلاثينيات الفلسطينية أو العربية لا فرق بكل حرقته ومرارته حيث كانت تصاغ آنذاك أسئلة الراهن. وبهذا المعنى تصبح عبارة «حين تموت المدن» دلالة على مصير مأساوي للمدينة العربية ببعدها الوطني والقومي وباتصالها بالاستقلال وقيم التحضر. إنها جذور الهزيمة القومية التي لا تورث إلا الانكسار والخيبة، وكان صرّح بمثل هذه الدلالة في سؤال القصة الأخيرة بقوله: وظلت العائلة أمداً طويلاً تتساءل: «أي لغز ذاك الذي أحاط بحياته الطويلة، وهل كان لقاؤه الخائب مع مجتمع حيفا اليهودي الفتاك، الصدمة الكهربائية القاتلة التي دمرت روحه، وأوقعت البلبلة في حياته، وجعلته يعيش ممحواً صموتاً منفرداً كفرد منهجن» (ص28).‏

 

ويندغم هذا التحفيز الواقعي بلوازمه في التراث السردي كالميل إلى السرد الروائي وتطويل الوصف والعناية بدواخل الشخصيات كما تنطبع عليها العلاقة بموضوع القصة. ومن الواضح أن صلاح دهني قد أورد كثيراً من التفاصيل عن مجتمع حيفا في الثلاثينيات وكثيراً من وصف المشاعر والأحاسيس التي انبثقت من وطأة انهيار حيفا وموتها بيد اليهود مثلما جعل بنيته الواقعية شبكة علاقات تحيل إلى تراكم الدلالات في حرصه على صدق التاريخ.‏

 

أما السمة التي تدعم النسق الحكائي عند صلاح دهني بقوة المعنى فهو النهاية المفتوحة مستفيداً من هذه التقنية التي برع فيها أستاذاً القاص المعروف انطون تشيخوف حين تنفتح الدلالات على واقع زاخر بالتفاصيل وما تحمله من حسّ مأساوي وبما يجعل من القصة تأملاً فاجعاً في المصير الإنساني تحت وطأة حركة التاريخ.‏

 

ثم يتكرر هذا النسق في قصة «الانتقال» التي تتحدث عن واقعة طريفة، ولكنها شديدة الدلالة على الرؤية القاتمة للواقع. تتلخص القصة على النحو التالي: ثمة ركاب أثناء حرب الاستنزاف في سيارة تشق حجب الظلام: مصطفى أبو نبوت وياسر الغزلان وأبو عراج، يثيرون في السرد ذلك التحفيز الواقعي المحمل بالتأملات التي تنظمها الحوافز أو الوحدات القصصية المتتابعة. لقد تلقى مصطفى أبو نبوت برقية من مستشفى الأمراض العصبية في دوما أن أخاه يوسف المجنون قد مات، وعليه أن يحضر بالسرعة القصوى لاستلام الجثة. وبينما السيارة تمضي بركابها من درعا إلى المستشفى يتذكر مصطفى مع زميليه معاناة المجانين بوصفها معاناة حياة تمتد إلى خارج مستشفى المجانين.‏

 

تتحدث هذه القصة عن الانتقال من موضوعة بسيطة إلى نقد شامل لما يشين الكرامة الإنسانية، وهكذا أصبح الانتقال بالميت سبيلاً إلى تطهير «جيوب العلل والأدران وهزّ سكونية المجتمع». (ص51-52).‏

وهكذا، مازج صلاح دهني بين التأملات الوجدانية العميقة وتأثيرها الباهظ في أسئلة الحياة نفسها. إن القصة تحفل بالانتقاد الاجتماعي لعمل مؤسسات مختلفة، وقد أفلح في أن يجاوز نقده حدود التنفيس المباشر عن كرب طارئ أو الضغوط اليومية إلى تعرية الفساد وتحليل السلوك الشرير.‏

 

ويتجلى إنجاز صلاح دهني القصصي في مجموعته الثالثة، على أنها قصص واقعية بيد صناع وماهر وقد تناول موضوعاته الاجتماعية والإنسانية بنبض إنساني وأخلاقي نادر.‏

 

ينفتح السرد في قصة «الصوت» على فيض أسئلة المستقبل إزاء مرارة الحياة، فثمة ازدحام شديد في حافلة، وشغل الرجل بامرأة شابة، وداهمه إحساس قاهر بالمحاصرة:‏

«أمداً طويلاً مكثتُ محاصراً ضمن تلك الجدران القذرة، يستوي عندي الليل والنهار، مع إشراقة كل فجر يلوح من بعض الشقوق، يفيض القلب بأمل جديد لا يلبث أن يخيب. فكل النهارات وكل الليالي متشابهة، كلها تبعث على اليأس، تقتل ما كان في النفس نبضة فرح وتفجر عزيمة، لا شيء سوى صوت السجان أو ضجة المفتاح الضخم يولج في الباب وقرقعة صحن الطعام الهزيل وكيلة الماء. مضحك. أنا مضحك. لا زالت ذكرى تلك الأيام السود عالقة في الذهن. عذاب الذات، سوطُ الجسد والروح، الخوف، دوماً الخوف» (ص8-9 ربّما.. غداً).‏

 

وقد أثار في ضغوط محاصرته ذكرى سجنه وعذابه في الزنزانة وتداخل صور الماضي مع صور الحاضر، ثم غفت الشابة وتدحرج رأسها إلى كتفه، وهو يتأمل القاعدين والوافدين إثر التوقف في استراحة النواعير بحماه حيث انغلق الصمت عليه «مثل جثة في مقر ماء عميق» (ص12 ـ ربما غداً). وتمنى لو رافقته زوجته هيفاء خلل اندياح صور الماضي المؤسية الباعثة على الشجن من السجن إلى مواساة سعيد له، مثلما واسته هيفاء فلا «يقدر أحد مثل هيفاء على مواساتي وتهدئة أعصابي. لكن قبل هيفاء كان هنالك سعيد» (ص15، ربما غداً).‏

 

ووصف مداهمته وصحبه: «وفي نوع من الوجد الرباني وجد الإنسان المنتصر الذي نهض بواجب مهمته خير نهوض يسلمني رجل الأمن إلى زبانية يودعونني السجن» (ص16).‏

 

وتفاقمت الضغوط على روحه وجسده حتى قرر أنه سينتحر في زنزانته، وأنه وقع على أداة الانتحار: «شظية زجاج أو بلاستيك قاسية وجدتها في التربة البليلة» (ص17، ربما غداً).‏

وظل الوجع لا يطاق، فهو لم يرتكب أية جريمة، وغادره زميله سعيد ولم يعد، ولبث وحيداً حياً ميتاً ضائعاً طريحاً» (ص18، ربما غداً)، مما زاد من وطأة عذابه، فهفا للعودة إلى الظلمة والتشبث بها، «أريد ألا أرى أي شيء، أي إنسان، أي إنسان» (ص18، ربما غداً).‏

 

وابتسم في مرارة، فقد توالت الأسئلة والأجوبة وتداخلت، وها قد اجتاز مرحلة الصمت، و«صار برزخاً فاغراً كأنه كلام» (ص19، ربما غداً).‏

تتعدد موضوعات صلاح دهني، ولكنها على وجه العموم تندرج في الدفاع عن قيم الحياة المهددة باستمرار. وترتفع المقدرة الحكائية في كثير من القصص إلى استيعاب شامل لعلاقة الإنسان بالطبيعة والكائنات من جهة، وإلى رؤى واقعية لصراع الحياة مع عوامل العدوان الداخلية والخارجية من جهة أخرى، ولعل الإشارة إلى قصصه أو حكاياته عن حرب تشرين مثال طيب لذلك الاتجاه الثاني ومثلها قصته اللطيفة «معركة بلاد البرغال» حين يهرب الإنسان من حرب ليست حربه، وهذه هي روح المقاومة.‏

 

وأثار دهني في قصة «المعلم» ضنى انتماء المعلم القومي العربي وسط معاناته وألمه وهو يحبّ تلاميذه، وينادي فيهم رجاء أن يعوا بمكانتهم عرباً يواجهون وهن عزيمتهم القومية فمن «جهة أخرى كان يقول للتلاميذ، بل كان يخطب فيهم وعلى لسانه تتردد كلمة: عرب باستمرار. هكذا نحن العرب أو ما هكذا ينجح العرب أو من غير المستغرب على العرب أن..» (ص29 ـ ربما غداً).‏

 

ويتجه دهني في قصة «أمي» إلى استثارة الدواخل الإنسانية لدى معاناتها القاسية في محيطها الاجتماعي ودواعي الالتزام الأخلاقي على الرغم من ضنك العيش ومتطلباته الدائمة، فقد وصف البيت القديم في حيه وبين أناسه، واستعاد ذكريات والده القائمقام ووعوده بأن يغدو متصرفاً على حوران ثم صرفه من الخدمة فجأة، وعزم على مشاركة أخيه في تجارة الحبوب، وآلت الحال إلى شكوى وتغير في سلوك الأب الذي صار يضرب الأم، وموافقته على طلاق الأم ورجاء الأولاد ألا يفعل، و«مضى زمن طويل طويل. لكن ذكرى تلك الساعة لم تبارحني وظلت حيّة ورغم الحقب التي انقضت، وفي كل مرة تلوح في خاطري، تعاودني القشعريرة ذاتها. على أن الحادثة لم تمر دون أن تخلّف أثراً عميقاً. فقد منحتنا، أنا وأختي وأخوينا الآخرين ثقة قوية بالنفس، وجعلت والدينا نفسيهما يؤمنان بأن عُرى الروح لا يمكن لها أن تنفصم بسبب نزوة أو بداعي غضب» (ص40 ـ ربما غداً).‏

 

ويستحضر دهني جوانب من ذكريات الطفولة وما تركته من آثار ضاغطة على الوجدان لصيقة بالسيرة الشخصية، غير أن الراوي الغائب العارف والمضمر يوحي بدلالات عميقة عن هذه الآثار وقد صارت إلى قيم باقية واصفة لعناء العيش ومعضلة الوجود وسط اشتراطات التربية القاسية، وتندرج قصة «نزهة» في هذا المدى السيري الحافل بتقاطعات احتباس الرؤى الإنسانية داخل الإحساس المأساوي بالحياة، فعاد الراوي إلى استحضار وصف بيت متصرف حوران وحديقة حيواناته والدار الأخرى، وهي «دار أمين الباشاوي، قائد جندرمة درعا أيام الانتداب الفرنسي التي جعلت الطريق المحاذية لها منتزه العائلات بدلاً من الطريق المعبدة أمام بيت المتصرف؛ فحيواناتها مؤتلفة وأنيسة، يخدمها فتى زنجي جيء به من قرية جلين القريبة التي استوطنتها عشائر نزحت إليها في عصر منسي انقضى من جنوبي السودان» (ص43-44).‏

 

وقد التمّ شمل فتية ثلاثة من أبناء الموظفين رفاق المدرسة الابتدائية، ولا يزيد عمر أكبرهم عن إحدى عشرة سنة أمام حديقة قائد الجندرمة، وتعوّدوا على اللقاء هناك بصفرة متعارف عليها ليلتحق صافي الباشاوي ابن ذلك القائد، ثم يمضون فرحين باتجاه وادي الزيدي حيث المشهد الساحر وهم يقضون أوقاتهم الممتعة عند طرف مجرى الوادي. واقترب فجأة منهم كلب ضال، وأفلح الزنجي مع كلبه في أن يولي هذا الكلب «الأدبار هارباً، وهو يرسل عواء الهزيمة المتقطع والمتفجع تلاحقه قذائف مسعود» (ص46).‏

 

وتناول الأولاد أفكارهم وتهيأوا للغطس في ماء البركة، ثم استنجد مسعود بهم أن ينقذوه من الغرق دون جدوى، وتعذر ذلك عليهم، لأنهم لا يعرفون السباحة. «عند ذاك انفجر الأولاد الثلاثة الآخرون صائحين نائحين باكين بأعلى أصواتهم وقد قفّت شعورهم وانتابهم فزع عظيم، فأخذوا يرتجفون كما لو كانوا يعانون من لسع برد قارس» (ص50).‏

 

وتراكمت الأحزان إلى حدّ الفجيعة إذ غرق فلاح أيضاً على الرغم من محاولة أحد الشباب أن ينقذه دون جدوى، وأقبلت السلطة وحسمت الموقف، «فحال رجال الدرك دون الناس والاقتراب من البركة المسحورة بأية حال بانتظار الأوامر» (ص51). وكشف حال هذه البركة المرعبة، «فأرضها رملية رجراجة. كلما غرز فيها سابح قدماً ليخلّص سابقتها من قبضة الرمل ازدادت القدمان غوصاً، فما من خلاص. إنه الموت المحتم» (ص51).‏

ويتعالق المغزى مع عتبة العنوان السردية «نزهة» على سبيل المفارقة والتبدل الدلالي، فقد غطّس الموت فضاء النزهة الممتع والمريح بالبكاء:‏

«كان يوماً ربيعياً بديعاً أفسدته هذه الحادثة المؤسفة» (ص52).‏

 

وباشر دهني تعبيره السردي عن مواجع الذات والإحساس الفاجع المأساوي بالحياة في قصته «حياة مرّة» مازجاً تداعيات الاجتماعي بمضاعفات الطبيعي، فثمة قدرية مروعة لا خيار في مواجهتها نجم عنها عذاب أسرة بكاملها، فقد وقعت الأعباء على الأم النحيلة «فتحريك جثة (ابنها) تزن مئة وثلاثين كيلو ليست بالعملية السهلة» (ص55).‏

 

وهي حالة عصيبة مست الصبي إثر نوبة موجعة ومدمرة نشرت الرعب في المنزل كله: «مضت ربع ساعة، هي الأبد كله، قبل أن يهدأ الجسد الطفل، وتعود العينان اللتان جحظتا إلى محجريهما، وتستكين الأطراف، وتتفكك الأسنان عن اللسان المتورم» (ص56).‏

 

ولطالما واجه أبناء الأسرة هذه المخاوف التي تقارب القدرية، وتذكر الراوي الأذى أيضاً عندما سبحوا، ورأى أفعى مائية تسبح في النهر، وتتجه بخط مستقيم نحو أخيه «الذي ما إن رأى الأفعى حتى صرخ صرخة مهولة لابدّ أنها سُمعت على بعد مئات الأمتار» (ص57).‏

ولازمت النوبة أخاه، والأسرة مقهورة وعاجزة أمام هذه القدرية الفاجعة وأصبحت الأسرة «على يقين بأن المرض غير عادي، وتوجب أن يعود طبيب الناحية، ويرى أخي خلال النوبة لكي يشهد بأنها نوبة صرع» (ص58).‏

 

و«صارت حياة أمنا كلها وحياتنا جميعاً توقعاً بتوقع وانتظاراً تحسباً لما سيأتي به الليل» (ص58).‏

ونجح الأب في عمله الإداري بينما عمت الكبار والصغار بلوى عظيمة، و«انتهت بفرز إنسان مريض وعاجز ومعطل في العائلة» (ص59).‏

وغُمر الراوي بتفاصيل اللقاء مع الأطباء، و«الشقيق لم يشفَ» (ص59)، وأشار الراوي إلى القرينة الدالة على قدرية ما يجري: «المهم أننا بتنا كباراً وصغاراً نعيش على رهان عجيب، الطرف الآخر فيه هو القدر» (ص60).‏

وبقيت الأم معه وحدها بعد وفاة الأب وزواج الأخوة، غير أن الذكريات الطافحة بهول المصاب لا تفارق الراوي الأخ، حين أوكل شأن أخيه المريض إليه وهو الأصغر، ثم لجأت الأسرة إلى شيخ عرّاف مغربي ليجدوا أنفسهم يقفون «تحت براثن دّجال من نوع آخر» (ص64).‏

وتراكمت المصائب على الأسرة، ولم تنفع محاولات إدغام الأخ المريض بالحياة من خلال الجندية أو العمل أو الزواج، ولا شيء سوى عذاب الأسرة والأم:‏

«وبقي أمام عيني أمي وحده، عنواناً حياً لكلّ الآلام الكبرى والمشقات التي تحملتها. وما انفكت تعتني به بعد أن شاخ وطعنت هي في السن، تحمل له القهوة والشاي والطعام إلى حيث يبرك على كرسي الشرفة صيفاً أو على أرض غرفة المعيشة شتاء. تعمل من أجله راضية، صموتاً، وقد رانت السكينة التي تمنحها السن والأوصاب السالفة على قلبها المعذب الكبير» (ص66).‏

 

وجعل دهني الذكرى مبعث الأنس في قصة «فرات»، فليس يمنح الدفء واللفة إزاء حصار الغم والكآبة مثل فيض الذكريات المريح، ألفة إزاء حصار الغم والكآبة مثل فيض الذكريات المريح، فقد عانى خليل الصراف من إدارته في دمشق حين قرروا نقل مقر عمله إلى دير الزور «كأنما أريد من إبعاده عن العاصمة ألا يحول بينه وبينها أقل من صحراء برمتها» (ص69)، فنُقل مصنفاً في مكتبة المركز الثقافي بدير الزور نفياً ثم يلتقي بزميل دراسته المدعو حافظ المحمود، ويقترح عليه حافظ زيارة بيت «الأخوي» الذي يعيش مع ابنته الوحيدة «فرات»، فدخلا غرفة الضيافة، وعمد الراوي إلى الخروج بحجة غسل يديه ليراها عارية تمارس طقوساً، إذ رأى فراتاً «رؤية معبدية لفتاة في كامل عُريها ينتصب جسدها على ركبتين مثنيتين، وترتفع ذراعاها فوق وجه منتشٍ. صورة راقصة هندية في هيكل صلاة أو امرأة تبتهل تناجي آلهة في آخر مدى الحلم، أو جنية متجسدة من حكايا ألف ليلة وليلة» (ص75).‏

 

وأضاف الراوي إلى وصف فرات جاذبية صوفية مطلقة عن تماهي هذه المرأة مع بهاء الطبيعة ووهج الوجود:‏

«كأنه ما كانت، فإنها حتماً فرات تذوب في وجد الأزل، وتقتر ن في وحدتها على أنغام موسيقا سحرية مع عريسها ملك مملكة ماري القريبة فتجمع القلوب، وتوحّد القبائل» (ص75).‏

غدا خليل الصراف مسكوناً بفرات، وغلبهُ أرق استحضارها الدائم، وأرهقته هواجس تخييلها «رشيقة كشجرة، حارة كفجر صيفي» (ص76)، واستبد به حال الهيام بها إذ لا يفارقه شجن ترائيها:‏

«وبي رغبة جارفة لأن ألقاها ثانية وثالثة... هي بالتأكيد مسحورة وأنا أرزح تحت سحرها. أتصدق؟» (ص77~).‏

وسعى خليل الصراف لتحنان اللقاء بها على الرغم من إبلاغه عن إعادته إلى عمله الأصلي بدمشق، لأن التفتيش لم يكتشف أي تقصير أو تجاوز في عمله الوظيفي، فقد أثار التعلق بها مأساة وجوده وحيداً متألماً:‏

«ما باله ينساق في هوى طوباوي يائس أملته ظروف وحدته.. هوى خيالي أقل ما يقال فيه إنه لا يزيد عن تعويض نفسي لنفيه وخيبته يحتال به ضميره عليه، ليعينه على ملء فراغ حياته وخواء نفسه» (ص80).‏

 

وأفصح خليل عن لبوس التعلق بفرات خلل مدى شديد الوطأة على روحه وهو يكابد العزلة والانفراد: «لا يمكن أن يكون في الدنيا من هو أكثر مني عناء وشقاء» (ص81). والأمر كلّه لا يعني توق اللقاء بها بل إثارة صورتها المدهشة لإحساسه المأساوي بالحياة تحت وطأة اغترابه دون مسوغات، فقد رآها إلى جانب أبيها على ضفاف النهر، وتلك هي حاله الحقيقية مثلما يتأملها موجوعاً:‏

«كانت تلك بلا ريب فرات... فرات الغموض، الرؤيا، الهاجس، التي لا تعرف له شكلاً ولا صورة، بل لعلها لم تسمع عنه قط، ولا درت بوجوده، ولا سمعت باسمه، فيما هو مسحور بها أو كالمسحور» (ص81).‏

 

لقد صارت صورة فرات على سبيل ترائيها الدائم عزاء لاغترابه هناك: «بات يشعر أنه لن يكون وحيداً معزولاً، من بعد، في المدينة الصحراوية البعيدة» (ص82).‏

يمدّ دهني في قصصه المعنى الظاهر أو المباشر إلى أعماقه في رؤى أشمل لمشكلات الوجود واشتراطات التاريخي، فلا افتراق بينهما، فثمة ظلم مدمر من تهديم الصهاينة لبيوت الفلسطينيين في قصة «في عتمة الليل» لعل فرج الخلاص من الاحتلال الصهيوني وإرهابه قريب، وثمة معاينة لآلام السجن السياسي في قصة «غياب»، وثمة مضاعفات لعذاب وقائع الحياة في قرية تحكمها سلطة محلية متساندة مع سلطة أجنبية في قصة «محمود بيك»، وثمة ابتعاث لقيم المقاومة في بيروت التي «تموت وتقاوم الطواغيت والكهان الملوثين» (ص149) في قصة «بيروت ما بعد»، وثمة حكايات لا تنتهي عن موتى يغادرون واستمرار الإحساس المأساوي بالحياة ووساوس عن قبر والد الراوي وقبره بعد عمر طويل في قصة «المقبرة»:‏

 

«وإذا كان البنيان العشوائي يكتسح المقبرة، هل سأجد لنفسي إذا ما مت موقعاً إلى جوار قبر أبي آنس إليه ويأنس إليّ. وساوس ليل كانت تنجلي في الصباح مع صياح الديك وانبلاج الفجر واستقبال يوم جديد» (ص170).‏

إن صلاح دهني قصاص بارع ذو رؤية نفاذة للمعوقات التي تقتل الروح أو تفضي إلى معاني الإحساس المأساوي بالحياة.‏

 

4-قصص وهيب سراي الدين: احتضان القضايا الاجتماعية والقومية‏

كانت العادة أن يزاوج الكتاب بين كتابتهم للقصة القصيرة والرواية، أو أن يتجهوا إلى كتابة الرواية بعد مراس طويل مع كتابة القصة القصيرة، وتكاد أن تكون هذه السمة ظاهرة في التجربة الأدبية في سورية، كما هو الحال مع ألفة الأدلبي وناديا خوست وأديب نحوي وعادل أبو شنب وعبد العزيز هلال وكثيرين غيرهم، غير أن وهيب سراي الدين التفت إلى كتابة القصة القصيرة، وخلفه عدد من الروايات المنشورة والمخطوطة، مما يشير إلى طوابع كتابته السردية والقصصية الأميل إلى السرد الروائي.‏

 

بدأ سراي الدين الكتابة روائياً عام 1965 بروايته «قرية رمان»، ثم ثوقف فترة من الزمن عن الكتابة، ليصدر عام 1978 روايته الثانية «حفنة تراب على نهر جغجغ»، وكان في حوزته آنذاك أكثر من رواية مخطوطة، ومنها رواياته «الرجل والزنزانة» (التي ظهرت عام 1988)، و«سلاماً ياظهر الجبل» (ظهرت عام 1991)، و«المهندسون» (ظهرت عام 1994)، أي أن عنايته بالتاريخ كانت غالبة على كتابته، لأن الرواية فن سردي وقصصي لصيق بالتاريخ ورؤاه العميقة، وكان سراي الدين باشر هذه الرؤى مهموماً بالقضايا الاجتماعية، كما في غالبية رواياته، وبالقضايا الوطنية والقومية، كما في روايته المتميزة في تعبيرها عن الجولان والاحتلال الصهيوني له «الرجل والزنزانة».‏

 

ومن الواضح، أن سراي الدين وجد في الكتابة سبيلاً لإعلان تفكيره السياسي والاجتماعي، فقد انغمس في فعاليته السياسية والاجتماعية زمناً طويلاً، لم يصدر خلاله إلا روايته اليتيمة والبسيطة «قرية رمان»، وهي نوع من مباشرة التفكير في القضية الاجتماعية، ثم انغمر سراي الدين بالكتابة تعويضاً عن هذه الفعالية، تأملاً في واقع الحال ومآله ومصائره، قراءة للتاريخ أو استحضاراً له في روايات القضية القومية والوطنية، ولا سيما «الرجل والزنزانة»، و«اشتقاقات الفصل الأخير» (1995)، أو إعمالاً للرؤية في الراهن الاجتماعي، كما هو الحال مع بقية رواياته.‏

 

على أن تفكير سراي الدين بالقضايا الاجتماعية والوطنية والقومية سيلّون تفكيره بالكتابة القصصية، وسيشغل القصة القصيرة بتبعات هذا التفكير(2)، إلحاحاً على الموضوع التي سينوء تحت وطأته هذا الفن الرهيف الوجيز الذي يتأبى على الشروح وضغوط الخطاب المباشر، فصارت القصة القصيرة عنده إلى انشغال صريح بموضوع اجتماعي غالباً، وبموضوع قومي ووطني قليلاً، وهذا جلي في مجموعتيه الأوليين «الرقيق» (1985) و«الحل» (1990). ثم طور سراي الدين في تنويعاته على معالجة الموضوع بأساليب سردية اتجهت أساساً إلى العناية بأغراض القصة، فعني بالتحفيز الواقعي ثم خالطه، فيما تلا، بتحفيز تركيبي على استحياء، ونلحظ ذلك في بعض قصص مجموعته «طائر الكريم» (1993) على وجه الخصوص، أي أن سراي الدين كتب القصة القصيرة بوصفها هوامش لرواياته، فغلب الاهتمام بالموضوع على اشتغاله السردي، وقد تباين هذا الاهتمام من التلميح إلى حد الإبهام، إلى التصريح إلى حدّ المباشرة. إن ثمة عناية بالقول القصصي تفوق جهد الكاتب بالبناء القصصي برمته. غير أن سراي الدين اتكأ على أمرين سرعان ما أدغما هذا القول في بناء القصة، الأول هو المقدرة الحكائية الواضحة، والثاني هو مخيلته الخصيبة المدغمة بثراء لغوي، وإن عانت لغته من تقعرها واستعصائها على السرد في بعض المواقع.‏

 

إن وهيب سراي الدين مهموم بالقضايا الكبرى، الاجتماعية والإنسانية من جهة، والقومية والوطنية من جهة أخرى. ولعلنا نمعن النظر في كتابته القصصية ضمن هذه المحاور:‏

1- الإهداء:‏

أتوقف عند الإهداء، لأنه يعزز الرأي في مدى ضغوط التفكير العقائدي والأخلاقي على وجدان الكاتب، بما يوسع المكان لاعتمال التلقي بحدود الموضوع، ومما يجدر ذكره أن الكاتب وضع إهداء في مجموعاته القصصية خلا الثالثة «طائر الكريم». أهدى وهيب سراي الدين المجموعة الأولى «الرقيق» «إلى الذين ينزفون عرقهم في الكد والعمل. إلى الثائرين على الظلم والاستغلال في الوطن العربي» (ص5).‏

 

ولا يخفى الربط في هذا الإهداء بين البعد الاشتراكي «الراديكالي»، والبعد القومي، أو إلباس البعد الاشتراكي، من خلال تمجيد المنتجين من العمال والفلاحين، اللبوس القومي. ثم يتضح هذا البعد الراديكالي الثوري في إهداء المجموعة الثانية «الحل»:‏

«إلى الفعالين في الحياة الذين يعتمدون على أنفسهم في حل قضاياهم حلاً جذرياً أقدم هذه اللمع» (ص3).‏

 

ولا يخفى أيضاً مباشرة القول القصصي وتنمية الاستعداد لتلقي القصص حين يربط بين عنوان المجموعة القصصية» «الحل»، والنداء المتمثل في الإهداء: «حل قضاياهم حلاً جذرياً». ويغدو الاتجاه إلى حضور الأعراض مباشراً في إهداء المجموعة القصصية الرابعة «العالم في سهرة» (1994)، حين يغدو التعلق بالمثال في مواجهة فقدان العدالة مطلقاً، فقد صار الإهداء إلى أمنية غامضة من شأنها أن تنمي الإحساس بخلل الواقع: «إلى الذين يبددون ظلام هذا العالم» (ص5).‏

ومن الواضح، أن الإهداء، وهو يكاد يكون عبارة واحدة متكررة في مجموعاته كلها، ينادي القيم الاجتماعية والقومية على أنها مثال أو رجاء أو أمل لا بد من قدومه، وإن بعدت الشقة وعتمت الأحوال، لأنه نابع من إيمان مطلق بتفاقم الشرور والمفاسد، ومن إيمان مطلق بمجاوزتها والانتصار عليها، ولعل حضور هذه القيم في أغراض قصصه قصداً صريحاً مما يجعل من الإهداء أشبه بمفتاح، لفكرته عن القصة تعبيراً عن موضوع معزز بقيم الرجاء على مغالبة الصعاب والشدائد، وهي قيم متوشحة بنبرة إنسانية وأخلاقية في كثير من القصص.‏

 

2- العنوان:‏

يتصل عنوان كل مجموعة بقصة، أي أن عنوان المجموعة القصصية هو عنوان قصة بعينها حوتها هذه المجموعة أو تلك، لأن ثمة قصاصين يؤئرون أن يكون عنوان المجموعة القصصية دلالة على قضية مشتركة بين القصص، أو إشارة إلى محتواها، أو إحالة إلى ما يفضي إليه.‏

ونعمد في استنطاق العنوان، إلى فهمه في إطار القصة التي حملها بخاصة. ويشير عنوان المجموعة الأولى «الرقيق» إلى جماعة مغمورة طالما عني بها، هي أن بعض الكادحين رقيق او عبيد، أما هذه الجماعة المغمورة فهم المهاجرون ممن يشكلون جانباً من العمالة العربية في بعض البلدان العربية، وقد وسع إطار جماعته المغمورة التي تعاني ضنك العيش من هؤلاء المهاجرين، إلى أمثالهم البؤساء المظلومين تحت طاحونة التباين الاجتماعي والفقر المادي والروحي.‏

ويتجه العنوان في المجموعة الثانية «الحل» إلى تلمس الحل لمشكلات جماعته المغمورة التي اتسعت لتشمل فئات أخرى من الكادحين والمظلومين اجتماعياً وقومياً، إذ يتضح بجلاء، منذ هذه المجموعة، اندغام البعد الاجتماعي بالبعد القومي والوطني، واتحاد نداء العدالة بسبب استشراء الظلم من المستغلين (بكسر الغين)المتخمين، ومن المحتلين، وهناك دائماً حل في قصص هذه المجموعة في الافتداء ضد الاقطاع وضد المحتل، وفي التوحد بالحب كما في قصة «الحل» نفسها، أو التوحد بالأرض في قصص أخرى.‏

 

ويحيل عنوان المجموعة الثالثة «طائر الكريم» إلى دلالة شعائرية أو طقسية في المعتقد الشعبي، فطائر الكريم هو طائر مبارك، غير أن ذلك سرعان ما يداخله الوهم، ولاحقيقة إلا فعل المقاومة ووعي الراهن لمجاوزته.‏

 

أما عنوان المجموعة الرابعة «العالم في سهرة» فيشير إلى وفرة العناصر الأخيولية «الفانتازية» في كتابته القصصية، وهي عناصر كانت خالطت بعض قصص مجموعته الثالثة، ولعلها توحي بذلك القدر المحدود من حرية الالتزام بموضوع معين، أو الالتزام بإظهار القصد الذي يسعى إليه غرض السرد، ففي القصة التي تحمل عنوان المجموعة ثمة رجل وامرأة يسهران ويخرجان عن طورهما في عالم غرائبي يسبح في الافتراضات ومعاينة المشاعر والأفكار، حتى اللغة تبدو أكثر حرية في مقاربة العلائق الإنسانية المشبوبة والغامضة حين ينخرط الأثنان في الحفلة التنكرية، وينغمران في حرية غير مشروطة ماداما في غير ثيابهما.‏

 

3- فهم القصة القصيرة:‏

يميل سراي الدين، كما أشرنا، إلى السرد الروائي، ولكنه مالبث، في قصصه التالية، يقترب من السرد الوجيز المكثف عبر تنويع أدواته الحكائية، وتنويع استعماله للحوافز (الوحدات القصصية الصغرى)، وهذا هو الفارق بين قصة «الرقيق» وقصة «العالم في سهرة». في القصة الأولى يبدأ الكاتب بمباشرة قصده تمهيداً لجعل القصة برمتها مداراً لغرضه، وهو إدانة أمثال أبي سحيم ممن يستغلون جهد العمالة العربية إلى آخر رمق، ويحولونهم إلى أدنى من «الرقيق» أو العبيد، على أن هذا القصد يُحكى عنه، ولاينبثق من المتن الحكائي. إننا نسمع حوارات عالية وصاخبة عن الوضعية البائسة، وشارحة لعملية الاستغلال المستمرة لهؤلاء الرقيق. يخمل التحفيز الواقعي إلى سرد طويل عماده الحوار، دون الوصف، ودون التعليل الذي يضيء التنامي الفعلي (التحفيز)، بل أن القاص-الراوي العارف لا يعنى بدواخل الشخصيات بالقدر الذي يستظهر لغة مقعرة أو إحالات ثقافية معمقة مثل:‏

«ذهن البشرية يئن. يرتجف. يرزح تحت الثقل. بخ، بخ، يالدورة الحضارة!»‏

«الرقيق كلمة. الكلمة إنسان. الإنسان قطعة مصنوعة من اللحم والعظم قابلة للبيع والشراء. قطعة نقود قابلة للتداول» (ص13).‏

 

«أف! تعود الكلمة للتداول. تقضقض حجارة التاريخ. تهزّ جدران الأرض!‏

منذ أكثر من ألفي سنة «سقراط» احترم القانون وأطاعه. نفذ أوامره «المقدسة»، وجرع السم». (ص14)‏

«الخوف يغلق باب الحوار. الأولاد زغب الحواصل. عصافير مفتوحة الحلوق. والنساء مصانع لـ فبركة الأطفال. يعاسيبب يقبعن في المنازل. والرجال عاملات نحل. عليهم الشغل خارج المنزل. وعليهم السفر» (ص16).‏

«وشر البلية مايضحك، كما يقول المثل. أو تبلد الطبع مايضحك، كما يقول سنيكا فيلسوف العبيد القديم: أتحدى بجسمي كل عذاب العالم طالما الموت سوف يحضنه في النهاية. عبد رقيق، استعان على سيده بالموت. ثاناتوس هو المخلص» (ص17).. الخ .‏

 

بينما يدخل المتن الحكائي في القصة الثانية «العالم في سهرة» في طقسه الأخيولي الفانتازي الذي يخرج عن المنطق، ليصوغ من خلال الفن منطقه الخاص. يلجأ الكاتب إلى الحد الأقصى للراوي، وهو الضمير المتكلم الذي يبدأ لعبة مراودة القول، إذ بعد أن رأى في امرأته حبيبة جميلة جداً، وأنه متألق بوجودها، وأنها سقف العالم وأوسع من جنته، يشعر، وهي معه، «أن العالم يضيق علينا» (ص79)، فتمازجه الغيرة، ورغبة الخروج، أو هو الوقوع بين نارين، وتقترح عليه سهرة توقاً إلى الحرية. فما كان منهما إلا اللجوء إلى حل وسط، وهو ارتداء اللباس التنكري، ومضيا إلى الكرنفال امعاناً في مراودة فعل الحرية الذي لابّد منه حلاً للخروج من نار تجربة الغيرة، أو نار انحباس المكان. وهكذا، وفرت لهما لعبة الأخيولة أو الفانتازيا استعذاب البوح والاندماج في فضاء مختلف. ثم اتسع السحر والحبور تحت جنح غبشة الأنوار الخافتة إلى أن أشرق نور الصباح، فداهمتهما خشية أن يراهما أحد. إنها مراودة فعل الحرية في نسق حكائي مفعم بالإيحاءات دخولاً في هذا اللعبة الجذابة التي تستعصي على مباشرة القول.‏

 

لقد طور وهيب سراي الدين فهمه للقصة القصيرة كثيراً خلال عقد من الزمن، ويتبدى هذا التطور في التقليل من ضغوط الموضوع ولوازمه الكثيرة مثل الاستعراض الثقافي واللغة الوعظية وشهوة الالتزام الباذخة والنزعة الميلودرامية في عرض مشكلات جماعته المغمورة التي تصل إلى حّد الميوعة العاطفية طلباً للتعاطف، ومثال ذلك قصته «عملية حسابية» من مجموعته «الرقيق»، وهي تتحدث عن فقير محتاج يرمي نفسه أمام سيارة ثري للحصول على ثمن دمه، ويحسب الحصيلة على هذا النحو:‏

«فكر السائق وهو يخترق الحارات والجادات القديمة: هذا المبلغ تعويض حلال للرجل. يغنيه عن نفقات عملية جراحية. طراد السالم بجانبه، فكر بعملية حسابية 4000 ليرة سورية - 500 ليرة سورية ثمن كيلو من الدم = 3500 ليرة، وهو الربح الصافي لهذا اليوم» (ص29).‏

 

ويتبدى التطور أيضاً في التقليل من التنازع الأسلوبي والركون إلى كتابة قصصية تعتمد التحفيز الواقعي عبر انتظام الحوافز في نسق حكائي شديد الاقتصاد، ينفي مع مقدرته الواضحة على الإيحاء، المصادفة سعياً إلى نمذجة لاتخفى للعلاقات الإنسانية في تعبيرها عن الدلالات المنشودة. ولعل قصة «الرجفان» من مجموعة «طائر الكريم» تشي بمثل هذا التطور، إذ ينغمر النسق الحكائي بنبرة صوفية دعوة للعودة إلى الذات، وإذ ينتقل التحفيز إلى مستوى تركيبي، شفاف، ليطلع القول القصصي من داخل السرد:‏

«وفي نهاية المطاف حلت لحظة تشبه لحظات الصحو الخارقة الفائقة، فانقدح زناد الشك في النفوس المسترحمة، خيل إليهم أن الريح التي كانت توحوح حولهم، تقول لهم:‏

- عودوا إلى ذواتكم..» (ص46)‏

 

4- خصائص فنية:‏

يثري وهيب سراي الدين كتابته القصصية، بخصائص فنية محددة، لعل في مقدمتها ميله إلى السخرية والتهكم، عبر اختيار نموذج بشري يتعرض، بالدرجة الأولي، لمشكلات اجتماعية أو يومية، قاصداً إلى النقد، كما هو الحال مع بعض قصص «الرقيق»، مثل قصة «الرجل الذي ثقل وزنه» حين تبلغ السخرية المريرة مداها من النهم والتخمة والسمنة، أو قصة «الصكاك»، فقد باع الرجل أثاث بيته ليشتري «فيزا» من الصكاك، ولكن الأخير فرّ بالنقود. ويرتقي بالسخرية إلى مدار تهكمي لافت للنظر لفظياً أو معنوياً. لنلاحظ تقليب الألفاظ إمعاناً في السخرية:‏

«يا جماعة. أتى الصكاك من بلدته صكاكة. حيوه، ورحبوا به ترحيباً عظيماً. جأر المختار بأهل القرية:‏

ـ عاش الصكاك عاش. عاشت صكاكة عاشت. رددت الجموع المحتشدة في المظاهرة وراءه!» (ص9).‏

 

وللتهكم المستند إلى خلل المعنى أمثلة كثيرة كما هو الحال مع قصة «متقاعد» من مجموعة «الرقيق»، والقصة تتحدث عن متقاعد يثير الشغب مع شريكه مما يثير حفيظة هذا الشريك، ويضطره إلى اتخاذ قرار بإحالته إلى التقاعد ثانية.‏

 

ويتخلل التهكم بناء القصة كله، حيث يرتهن المنظور السردي بمبالغة السرد. لقد حلت البركة لحلول «طائر الكريم» لدى أهل البيت والجيران، ولكن القط عنبر لا يرضيه ما يرى من إحاطة الاهتمام بالطائر، فيقضي عليه.‏

 

ولا يختلف الأمر عن قصة «الجائزة» من المجموعة إياها، إذ فاز بجائزة معرض العنب فلاح أتلف الطقس محصول حقله، ولم يبق منه إلا عنقود واحد وزنه خمسة عشر كيلو غراماً من النوع البلدي. على أن جهد هذا الفلاح الذي قام بعملية التزييف، ينصرف إلى العلاقات العامة ليضمن فوزه، وكان هدر أمواله وأموال المهاجر في شراء سيارة «ليتغندر بها» كما علق بعضهم. وهكذا، فاز بالجائزة، وهي جرار زراعي من نوع يونيفرسال، بقيمة مائة وخمسين ألف ليرة.‏

 

يعتمد سراي الدين في تهكمه على السخرية لا الاستهزاء، فلا تتضمن قصصه احتقاراً لشخوصه أو لأفعالها، بل يقصد من العبارة معناها المفارق أو المضاد، وغالباً ما يندرج هذا التهكم في تقوية عنصر المفارقة، بما هي تناقض بين المبنى والمعنى، بين اللفظ والدلالة، بين ظاهر العبارة وقصدها.‏

 

ثمة مستويات للسخرية والتهكم من اللغة واستخدامها الثرّ، إلى المستوى العميق للمفارقة، فتبدو السخرية في حدود بسيطة، كما في قصتي «المسافر» و«المزدوج» من مجموعة «الرقيق». يسخر في قصة «المسافر» من الحاجة إلى السفر، ويكتب:‏

«الكلية لايكا سافرت. والمرأة فالانتينا تيرشكوفا سافرت. والرجل ارمسترونغ سافر، وداس رمال القمر» (ص55)‏

ويستعمل اللغة للسخرية أيضاً في قصة «المزدوج»، كما في تعبيره عن قصر النظر:‏

«فاق في عينه اليمنى زرقاء العرب. وفاق في عينه اليسرى ميدوزا اليونان» (ص52)‏

بينما تبلغ السخرية مستوى المفارقة حين يستجدي المزدوج، وهو المبصر، الذي له قوة البصر التي أشار إليها، أحد المارة:‏

«- من فضلك، قدني إلى بيتي» (ص54).‏

ويظهر أسلوب التهكم خالصاً أحياناً كما في قصة «عناد» من مجموعة «طائر الكريم»، وهي عن عنيد ينهي عناد حمار!‏

إن النزعة التبسيطية في قصص سراي الدين وافرة، ومثالها قصتا «المزدوج»، و«المهندس» من مجموعة «الرقيق» وقصتا «الذي رفع العمدة»، و«حوار خارج حدود الزمن» من مجموعة «طائر الكريم»؛ على أن سراي الدين يبلغ ذراه في القصص التي تفلح «المفارقة» فيها بإظهار ذلك التناقض بأشكال متعددة. في قصة «البحتري يبكي» من مجموعة «الرقيق» تبدو المفارقة مضمرة في أن الحصان يبكي على حال الأمة عندما يبكي فقد فارسه في بلد الغربة. أما قصة «طائف ليلي» من مجموعة «العالم في سهرة» فهي عن حلم يدعوه إلى الطيران، ثم يستيقظ من هول هذه التجربة.‏

وثمة مثال لمفارقة بعيدة المنال في قصة «البحث عن ذلك الرجل» من مجموعة «الرقيق». ولعل قصة «المجلخ» مثال للمفارقة العميقة في إثارة أسئلة السرد، فقد أدهشه المجلخ، وعندما حاول معرفة سره، تصيبه الخيبة، وكأن عمراً مديداً مرّ، وهو في ذهوله.‏

 

5- الموضوع الاجتماعي:‏

لعل الموضوع الاجتماعي هو الغالب على كتابة وهيب سراي الدين، وبخاصة في مجموعتيه «الرقيق» و«الحل»، وبلغت العناية به أن غدا تحكمية سابقة على التجربة القصصية، على أن هذه التحكمية تعبير عن فكرة الالتزام بالقضايا الاجتماعية الكبرى. وقد اختار سراي الدين، مثل معظم القصاصين، في إطار الفهم التقليدي السائد للقصة القصيرة، جماعة مغمورة يتحدث عنها، ويصور مشكلاتها وقسوة الحياة التي تهدد وجودهم. تألفت جماعته المغمورة من العمال والفلاحين، بالمفهوم الواسع، وإن انطلق من فئة عمال الباطون، ولا سيما المهاجرون منهم ضمن العمالة العربية في البلدان العربية، وهذا واضح في قصتي «الرقيق» و«الصكاك»، بل إن الحماسة عند سراي الدين بلغت حدها الأقصى في أن جماعته المغمورة تواجه منتهى الغبن، وأن مآسيهم من آثار اختلال العدالة في العالم؛ حين أطلق، في بعض الأحيان، عبارات من أمثال الظلم وفقدان العدالة. ثم رأى سراي الدين أن هذا الوضع الذي تنتفي فيه إنسانية جماعته المغمورة، كونهم رقيقاً يفتقرون إلى أبسط شروط المساواة، لا يمنعهم من حلم السفر أو الهجرة لأن يكونوا من هذه العمالة العربية المظلومة، كما في قصة «المسافر»، من مجموعته «الرقيق». إنه يمني هؤلاء وأمثالهم بالسفر، ويتوهمون الأمل دون جدوى. تبدأ القصة بتمني السفر: «هي سافر، يا أبا حسان. جدد سنيك الخمسين. لا تخمل. المياه المسافرة ـ المتحركة ـ تصفو وتنقى. والمياه التي لا تسافر ـ الساكنة ـ تزنخ وتأسن، في مكانها» (ص55)، وتنتهي بالخيبة الشاملة، إذ لا أمل في العمل أو التغيير: «ولجت في الباص، وعدت مثقل الأعصاب، كأنني أرزخ تحت هموم الأرض كلها» (ص62).‏

 

لا يعوز سراي الدين نماذج مضطهدة لجماعته المغمورة من العمال أو الفلاحين، فهو مسكون بالظلم التاريخي الفادح على هؤلاء الكادحين، وكأنه قدر محتوم لا يلقى منه إلا نقيضه الأقصى، وهو تمجيد جماعته المغمورة في محاولاتها اليائسة غالباً لمواجهة هذا الظلم، عودة إلى الثنائي الأزلي: السيد والعبد، وكان كتاب وقصاصون كثر عالجوا هذه الثنائية من منظورات مختلفة، لعل أبرزهم يوسف ادريس. ومن هذه الزاوية يستعيد سراي الدين ذكرى هؤلاء المناضلين من جماعته المغمورة، إحياء لفكرة الالتزام وإيمانه المطلق بها، فيكتب قصة «أغنية على شرفة القصر» في مجموعته «الحل»، تمجيداً للفلاح دعيبس الذي وقف في وجه الإقطاعي برهان بك؛ ويختتم مباشرته لموضوعه بما يشبه الإعلان السياسي، أو التوكيدالزائف للنصر؛ فقد قضى الإقطاعي على الفلاح، ووضع جثته في أساسات قصره، بينما تأتي الخاتمة على النحو التالي:‏

«تهامست المخاليق‏

ولدت أسطورة جديدة في العالم!‏

عادت الروح.. تطوف وترفرف في أرجاء القصر، هتفت ثانية بالفلاحين المجتمعين فيه:‏

- أنا فوقكم ياأخوتي، وعظامي تحتكم. رددوا معي أغنية الفلاحين الجميلة.‏

الكل يقف مبهوراً!‏

القصر يشع. يتألق. يتوهج!‏

يدخل الفلاح دعيبس محمولاً على لوح كبير، مؤطر بالورد وزهر اللوز.‏

يقف على شرفة القصر الشارعة.‏

يقرأ الناس، فوق رأسه:\ـ هذا شهيد أغنية الفلاحين‏

وأنا لأقطف ورد خدودك يا أم عيون اللوزية» (ص62).‏

هل هذا التمجيد نوع من انتصار الوهم أو الاسترسال مع فكرة الالتزام وتأثيراتها الباهظة في معالجة الموضوع الاجتماعي؟ ربما. غير أن سراي الدين لا يخفي تعاطفه مع جماعته المغمورة في أكثر من قصة، وكان وسّع إطار هذه الجماعة لتشمل فئات أخرى تعاني من الظلم والاضطهاد، مثل الكتاب، ففي مجموعته «العالم في سهرة»، ثمة قصة هي «الإسوار» تتحدث عن كاتب يبيع إسوار زوجته ليطبع رواية، عاقداً العزم على إعادته إليها بعد النجاح. وفي هذه القصة يبلغ التعاطف حداً إيجابياً هو أن سراي الدين لم يخذل كاتبه، إذ جعله يبيع روايته مسلسلاً تلفزيونياً. وثمة أشكال أخرى للتعاطف مع جماعته المغمورة في قصصه «تعميم» من مجموعته «الحل»، و«الوقت» و«الصرخة» من مجموعته «العالم في سهرة». في قصة «تعميم» يحجز في مخفر على أطراف البادية، لأن تعميماً ملتبساً صدر بحق من يحمل اسمه بالحجز، وله مثل صاحب الاسم المصاب بالملاريا!، وفي قصته «الصرخة» سبعيني يتزوج أرملة، وتلد له.. ويمضي على الرغم من ذلك إلى العمل: لقد جبر خاطر هذا الفلاح العجوز، وختم القصة بنهاية سعيدة؛ ولا تختلف عنها قصة «الوقت»، فهناك أب عامل يسعى إلى سيارة تنقل ولده إلى مطار دمشق في صباح ثلجي من السويداء، وإلا سيضطر إلى دفع البطاقة بالسعر الجديد الذي لا طاقة له به، ويفلح هذا الأب.‏

ومن الواضح، أن سراي الدين يعالج على الدوام موضوعه الاجتماعي بقدر غير قليل من التفكير الأخلاقي النابع من إيمانه بفكرة الالتزام وحتمية انتصار قضايا الكادحين من جماعته المغمورة.‏

 

6- الموضوع القومي والوطني:‏

مثلما فعل سراي الدين في رواياته، فقد عني بالموضوع الاجتماعي أولاً وغالباً، إذ خصص له أربع روايات، ثم اهتم بالموضوع القومي والوطني قليلاً، وله فيه روايتان، وفي حين حرضه الاحتلال الصهيوني للجولان، وإعلانه قرارضمه إلى الكيان الاسرائيلي عام 1981، على كتابة روايته «الرجل والزنزانة»، فإن الانتفاضة في فلسطين المحتلة قد دفعته إلى كتابة غالبية قصصه ذات الموضوع القومي والوطني. لقد خصص مجموعتيه الأولى والثانية للموضوع الاجتماعي والإنساني، ثم التفت إلى الموضوع القومي والوطني في مجموعتيه الثالثة والرابعة على نحو صريح، لأننا لا نكاد نقع على قصة في هذا الاتجاه فيما سبق، إلا إذا عددنا قصته «البحتري يبكي» من مجموعته «الرقيق» ترميزاً للموضوع القومي، والبحتري هو حصان سيق إلى باريس للمشاركة في سباق، ولكنه يبكي لأنه يفتقد فارسه العربي، وكأنها إشارة للفجيعة القومية. وفي هذا الإطار، يتوازى إنتاجه الروائي والقصصي في العناية بالموضوعات، فهناك أيضاً وفرة في قصص الموضوع الاجتماعي والإنساني، وقلة في قصص الموضوع القومي والوطني.‏

 

تمجد قصص سراي الدين البطولة بالدرجة الأولى، وهذا واضح في بعض قصص مجموعته «طائر الكريم»، مثل «رسالة ظافر الطيري إلى عينه»، وهي عن فدائي قبض عليه بعد تنفيذ العملية في كريات شمونه، فيقوم العدو بقلع عينه وزرعها في وجه أحدهم، وهاهو ذا يكتب رسالته إلى فقيدته «عينه» من سجن عكا، وقصة «مشروع قصة اسمها الولادة»، وهي عن صحفي يقرر كتابة قصة عن الانتفاضة ولا يستطيع، ثم يزوره أحد العائدين الفلسطينيين، ويروي له قصة أم فلسطينية تشارك في المظاهرة، وتلد طفلها أثناءها، ويبدأ الطفل في الهتاف مع المتظاهرين، وقصة «ليلة تحت الأرض» التي تنحو منحى فانتازيا أكثر من سابقتها، فالرجل يحلم أنه غار تحت الأرض والتقى مصطفى الشهيد والآخرين حتى أعجب بالبقاء معهم تحت، ولكنه سمع الهتافات فوق، فرمى اللحاف عنه، وتناول مقلاعه ومزود الحجارة، وخرج، وقصته «إلقاء القبض على علوان»، فقد ألقي القبض على ملثم فجر آلية للمحتلين، وبعد نزع اللثام عنه، تبين أنه الصبية عليا ذات عشر السنوات، ولدى سؤالها أجابت معلمها هو علوان، أخوها طفل السنوات السبع.‏

 

أما الموضوع الأثير عنده فهو توكيد القيم القومية والوطنية من خلال استمرار الروح النضالية لدى الأجيال المتعاقبة، وتعد قصة «دوران حديث.. دوران بذرة» من مجموعته «العالم في سهرة» نموذجاً لذلك، فهو عن توارث النضال من جيل إلى جيل، هؤلاء المنذورين لقضية الوطن.‏

ويخصص سراي الدين عدداً من قصصه لتمجيد الشهادة والفداء، كما هو الحال في قصتي «تجربة دفن جسم في الفضاء» و«الصرة» من مجموعته «الحل».‏

 

7- قصص «الرهان»:‏

وتابع وهيب سراي الدين في مجموعته الثامنة «الرهان» أسلوبيته الواضحة في مجموعاته القصصية السابقة، ولاسيما الدعابية (السخرية المرة) تثميراً لتقنية المفارقة في مستوياتها اللفظية والمعنوية التي تنهض على السرد التقليدي المبني بهدوء وفق أنساق التنضيد الواقعي بالدرجة الأولى، طلباً لمعالجة الموضوعات الاجتماعية والإنسانية مما يشير إلى صوغ قصاص ماهر في اقتناص اللحظات السردية المؤثرة في حياة أشخاصه الذين ينتمون إلى جماعات مغمورة تعاني من قسوة الحياة في التباساتها المتعددة، ثم غالباً ما يمدّ معاناتها إلى حاجة الإنسان إلى الحبّ والفة الأشياء والإرادة الصلبة في مواجهة الضعف، وتتجلى هذه المسرودية في النزوع الأخلاقي الصريح والاحترام العميق للكرامة البشرية. وتركز قصص هذه المجموعة على العلاقة بين الرجل والمرأة كائنات إنسانية ترتقي باشتراطات الحياة إلى آفاق رحيبة في اكتناه معضلة الوجود، وتفصح قصة «قادم من أقاصي الذهن» عن الالتباس المقصود بفعل التباين الاجتماعي القاهر للعلاقة الأزلية، وتعلن الافتتاحية، كما في استهلال الجوقة عن تناغمها مع صوت الحكمة الغائبة في المدى المفتوح لنشدان الخلاص من القلق والتأزم:‏

«ذراري النفس تهوّم في غبش لا متناه.‏

 

ثمة ذبابة تعرّد في فضاء ظلام مطلق. تئز بأجنحتها هائمة لائبة تبحث عن فرجة نور تنفذ منها.‏

شخوص هلامية تسبح في بحور العتمة. تتتالى ثم تتلاشى فوق لجج صاخبة.‏

بالعالم الليل الفسيح المليء بالأخيلة والأحلام وأشباح الرؤى! كم من رغبات وكنوز يخبئها في غبار سديمه؟» (ص22).‏

ويستغرق الراوي العارف في وصف العلاقة داخلها، إذ «تتحول روحها إلى رسائل وشيفرات محمومة تتفجر بآلاف الرغبات والأماني» (ص23).‏

 

ويعنى سراي الدين بتأثير العلاقة في وجدانها الكظيم اللاهث في فيض الشجن المروع، فما في الرجل يشجعها على قيام العلاقة، وقد انتابها التوهم، وكأنه لوّح لها بيده، ومنّت نفسها أن رسالته إليها ستصل في اليوم الآتي؛ غير أن الزمن يصير إلى سديم على الرغم من القرب بينهما: «هي تثق به. لقد أدمنت رؤيته. وصار جزءاً من حياتها الداخلية» (ص26). ثم طال انتظارها إلى أن فعل ساعي البريد فعلته المريبة بأن كتب لها رسالة على لسان حبيبها الذي لا يعرف تفكيرها وتعلقها به، فأشاع الأمان في روحها وهي تذهب إلى اللقاء به، ولكن الخيبة شاملة وضاغطة وغمره فرح عارم، لأن «الرجل ببذلة ذات باقة وعقدة. تبقى بذلة رسمية تصلح لمقابلة امرأة في أمسية زهرية. وخير من بذلة مصنوعة من قماش الخاكي الأزرق» (ص30).‏

 

وتعرض قصص أخرى لحالات شديدة عن تباين المظهر والجوهر في هذه العلاقة، ففي قصة «ذلك الوجه.. تلك المرأة» تصير خيبة أمل المرأة بالرجل إلى تملك مطلق، بينما تغدو ارتكاساً نفسياً لدى الرجل:‏

«ظل الوجه البرّاق يسطع كالفضة النقية. ويتغلغل كالعقيق في شراييني وأحاسيسي.. التفتت إليّ. وهزّت رأسها كأن قلبها امتلأ بالشفقة تجاهي. ثم تلألأت على ثغرها ابتسامة، وتابعت دفع الكرسي. مشيت خلفها، وأنا أحمل جذوة روحي، حتى وصلت السيارة التي كانت تننتظرها» (ص44-45).‏

وتغطي صورة المرأة ذهن الرجل ومساحة المسرودية برمتها في قصة «أمشاج بلون الرماد» من خلال توهم صوت المرأة وحضورها، وتتسلل المرأة إلى روح الرجل وتسكنه لتصير قصيدة في قصة «شاعر وامرأة وقصيدة».‏

 

ويسعى الراوي إلى أنسنة العلاقة الغائبة بالمرأة في قصة «ليلة محمومة»، حين تؤرّقه، وتمنع عنه الهدوء والراحة، فيمضي الوقت في نجوى الكائنات والأشياء كقوله:‏

«يا للخيبة! صاح الرجل ثم تابع: كيف سأنجو من هذا.. قطع كلامه، وأخذ يتوسل للأمواج: اقذفيني إلى مكان عال أيتها الأمواج.. إلى ذاك الجبل البعيد. إنه يناديني. أسمعه في عميق قلبي» (ص62).‏

وتمعن القصة في تقصي المصادفة في مثل هذه العلاقة، فهما يهتفان ويتهاتفان مصادفة في قصة «عبر أسلاك الهاتف»، وتغدو عادة لديهما كلّ صباح، ويتواعدان على اللقاء في الحديقة العامة، وإذا بها شوهاء، وهو عجوز.. الخ، وعلى الرغم من ذلك يلتقيان بفرح عامر.‏

 

وتميل بعض القصص إلى أنسنة الأشياء والكائنات والعادات في سلوك الرجل معها مثل النظارة في قصة «أنا وحبيبتي»، التي توحي في الوقت نفسه، بأن الحبيبة إياها تلازم المحب مثل نظارته، فتتحدث القصة عن ألفة الأشياء، وقد اعتاد الرجل نظارته حتى باتت حبيبته، فطفق يبحث عنها حتى وجدها، وعاد بها إلى البيت.‏

ولا تختلف عنها قصة «رهان» التي تصف مجابهة المرء مع التدخين، ورهانه على التخلي عن هذه العادة المؤذية للصحة ولشهية الحياة، فيكون الخلاص بلقاء المرأة ولو كانت تعبر، مصادفة، فضاءه:‏

«مصادفة، شاهد امرأة تحمل، على كتفها، طفلاً يلهو ببعض لعبه. همس في داخله: لقد وجدت الحل» (ص88).‏

يسعى وهيب سراي في قصص مجموعته «الرهان» إلى شمولية العلاقة بين الرجل والحياة لمعاني الحياة الأساسية، حين تندغم في أسئلة الوجود ونشدان الذات المعذبة فيما يؤرقها، كقوله في ختام القصة الأخيرة «النفق»:‏

«أواه..! أين أنت شارد بأفكارك، يا..؟ على كل حال، أنت بحاجة إلى معجزة لإنقاذك، إلى طلسم لا يفك إلا بالرصد والتعاويذ. الغريق من عادته أن يستنجد بالقشة. وتشدو لها عصافير أمله ورداً. المهم الحياة. سواء أكان المخلص قشة أم ضفدعاً، أم أطلس يونان، الذي حمل الأرض على قرنيه» (ص102).‏

تفتح قصص «الرهان» نوافذ واسعة على التجربة الإنسانية في حالات العلاقة بين الرجل والمرأة التي تنعشها مقدرة واضحة على الصوغ الحكائي والحواري المؤثر في بلوغ أغراض السرد.‏

 

8- ملاحظة أخيرة:‏

هذه هي قصص وهيب سراي الدين: مقدرة سردية واضحة وحس طريف بالحياة ومفارقاتها وصعوباتها، وأسلوب تهكمي صريح يعتمد السخرية حيناً أو التبسيط حيناً ثالثاً لاحتضان القضايا الاجتماعية والقومية الكبرى بدافع من إيمانه المطلق بفكرة الالتزام وحتمية الانتصار على الظلم والعدوان على وجه العموم. لقد غلب على قصصه بساطته في اختيار الأحداث، وبساطته في وصف الأشخاص، مما جعله يصوغ في قصصه المتأخرة على وجه الخصوص قصة موحية بدلالاتها النقدية لمجتمعها في خضم التحولات التاريخية الضاغطة.‏

(1) أصدر صلاح دهني المجموعات القصصية التالية:‏

- حين تموت المدن ـ اتحاد الكتّاب العرب ـ دمشق 1976.‏

- الانتقال ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1980.‏

- ربما غداً ـ دار علاء الدين ـ دمشق 2000.‏

(2) أصدر وهيب سراي الدين 8 مجموعات قصصية آخرها «الرهان» عام 2003.‏

 

 

 الفصل الثالث: رؤى فنية وفكرية

 

1-من مظاهر الحداثة: السخرية‏

 

كانت السخرية مظهراً بارزاً من مظاهر الحداثة في القصة القصيرة في سورية كونها تعبيراً من تعبيرات التطور الفني خلل التمكن من اللعبة السردية، ومن خلق مجتمع قصصي خاص يبتعد عن مجرد النقل الواقعي الذي يرافق نشأة الفن القصصي وبداءته في مراحله الأولى. وقد شهدت الخمسينيات بزوغ محاولات الكتابة الساخرة في قصص حسيب كيالي الذي جعل السخرية مثار تجربته القصصية، ثم أقبل غالبية القصاصين المجيدين على الاستفادة من طابع السخرية في إبداعهم القصصي لدى سعيد حورانية وفارس زرزور وزكريا تامر ويوسف أحمد المحمود في كتاباتهم القصصية المبكرة واللاحقة، ولدى أديب نحوي ووليد إخلاصي وفاضل السباعي في مراحل تالية لبداءاتهم القصصية.‏

ثم غدت الكتابة الساخرة كامنة أو صريحة في قصص كثيرة للقصاصين فيما بعد أمثال وليد معماري وحسن م. يوسف وجمال عبود. وقد اخترت أن أخصص مقالتي للكتابة عن نماذج من القصة الساخرة لقصاصين ينتمون إلى فترة العقدين الأخيرين، ويمثلون اتجاهات متباينة من الجنسين في استعمال السخرية.‏

 

1- محمد أبو معتوق:‏

انغمر محمد أبو معتوق في الكتابة السردية الروائية والقصصية في التسعينيات، وأصدر مجموعته القصصية الوحيدة «ليلة المغول» (1997)(1). وتعد السخرية الطابع الغالب على كتابته القصصية، إذ تندرج غالبية قصص مجموعته في مفهوم القصة الساخرة، على نحو جزئي أو كلي، باستخدام خصيصة من خصائص السخرية، أو بجعل فضاء النص كله مدار سخرية، أي إدغام صوغ جملة أو تركيب في متن الحكاية أو في الخطاب القصصي. لقد فهم البلاغيون السخرية على انها طريقة في الكلام يعبر بها الشخص عن عكس ما يقصده بالفعل، أو أن يتحسر الشخص على نفسه. بما يؤدي إلى غرض يكون غالباً هجاء مستوراً أو توبيخاً أو ازدراء، غير أن تطور النهاجيات المعرفية والنقدية وسع مجال السخرية إلى أمداء استعارية شاملة للمعنى كامناً أو مضمراً. ولعلنا نمعن النظر في اشتغال أبو معتوق على السخرية في قصصه.‏

 

ثمة قصص قائمة على الاضمار اللفظي والمعنوي، مثل «اللوحة» و«السمكة» و«قصة المقهى الغربي» و«السيارة». يعمل الشاب معاوناً لأبيه في الميكروباص في قصة «السيارة»، ويقع مكسوراً في الحب (لاحظ التباين اللفظي!) ويعالج، ولكنه لا يستطيع القيادة، ويتحول إلى سيارة تبحث عن الفتاة الممرضة ليموت! ويسخر الراوي في قصة «اللوحة» من جامعي اللوحات، ويدفع أحدهم مبلغاً ثمناً للوحة، بل لتمزيقها!، وتستند قصة «السمكة» إلى التباين المعنوي نفسه، فقد طلق الرجل زوجته دون أن يراعي تجاعيدها، ويلجأ إلى التباين المعنوي الجزئي في حوافز قصته، عندما يشبه المرأة بالسمكة وخروجها من حوض زوجها إلى حوض ماء رجل آخر، ومثل هذا التباين المعنوي كامن في وصف الأحزان التي لا تنتهي بالطلاق إزاء حالة الرجل الذي ينتظر نقيض ذلك، وتستمر التباينات في عدم فهمه لامرأته المستوحدة الطاعنة في الأربعين، وفي اللقاء المؤثر والدال بين الرجل ـ الابن والأب ـ الشيخ الذي ينطق بالحكمة. وتصل ذروة هذه التباينات في خاتمة القصة يأساً من ضغوط الزواج:‏

«بعد أن خرج من عزلته، ذهب إلى السوق، واشترى حوضاً من الزجاج، وزوجاً من السمك، وقد أكد له البائع وهو يخرجهما من حوضه، بأنهما ذكر وأنثى.‏

عندما رجع إلى البيت، ملأ الحوض بالماء، وألقى بالسمكتين فيه، ثم قعد ليتأمل، وحين التمع جسد السمكتين بالضوء والماء.. تذكر اللجنة والورقة الملساء.. فنهض إلى الحوض، وأخرج السمكتين تباعاً ثم أطلقهما في الهواء» (ص86).‏

وتعتمد «قصة المقهى الغربي» على تناص واضح مع الشريط الاستعراضي الموسيقي الأمريكي الشهير «قصة الحي الغربي» عن التباين الاجتماعي بين البيض والسود، ولا يخفى أن الشريط مقتبس عن رائعة شكسبير «روميو وجولييت».‏

 

يمضي أبو معتوق إلى أسلوبه الساخر منذ مطلع القصة، بوساطة التهكم طلباً لدعابية مريرة شديدة الوطأة على النفس:‏

«وكنا نفتح صدورنا للهواء البارد، ونحب في اليوم الواحد مرتين.. صباحاً ومساء، وعندما نلتقي بالصبية نقسم لها أننا لا ننام من شدة الهيام، وفي المساء نضطر أن نعيد الكلام ذاته لفتاة أخرى.. ولكن الفتاة التي نحبها حقاً.. ما كنا نجرؤ على الكلام معها أبداً» (ص87)‏

ثم يسترسل في تزجية الفعل القصصي تعبيراً عن التباين الطبقي والخيبة القائمة والقسرية وضغوط الواقع، ليكون المآل الأخير جديباً خاوياً، فقد «دفعه الحنين إلى الأصدقاء للدخول إلى مقهى الجماهير الذي كان.. فنهض ومضى إليه.. عبر زجاج الواجهة، وتفقد المكان ولامس السراويل اللامعة والأحذية.. وتذكر الزمن السالف والأصدقاء والصديقات.وعندما خرج إلى الهواء البارد، لم يلمح أحداً، تفقد روحه وجسده، وانتبه، كانت السراويل والأحذية تسير وحدها في الشارع الطويل» (ص100).‏

وتصبح القصة كلها مدار علاقة ساخرة كما في قصص «كرنفال الستارة» و«ليلة المغول» و«الجسر»، على أن السخرية في مثل هذه القصص، تتجه إلى نقد أخلاقي ما يلبث أن يتبدد في العناء والحاجة إلى الحب. صحفية شابة وحيدة وجميلة تعيش أمام مقبرة وكلب، وتتحدث لرئيس التحرير عن الوحدة فينصحها ببناء جسر مع الآخر، وينقلها إلى قسم الوفيات، لتعيش بين مقبرتين. تركض «إلى مكان اللقاء مع الشاب، الذي تعرفت عليه منذ أيام.. هذا الشاب الذي انتبه إليه نهداي وأخذا معاً يبنيان الجسر الذي يخصهما» (ص33).‏

 

وتتوضح هذه العلاقة الساخرة أيضاً في قصة «كرنفال الستارة» حيث عائلة غنية تعاني من النهم والسمنة، مما يجعل الأم تقرر أن تزوج ابنها من فتاة نحيلة، وتفعل على الرغم من فقر هذه الفتاة ووضاعة نسبها كونها ابنة بواب بناية. وعندما يدخل العروسان إلى غرفتهما، يعجب الفتى من رهافتها وخفتها ويشفق عليها من نفسه، ويسارع لإخبار أمه بدهشته، وعندما يعود لا يراها، إذ صارت إلى كائن أثيري: «كانت النافذة مفتوحة والهواء يلعب بالستارة» (ص17).‏

تدين القصة النهم والشجع، وتسخر من هذه الفئة الجائرة، ولا يخفى أن القاص استطاع أن يجعل هذه السخرية مدار الخطاب القصصي فتتلفع الوقائع بدلالات مضمرة، وتفعم السخرية بمزيج من التعاطف والقسوة في قصة «عند مفترق الأصابع»، فالكاتب الكبير يحس بوجع يده من الكتابة، ويذهب إلى الطبيب دون جدوى من المعالجة. ولدى عودته إلى البيت يكتشف أن المنزل سرق، وتجلب الشرطة السارق، ويطلبون إليه تمثيل السرقة، ويقدمون له الطعام، وفجاءة تتحرك اليد بإنسانية لتهمّ بإطعام السارق.‏

 

ويمازج السخرية نزوع فانتازي تجسيداً لهول التباين بين الإضمار والتصريح في قصته «ليلة المغول»، فهناك شابة جامعية تتزوج استاذها، ولكن بعد فترة يتبدل الرأي، ويصير المنغولي هو الأستاذ، والمنغولي هو الذي يجلس على كرسي، أمام بوابة بناية العمارة التي تسكنها. إنه مصاب بمرض منغولي، وهو قاصر عقلياً.. حتى غدت ترى نفسها في أحلامها الأخيرة، «مع الرجل المنغولي، دون ألبسة، بوضعيات محرجة، فيها لهاث وأطراف متشابكة.. وفي جوار الحلم كنت أشاهد رأس أستاذ الجامعة وهو يتدحرج على السطوح» كل ليلة! (ص62).‏

يلتمس أبو معتوق مسوغات لسخريته ولهذه الفانتازيا التي غطت فضاء السرد بما هو لصيق بالسخرية والفانتازيا: الروح المسكونة بالماضي، والجوع الجنسي القابع في الخبايا، وذكر القلعة أو قلاع الذات المعطوبة، وجدار اللغة الذي يعوق التفاهم مع زوجها.‏

تمنح السخرية ابتسامة وهي تستغرق في غاياتها الدفينة: الهجاء، التوبيخ، الازدراء، وفي قصة «ليلة المغول» تلوح الابتسامة أطيافاً عن مرارة فقدان التواصل وعطب الذات:‏

«بعد مدة تطورت الأحلام.. وصرت أرى زوجي في الحلم، وأنا بألبستي الكاملة، وليس لدي من اللهاث ما يكفي لأحبه كما يستحق، وليس معي من زندي ما يكفي للإحاطة بفصاحته» (ص62).‏

 

إن مثل هذه السخرية تتجه إلى النقد الاجتماعي بإلماح عن موضوعات أثيرة لدى أبو معتوق كنقد المؤسسة الزوجية وفقدان الحبّ وتحول الأحلام إلى كوابيس والخيبات العامة. ثم يوسع عمليات انتقاده إلى موضوعات فقدان الحرية والقمع والفساد الإداري والسياسي وضيعة الأحلام القومية. وهذا واضح في قصتي «كرنفال الرجل الوحيد» و«كرنفال البطاطا». تسخر الأولى من آلية القمع والمخبرين، وتدين في الوقت نفسه حالات العصاب وجنون العظمة كما في هذا الوصف المشبع بالسخرية:‏

«كان السيوفي يعتقد، وهذا بعض من الشطط الذي تورطه به مخيلته، كان يعتقد أن شفته العليا الواسعة الواسعة هي المكان الوحيد الذي يمكن للدهشة أن تعشعش فيه، لذلك كان يداهم شفته بآلة الحلاقة حتى يمنع الشعر الأسود الكثيف من اجتياحها، ولتبقى في وضعية الانتظار، فالشعر الأسود الكثيف يدخل وجهه كلّه في الكآبة والعتمة، فتغيب التماعة عينيه ويتحول بتفاصيله إلى كائن جبلي وعر، لذلك كان يجزها جزاً من محيط الأنف، إلى خليج الفم، تاركاً للاحتمالات المتباينة أن تغزو وجهه وتقاطيعه، وكان يضع نفسه وجسده وعموده الفقري في وضعية الانتظار والترقب، وكانت شفته تنظر إليه، وتتهدل بعيداً عنه» (ص182).‏

أما قصة «كرنفال البطاطا» فهي مفعمة بالحزن القومي والإنساني النبيل إزاء انكسار الأحلام العظيمة. اعتقل الأمن شباباً في مرحلة الانفصال، ويختار مختار الحارة أن يكون مع الشباب في معتقلهم، ثم يتفق الكبار على خروجهم مقابل انسحابهم من أحزابهم، ولكن غالبيتهم لا تنتمي إلى أحزاب، وعندما يخرجون يرفضون التوقيع على الانسحاب. ويلفت النظر لغة السرد الاستعارية الذاهبة في سخريتها المريرة من العمل السياسي والقمع والاعتقالات داخل الروح الشعبية المثخنة بجراحها ويأسها وأملها.‏

 

وتظهر قصة «الهتاف الطويل» شيئاً من الانتقاد الاجتماعي السياسي اللماح الذي يرافق ردود الفعل إزاء انهيار الطرف الشمالي من مدرسة أبي عبيدة الجراح للبنات، إذ يحفل المتن الحكائي بالتساؤلات الساخرة من المديرة والمعلمات والطالبات والمسؤولين والمخفر، فقد خرج الجميع دون دفاتر وكتب وأحلام، وانهار المبنى. ومما يقوّي السخرية اعتماد أبو معتوق على الحوافز الواقعية وبنية التحفيز الواقعي. تلازم السخرية الحوافز في العبارة وفي السياق وفي العبارة والسياق معاً كما في هذه الشواهد الدالة:‏

في العبارة:‏

«ربما أصبحت طويلاً بسبب الصراخ الطويل» (ص5)‏

«ربما كانت نسبة الاسمنت في صوتها أكثر ارتفاعاً من نسبة الحديد في المدارس الأخرى» (ص7)‏

في السياق:‏

«بعضهم قال: إن الرجل الطويل الذي كان يطلق صرخته اليومية ويغيب.. ربما كان ظلاً لأبي عبيدة الجراح.. دون أن يذكروا إن كان حصل ذلك قبل استلامه لأمارة الجند أم بعد مروره بجدران المدرسة وصراخ السيدة المديرة» (ص4)‏

«يبدو.. قال المدير التربوي.. وهذا الأمر لا أستطيع أن ألزم به احداً، يبدو أن المسؤول الحكومي الكبير الذي انتدبته الدولة لرعاية حفل تدشين المدرسة قد استعمل في حفل الافتتاح مقصاً حاداً.. فقص عصب البناء قبل أن يقص الشريط الحريري، مما أدى إلى انهيار المدرسة» (ص7)‏

 

في العبارة والسياق:‏

«-صوتي.. يقولون: صوتي هو السبب في تهديم المدرسة.. وتهديم أرواح الفتيات الناهدات.. وأنا أصرخ في البيت أضعاف ما أفعله في المدرسة.. فلماذا تهدمت المدرسة، ولم تتهدم أنت يا جيلي الغالي وموئل صوتي الداوي.. ومساحيقي الصاخبة..» (ص8).‏

من الواضح أن قصة «الهتاف الطويل» نموذجية في صوغ قصة ساخرة، سواء بلغتها أو بسياقها الذي يجعل نسق تنضيد الحوافز كلّها ضمن مساق سردي ساخر بما يجعل القصة سبيلاً إلى الابتسامة الغارقة في الشجن والمرارة.‏

 

وثمة قصص قليلة تتجه فيها السخرية إلى معاناة معضلة الوجود، كما في قصة «كرنفال الأيام الستة»، ولعل القصة تتناص مع تاريخ الهزيمة العربية المنكرة في عام 1967 مما يشكل إطاراً للسخرية من المعنى في جوهر السياق، عندما تنداح المشاعر الغاضبة اليائسة الكسيرة وتتفق على عدم الانجاب بالنظر إلى سوء الحال، وهو عام وذاتي، وبالنظر إلى جناية الحياة على من يعيشون. ويشير الصوغ اللغوي والأسلوبي والحكائي إلى مثل هذه الإحالات الثقافية للتعبير عن الذات القومية المخذولة كما في هذه الإشارة:‏

«في بداية تعارفنا التقليدية.. سألني ماذا تعرفين عن المؤتمر الدولي، فتساءلت بمرح: أي مؤتمر.. عندها ابتسم وقرر أنني دون سواي الجديرة بأن أكون الزوجة المطلوبة» (ص39)‏

تبني القصة مفارقتها الساخرة على أن اللامبالاة إزاء ما يحدث هي السبيل إلى السعادة، وأن السعادة وهم، وأن الخراب الذاتي لا ينفع معه ترياق وهو ما يؤكده مطلع القصة الحزين:‏

 

«قبل أن أتزوج.. كنت قد عقدت مع زوجتي اتفاقاً، وهو أن نؤخر الانجاب لمدة عامين، حتى نتمكن من التعايش، ولنحس أن حياتنا المشتركة ستكون طويلة، وهي جديرة بأن نبذل فيها جهداً لننجب ولداً، دون أن نتوجه بعد ذلك إلى المحكمة لنبدأ معاملة الطلاق، كما يفعل الكثيرون في هذه الأيام» (ص39)‏

 

لقد أفلح محمد أبو معتوق في كتابة قصة ساخرة تتجلى بمقدرتها على السرد وبمهارتها على تنظيم متنه الحكائي المشوق، ولولا هذه المهارة لعدت حوافز كثيرة زائدة عن بنية القصة. ولا يقلل من ذلك ميله إلى السرد الروائي الطويل والسعي إلى مقاربة التاريخ والإيغال في تفاصيل المكان ووفرة الإحالات إلى رموز ووقائع معروفة، وتنوء بحملها القصة القصيرة عادة.‏

ولم يؤثر في ذلك أيضاً هيمنة الراوي المضمر العارف بكل شيء تغليباً لوجهة نظر المؤلف، فقد وضع من نفسه راوياً متكلماً يدّعي المعرفة الكلية، متماهياً مع السارد غالباً، ومهيمناً على المنظور السردي، ومن شأن ذلك أن يخضع الخطاب القصصي للتبشير العقائدي.‏

 

2-أمية عبد الدين:‏

تدخل أمية عبد الدين (2) رهان الكتابة القصصية النسائية العربية بجدارة على أن الأدب النسائي الجديد ليس مخصوصاً بتجربة المرأة وحدها، فقد تمكنت من الضبط الفني لقصصها في رؤية إنسانية شاملة لا ترضخ لإغراء النزوعات الوجودية والعبثية والعدمية على زخم الواقع وضغوطه الخالية من المنطق على حساسية المبدع. ولا تستكين لشهوة التعبير السيري، على وفرتها لدى كتاب القصة الجدد الذين يميلون إلى التماهي مع شخوصهم، ولا تأنس للنزعة النسوية ولوازمها العاطفية والشخصية والاجتماعية بما تعنيه من وقوع في مطب المشجاة «الميلودراما»، وبما تعنيه من استغراق في ولع التعبير الأنثوي في موازاة المجتمع أو التاريخ أو في مواجهتهما أو في التغافل معهما مصالحة أو تجاهلاً أو انكفاء أو تصاغراً.. الخ.‏

 

ثمة قلة قليلة من الكاتبات العربيات ممن أفلحن في أن يحتضن تعبيرهن عن التجربة الإنسانية حواف التجربة الأنثوية أو جوهرها، ولكن أمية عبد الدين، استطاعت في قصصها غالباً أن تحيك كتابتها القصصية من نسيج متقن لقماشها الثمين، حريراً تتراءى في خيوطه المتينة ببريقها المدهش تماوجات تجربة إنسانية ثرية بالمعاني والدلالات.‏

 

توجهت أمية عبد الدين إلى الشرط الاجتماعي والتاريخي بما هو شرط إنساني نافرة من المباشرة ونابذة النصح والوعظ ومتأبية على شهوة الكتابة لمجرد الكتابة. وقد اختارت أن تكتب عن هذا الشرط من السخرية المستندة إلى قوة المفارقة المعنوية بنبرات حداثية تغوص في السوريالية أو العبث حيناً، وتقترب من التعبيرية حيناً آخر.‏

 

كانت مجموعتها الأولى «وداع الأحبة» نوعاً من التمرين على التقنية القصصية والمعنى الكامن في تلافيف التجربة، تلمساً لأسلوبيتها حيث تتلامح جذاذات من نزوعات تجريبية مغالية ومتعجلة ومتداخلة، ومتباينة في مقاربتها السردية من مستوى القصة الفنية إلى الخاطرة الوجدانية التي تستعين بالسرد في تلاوين خطابها، ومن ذلك النص الذي يحمل اسم المجموعة، وهي نجوى عنه وقد اقتادوه إلى الموت. إن هذه الخواطر الوجدانية أشبه بومضات سردية تومئ إلى حكاية، ثم تتسربل الإيماءة في المسكوت عنه كما في نص «الشحاذة»، وهو عن أم تراقب نمو صغيرتها ذات الثلاثة عشر ربيعاً، وتنتهي إلى أن تخنقها بمخدة، لأن بطن ابنتها أخذت بالاستدارة، ولأنها أدركت أن ابنتها مضت في الطريق المحرمة.‏

على أن قصص هذه المجموعة تستكمل نبرتها الفنية من خلال السخرية من عالم يحكمه العبث أو اللامعقول. تلجأ عبد الدين إلى المفارقة المعنوية البسيطة لتجد السخرية هي سخرية القدر في قصتها «الفارس»، وكأنها تتلذذ بإيماءة وصف الشائع: فجيعة المرأة بأحلامها وبفارس الأحلام، وهي الغبية التي يستغلها هذا الفارس (لاحظ السخرية اعتماداً على المفارقة) ويعيش على حسابها، فتأتي إليه مستغيثة أن يتزوجها.‏

 

وتقترب عبد الدين من السخرية الملموسة في قصتها «بعبعة» حيث وطأة الزواج وعمل المرأة المنزلي، وما تنكد به الزوجة زوجها. لعلها جاوزت تمرينها إلى اكتشاف لغتها السردية الطالعة من خضم الحياة اليومية في حوار أو وصف:‏

«-يعني.. يعني.. مثلاً.. تقول أشياء مثل.. الخمرة.. وسعر الخمر.. والمصاريف، وصبابيط للأولاد.. ورائحة السجائر.. وصحة الأولاد.. يعني مثلاً.. رائحة القدمين.. ,اين تغيب بقية النهار.. والأولاد والطبيب، وأنها مشغولة تغسل وتطبخ.. والأولاد.. وهكذا.. من هذه الأشياء التافهة.. يعني.. مثل كل النساء.. يعني مثل هذه الأمور التي تبعبع النساء بها غالباً لينكدن حياة أزواجهن وينغصن أيامهن فقط.. فقط.. فما رأيك؟» (ص68).‏

 

اتسع مجال التمرين على السخرية في قصص متعددة من زاوية مباشرة، كما في قصة «الأديبة القزمة»، وإلى زاوية مضمرة، كما في قصة «الأوراق الصفراء». تسخر عبد الدين في القصة الأولى من العلاقات الأدبية، ومن متعهدي الأدب، ومن ضعف مكانة الأدب بين الناس، فتقرر اعتزال الأدب، وتمزيق كل ما كتبت (لاحظ المفارقة المعنوية سلاحاً للسخرية)، والأمر هو أن كتابتها لأي كلام ستجعل منها أديبة كبيرة، بينما تعاني الراوية من علاقتها بعرفاء وأنيسة الفارغة، ومن اختلاط الفراغ بأحلام اليقظة والأوهام، وهذا ما جعلها تزمع ألا تعود «لزيارتهما بعد ذلك اليوم أبداً.. أبداً» (ص75).‏

 

وثمة سخرية من الطبيب البيطري في قصة «زوجة الطبيب البيطري»، ولكن موته المفاجئ يجعل القصة أقرب إلى الملهاة السوداء، حين يوحي الراوي بأن لزوجته دوراً أو كل الدور في هذا المصير، أو هذه الوفاة. وتندغم السخرية في انطواء السرد على الفكاهة في قصة «حالة طارئة» إذ تتورط المرأة وتضطر إلى المبيت في فندق، ولا تحمل بدلاً أو لباساً، وثمة «برغي» مزق ثوبها الوحيد، بينما يتقاتل صاحبا محلي أزياء أمامها في غرفة الفندق، «وهي ما تزال واقفة في غرفتها تلتف بالشرشف.. وتحملق ذاهلة.. فهي لم تفهم بعد.. لماذا ما زالت تلتف بالشرشف» (ص45)

غير أن أمية عبد الدين حققت انعطافة لافتة للنظر في مجموعتها الثانية «سوق الإثنين.. الثلاثاء.. الخميس» (1993)، في مجاوزة تعبيرها الفني للتجربة الأنثوية إلى مراح مدهش من التلوينات السردية. وتنتظم القصة عندها في بنية رمزية تستحيل فيها الحوافز إلى معادل موضوعي ضمن ضبط فني ملحوظ. وتتعزز هذه البنية الرمزية بسخرية هجائية لما يشين الحياة ويعوقها. تروي القصة التي تحمل عنوان المجموعة عن امرأة وحيدة في ظل «الأعداء»، ولعل اللفظة مجازية رمزية تشير إلى أعداء في الداخل، وزوجها قتلوه، وكانا اقترنا على الدوام: أميرة وسليم، ولكن «بماذا يستطيع الأصدقاء الآن تعزية أميرة وقد عاشوا معها وسليم ثلة من الأصدقاء، أقل ما يمكن أن يجمعهم هو الحب.. والأزمة!؟» (ص53).‏

 

وتعدد الأصدقاء: سامر، ابتسام صديقتها وزوجة المهندس نبيه زميل زوجها سليم السابق، المعلمة هنية الأخت الصغرى لأميرة، وثمة مشكلة مع المهندسة زميلة زوجها. وأمام بيت سامر ويسرى تدخل القصة جنوحها التخييلي بما يشبه طرائق السورياليين، فقد اشتروا براداً مستعملاً من سوق الإثنين، فبحثت عن زوجها فيه، بينما اشترت ابتسام بالة من سوق الثلاثاء، ولم تجد زوجها سليم في البراد، وتخبرها هنية أنها تزوجت في يوم الخميس، وتعتقد أنها رأت سليماً، ولكن أين سليم؟ ويكون السؤال الاستنكاري انفتاحاً على الهجائية:‏

«ولكنهم كانوا هنا..‏

أين الذين كانوا هنا قبل قليل..‏

وهذا البرد.. من أين يتسرب..‏

وهذا اليأس.. من أين يتسرب..‏

وهذا الموت.. من أين يتسرب» (ص94).‏

يخترق السرد نزوع سوريالي لطيف يرفع الأغطية كلها عن المرارة الدفينة. وتسخر قصة «صديقتان لا تستيقظان باكراً» من الرتابة والروتين وملاحقة الإنسان بمتطلبات لا أهمية لها، فقد اعتادتا الاستيقاظ في الثانية بعد الظهر، وتقرران الاستيقاظ الباكر في الغد من أجل التسجيل، لتبدأ المتاهة والمحاصرة والمطاردة:‏

«- الموظفة تقول بنبرة ضيق وبقسوة: أريد وثيقة لاحكم عليه.‏

- لا أستيطع أن أعطيك وثيقة لا حكم عليه دون وثيقة تبرع بالدم.‏

- اعطني وثيقة قيد نفوس لتأخذي وثيقة تبرع بالدم.‏

- اعطني صورة مصدقة عن الشهادة الموثقة من الوزارة، لتأخذي وثيقة القيد.‏

- لكي أعطيك هذه الوثيقة عليك أن تحضري لي إشعاراً من مديرية الشؤون مصدقاً من شؤون المديريات ورئيس مجلس الإدارة‏

- أريد طلباً خطياً مسجلاً ومختوماً من الديوان من السيد رئيس قسم الطلبات».(ص96-97)‏

غير أن التسجيل انتهى، ولم توفقا بانجازه، فتلعبان دور المسجلين من موظفي الدولة، وتقهقهان من فوات الوقت ومداهمة الحلم، وتقرران الاستيقاظ مبكراً، وتنامان.‏

 

وتعرض قصة «قصة كاتب واقعي من بلدة واقعية» ذلك التبادل بين الواقع والخيال، فقد روع مفيد لإعدام أبي محيي الدين جراء جريمة نكراء قام بها، لذا قرر أن يفجر ما يتخبط بداخله في رواية تعاطفاً مع صديقه محيي ابن المتهم، وكانت «رواية صادقة تصف الأحداث بأمانة وتعالجها بواقعية» (ص7). ثم انتشرت الرواية الساخرة، فاستدعت الشرطة أبا مفيد، لأن الرواية مكتوبة بضمير المتكلم، حتى وصل الشك أو اليقين بوالد مفيد أن يسأل نفسه:‏

«إذاً إن الذي قام بالجريمة فعلاً والد مفيد ولكن من هو الأب الحقيقي لهذا الوفد الذي اسمه مفيد؟ لا بد أنني لست والده الحقيقي. لست أبا مفيد.. والمؤكد أن مفيداً يعلم هذا علم اليقين، كما يعلم علم اليقين أن والده الحقيقي هو: أبو محيي.. ولست أنا!؟» (ص10)‏

وأوحى نقد النقاد إلى القراء أن القاتل هو مفيد، وليس والده بالنظر إلى براعته في سبر نفسية القاتل، ثم لمعت في ذهن الملازم أن القاتل الحقيقي هو مفيد، وليس أباه!، واقتادوا مفيداً إلى المخفر، وساقوه إلى سجن المدينة ليقدم إلى المحاكمة.‏

 

إنها سخرية تعتمد على سوء التفاهم الناجم عن الجهل، وهي إحدى موضوعات أدب العبث، بل إن هناك مسرحية لألبير كامي عنوانها «سوء تفاهم»، وقد نفحت عبد الدين نصها مرارةً وتهكماً من هذه المفارقة القوية. ونلمح مثل ذلك في قصتها البديعة «زوجة عمي» التي بنيت على مقولة سوء التفاهم، وأن الناس يحتاجون إلى قدر بسيط من الإنسانية ليكونوا رحيمين متعاطفين متفهمين للآخرين، وهذا في جوهر الأدب. ماتت غندورة زوجة عمها، وبدأت مع سماعها النبأ المزعج جداً تتذكر التفاصيل الساخرة الدالة على نمط تفكير ونمط حياة، وهي تفاصيل حارقة ولاذعة عن شقاوة الأطفال التي خربت كل شيء دون أن تقلل من عطف غندورة وحنوها عليهم، فقد كانت تقابل تصرفاتهم الضارة بالأشياء وبأنفسهم بالمرح والضحك والتطمين على سلامتهم. أما هي الطفلة، فقد كانت مسكونة بالرعب من سيرة عمتها غندورة، نتيجة تحذير أمها لها: «انتبهوا من زوجة عمكم، هذه الـ «غندورة». إنها لا تبالي لو أصابكم مكروه ما- لاسمح الله» (ص14). ولكن الوقائع التالية، التي لم تكن تفهمها الطفلة، أظهرت عكس ذلك، فكم كانت زوجة العم رحيمة عطوفة عامرة بالحب والرأفة. وعندما تأملت الطفلة التي أصبحت شابة، بعد عشرين عاماً من عمرها، ما جرى، أدركت هول الخطأ الذي أصابها مما جعلها تعيد بناء صورة زوجة العم الجميلة الحنونة المحبة، وهكذا كانت، وتبكي بمرارة:‏

«حتى الأمس..‏

عندما جاءنا نبأ وفاتها بالسكتة القلبية، وجدت نفسي أرغب بالبقاء وحدي، وأندفع إلى غرفتي، لتندفع إلى مخيلتي جميع الصور الجميلة لزوجة عمي غندورة، وكل الذكريات الحلوة والممتعة معها.. وتندفع الدموع غزيرة من مقلتي، وأخفي وجهي بكفي.. لا أريد أن أرى شيئاً.. لا أريد أن أرى أحداً لا أريد.. لا أريد..» (ص28).‏

وتأخذ المفارقة أشكالاً متعددة تعبيراً عن السخرية القائمة على علاقة نصية مضمرة. في قصة «جيل العدم» مدرس تقاعد يعاني من مرض اسمه «الحنين إلى أيام زمان»، ويؤلف كتاباً بألفي صفحة عن جيل العدم الحالي، حتى يفقد وعيه، فيالها من مفارقة!‏

وفي قصة «عامل البريد» ثمة قضية حساسة قد تؤدي بصاحبها إلى حكم أو انتحار، في رسالة يحملها عامل البريد خلسة إلى الكاتبة لأن فيها أشياء مضحكة.‏

وتمضي السخرية إلى نبرة تهكمية في عدد من القصص، ففي قصة «زوجي الأحمق» تتزوج شاكر الأبله الزواج الذي يحبها للسترة، وعندما تجهض تطلقه، وتتزوج ثانية وثالثة ورابعة، ثم تقرر العودة إلى شاكر الذي يرفضها.‏

 

ولا تختلف قصة «صالون أدبي» عن هذا السياق، فالسيدة فايزة تزوجت محامياً أكبر منها، ثم تكتشف أنها يجب أن تبحث عن ذاتها، وتحققها عن طريق التعلم، وتفتتح صالوناً أدبياً يتبادل فيه المثقفون الكلام.. المكرور، حتى يفاجأ زوج السيدة فايزة رواد صالونها بلباسه الداخلي، ويستأذنهم لقضاء حاجته الداخلية أمامهم، أما هي فتغادر البلاد إلى فرنسا للأبد.‏

 

ونلمح التهكم أيضاً في قصة «كنان» سخرية من المثقفين، فهو يتخلى عن حبيبته، ويظل متعلقاً بها وسط «كلامولوجيا» انفصامية وتزييف عرف بهما أمثال هؤلاء المثقفين، ولعل اقتطاع بعض عبارات رسالته إليها تشير إلى ذلك كله:‏

«لقد مات والدي، وانقطع معاشه عني، والأصدقاء أيضاً أغلقوا أبوابهم في وجهي، طبعاً أنا الذي كرهتهم أولاً.. أنا الذي مللت منهم، ونفرت منهم فتركتهم، لأنهم زائفون.. زائفون.. أنت الوحيدة يا انجينار، أنت الوحيدة الحبيبة الصح.. عودي إلي.. عودي.. لنبني علاقة حب تختلف عن كل الناس.. عودي.. أرجوك» (ص ص 113-114).‏

 

تتميز قصص أمية عبد الدين بضبطها الفني، وبمجاوزتها الهم الأنثوي إلى النقد الاجتماعي والأخلاقي الذي يصير إلى إحساس دافيء بالمشكلات الإنسانية، وقد اختارت لأسلوبها سخرية تنفر من المباشرة وانتقاد المظاهر العامة تثميراً لقوة المفارقة التي سرعان ما تتبدى هجائية مريرة للنقائص الإنسانية وسوء الفهم والتفاهم الذي يؤدي إليها.‏

 

3- تاج الدين الموسى:‏

لفت تاج الدين الموسى(3) النظر إليه في كتابة القصة الساخرة منذ مجموعته القصصية الأولى «مسائل تافهة»، وهي المجموعة التي فازت بالجائزة الأولى مناصفة في مسابقة د. سعاد الصباح للإبداع الفكري بين الشباب العربي في مجال القصة القصيرة. ثم ما لبث مؤلفها تاج الدين الموسى أن عزز هذه الأهمية في المجموعتين الثانية «الشتيمة الأخيرة» والثالثة «حارة شرقية حارة غربية».‏

 

لقد صار للقصة الساخرة تراث طويل في سورية، وقد عبّد دربها باقتدار حسيب كيالي منذ الخمسينيات، فسار على هذه الدرب عشرات القصاصين، غير أن تاج الدين الموسى تميز منهم جميعاً بمقدرته الحكائية الواضحة وبمضاء السخرية عنده إلى دعابية مريرة مليئة بالشجن وثرية بأبعادها الإنسانية وباستيعابه لموضوعات متنوعة اجتماعية ووطنية وقومية وباستحضاره لخصوصيات بيئته المحلية وبحساسيته الفائقة إزاء القيم الأصيلة وبتلك الروح الأخلاقية المتأبية على الفساد وما ينتقص الكرامة والنبل. ولعله من طرائف المصادفة أن يكون الرائد حسيب كيالي وتاج الدين الموسى من بيئة واحدة ومحافظة واحدة في سورية، هي إدلب، القريبة من حلب.‏

سعى تاج الدين الموسى منذ بداءة كتابته القصصية إلى انبثاق السخرية من خضم المتغيرات الاجتماعية، وحرص على توازي الفكاهة الناقدة والمرارة المتأسية في صلب تحفيزه الواقعي نحو محاكاة صادقة لواقع يمور بعناصر التجديد، فعني بالحوار المدروس الذي يستفيد كثيراً من الموروث الشعبي كالأمثال والنوادر والخصوصيات المحلية في رسم الواقع وفي وصف الذاكرة العامة. ولربما حوت قصته المبكرة «مقدمة للصمت» من مجموعته الأولى، الملامح الأولى لسخريته من الكتاب غير الواقعيين الذين يغفلون عن مشكلات جماعاتهم البشرية. ويكشف الحوار الأخير في القصة عن وجهة نظره، على ما فيها من مباشرة تكاد قصصه التالية تخلو منها:‏

« ـ الفن ضرورة يا سامر والكتابة عن شروق الشمس وغروبها أفضل من تركها نهائياً.‏

 

ـ أنا لا أتفق معك يا سليم. عندما لا يستطيع الكاتب أن يسمي الأشياء بأسمائها، عليه أن يرمي قلمه ويصمت. أنت ما تزال تذكر آخر أمسية أحييتها قبل خمس سنوات. يومها شتمني الجمهور يا صاحبي. الحق معهم ألف وأدور وأقرأ عشر صفحات مرمزة من أجل إيصال فكرة إليهم لا يحتاج إيصالها إلى أكثر من سطرين!» (ص78 ـ 79 مسائل تافهة).‏

غير أن هذه المباشرة سرعان ما تذوب في إلماحاته الدالة على البؤس الذي يصيب القرى التي يهجرها أهلها إلى المدن:‏

«كانت تشع منها أنوار واهنة، تفصله عنها غابات من أشجار الزيتون غارقة في ظلمة حالكة» (ص79 مسائل تافهة).‏

اتجه تاج الدين الموسى إلى معاينة التحولات المجتمعة في فكاهاته الناقدة دون أن ينزلق إلى الميوعة الميلودرامية (المشجاة)، أو أن يندرج في المدى التعليمي، وتعد قصة «مسائل تافهة»، التي حملت اسم المجموعة، نموذجاً طيباً لأسلوبه، فهي تسخر بعمق من القطاع العام، دون أن تذكر اسم القطاع العام صراحة.‏

 

يستفيض تاج الدين الموسى في تقصي الشرط الإنساني والاجتماعي والتاريخي لشخوصه منطلقاً من بعض الخصائص النفسية أو الجسدية في تعبيره عن الحساسية العامة خلل هذا الخاص أي حرصه على نمذجة العلاقات الداخلية وابتعاده عن المصادفة والاستثناء في الظرف التاريخي أو لدى الشخصية. يبني تاج الدين الموسى قصته «الزيارة» على خصيصة «أن أصحاب الأنوف السليمة، الأنوف التي تشتم جيداً، وتميز.. هم الذين يقفون في المقدمة»، وعند عبد الجليل، بطل القصة، أن الذين صاروا مليونيرية استعملوا أنوفهم، «إنهم يعرفون أين يستثمرون قرشهم، ويشتمون راحة الصفقة الرابحة، ولو كانت في آخر العالم» (ص19 مسائل تافهة). واليوم، جاء عبد الجليل المحامي ليزور أخاه عبد الغني، ويحاوره وزوجته حليمة في تشغيل رأس مالهما، والموضوع باختصار: «أنا عرفت طريق الثروة يا أخي. فقط أريد أن تضع أنفك بجانب أنفي لنبدأ معاً» (ص19 مسائل تافهة). ولكن أخاه وزوجته يرفضان عرضه، ويخذلانه إثر جدل طويل مستند إلى معرفة اقتصادية وتقص معمق للشروط الإنسانية، ومنه ذلك الصراع الأزلي بين الطامحين والقنوعين. فما كان من عبد الجليل إلا أن خرج ناقماً، وهو يردد: «إلى أين أروح بهذا الأنف يارب؟.. إلى أين؟» (ص24 مسائل تافهة).‏

وفي قصته «التحول»، يروي الأب ساخراً متوجعاً كيف ربي وحيده وحيد، وكيف شقي والأسرة من أجل نموه وتعليمه، وكيف تحولت حياة الأسرة كلها من بحبوحة إلى ضيق من أجله. ثم يتحول الوحيد إلى امرأة، فهذا هو جسده، وهو حر. يكشف الأب شيئاً فشيئاً عن التحول بوصفه فجيعة «تهدّ الحيل» كما يقول التعبير الشعبي. ولعل خاتمة السرد الذي ينسرب في حيلة فنية عبر حوار مزعوم بين الأب وأحد سكان الضيعة هو مكمن الفجيعة:‏

«فيا عبد الرحمن، أرجوك.. أبوس يدك كف شرك عني. أنا لن أحكي لك شيئاً مهما كلف الأمر. أأفضح نفسي؟ وإن فعلت، لا سمح الله، وحكيت لك، قد تقول لي مثلما قال لي الأستاذ (يقصد ابنه الوحيد). إنه جسده وهو حر، يا أخي: هو جسده، وهو حر، ما اختلفنا.. لكن كيف أنظر في وجوه رجال الضيعة بعد الذي جرى؟.. كيف؟!» (ص23 مسائل تافهة).‏

 

ويمعن تاج الدين الموسى في أسلوبيته الدعابية، أي توشح الفكاهة الناقدة بالمرارة، في مجموعته الثانية «الشتيمة الأخيرة»، فيشرح الأوضاع الخاطئة، ويلح على ضيعة القيم تحت وطأة المتغيرات الاجتماعية الطاحنة، وينادي الكرامة الإنسانية المسفوحة على مذبح الشره والاستغلال والإذلال، وينفح ضميراً أخلاقياً لا يقبل الضيم والحاجة والضعف. في قصة «النسر» يمنعون عنه الأرض، فأخذ الرابية التي عافوها، وأصلحها وزرعها واستثمرها، ولكنهم لم يتركوه بحاله، ويهددونه:‏

«ـ يريدونك في المنزول (يقصد مضافة المختار)، هناك المعلم أبو الدهب.. ورئيس المخفر سيهدم غرفتك فوق رأسك إذا لم ترحل اليوم عن الرابية.. يقولون: إن الحكومة ستعمل مشروعاً سياحياً بالرابية.. وهناك رئيس الجمعية الفلاحية» (ص53 الشتيمة الأخيرة)، ولكن نسر لا يذهب، «ومن يريد نسر يجيء عنده» (ص54).‏

أدرك نسر «ملعوبهم» وطمعهم، فيوم «صارت الرابية جنة، لعبت عيونهم عليها.. راحوا إلى سجلاتهم الصفراء، ثم جاؤوا إليك، وقالوا: هذه الأرض للجمعية الفلاحية». (ص56)، ويحاصرونه، ويخسر القضية أمام القضاء باعثاً هذه الدعابية الموجعة من خلال أمرين، فجعل المطالب بالرابية هو الجمعية الفلاحية التي يفترض أن تدافع عن حق الفلاح بأرضه، واستند، فيما استند إليه، إلى الشعار المعلن أن «الأرض لمن يفلحها»، فاكتشف «بعد أن شلحك المحامي، وخسرت الدعوى، أن العدل خارج حيطان المحكمة» (ص57)‏

 

وعندما خابت جهودهم في إقناع نسر بالتخلي عن الرابية، انقضوا عليه وقتلوه. بدأ الأمر تخويفاً، أو هكذا طلب المعلم، لأنه لا يريد أن يضعه في رقبته، وعندما هجم الفلاحون وأولاد نسر على المعلم، هرب بسيارته عبر طريق فرعي. أما نفحة النبل ففي الخاتمة المؤسية: : «قال الفلاحون: ما قتلته الرصاصة، الرصاصة في الفخذ لا تقتل.. نسر مات من القهر» (ص60).‏

وتتكرر هذه النبرة الحزينة في غالبية قصص المجموعة الثانية، حيث قسوة التحولات المجتمعية على وجدان الفقراء والبسطاء. يستغلون السلطة ويقضمون الأرض في قصة «من أخبار الضيعة»، ولا تنفع الشكوى:‏

«يا بن أخي، أنا لا أريد شيئاً من الوزير. أريد أن أراه، لأقول له: يا سيادة الوزير، كلما طلع مسؤول من ضيعتنا يعيد تقسيم أرض الإصلاح، ويأخذ عشرة دنمات زيادة، فتنقص أرضنا ونخاف، يا سيادة الوزير، أن ننام ذات يوم آخر السهرة، ونفيق عند الصبح، لنجد أننا لم نعد نملك متراً واحداً من الأرض» (ص68).‏

 

وتمثل مجموعة تاج الدين الموسى الثالثة «حارة شرقية حارة غربية» ذروة دعابيتة في نقد الواقع من منظورات اجتماعية وسياسية متعددة في قرية هي محط التحولات المجتمعية عبر اكتناه جوهر الروح الإنساني في مكابدتها لصنوف القهر والضعف والمعاناة. وقد أفلح القاص في صوغ شخصيات وأحداث فنية شديدة الدلالة والتأثير، بكثير من الإلماح والإقناع. يرتب وجيه الحارة الشرقية من قريتهم في القصة التي تحمل عنوان المجموعة الثالثة زيارة وزير دولة للحارة، ولكن الحارة الغربية تنجح في استضافة وزير الزراعة، والمعركة قائمة، فالحاج عبد الغفور، وجيه حارتهم الشرقية لن يهدأ له بال حتى يستضيف رئيس الوزراء أو حتى وزير الدفاع على الأقل.‏

وفي قصة «حلم جدتي» تأخذ الدعابية طابعاً أكثر قسوة في رؤية الطبيعة البشرية. تموت الجدة التي كانت تحلم بجمع أولادها وأحفادها، وها هم يجتمعون الآن، لا لحل مشكلاتهم المتفاقمة التي ظلت عالقة، ولكن لوداعها في قبرها. وفي قصة «الكرسي» أم فقدت زوجها، ولديها خمسة أولاد. هم يكبرون وهي تراهم صغاراً. تزعل الأم وتذهب لبيت الجدة، لأن أحدهم كسر الكرسي الذي تصدر الأوامر منه، على أنها تنكد عليهم في كل شيء. ويقرر الأبناء اللحاق بها عند الجدة، مما يضطر الأخيرة لطردهم جميعاً مع الأم. غير أن المفاجأة أذهلتهم فقد وجدوا أمهم «قاعدة وسط أرض الديار، بيدها منشار، وقربها كومة من المسامير، وقدوم، وأخشاب مكسرة، وهي تحاول بنفسها، إصلاح الكرسي الذي سحقناه». (ص29 ـ 30 حارة شرقية).‏

من الواضح، أن السخرية غدت أكثر شفافية وأكثر دعابية، في قصصه الأخيرة، مما يجعل من تاج الدين الموسى هذا القاص الساخر بامتياز، فهو يتمتع بحس فكاهي شديد اللذع والإلماح في تعبيره الصادق والأصيل عن قيم الانتماء القومي والوطني والإحساس العامر بالكرامة الإنسانية.‏

 

4- محمد عبدو النجاري:‏

أقبل محمد عبدو النجاري(4) متأخراً على كتابة القصة فهو حاز على لقب الدكتوراه في الأدب الروسي في منتصف السبعينيات، وترجم منذ ذلك الوقت أكثر من عشرين كتاباً لأعلام الأدب الروسي والسوفييتي وسواهم، ويبرز من ترجماته المختارات القصصية لفاسيلي شوكشين، وكان أرفقها بمقدمة بين فيها ولعه بأدب هذا القاص الساخر، وظهرت ترجمته عام 1988 وسماه «أديب الروح البشرية»، وقرنه بعظام الأدب الروسي أمثال بوشكين وغوغول وديستويفسكي وتشيخوف، وفهم قصة شوكشين على أنها القصة البسيطة التي لا تحتاج إلى النقد أو النقاد كي تصل إلى الناس، غير أن قصص شوكشين تتميز بواقعيتها وحسها الساخر، وبصدقها في محاكاة النفس البشرية، خلل بساطة آسرة.‏

 

ومن الملحوظ، أن النجاري كان يضع شوكشين نصب عينيه، وهو يكتب مجموعته القصصية «بحصة كريستالية» (1996)، وإن كان ثمة اختلاف في المعالجة والاستهداف القصدي وفي المقدرة على تعليل الفعل الإنساني والفعل الفني.‏

 

تكاد تستغرق قصص النجاري في السخرية في وصفها لبعض النماذج البشرية، غير أنه يتفاوت في صوغه الفني وفي هذا التعبير القيمي، فثمة قصص ذات معنى يرتفع فيها النبض الإنساني والأخلاقي إلى مستوى جيد وأخرى مسلية تغوص في الاستهلاك ومجرد الحكاية؛ وهي غالباً ما تمتح من تجربته الشخصية وتفاصيل بعض مراحل عمره، ولا سيما إقامته في الاتحاد السوفييتي بقصد الدراسة وأسفاره أثناءها في دول أوروبا الشرقية وبعدها في دول أوربا الغربية وكندا حيث يقيم الآن.‏

 

وتتبدى السخرية في قصص النجاري بأشكال متعددة، أولها السخرية من بعض العادات والتقاليد التي تصير إلى سلوك يفسد الطبيعة البشرية أو يسيء إليها كالجهل أو الاستغلال أو الرتابة أو التبذير، وهذا واضح في قصص كثيرة، ففي قصة «حارس قضائي»، وهي تتصل بعمل من تسميهم الدولة على حراسة المحاصيل الزراعية لئلا يتصرف أصحابها بهذه المحاصيل ممن لم يوفوا ديونهم. يلاحظ الراوي كيف تميت حياة القرية الهمة، وكيف تثبط العزيمة برتابتها القاتلة، وفي قصة «موظف عملة صعبة» ثمة موظف دنيء يستغل وينتهز، مستغرباً أمر هؤلاء الموظفين الذين «يسرقون» أموال الآخرين، ومشرحاً آفة اجتماعية تمكنت من نفوسهم الضعيفة.‏

 

ويسخر النجاري ملياً من عادة الجهل المتفشي الذي يعد مقياساً من مقاييس عدم التحضر وإعاقة التقدم، فهناك الكثيرون ممن يفاضلون بين العلوم، ويقللون من شأن العلوم الإنسانية. في قصة «عفواً دكتور، شو اختصاصك»، (وتعني كلمة شو بالعامية ما هو)، ثمة دكتور في الأدب والأدب المقارن ينزعج من عدم التمييز بين الطبيب واختصاص الأدب، فيورد طرائف ونوادر لذلك، ثم ما يلبث أن ينعي على الجهلة جهلهم، أو تعمدهم الجهل، أو قبولهم له مباركاً اختصاصه، على أنه معمر للروح الإنسانية بالقيم البانية لها كالنبل والشرف والكرامة والصدق والخير والجمال، والأدب قبل هذا وذاك لا بد منه للوعي الذي من شأنه أن يبدد ظلمات الجهل.‏

 

وتتحدث قصة «سينوكي» عن أزمة التبذير التي تمسخ الإنسان، و«سينوكي» هو اسم قرية أخذها مالكها بالحيلة ثم بعثرها ولده، وقبع في مشفى في نهاية المطاف إثر إصابته بالسل الرئوي.‏

ويمعن في تشريح مرض الاستغلال في قصة «مصير جاكيت»، وهي عن «جاكيت شاموا» صار موضع استغلال في دمشق وموسكو من قبل بعض الشيوعيين الذين غرقوا في النهم والجشع على حساب الآخرين، مستغلين طيبة متأصلة أو تحولات مفاجئة أدت إلى أوضاع جديدة وقوانين تبيح لهم ثغراتها فعل ما يفعلون.‏

وثاني أشكال السخرية ما يتصل بالتكاذيب التي تكشف عن قلة حيلة كما في قصته «حادث سير» التي تصف جندياً شاهد حادث سير، غير أنه وجد ذلك الحادث فرصة لإضفاء الاهتمام على شخصه المتواضع، فشرع يبالغ في روايته كذباً، أما الراوي فيستغرق «في تأمل قصة هذا الجندي، الهزيل الجسد، الخصب الخيال، وتصورت حجم المبالغات التي سيضيفها على اكذوبته هذه عند وصوله إلى قريته.. وكنت وحدي مع الطبيعة، فلم أستطع الامتناع عن الضحك بصوت عال» (ص18).‏

 

وثالثها السخرية من طبائع ذوي مهن معينة حين يستبد الجشع بممتهنيها، وتؤدي إلى الأذى الإنساني، ومنها قصة «بحصة كريستالية» التي تحمل عنوان المجموعة، وهي القصة الوحيدة المهداة على سبيل المفارقة إلى المدير الإداري لمشفى الحسكة الاستاذ النادر في نزاهته عبد المجيد فارس أسعد. لقد ساءت صحة المعلم بسبب تشخيص الأطباء الذين لا يهمهم إلا جمع المال، بينما يهملون معرفتهم الطبية، مما دعا النجاري للمبالغة الكاريكاتورية في تضخيم هذا المرض السلوكي لدى أمثال هؤلاء الأطباء، ولا ينسى طبعاً أن يشيد بالأطباء النبلاء الذين كرسوا ويكرسون حياتهم من أجل الناس أمثال أنطون تشيخوف وتشي غيفارا ويوسف ادريس وأحمد نافذ وعبد السلام العجيلي وغيرهم. والمؤسي أن المعلم انتقل إلى طبيب القرية الذي أرسله إلى طبيب المنطقة الذي أرسله إلى طبيب المدينة الذي أرسله إلى طبيب في العاصمة الذي أرسله إلى أطباء واخصائيين آخرين، حتى وصل إلى أخصائي قال بعد الكشف والاطلاع على صور الأشعة العادية والـ «ايكو» والتحاليل كافة:‏

«- أنا بصراحة، كي أشخص المرض بدقة، لا أعتمد على صور الأشعة العادية، ولا حتى على الـ«ايكو» التي معك، إنما اعتمد على الصورة بالإبرة الظليلة.....فإذا كانت الـ«ايكو» تعطيك النتيجة 80%، فالظليلة تعطيك إياها مائة بالمائة واضحة، لذلك عليك أن تصور بالإبرة الظليلة، خذ العنوان... سأتصل معهم لتسيير أمورك بسرعة» (ص53).‏

 

وعندما عاد بالصورة إلى الاختصاصي أكد له أن بحصة موجودة في كليته اليمنى، وأخرى في كليته اليسرى، ولكنها غير مرئية في الصورة، لعلها بحصة كريستالية شفافة ستتفتت تلقائياً، ونصحه بأن حالته لا تحتاج إلى عملية، ويمكنه الاقتصار على الأدوية فقط، فخرج المعلم يتلمس ألمه، وعاد أدراجه إلى قريته متذكراً مرة اخرى أنه ينبغي لك، قبل البدء في علاج أمراض الناس أن تخرج قلبك من صدرك، وأن تضع مكانه حجراً بينما تحضر في ذهنه صورةً كانت «معلقة في غرفة أحد مشاهير أطباء التحليل، وكان الصورة عبارة عن كمية هائلة من الدولارات الأمريكية مبعثرة هنا وهناك على مساحة واسعة وبالخط الأحمر العريض كتبت فوق لوحة الدولارات تلك، عبارة: «I love you»، واسترجع ثانيةً هذه الأقوال: «أن ثروتي كلها قد جاءتني بصراحة من جيوب الفقراء واصحاب الدخل المحدود.» و«خريج جامعات ومعاهد ومشافي...» و«بحصة كريستالية شفافة ستتفتت تلقائياً» (ص54).‏

لا تختلف قصة «متعهد على موعد» عن نمط السخرية إياه، فقط أكل هؤلاء المتعهدون الأخضر واليابس، ولاسيما أولئك الذين أثروا إثر استغلال تحولات طارئة، بالتواطؤ مع الموظفين وسواهم، وتذكر القصة عدداً من هؤلاء المتعهدين؛ الأول، كان يعيش على «الحديدة»، فأصبح في مدة قصيرة أكبر تاجر للحديد، والثاني، كان لا يشبع لقمة الخبز، فصار واحداً من أهم سماسرة الحبوب.. ومن أبسط «فهلوياته» أنه يبيع شاحنة الحبوب الواحدة مرتين للدولة، والثالث يأخذ السماد والبذار من المصارف الحكومية، بأسماء الجمعيات الفلاحية، ثم يبيعها على حسابه في السوق السوداء بأرباح خيالية، والرابعة كان ثورياً من طراز خاص، يغني لمرسيل خليفة وشيفان، ويعلق صور لينين وغيفارا معاً في بيته إلا أنه سرعان ما اصبح من فرسان السوق، والخامس، وهو الأهم، بات، بعد فشله في الدراسة، وبعد أن عاف السياسة متعهداً مرموقاً تعمل لمصلحته آليات الدولة...الخ.‏

سمى النجاري على لسان راوي القصة هؤلاء المتعهدين «قناصين» للثروات والفرص والخلل الكامن في الطبيعة البشرية؛ غير أن مثل هاتين القصتين أقرب إلى المقال القصصي بلغة السرد.‏

 

وتبلغ السخرية ذروتها عند النجاري في شكل أخير هو التهكم، وهو شكل بليغ يرتفع بالحس الإنساني المأساوي إلى مفارقة بسيطة كما في قصص «أعتذر، الرفاق في انتظاري» و«من موسكو، إلى سوتشي» و«ما رأيك بالإمبريالية؟»، وفيها جميعاً تهكم واضح من الادعاء والماضي الحزبي والعقائدي، وتقوم هذه القصص التهكمية على استحضار العلاقات العابرة مع النساء، ففي القصة اللأولى، يتعرف إلى فتاة حسناء في وارسو، ثم يعكر رفاقه الحزبيون، دون داع، صفو اللقاء دائماً، وفي القصة الثالثة، يلتقيان فتاة ألمانية، وتبدأ علاقة مع أحدهما، والقصة الأكثر بلاغة في هذا المجال هي القصة الثانية «من موسكو، إلى سوتشي»، فثمة أربعة شبان يتحدثون عن النساء، وكيفية اصطيادهن في روسيا الاشتراكية دون إنسانية، دون معنى. إنه مآل التهكم الصريح من وجدان خال من الروح، ولا سبيل له إلا استهلاك الوقت وكل شيء، وتختتم القصة بهذه الخاتمة الدالة:‏

« وران الصمت تدريجياً على الزملاء الأربعة، ثم غطوا، بعد قليل، في نوم عميق، ضمن حجرة عابقة بالدخان ورائحة البيرة والحديث عن النساء.. بينما كان القطار يصفر، من حين لآخر، متابعاً سيره نحو شواطئ البحر الأسود» (ص13)‏

وتغدو المفارقة بتأثير السخرية التهكمية أكثر تعقيداً في قصص «رسالة» و «الاوسترالية» و«الهدية»، حين تقارب المفارقة خيطاً إنسانياً رفيعاً تحرص القصص على الحفاظ عليه. يتسلم رسالة من صديقه الدارس في الخارج في القصة الأولى «رسالة»، ويتحدث فيها عن حياته العاطفية البائسة، فثمة فتيات يبادرن إلى التعلق به، ولكنه لا يبادر، وعندما يتواعد مع إحداهن في اليوم التالي يفاجأ أنها لا تحضر؛ وفي القصة الثانية «الاوسترالية» يدعو زميلة له معيدة، فتلبي الدعوة، غير أنها تريده صديقاً فحسب، وفي القصة الثالثة «الهدية» يشتري هدايا لخطيبته، ولكنه يخطئ في الاختيار، فليست الهدية سبيلاً إلى القلب دائماً.‏

ينضم محمد عبدو النجاري في مجموعته «بحصة كريستالية» إلى قائمة القصاصين الساخرين، على تفاوت في معالجته، وهو يرتقي بهذه المعالجة كلما عاين الشرط الإنساني، ودخل بالسخرية إلى مدار تهكمي لاشك في أنه أفلح في بنائه على المفارقة البسيطة أو المعقدة؛ وهذا واضح في عدد من قصصه.‏

 

5- كوليت نعيم بهنا:‏

كوليت نعيم بهنا(5) قاصة ساخرة، ولعلها القاصة الساخرة الوحيدة بين القاصات في سورية. لم تصدر كوليت نعيم بهنا إلا مجموعتين قصصيتين الأولى هي «الاعتراف الأول» (دمشق 1995) والثانية «واو» (دمشق 1997)، ولكنها كافية لتشير إلى الطريق التي عبّدتها مؤلفتها بين كتاب القصة الساخرة الأولى في مجموعتها في الإهداء اللافت للنظر. كثيرون أهدوا مؤلفاتهم إلى الأب والأم، إلا أن ثمة لمسة سخرية تجعل من هذا الإهداء مفتتحاً لانسراب المجموعة في ذلك المناخ الأخيولي الساخر من جهة، وفي تلك النبرة المتأبية على العادية من جهة أخرى. تقول كوليت نعيم في إهدائها:‏

«لو لم يتزوج السيد نعيم بهنا ـ رحمه الله ـ بالسيدة عبلة الكربوجة، لا كنت أتيت، ولا كانت هذه المجموعة خرجت موقعة باسمي. إليهما فقط إهدائي.. الأول، وتفضلا بقبول فائق الحب.. والحب»(ص3).‏

 

أبدأ من قصة «معجزة الخالة فوزية» التي تصير فيها السخرية إلى نبض إنساني مفعم بالروح. عجوز تحس بالوحشة، وبالحاجة إلى أنس رجل، فلا تجد إلا رجل الساعة الناطقة، وتتوهمه وحالها نداء مفتوح: «سأعطيك عنواني، لنتعشى سوية ما رأيك؟.. لا تخش شيئاً أنا في سن والدتك، وأريد أنيساً فقط، لا تتأخر» (ص56).‏

ويلّطف سخريتها المرة ذلك النزوع إلى الطرافة في اعترافات المرأة العجوز تخفيفاً لصعوبة الحال الذي وصلت إليه، فهي «امرأة كبيرة قليلاً في السن»، وهي تعيش وحدها في هذه الغرفة الموحشة، ولم يبق لها سوى صوته؛ وهي تشعر بوحدة قاتلة وجوع كبير. ثم تجد هذه الحال الصعبة مسوغاً لطلب ما تطلبه، وما تبوح به:ستهديه عقد اللؤلؤ الذي تمتلكه وستناديه بالشاب الوسيم. ولكن نوبات الحزن تنتابها، فتختلط في النجوى الطويلة صدى وحدتها الموحشة مع صوت الأمل الكاذب بحضوره:‏

«وماذا لو أتى؟ جريمة؟ دعيه يأتي وليتكلم الناس ما شاؤوا بجميع الأحوال هم دائمو الكلام عني، إن لم يزرني أحد يقولون: عجوز برية تعشعش في الغرفة كالأشباح، وإن زارني أحد، يقولون: عجوز كركوبة يدخل بيتها أشكال وألوان، فليأت شابي الوسيم لا يهمني أحد بعد هذا العمر» (ص58-59)‏

 

ويتسع هذا النبض المؤلم في قصتها «أمنية»، فقد تمنى أن يحملها، وتحققت الأمنية بعد زمن طويل، حين حملها نعشاً. تصير السخرية المرة إلى هذه النجوى الملتاعة بين حبيبين، فيأتي الفقدان ليكسر كل شيء، وليتكسر تحت نعشها «ألف ألف قطعة»، فينداح مع حرقة الفقدان الذكرى القاهرة:‏

«وهكذا قررنا نسيان أمنيتنا المشتركة، واكتفينا بمقعدنا الخشبي.. صديقنا الصامت.. المستمع الوحيد لأسرارنا.. فوقه بكينا.. وفوقه تهامسنا.. وفوقه حاولنا الإمساك عبثاً بيد حب لا أصابع له»(ص11).‏

 

وما تلبث هذه السخرية الشفيفة أن ترق حتى تلمس شغاف القلب في القصة التي حملت عنوان المجموعة «الاعتراف الأول» حيث الطفل الذي فينا، والرجاء الغامض الرحيب والضيق. تتحدث القاصة، بضمير المتكلم إيحاء بالطابع السيري لسردها، عن طفولتها في المدرسة التابعة للكنيسة أو العكس، مع عدد من الصبيان. وكيف كانت تريز، المعلمة الراهبة، وبمواعيد ثابتة «تقودنا كل يوم نحو الكنيسة الصغيرة الملحقة بمدرستنا الخاصة، وهناك، داخل الحرم الإلهي الهادئ. تركع تريز بخشوع كبير لنركع خلفها، ثم نتلو بعض الصلوات التي لا تكتمل ـ كما قالت ـ إلا بالصلاة الخاصة بالسيدة مريم العذراء، ولثلاثة وثلاثين مرة، أي بعدد خرزات سحبتها الفيروزية المنتهية بصليب فضي جميل وطويل»(ص16ـ17).‏

 

فما كان من هؤلاء المصلين الصغار إلا التأوه والأنين الخافت تعبيراً عن آلام الركوع الطويل على ركبهم فوق العارضة السفلية للمقعد الخشبي القاسي. وحدث ما يغضب الأم تريز حين شارك الصف الأولاد في مباراة، فقررت استدعاء أولياء أمورهم، ثم أعلنت لهم أنهم كبروا فجأة، وعليهم، كما قالت: أن يستعدوا منذ اللحظة لتناول القربان المقدس والاعتراف داخل الكنيسة. وتزداد رعباً من ذكر الاعتراف. وأثر معاناة قاسية رافقتها إلى الأب جرجس في غرفة الاعتراف، حكت دماغها الصغير، فلم تجد لديها خطايا، «فقط، أخذت قطعتين من الشوكولاتة رغم تحذيرات أمي أنها علبة مخصصة للضيوف و.. وفقط» (ص22). ولكن الأب جرجس عنفها، فما فعلته يدعى سرقة، وهي خطيئة كبرى، وعليها أن تصلي.. وتصلي.. وتصلي، وألا تنسى فعل الندامة. وتختتم كوليت بهنا قصتها بهذه النبرة الساخرة الشفيفة المفعمة بالإنسانية:‏

«ركضت خارج الكنيسة، بعيداً قدر ما استطعت. غير مبالية بدموعي، ولا بالمطر الغزير الذي بلني، وأنا أنظر إلى السماء الواسعة، وأتذكر ضيق الغرفة، المعتمة.. أنظر إلى السماء الرحبة. وأنادي برجاء:‏

أبانا الذي في السموات» (ص23).‏

 

وتمضي غالبية قصص المجموعة على هذا المنوال، ففي قصة «المايسترو» يتوقف القلب.. ويودع الأحبة حزيناً؛ وفي قصة «700 قبلة» ـ لاحظ عدد القبلات بينهما ـ ثمة زوج وزوجة والعمر الذي مضى هدراً، وكأنها خديعة موشحة باسم الزواج:‏

«- من سرق زوجتي؟ أين غنجها ودلالها؟ وكيف بهت لونها الوردي؟ كيف؟ أخبروني.‏

 

- أين ذاك الرجل الذي كان يثير أنوثة الدنيا كلها في جسدي؟ كيف بردت الشمس بين يديه، ومن سرق السحر من جبينه؟ من سرقه؟» (ص13).‏

ولا من مجيب في توالي الأيام المهدورة إلا من حنين إلى الماضي الذي لا يعود: «فاديا.. ما رأيك أن نشرب قهوة الفجر كما كنا نفعل دوماً؟» (ص15).‏

 

وتتدفق إلماحات السخرية الشفيفة في قصة «ريا»، وهي عن فتاة جميلة تطل من نافذتها على الحي، فتسلب الأبصار والبصائر، غير أن قطار العمر فاتها، ولم يعد يلتفت إلى إطلالتها أحد، فقررت ألا تفتح نافذتها أبداً. ومثلها قصة «رسالة وداع»، وهي رسالة إلى سرير كان يمنحها الدفء والراحة والطمأنينة، ولكنها انتقلت إلى سرير الزوجية. وفي قصة «عزيزي رئيس التحرير»، يرسل في أزمة الصحراء مراسلاً حربياً، ويموت وهو يكتب عن الحب.‏

أما القصص التي تباشر السخرية اللاذعة فتمثلها عدة قصص، أولها قصة «حتى أنت يا روبوت»، ففي زمن قادم تتزوج آدمية من رجل آلي، وتلد له طفلة، ولكنه ملّ منها، وخانها مع امرأة آلية، وكان الطلاق. إن الآليين أنفسهم يحسون المشاعر نفسها، ويواجهون المشكلات نفسها، ويظل يتردد صدى الحوار المسدود:‏

«- لا.. أبداً.. لن أسامحك مهما اعتذرت، ومهما قلت.. لا أريد الحياة مع خائن مثلك؟ أكلكم هكذا؟! حتى أنت يا روبوت؟ حتى أنت؟ طلقني.. الآن.. لا أريد الحياة معك.‏

أشعل روبوت لفافة تبغ، بعد أن هربت تلك الملعونة، وجلس صامتاً، ثم قال بكل هدوء:‏

- أتريدين الطلاق فعلاً؟ فكري قليلاً.. أنت الآن غاضبة، فكري قليلاً.‏

 

- لا أريد التفكير.. طلقني.. «صرخت بأعلى صوتي وأنا أبكي بشدة».‏

- لن أجبرك على الحياة معي بالقوة. ليكن ما أردت. أنت طالق.. طالق.. طالق.‏

كانت آخر كلمة رددها. حملت حقيبتي بيد، وطفلتي النائمة باليد الأخرى، وخرجت» (ص39).‏

وتبلغ السخرية مداها القاتم مرارة في قصة «هل تذكرتني الآن؟». إن ثمة ميتاً يشكو المحافظ لتحسين وضعه وأوضاع الموتى الآخرين، فالفساد الدنيوي صار إلى فساد في الآخرة!.‏

 

يخاطب الراوي المحافظ، ويخبره ساخراً أنه انتقل إلى رحمته تعالى يوم التاسع والعشرين من شباط قبل عامين، ومن رحمته انتقل إلى مقبرة المفعول بهم، في مدفن العائلة وبعض الأقارب والأصدقاء، أما شكواه فتتلخص بأنه، ومنذ أن أحضروه إلى قبره يعاني وغيره من ضجيج يزداد يوماً بعد يوم لا يسمح لهم الموت براحة، فالمقبرة تطل على الشارع العام، وضجيج السيارات ونقيرها الذي لا ينقطع ليل نهار ناهيك عن الهباب الأسود الذي يعكر صفو الهواء النقي الذي يعيشون فيه في مملكتهم الخاصة هذه.‏

 

ثم يعدد الراوي شكاواهم الأخرى، تأمين الحراسة لمقابرهم خشية السرقة، اذا استفاق أحدهم ووجد نفسه عارياً بلا كفن، وتكليف وسائل الاعلام لزيادة التوعية أن الموت حقّ، وهو غير مخيف..الخ، غير أن السخرية المرة تبرز في سياق سردي قائم من باب «شر البلية ما يضحك»،أو يؤسي، لا فرق، كما في هذا الجزء من الشكوى إلى المحافظ، حين نعرف أن المحافظ ميت مثلهم:‏

«من؟ أواه.. لا أنت؟..سيدي المحافظ..رحمة الله عليك.. أنظر إلي.. هل تذكرتني الآن يا..؟» (ص43).‏

 

ولا تختلف قصة «مغامرة رحم» عن هذا السياق. جنين يخاطب أمه راجياً المحافظة عليه حتى يلد بسلامة، ولكنها تذهب مع زوجها للطبيب لمحو آثار الفضيحة، فهما لا يريدان أولاداً بعد الآن، بينما الجنين يصرخ طالباً البقاء والتشبث برحم أمه: «أستسحقونني؟ لا يا أمي.. دافعي عني أرجوك.. دافعي عن وجودي.. أنا أحبك جداً، ولن أغضب من أبي ثانية. تروي قليلاً.. احميني.. سأكون جميلاً.. صدقاني.. أنا لم أرتكب ذنباً، فلماذا تتقيآني الآن؟ أمي.. أرجوك.. تشبثي بي.. اتركيني بأحشائك. تشبثي بي يا أ..م.. ي.. ي.. ي». (ص8)‏

وتابعت بهنا أسلوبها الساخر في مجموعتها الثانية «واو» (1997) ولوجاً في شفافية محببة انتقاداً لمظاهر اجتماعية من جهة ومعاينة للشروط الإنسانية القاهرة من جهة أخرى، وتفصح قصة «شيء في أذني» عن مثل هذه الشفافية، فتتحدث عن ورم في أذنها هو كلمة، ولكنها سرعان ما تخلصت منها «رميت بالكلمة في القمامة، وأنا أحمد الله على أنها لم تخترق الدماغ وتستقر في الذاكرة، وأفكر بقلق عظيم، بمصير تلك الخزعة التي أخذها الطبيب وتسرع وزرعها في مختبر المشفى العام» (ص36).‏

وتعد قصة «دويخة» من السخريات اللطيفة في معارضتها أو مقابلتها التناصية لبيت شعر الأعشى في معلقته:‏

علقتها عرضاً، وعلقت رجلاً * * * * غيري، وعلق أخرى غيرها الرجل‏

ويتضح هذا في الخبر الأول الذي يجمع أطراف القصة وتحفيزها كله:‏

«كنت أحبه جداً. ذلك الشاب الوسيم الذي يعزف على العود، ويشغل سطح المبنى الرابع في حي الزهور. لكنه، كان يحب امرأة أخرى شقراء الشعر، نحيلة، وتقطن في الحي الشمالي» (ص47).‏

 

وتعتمد بهنا على صيغة الخبر في صوغ قصتها عن طريق راو صريح متكلم ما يلبث أن يفارق مرويه في معضلة الحب التي تؤلف وتفرق بين المحبين، لذلك تختتم قصتها الإخبارية معتنية بالإبلاغية وبتوكيد المعنى المؤرق للذات الإنسانية:‏

«بائع الزهور الأسمر... هو بذاته.. بائع الزهور الأسمر الذي كان يحبني بولهٍ، وينتهز أية فرصة، ليلقي عليّ التحية، ويقدم لي وردة حمراء شهية، لا يعلم أنني كنت أحملها بسعادة، وأهرع لأقدمها إلى من أحبه جداً، ذلك الشاب الوسيم الذي يعزف على العود، ويشغل سطح المبنى الرابع في حي الزهور، والذي كان يأخذ مني الوردة الحمراء الشهية، ويهرع بها إلى تلك المرأة التي يحبها، شقراء الشعر، النحيلة، التي تقطن في الحي الشمالي، وتنتظر قدوم المساء بفارغ الصبر، لترمي بالوردة إلى ابن الجيران، الذي كان يتلقف الوردة، ويسرع قبل أن تذبل أوراقها، ليقدمها إلى ابنة عمه التي يحبها، وتعمل في شركة كبرى، وتنتظر قدوم الصباح بفارغ الصبر، لتأخذ الوردة وتقدمها إلى زميلها في العمل، الذي....التي.... الذي.... التي.....» (ص48).‏

 

وثمة قصص كثيرة تستغرق فيها السخرية في انتقاد المظاهر الاجتماعية السلبية، كما في قصة «رجل مهم جداً»، فلا يلقى المرء اهتماماً إلا حين وفاته، ولكن هذا الاهتمام يزول عندما يضطر أهل الميت لدفع نفقته، إذ يرفسه أحدهم بقدمه ليسقط «في حفرة ضيقة وعادية جداً.. عادية جداً» (ص57) ولسان حاله يقول بصوت مسموع:‏

«طوال حياته كان رجلاً عادياً.. ألا يكفي أننا سترنا آخرته، وقمنا بالواجب أمام الناس» (ص57).‏

 

ولا تبتعد قصة «فوق جزيرة نائية» عن هذا السياق الانتقادي، فقد انتظرت المرأة طويلاً.. في جزيرة نائية، ولم يجدها أحد إلا عندما اهترأت ألبستها فعلقت حمالة صدرها السوداء وسروالها الداخلي الأحمر. ولكنها لم تفهم أبداً كيف وصل القطار. إذن كانت تتخيل، وفي هذه بعض مزايا أسلوبها الساخر الباسم!.‏

لجأت كوليت نعيم بهنا إلى السخرية من بابها الأكثر تأثيراً: الحس الإنساني الأليم والموجع دفاعاً عن القيم، وترتفع حدة السخرية بمباشرتها وانتقادها للظواهر التي تشين الحياة وتفسدها فتؤول إلى تعبير سردي مرير. واستطاعت أن تنفح أسلوبها الساخر دفق معنى يؤشر إلى خطواتها الواثقة في كتابة القصة القصيرة.‏

 

2-تقانات القصة الجديدة: السرد الاستعاري‏

 

1- من الاستعارة إلى السرد الاستعاري:‏

تنطلق الاستعارة من مفهومها البلاغي الأبسط، وهو نقل العبارة من ظاهر المعنى إلى سواه بالنظر إلى قرينة دالة عليه في السياق، بمعنى استعارة الكلمة في تركيبها إلى معنى كامن أو خفي، وتتحدد الاستعارة بوظائفها الدلالية العاطفية والإعلامية والشعرية والجمالية، وباستطاعتها الأوسع والأشمل للدلالات والمعاني عند الاشتغال الأسلوبي وامتداده الملفوظي بالترادف أو البدلية أو التكرار أو المجاز أو تبادل المواقع أو التدوير أو التشبيه أو التناقض أو العطف والاستئناف دخولاً في الأسطرة أو الرمز ليحمل النص «طاقات مشعة زاخرة بمعانٍ بعيدة خفية»(6).‏

ورهن باحثو جماليات الأسلوب تشكيل الاستعارة بمحورين، أولهما «الأفق النفسي وحيوية التجربة الشعورية، والآخر: الحركة اللغوية الدلالية بتفاعل السياق وتركيب الجملة»(7)، ويقود هذا التشكيل الاستعاري إلى معاينة الحسية والتجريد وحركة الأفعال التي يستند إليها التحفيز أو تنامي الفعلية.‏

 

ويمتاز النص الأدبي من سواه باصطناع الصور أو استعارة الاستعارات أو تكنية الكنايات أو التشبيه بتشبيهات، وكلها مراحل استعارية بالمفهوم الأعمق نحو الاستعارة الشاملة التي يُبنى عليها المجاز أو الرمز أو الأسطرة.. الخ، «فإنما يقيس (يقصد النص الأدبي) الصورة الفرعية على الأصلية، والمجازية على الحقيقية، والأدبية الخالصة على الواقعية المادية: انطلاقاً من اصطناع الشخصيات التي تتخذ من سير الأشخاص العاديين في الحياة والذين يضطربون في المجتمع بكلّ مظاهر سلوكهم نموذجاً لبناء الشخصيات الواقعية في الأعمال السردية والدرامية وسواها إلى اصطناع الصور الأدبية ذات الخصائص البصرية التي غالباً ما تقوم على المماثلة بين شيء محسوس مرئي موجود في جوهر الطبيعة وكنهها، أو حتى في عرضها وبين شيء مماثل له في النص»(8).‏

 

ويمدّ مفهوم الاستعارة إلى شمول الحياة كلّها، على أن الممارسة الإنسانية برمتها مرتهنة بالسلوك اللغوي لدى إدراك النظريات الدلالية من العمليات الذهنية الخوارزمية بالمعنى الرياضي بوصفها معالجة صورة لرموز اعتباطية إلى نظرية المعنى الرمزية، فقد «يكون للرموز الاعتباطية معنى، وذلك إذا افترضنا أنها ترتبط بأشياء في العالم، فتصبح علامات عليها. ولهذا العالم بنية مستقلة عن العمليات الذهنية عند البشر»(9).‏

 

وبيّن مؤلف الكتاب السابق «الاستعارات التي نحيا بها» كيفية كشف الاستعارة حدود أسطورة النزعة الموضوعية، «فالاستعارة لا تكتسح لغتنا فحسب، بل نسقنا التصوري بأكمله... ولقد وجدنا أن بإمكان الاستعارة أن تبدع معنى جديداً ومشابهات جديدة، وبذلك يمكن أن ترسم حقيقة جديدة»(10).‏

وأبدى مبدعون كثر إيمانهم بالمدى الاستعاري الشامل في التشكيل الأدبي، فذكر حنا مينه في كتابه «القصة والدلالة الفكرية» عبارة للكاتب السوفييتي ارميلوف في منتهى الأهمية ومفادها «عند تشيكوف أن المسرح يجب أن يصور الحياة اليومية للناس العاديين، عليه أن يصوّرها بحيث تضاء هذه الحياة بنور يشعّ من داخل الشعر، من فكرة كبيرة، بحيث يوجد هناك تيار تحت سطح الماء وراء الواقع المباشر. كان تشيكوف يحاول أن يعطي كلّ ما يمثل المسرح مغزى مزدوجاً: مغزى مباشراً حقيقياً ومغزى آخر شاعرياً شاملاً»(11).‏

 

وأكد دارسو الأدب والدلالة أن البلاغة السردية تقوم على المجاز والاستعارة بالدرجة الأولى، بما يفيد تعدد المعاني للكلمة الواحدة في اللغة ذاتها نحو انحراف اللغة المجازية باتجاه غير منطقي من خلال الاستعارات التمثيلية وإدغامها في المبنى النصي، إذ «يضم التركيب معظم البنيات الممكنة. لذلك نجد فيه ما يعتبره القدماء صوراً بلاغية مثل الإبدال والمناجاة والواقعة بأشكاله كافة: الاعتراض، الخاتمة الحكمية، القطع، الإضافية، وهذه كلّها أشكال متنوعة من التعليق، نلاحظ كذلك التحاور، وهو الأسلوب المباشر والاستفهام الشرطي: أتريد أن يميل إليك الجمهور؟ نوّع أسلوبك دائماً..» وهي مأخوذة عن: «إذا كنت تريد.. الخ»(12).‏

 

وأظهر علم السرد مكانة الاستعارة في تحقق بلاغة السرد وبلوغ أغراضه العميقة. فقد «جادل جاكبسون في إحدى مقالاته الهامة بأن أي نشاط لفظي يتضمن عمليتين: العملية الاستعارية حيث يؤدي موضوع الخطاب إلى موضوع خطاب آخر من خلال علاقات التشابه (التي تشتمل على الاختيار والاستبدال)، والعملية الكنائية، حيث يؤدي موضوع الخطاب إلى موضوع آخر عبر التجاور. واحتذاء بجاكبسون الذي أكد العملية الكنائية في الرواية الواقعية، وتوسيعاً لهذه الفكرة، مال السرديون إلى معاملة السرد بوصفه كنائياً بالأساس: لقد جادلوا بأن الحوافز والوظائف يندمجان بصفة رئيسة في متتاليات عبر علاقات الجوار. ومع ذلك، يمكن أن نجادل بأن السرد هو وظيفة للعملية الاستعارية: إن الموقف الأخير أو الحدث الأخير في متتالية سردية، يشكل تكراراً جزئياً للموقف الأول أو الحدث الأول، وبعبارة أخرى، توجد علاقة تشابه بين كليهما»(13).‏

ولا يخفى أن الخطاب غير المباشر في السرد هو الأهم والأكثر بلاغة وإبلاغية حسب أن بانفيلد، فهو «يكشف عن طريق التمفصل عن تيار الوعي. بينما يتجنب الأسلوب غير المباشر اقتراح أن الإجراء الفعلي للتفكير والإحساس يعود في الأصل إلى الخطاب الداخلي، وذلك عن طريق خلق مسافة بين اللغة (الكلام) التي تعيد إنتاجه تبعاً لتواصل شفوي، وبين ضمائر المتكلم والمخاطب المفردين، وذلك بمراعاة حذف هذه الأخيرة. إن الأسلوب غير المباشر يمكن أن يتضمن تراكيب وعناصر تعبيرية وجملاً غير تامة وابتكار تحويلات جذيرية... فهو يسمح للحالات الداخلية بأن تعبر داخل تعبيرات عن نفسها، وهي الحالة التي تكون فيها في غالب الأحيان مُلزمة بأن تُنقل رواية داخل جمل»(14).‏

 

و«يسمح تحليل الملفوظ السردي بالانتقال إلى الكشف عن البنيات الفاعلية والمسار الغرضي ثم البنية العميقة، ويجدر التنبيه هنا إلى أن تحديد موضوعات القيمة في النص يمثل دليلنا لتحديد البنيات الفاعلية، وأن تعيين أهم التجليات الغرضية يتم استناداً على مراعاة تقابلاتها وتحولاتها، كما أن تحليل البنية العميقة يتم عن طريق المربع السيميائي الذي يمثّل تمثيلاً مرئياً التمفصل المنطقي للمقولات الدلالية القاعدية التي انبثقت عنها مختلف دلالات الخطاب المدروس»(15).‏

 

وتواصل مفهوم السرد الاستعاري مع العوالم الميتاقصية أو الميتانصية على أن ما وراء السرد يعضد المبنى السردي نحو الإفصاح عن تشكلات البنى العميقة، وتُحصر أبعاد ما وراء السرد فيما يلي:‏

1- ينطلق الميتاقص من كونه قصاً واعياً بذاته، أي أن الرواية الميتاقصية، تعرض بتباه، كما يؤكد ذلك روبرت ألتر، وضعيتها المصنعة كيما تسبر غور العلاقة الإشكالية بين ظاهر حقيقتها المصنع والواقع.‏

2- يوجه الميتاقص اهتمامه نحو الجانب الأنطولوجي لتشكله كي يطلع القارئ على عنايته الخاصة بتاريخ النوع الأدبي الذي ينطلق من أفقه محاوراً تقاليده وشروطه العامة، أو أنه يمارس تشكله عبر التفاتاته الذاتية (الصوغ الاستعاري بالانحراف أو الانزياح أو الالتفات عن الظاهر إلى الباطن) إلى طبيعته اللغوية محيلاً بلغة العمل على العمل ذاته، أو أنه يضطلع بالأمرين معاً، فتغدو الكتابة ومواضعاتها، بذلك، أبرز موضوعاته، سواء أقدم ذلك بصورة صريحة أو ضمنية كنائية.‏

3- لا يقدم الميتاقص سرداً أو قصة وحسب، إنما يتجاوز هذا إلى تقديم رؤية ناقدة مستمدة من وعي الميتاقاص بالمسائل النظرية التي ينبني وفقها القصّ(16).‏

وحاول باحثون عرب أن يشتغلوا على السرد الاستعاري في القصة والرواية في مجاله الأبسط مثل توظيف الأسطورة في القصة العراقية الحديثة وخلص إلى القول، إثر تحليله المبسط، «إنَّ القصة العراقية الحديثة لم تقتحم أفق التجريب الفني، إلا لأنها كانت تضمر إحساساً غامراً بوجود هيكلية داخلية يحسب البحث أنه توصل إلى بعض تقنياتها الطافية على السطح، متدرجاً من المواطن الحافظة لها، إلى تمظهراتها في النصوص القصصية، تشخيصاً وإحصاء وتمثيلاً ودراسة»(17).‏

 

2- السرد الاستعاري في القصة:‏

ينتمي السرد الاستعاري إلى تقانات مفارقة ظاهر المعنى إلى ما وراء المعنى أو معنى المعنى وإدغام هذه التقانات في آليات التحفيز غير الواقعي، دخولاً في اعتمال المنظور السردي وأنساق تنضيده بالصوغ الاستعاري والدلالي ونشداناً للتحفيز التأليفي والجمالي اللذين يتصلان بمفهوم النص المفتوح من جهة، والنص الغائب من جهة أخرى، لتغدو القصة بعد ذلك نصاً سردياً قائماً على اقتصاد الحوافز وتوظيفها الدلالي في التحفيز التأليفي وناتجاً عن تراض بين الوهم الواقعي ومتطلبات البناء الجمالي في التحفيز الجمالي(18). ويؤدي مثل هذا السرد الاستعاري إلى ثراء المعنى وغنى الدلالات بالإيماء إلى تضافر الحوافز في تشكيلها لنسيج أغراض السرد أو ما يسمى بوجهة النظر الذي تتبعه عن المباشرة بتثمير جماليات السرد وتقاناته من اللغة وبلاغيتها إلى تجديد أنساق السرد بتوسيع أمداء الاستعارة لتشمل المبنى السردي برمته، من خلال الانزياح النّصي أو الرمز أو الأمثولة أو الأسطرة.. الخ.‏

وقد اخترت الحديث عن نماذج قصصية أفلحت إلى حدّ كبير في التوصل إلى المبنى الاستعاري للسرد، وهي:‏

1- المتن الحكائي المتوهم عند رباب هلال.‏

2- الترميز الأشمل لما وراء المعنى في قصص غسان كامل ونوس.‏

3- فيض الوجدان اللغوي والدرامي في قصص سامي حمزة.‏

4- الأخيولة أو الفنطزة في قصص محمد الحاج صالح.‏

2-1- المتن الحكائي المتوهم عند رباب هلال:‏

جاوزت رباب هلال كتابتها القصصية(19) الدربة والمران على نقل السرد من وصف الخارج إلى معاينة الداخل عن طريق إدخال الوقائع في متن حكائي متوهم، وبدا ذلك في بعض قصص مجموعتها الأولى «دوائر الماء والأسماء» (1992) وأشير إلى محاولاتها الأولى في عدد من قصص المجموعة الأولى، ففي قصة «حنين» حديث من خارج وإنشاء لغوي يمتزج قليلاً مع الفعلية أو الخطاب القصصي، وتتكرر عبارة و«يزهر حلم أو حنين» لتومئ إلى اعتمال الداخل بشواغل الخارج مثل قول الراوي المتكلم:‏

«ويزهر حلم ما.. حنين لا أعرف لأي شيء يدعوني.. وعن أي شيء أبحث.. الضجيج في داخلي بدأ يكسّر الهدوء، أسمع صوته الشبيه بأنين حطام زجاج متناثر تحت أقدام ما.. وهذا الحنين يهتف لي منذ زمن بعيد بعيد» (ص64).‏

وتقارن الراوية المتكلمة ازهرار الحلم أو الحنين مع حنينها إلى فاطمة التي تتماهى مع قابلية روايتها لأحزانها ومتاعبها:‏

«طوبى لك يا فاطمة، فحنيني أنا لا زلت أبحث له عن اسم وعنوان لكني لا أجده، أو ربما لا أريد أن أجده.. ربما كنت مازوشية وربما كانت جبانة!‏

تذهب الموسيقى بعيداً ولا تأخذني معها.. فتتركني مسمرة على كرسيّي. كان القمر قد رحل بعيداً وراء الجدران التي تحيط بي أو تحاصرني.. ماذا أفعل؟..» (ص66).‏

ويدخل السرد بيسر في مسرب توهمي حين تختفي فاطمة: ويثار السؤال المؤرق عن بحثها الذاتي في أسى الوجود:‏

«أتجه إلى المرآة.. أبحث عن وجهي فلا أجده سوى حنين، حلمٍ، لا ربما شفقة أو حزن.. ومن ورائي كان وجه فاطمة يبتسم لي بحب وشفقة تدعوني.. لن أذهب!..‏

ألتفت ورائي.. تختفي فاطمة.. أركض إلى النافذة.. يجول بصري في السماء وسؤال يتوالد في خاطري: من يطارد الآخر.. القمر أم الغيوم الداكنة؟ أنا أم حنيني؟!» (ص70).‏

وتفلح قصتا «حب في زمن داكن» و«دوائر الماء والأسماء» في الانسراب إلى هذا المتن الحكائي المتوهم. تخاطبه في القصة الأولى عن حبها وعن المطر الذي ينظف العالم، ثم ينفجر ويتشظى كلّ شيء ليستحيل أن تحبّه أكثر، وتفصح الخاتمة عن هذا التوهم شديد البلاغة على الرغم من ذاكرتها التي لا تذوب بالنيران:‏

«وبرغم اللزوجة الكثيفة تحت قدمي وحولي.. برودة تجمد عظامي.. تتلمس يداي شيء صلب أطول مني بكثير.. شيء ما يشبه الأرصفة، أستنجد ذاكرتي الصدئة لإعادة ما حدث.. هل.. هل.. ساعة التقينا، وكادت أيدينا تتشابك، دوّى انفجار آخر؟!..» (ص36).‏

 

ويتلفع السرد في القصة الثانية بمدار متوهم بما يقرّب القصة من البنية الاستعارية، إذ تأخذ المرأة طريقها كل يوم إلى منزل صديقتها ليلى، وتسأل نفسها: من أنا؟ وتستنكر أن يكون اسمها «أمل»، وتزور سجن الأحداث مع صديقتها لعمل علمي والتعليق على مشكلة مشتركة قائمة مع تعدد الأسماء: الأهل الذين يبيعون بناتهم باسم الزواج، ثم أدركت أنها ليست وحدها. أما التأثير الأبلغ فهو التداخل المجازي بين اسم ليلى واسمها ومتاهة الحضور والغياب.‏

عنيت رباب هلال بانعكاس الحالة العامة على وجدانها في كلّ تشخيص لشحنة التذكر التي تتراكم على صفحة الحاضر، وتثقلها بالمرارة، كقولها:‏

«وكنت في كل مرة يخطو بها نجاح ما إلي أعتقد أني وجدت اسمي الحقيقي، فيباغتني ظلٌّ، يلوح لي من بعيد.. يناديني بصوت أشبه بالهدير، يشدني إليه، يأسرني.. فأعود تاركة كل شيء ورائي، وأندفع من جديد للبحث والدوران» (ص40).‏

ولا تنسى أن ترهن استطاعتها على الخروج من محاصرة الهمّ العام لهمومها الخاصة إلى تقصي الانطباعات على وجدانها:‏

«نثيث المطر يتكاثر.. رائحة كل شيء تتسرب إلى أنفي.. وتنساب فيّ لتختلط بمشاعر الخوف والقلق اللذين يلوكان قلبي» (ص41).‏

وكانت فرصة اللقاء بصديقتها سبيلاً لانقضاء الإحساس بالوحدة ونفي حالة الضياع والاغتراب، مما جعلها تختتم السرد بما يشبه الإقرار بمرارة إحساسها الوجودي بالحياة:‏

«يصرخ داخلي: «من منا ليلى؟ ومن أمل؟ ومن؟...»‏

تجمد صديقتي، تحدق في عينيّ.. هل أصابها ما أصابني..‏

أباغَتُ بشيء آخر: أمي كانت تمسك بمزلاج الباب، تمد يدها، تسندني وعلى وجهها بكاء ورعب كثير» (ص49).‏

 

(1) بدأ محمد أبو معتوق شاعراً ومسرحياً، وله في ذلك مسرحيات كثيرة ضمتها الكتب التالية: «التغريبة المعاكسة وفوق هذا المستطيل وقع حادث: مسرحيتان» (1978)، و«ملحمة الأيام الفلسطينية» (1985)، و«مغامرة الرأس المقطوع» (1990)، و«موت الحكواتي: ثلاثية مسرحية» (1990، و«الحبل والكرسي: مسرحيات» (1992)، مثلما ألف مسرحيات كثيرة للأطفال أيضاً ضمتها الكتب التالية: «ثلاث مسرحيات للأطفال» (1979)، و«أوهام حارس الغابة ومسرحيات أخرى» (1980)، و«ست مسرحيات للأطفال» (1980) ، و«أنشودة الخوذة: ست مسرحيات للأطفال» (1990). ثم أقلع عن نشر ديوانه الأول، وعن الكتابة الشعرية، ليكتب الرواية، وقد صدر له فيها «شجر الكلام» (1990) و«جيل الهتافات الحزين» (1992)، و«الأسوار» (1994 ولم أقع عليها) ، و«الماء والأسماء» (1998).‏

 

- «ليلة المغول»: منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1997.‏

(2) أصدرت أمية عبد الدين المجموعتين القصصيتين التاليتين:‏

- «وداع الأحبة»: (دون ذكر المطبعة أو الناشر) ـ دمشق 1990.‏

- «سوق الإثنين.. الثلاثاء.. الخميس»: دار الينابيع للنشروالتوزيع ـ دمشق 1993.‏

(3) أصدر تاج الدين الموسى المجموعات التالية:‏

- «مسائل تافهة»: دار سعاد الصباح والهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 1992.‏

- «الشتيمة الأخيرة»: منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق 1995.‏

- «حارة شرقية حارة غربية»: منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1996.‏

(4) محمد عبدو البخاري: «بحصة كريستالية» دار الحصاد ـ دمشق 1996.‏

(5) أصدرت كوليت نعيم بهنا المجموعتين القصصيتين التاليتين:‏

- «الاعتراف الأول»: دار الطليعة الجديدة ـ دار كنعان للدراسات والنشر ـ دمشق 1995.‏

- «واو»: دار الجندي للنشر والتوزيع ـ دمشق 1997.‏

(6) هدى الصحناوي: الإبداع الاستعاري في الشعر: الشعر السوري نموذجاً. دار بترا. دمشق 1997. ص117.‏

(7) فايز الداية: جماليات الأسلوب. الصورة الفنية في الأدب العربي. دار الفكر المعاصر. بيروت. دار الفكر ـ دمشق ـ الط2 ـ 1990 ـ ص114.‏

(8) عبد الملك مرتاض: نظرية، نص، أدب: ثلاثة مفاهيم نقدية بين التراث والحداثة. في كتاب «قراءة جديدة لتراثنا النقدي» المجلد الأول. النادي الأدبي الثقافي بجدة. جدة. 1990. ص275.‏

(9) جورج لايكوف ومارك جونسون: الاستعارات التي نحيا بها. (ترجمة عبد المجيد جحفة). دار توبقال للنشر. الدار البيضاء 1996. ص9.‏

(10) المصدر نفسه. ص201-202.‏

(11) حنا مينة: القصة والدلالة الفكرية. كتاب الرياض 76. مؤسسة اليمامة الصحفية ـ الرياض 2000. ص38.‏

(12) تزيفتيان تودوروف: الأدب والدلالة. (ترجمة محمد نديم خشفة). مركز الإنماء الحضاري. حلب 1996 ـ ص119.‏

(13) جيرالد برنس: «قاموس السرديات» (ترجمة السيد إمام) ميريت للنشر والمعلومات. القاهرة 2003. ص110.‏

(14) أن بانفيلد: الأسلوب السردي ونحو الخطاب المباشر والخطاب غير المباشر (ترجمة بشير القمري) في كتاب «طرائق تحليل السرد الأدبي». منشورات اتحاد كتاب المغرب. الرباط. 1992. ص143.‏

(15) عبد الحميد بورايو: «التحليل السيميائي للخطاب السردي». منشورات مخبر «عادات وأشكال التعبير الشعبي بالجزائر». دار الغرب للنشر والتوزيع. وهران 2003. ص9-10.‏

(16) أحمد خريس: العوالم الميتاقصية في الرواية العربية. منشورات دار الفارابي ـ بيروت. دار أزمنة عمان 2001. ص38-39.‏

(17) فرج ياسين: توظيف الأسطورة في القصة العراقية الحديثة. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 2000 ـ ص145.‏

(18) عدة مؤلفين: نظرية المنهج الشكلي. نصوص الشكلانيين الروس. (ترجمة إبراهيم الخطيب) ـ الشركة المغربية للناشرين المتحدين ـ الرباط ـ مؤسسة الأبحاث العربية ـ بيروت 1982. ص193، قـ2.‏

(19) أصدرت رباب إبراهيم هلال المجموعات التالية:‏

- دوائر الماء والأسماء. دار الشادي ـ دمشق ـ 1992.‏

- ترانيم بلا إيقاع. منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1995.‏

- أجراس الوقت. وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 2000.‏

 

واستوى السرد الواقعي في مجموعتها الثانية «ترانيم بلا إيقاع» (1995)، واندغم في مدار هذه البنية الاستعارية التي لا تكتفي بالصدق الواقعي لترى العلاقة بين الرجل والمرأة توهماً يبعد القصة عن مجرد السرد الأنثوي إلى إثارة أسئلة وجودية أعمق.

تخاطب المرأة في قصة «ترانيم بلا إيقاع» الرجل وهو يتجول باحثاً عن اللوحة المميزة، وتحلل سلوكه وطباعه وعلاقتهما التي فقدت انسجامها، فثمة خلل ما دون أن تباشر القصد.‏

 

وقد بنيت القصة على نجوى سرعان ما تصير إلى حوارية معه في داخلها المعذب، وكأنها تشكو لنفسها عطب الذات عنده وعندها دون أن تشخّص دوافعه أو مآله، فالقصة نجوى حوارية تستطلع قسوة العلاقة بين الرجل والمرأة لدى تحققها، ولا يختلف مثل هذا المقطع عن سواه:‏

«مرتبك أو خائف أو هارب.. كل حياتك هكذا.. بحث وفشل وهرب وعبثاً تطيعك قدماك تثبت نظراتك في الأسفل، حيث مياه النهر تسير بهدوء حاملة ظلال ليل وأشجار وبعض أنوار خافتة. فجأة تتجمع أبرز نقاط حياتك.. مذ كنت طفلاً حتى هذه اللحظة، وتشعر أن الزمن صغير جداً، وعندما تفكر بالتفاصيل تشعر بأنك عشت زمناً مديداً تعجب لأنفاسك المتعبة اجتيازه لم تمعن التفكير بأحلامك، لأنك لم تحلم كثيراً. كان الشك يجعلك تدور في حلقة مفرغة. وتبقى مفرغة. وتبقى مكانك» (ص15-16).‏

ثم انتهت القصة إلى الإقرار بحالة الضياع والاستلاب واللاجدوى في تمحيص مدى الإحساس بالحياة:‏

«تدير ظهرك وتعود في الطريق ذاتها تبحث عن لحن ما، أو أغنية عبثاً. تنسل يداك إلى جيبك، تمشي دون تحديد أية وجهة. ومن بين شفتيك يتصاعد صفير متقطع بلا إيقاع» (ص19-20).‏

 

واخترع الرجل المرأة في قصة «صالحة» (لاحظ المفارقة اللفظية والمعنوية في الاسم الذي ينخرط في نسق التنضيد الحكائي تعبيراً عن مرارة الوجود أيضاً) وحبلت، ثم تزوجها ولكن الندم طاغ يلاحقها على الرغم من زواجهما، فتنذر النذور، بيد أن لمسة التوهم خارقة يصير معها الفعل أشد اعتيادية وطبيعية. والمدهش في السرد الاستعاري الارتقاء به إلى مستوى الأمثولة، فما يحدث أدخل في فهم المعاناة العامة على فوات الخيار السليم في وقته:‏

«كل الأجساد المتعبة بألسنتها تحمل حكاية نهار حافل طويل سوى صالحة. الغبار يملأ ساحة القرية عند الغروب الصيفي، صخب الأولاد عاد، وعاد الضجيج لكنه ما لبث أن تلاشى كما الطرق المتشعبة التي فرغت وامتلأت ليلاً أسود. بهدوء مستسلم تغلق صالحة النافذة.‏

وفي الأفق البعيد، كانت الأرض تبتلع الشمس، وكانت السماء الحمراء تحتضن القرية والبيوت والأجساد والعالم كله» (ص62-63).‏

 

وعنست المرأة في قصة «مواجهات»، وصارت جدة مثل حرباء ملونة تعلم الحفيدات الصغيرات كيف يصبحن سعيدات وأمهات فاضلات. وقد أمعنت الرواية الغائبة العارفة بملاحقة أعماقها في تأثير الأوضاع الاجتماعية غير المنصفة على وجدانها المروع:‏

«في غرفتها، كانت وحيدة، بلباس نومها، أشعلت النور وتمددت على الفراش، كان النور يملأ فضاءها. ومن الخارج كان الليل يقف على النافذة، ويحجب الرؤية بعيداً. حركة ما في الخارج أثارت انتباهها وتكرر الصوت من جديد. لم تطفئ النور، ولم تغير من وضعها شيئاً، تقلب صفحة أخرى من الكتاب الذي تقرؤه لن يهمها الأمر في شيء.. فليراها من يراها.. المهم أنها هي لا تراه!» (ص83).‏

وبلغت مستوى أرقى في السرد الاستعاري في مجموعتها الثالثة «أجراس الوقت» (2000) التي تقارب قصصها مفهوم التحفيز الجمالي بطوابعه الذهنية حيناً والتحفيز التأليفي الذي يوائم بين تشظي السرد و تداعيات النص الغائب حيناً آخر.‏

بنيت قصة «أجراس الوقت» على التحفيز الجمالي وحوافزه الذهنية واستطالاتها في الحلم أو في الوهم أو في الكابوس. بدأت بوصفهما يسيران مسربلين بحلم صغير وضجيج صمت الروح يقهرهما، ليتوغلا أكثر في الليل والطرقات، وليفاجأهما حلم التسكع في ليلة باردة، فتتوارد الحوافز الذهنية:‏

«- قال: سآخذك إلى البحر» (ص4).‏

«- قالت:... في هذه المدينة عليك أن تدفع كي تجلس في حضرة البحر» (ص5).‏

«- قال: لنحلم بعودة البحر من حصاره، أو لن يبتلع ذات ليلة غضب هذا المزاد السخيف؟» (ص5).‏

«- قالت: لنحلم» (ص5).‏

«- كالحلم تابع» (ص5).‏

«- تهمس بصوت مسموع: الوقت يقتات ضفائر الأمان، ويقصّ جدائل الحلم» (ص5).‏

- الوقت الذي يناهض الحلم: «... لنحلم!.. نفتح أذرعنا للحلم البري.. وهو المطارد في هذه المدينة الباهتة» (ص6).‏

- «كي يتكئ حلمك على وسادة من أمان» (ص6).‏

- هي سندريلا تخاف العري. هي القطيع المحاصر بالذئاب: «كي تصمت وتدع لها الليل والشارع والحلم و.. هو» (ص7).‏

أما الرجل فهو «الهارب من الحصاد والجدران» (ص8)، وله الفضاء كله، بينما تقفز مدينة إلى الفضاء (ص9)، وتتباعد صورة الفضاء والحلم: «وكانت قبضة حلم صغير قد أخفتها بين الأصابع المرتجفة وضجيج الصدر الضيق» (ص9) و«نامت الحكاية، تدثرت بمدينة باردة غافية بلا أحلام» (ص9). إنها وثبة حلم وهجمته تتناغم مع نداء الحرية الثقيل على التحقق.‏

 

تتلفع هذه الحوافز الذهنية بحافز واقعي واحد هو أنها نامت ليلة الأمس، وقد نسيت دفترها مفتوحاً على النافذة!» (ص9).‏

وثمة تداخل بين توهم المسير وتوهم الحديث وتوهم التابعة لاستنطاق وجهة النظر، فالمنظور السردي ينهض على الوصف الخارجي وانتظام مشاعر الحرية المكظومة في تحفيز يراد له أن يحتضن مراودة مخنوقة لفعل الانعتاق، وثمة تناص مع تشيخوف في مسرحيته «الشقيقات الثلاث» من خلال الولع برغبة البحر. وبلغ التناص مبلغاً مجازياً في أن امرأة تشيخوف بعيدة عن البحر، بينما امرأة رباب هلال عند البحر، ثم أُضيف إلى البحر ترميز هو مجاز عقلي «حصار البحر» على أنه سلعة قيد المزاد «عليك أن تدفع كي تجلس في حضرة البحر» (ص5).‏

 

وتنامى الفعل بوساطة الحافز الذهني «حصار البحر» المنبثق من مطاردة الحلم (ص6) إلى حافز ذهني آخر هو افتقار الحلم للأمان، ليغدو تنامي الفعلية برمته إلى استعارة من خلال معادلة الحرية قيد المكان، إذ له الفضاء حتى غدت المدينة بلا فضاء، ولها الدار والمطبخ وقيد التقليد، عندما تنغمر المدينة بالسواد «وأنا يطاردني السواد» (ص4)، وقيد الوقت الذي «يقتات ضفائر الأمان ويقصّ جدائل الحلم» (ص5). فصار المنظور السردي إلى رؤية استعارية قوامها إحساس متفاقم بفقدان الحرية «أنا القطيع المحاصر بالذئاب، هذا ما علقوه قرطاً في أذني» (ص7).‏

 

ويستند التحفيز الجمالي في قصة «يوميات الانتظار» إلى حوافز ذهنية كذلك متوالية عن الشرط الإنساني المزري للمرأة في بيئة ريفية من خلال وقائع يومية متكررة وتوهمات دائمة. هناك المرأة والأم والجدة، وثمة طقس الحمام (التطهير المادي) وطقس المزار (التطهير المعنوي) من أدران قد تحصل:‏

«وكما تكرر دائماً، لم تمس بعيب أية وصية من الوصايا العشر أو المائة» (ص17).‏

 

وأدخلت الحوافز المعنوية أو الذهنية في نسق تنضيدي حكائي قائم على مكابدة الواقع وتشوفه مثل استحضار عناء المرأة التاريخي من الرجل كما في أوامر البيت ويوم الأمر (ص22) وحمام الجارية (ص12-14-17)، وأسهم هذا الاعتمال بالطقوس والشعائر في منح الفضاء بعداً استعارياً، «فاليوم خمر وطعام ورقص وصرخات نشوة حادة تضعضع عظام الصبية وعظام القصر وعظام العبيد، والبقية الباقية. كل البقية مضعضعة أرواحهم بانتظار يوم الأمر» (ص17).‏

وتلوح الأسئلة مباشرة تحت وطأة القهر الإنساني للمرأة: «الروائح تختفي، البخار يتفصد في جسدي عرقاً، وأنا محشوة بالأسئلة، محشوة بالقهر، بالخجل، بعري تاريخي» (ص17).‏

 

وثمة حافز ذهني آخر هو خروج عمها عن العشيرة حفاظاً على «ماء الوجه» (ص23) الذي ينفسح إذلالاً ومهانة كل يوم، يجعلها تنتظر، ولا شيء إلا مرارة الانتظار والنكوص:‏

«الأصوات تناديني، تقتلعني، تشظيني، انحسر، تقلص، أصمت واتجه نحو البخور المتصاعد إلى الهلال في الربع الأخير الغربي من السماء الكالحة!» (ص23).‏

وتتناص قصة «إليك في الأعالي» مع الإنجيل ونصوص أخرى، من النداء القريب: بأنك، إليك، نداءك.. الخ، وتتكرر كاف الخطاب ستين مرة، وضمير «أنت» خمس مرات. وهو في الأعلى وهي ستصعد إليه، وكأن الصعود مقابل أو مواز للرحيل، وتكتمل البنية السردية الاستعارية بثراء الألفاظ التي انتقلت من مستوى التناص إلى المتعاليات النصية بمناداة ما وراء المعنى وبالاستفادة من الإحالات الكلامية، ونذكر منها انتظار الخلاص القذر أو الميؤوس منه، ولا نغفل عن تعارضه مع المنقذ والمقدس. وتتباين الدلالات: «منقذي وملاذي»، «محرابك المقدس»، «عشقك السرمدي» (ص29).‏

وتلوذ المرأة به: «حكاياك، أساطيرك.. الخ» (ص32).‏

 

إنه التوق إلى الخلاص مستمد من طابع أسطرة نجوى طويلة قاهرة مشحونة بوطأة الراهن ليوقع الشقاء والحزن والتعب على تشوفات الدنو منه ليصبح مثلها متعباً.‏

وتتحول الوقائع إلى معان في قصة «الثآليل»، ويتلبس التحفيز الذهني، على أن مكابدة الثآليل تؤدي إلى سوء الفهم أو التفاهم، وليست الثآليل هنا إلا تعبيراً مجازياً عن أوجاع الذات وتماهيها مع العلاقة بالآخر. وقد مسّ هذا التعبير المجازي تشظيات الزمن بقولها:‏

«ذات ضيق، وقفت بيني وبين الساعة الجدارية، نظراتها تأمرنا بالتوقف عن الانهمار والدوران، أو لنخفّف الوطء قليلاً.‏

همسنا لها أن هذا يعني: الموت. صَرخت في وجهينا، أصابع اتهام وجهتها لنا!‏

ليلتها، نامت على قرار!» (ص37).‏

وغطت العبارات جميعها والتركيب القصصي برمته بهذه التعابير المجازية مثل:‏

- «تعارفنا حين أول السؤال وأول الدهشة وأول الحلم» (ص42).‏

- «تحملّني عتاب الأمكنة والأزمنة» (ص46).‏

- «ذات ألم همست لي وبأنفاس متعبة» (ص47).‏

وانتقل مفهوم «الثآليل» من الحقيقي (انتفاخ البطن) إلى المعنى «لقد اكتشفنا الحبيبات التي تعلو قشرة الدماغ هي عبارة عن ثآليل» (ص48).‏

وغدت قصة «الصرخة» تعبيراً عن مدى اكتمال دائرة استعارة القهر ولبوس معنى انعدام حرية الرأي به، مستعملة الصوت مثيلاً للشخصية، ومدى علو الصوت/ الصرخة أو فوضاه متماهياً مع الموقف الإنساني، فقد حاولت جاهدة أن تبحث عن صوتها، بينما غلب على شعورها الإحساس الدوني بالمرأة وقهرها:‏

«نعق غراب أسود في أذني: «عودي إلى ملجئك، الليل قادم، عيب على الفتاة أن تتسكع في الشوارع!».‏

وأتساءل مردّدة: -«عيب؟ عيب!...».‏

والساعة مثل وحش تزأر ناشرة الليل والعتمة والسكون.‏

وإذن، ليس أمامي سوى العودة!‏

أمشي، أشعر وكأنني كتلةٌ دائريةٌ تتدحرج، وفي داخلها تلك الآهُ المستكينةُ، النابضة، المشعّة والباهتة، تدور لتعيد ما حفرته ذات زمن في القلب المتعَب وترسم دائرة حوله تقبع في الصدر، تنزّ وجعاً، لكنها لم تخرج بعد!» (ص51).‏

وتوالت صور ذلك في ذاكرتها وقيود الراهن، فالأب يضرب الأم لأنها تناقش، ولها رأي، و يصفها بالدودة (ص53)، والأم تضربها، وتصفها بالدودة، والمحقق والجلادون يضربون الأب في المعتقل لعامين مما أعاد له شيئاً من انسابيته، ويوجز انعدام حرية الرأي محك التجربة في وصف الأب لجلاديه استكمالاً لوصف دائرة القهر:‏

«الأوباش، أوامر، أوامر.. الويل لمن يناقش أو يجادل!» (ص56).‏

وختمت القصة بضرورة الصراخ لمواجهة القهر:‏

«أبحث عن صوتي، سأصرخ، لكني لم أسمع سوى آهةٍ واهنة، بينما كانت أصابعي تحاول التمسك بالجدار، سقط جسدي برخاوة دودة.‏

وتناهى إليّ لغطٌ، أصوات أحذية متجهة نحوي ثم......» (ص58).‏

نهض السرد الاستعاري في قصص رباب هلال على المجاز وتداخلاته من الحوافز الذهنية وتشظية السرد إلى الارتقاء بالتوهم إلى مستوى الأمثولة والأسطرة غالباً.‏

 

2-2- الترميز الأشمل لما وراء المعنى في قصص غسان كامل ونوس:‏

سعى غسان كامل ونوس منذ مجموعته الأولى «هامش الحياة.. هامش الموت» (1991)(1) إلى مبنى استعاري لسرده، فثمة مبنى واقعي واضح في قصصه كلّها سرعان ما تترى في تآلف المعاني والدلالات الأعمق عندما ينوّع تقاناته لئلا تغدو القصة حكاية أو خطاباً إيديولوجيا فحسب، وقد واجه صعوبة الإيصال في قصة «الكنز» على سبيل المثال، وهي عن وهم ما يلبث أن يزول، غير أنه سرعان ما وازى بين المنبين من خلال الاستغراق الوصفي لمعنى الأشعة التي لبست «قوة دافعة أسطورية وإلا كيف أصبحنا جميعاً وراء السور الذي التحم كأن لم يفتح أبداً» (ص119)

وحملت قصة «تقويم» مراجعة شاملة لحياة من كتب عنه بمراحلها وبؤسها من خلال رمز واحد أو تورية واحدة هي اللباس والبنطال ليختتم السرد بأن المرحلة الرمادية الخامسة بدأت في إظهار بؤس الحياة وضنكها. ولا يغفل المتلقي استناد الرمز أو التورية على اللغة تثميراً للمفارقة اللفظية أو المعنوية في تدعيم المبنى الاستعاري، كقول الخاتمة:‏

«ضحكت في سّري وأنا أحمل كيساً بلاستيكياً، وأخرج من الباب، لكنها ضحكة رمادية، لأن المرحلة الرمادية الخامسة قد بدأت!» (ص14).‏

ومات حاتم بالورم السرطاني في قصة «هامش للحياة.. هامش للموت»، غير أن مشهد الموت وطقوسه ميزا السرد بالتهكم والدعابية (السخرية المريرة) انتقاداً لأمراض ما حوله ومن حوله: الأب والآخرين وإدانة للتعلق بحياة سرعان ما يخترمها الموت. وجاءت نجوى حاتم الختامية عن وصف الاختصار والدفن ممزوجة بمثل ذلك النقد القائم على مفارقة المعنى بالدرجة الأولى:‏

«وفي غرفة داخلية، أمي ما تزال ترقد واهنة باكية منهكة.. وإخوتي لم ينتهوا بعد من حساب ربحهم الجديد بعد زوال واحد من الوارثين!‏

آه يا أمي.. يحق لك أن تبكي! أما أنا.. فإني أشعر الآن فقط بالنهاية والاحتضار! وإنني أدفن فعلاً وينهال عليّ تراب كثير.. أما النجوم البعيدة فما زالت بعيدة تنتظر!» (ص74-75).‏

ولجأ ونوس إلى التجريب اللفظي والمعنوي والإنشائي اللغوي أي الحديث عن الأفعال في مجموعته الثانية «الاحتراق» (1992)، فكثرت المفارقات اللفظية عن الاحتراق الذي يصيب وجوداً هالكاً ومآله الخسران المبين، ويتبدى التجريب في وفرة التناصات اللفظية مع أسماء أعلام ورموز وأمثال شعبية ونصوص مقدسة.. الخ، كالقول:‏

 

«كيف تتخاذل أم سلطان.. التدخين...؟! أنت تستمتع به، أليس كذلك..؟ له لذة خاصة؟! ما هي هذه اللذة..؟! من أين تأتي..؟ هل هي متعة احتراق الأشياء..؟ هل هي نشوة القضاء على شيء ما..؟ هل هي تنفيس عن رغبات دفينة..؟ «ها.. ها.. لقد أصبحت فيلسوفاً.. سيجارة أخرى وأغدو (أفلاطون).. أو (أرسطو) لا.. لا.. بل بطل التحليل النفسي (فرويد)..» هل هو انتقام النفس من الأشياء عندما لا نقدر أن نفعل شيئاً أمام مشكلاتنا..؟ هل هي السادية الموجودة في كل منا، ونخشى أو نرفض الاعتراف بها..؟ غيرك يتلذذ بإحراقك.. وأنت لعجزك تتلذذ بتدمير الأشياء.. بإحراقها اعترف! لماذا لا تعترف؟! ألا تود أحياناً أن تكون سيد هذا العام..؟ [هل هو توق الإنسان إلى الألوهية..؟] وحين تعرف أن (سيزيف) لا يزال يدفع الصخرة إلى قمة الجبل كل يوم، ومنذ زمن بعيد، ألا ترغب بتدمير الجبل والصخرة، وإحراق الأرض بمن فيها وما عليها؟ ألا تتمنى خراب البشرية؟ ولكل منا (نيرونه)! وحين لا نستطيع إحراق (روما) نحرق سيكارة. ونحرق أعصابنا. وثواني عمرنا المسرعة!!» يتغضن وجهه أكثر.. يمضي في تأملاته وحرق سجائره وأعصابه.‏

 

«نيرون أحرق روما.. و(مردوخ) شطر (تعامة) وأدخل في جوفها نيرانه.. ومَثَّل (بأبسو) بعد أن قتله. وأنت تحرق سيكارة!!» (ص11-12).‏

ونتلمس الأسلوب الإشاري الاستعاري في محاولاته الأولى في قصة «الجلجلة»، وهي من بواكير سرده عن الإحساس الثقيل بكابوس الحياة:‏

«نعم إني أتذكر آخر مشهد رأيته.. الأسلاك التي صارت حبالاً وافرة الشوك، تلتف حول أرضي وداري. أصابني عندها دوار شديد، حجب الرؤية والوعي عني. وتيار عنيف جرني إلى داخل الهوة حيث أنا الآن..!!» (ص32-33).‏

وعمد ونوس في قصة «صلاة الغائب» إلى تقانة أخرى هي الآنسنة، فمضى السرد على لسان طائر السمان والحيوانات الأخرى حيث عدوان الإنسان على الطبيعة وحيث طبيعة الشرّ المتأصلة إزاء تناغم الكائنات:‏

«وبدا القطيع من بعيد.. ورأى الجموع وسمعها تندب.. عادت إلى ذاكرة أفراده المأساة فقد كانوا يستريحون في ظلها.. عند عودتهم كل ضحى.. من المراعي.. كانت محطة عزيزة.. إلى قلوبهم. أسرع القطيع إلى المكان.. وحين وصل.. التفت الحيوانات حول الجذع المقطوع ودارت كأنها في معبد.. دارت بصمت.. والعصافير رفرفت وانتحبت وأقعى السنجاب فوق الجرح اليابس.. واستمرت صلاة الغائب.. بخشية.. وتقى.. ولوعة.. وسالت الدموع فروت الجذور التي لا زالت تسبح عميقاً في حضن التراب الدافئ» (ص98).‏

وثمة تطور واضح في مجموعته الثالثة «ظلال النشوة الهاربة» (1994) في مقاربة المبنى الاستعاري والدخول في المناخ الكابوسي لرؤية العالم، فينسرب السرد في مسارب ومسالك شديدة الإثارة والغنى لمعان تخرج من سطح الكلام إلى عمق النص السردي. وقد عنيت قصة «ظلال النشوة الهاربة» بعلاقة الرجل بالمرأة من خلال علاقة مستأجر بعائلة البيت:‏

«يلتفت شامل صوبها.. تلتفت إليه.. يضج السرير بالحركة. وتنفتح عينا برهان ويعج تفكيره بالتخيل، وتشرق أساريره، وتشع الحيوية في الغرفة الشرقية أيضاً.‏

وفيما كانت الخيوط البيضاء تنفلت من الخيوط السوداء وتتكاثر في الخارج، كان البيت، بما فيه الغرفة الشرقية، يهجع في ظلال نشوة هاربة..!!» (ص150).‏

وأمعنت قصة «طقوس الخوف والمتعة» في رؤية الريبة الدائمة التي تفسد كلّ شيء، فانتظم السرد في فضاء الكابوس وما يفضي إليه من إحساس مأساوي باللحظة الراهنة على أنها تعبير عن سيرورة لا تنقطع، وقد حاول المرء التقليل من إظهار قلقه ووسواسه قدر استطاعته، «وبدونا ـ نحن الاثنين ـ مهيأين لإقامة طقوسٍ طال أمد افتقادها لم يكن السبب المولودة الجديدة فقد صار عمرها شهوراً..‏

اليوم حاولنا أن نعيش لحظات نشوة..‏

ولا أنكر أني حاولت في هذه اللحظات إخفاء ما سمعت. أو تجاهله.. لكنها أصوات قريبة.. خطوات وأنفاس تتوقف ثم تتابع..‏

فقمت مصعوقاً.. وتظن ليلى ـ كالعادة ـ أني متوهم، وأن لا شيء في الخارج. ولكني رأيته.. أقسم أني رأيته يهرب.. تقاطيع هيكله لا تشبه أحداً من القرية.. أعرفهم جميعاً وأحفظهم إنها تشبه.. بل إنه هو بالذات.. أقسم أنه هو.. محمود.. الساكن الجديد في الحارة..!!!» (ص64-65).‏

وتمكن ونوس في مجموعته الرابعة «دُوار الصدى» من ضبط المبنى الاستعاري لتؤشر قصصه إلى تحديث تجربته السردية، فصارت القصة إلى رؤية قاتمة هي تعبير ثر عن الشروط المأساوية للوجود الإنساني، وكانت قصة «الشرارة» تعبيراً استعارياً عن مطاردة ضوء يختلط بالغبار والنعاس على أنها تورية أو رمز لضوء يعبر فيه المرء إلى ضفة أخرى:‏

 

«لكن الارتقاء ممكن، هكذا صار بوسعه أن يفكر من حيث المبدأ، بعد أن استطاع الارتفاع عن الأرض مسافة تنمو. هذا النمو الذي على الرغم من كونه بطيئاً يترك انطباعاً بالجدوى، ويبعث رسائل أمل وتفاؤل، ويشحذ طاقته للتفكير والسعي والمثابرة.‏

«لم يبق إلاّ القليل، وأصل إلى الاكتشاف المهم، أصل إلى مبتغاي».» (ص12).‏

وأومأ ونوس في قصة «اللوحة» إلى أن المنجز يتعثر ما دام الكابوس مستمراً:‏

«أفقت بعد حين: ذهلت. جحظت عيناي:‏

اللوحة أمامي لا زالت بكراً ـ هكذا بدت لي ـ وكابوس يضغط على أعضائي، وأوامر تهطل علي من كل صوب لتنفيذ المهمة!!» (ص17).‏

وامتد الكابوس إلى الصورة خلل رعب القمع الذي يلاحق الصورة أيضاً في قصة «الصورة»:‏

«ماذا ستقول لي الآن؟! لا تعرف؟ لا تدري؟ لقد أعطيناك فرصة ذهبية لم تستفد منها لأنك منهم حقاً! وربما أخطرهم. راحت عليك الآن.‏

أمسكوه!!» (ص25).‏

وجعل الكابوس المرء كتلة لحمية مبهمة التفاصيل في قصة «اللعبة»: «أنظر بلا اتجاه، وأفتش عن مخبأ من نفسي ومنهم، وأنا أكتشف فيّ لاعباً بارعاً حين أجد بين يديّ كتلة لحمية مبهمة التفاصيل، لكنها تشبهني!» (ص28).‏

 

ورأى ونوس أن «الحفرة» ترافق المرء دائماً، وتغوص به في عمق التربة في قصة «الحفرة»:‏

«سرعان ما داهمني حلم الظلمة، فاندفعت أبحث عن غابة أو كهف. هل هذه لعبة الظلام أم حكمته تلك التي جعلتني أتخيل كهفاً وأبنية؟! وأحفر حفرة لتنهار فوق رأسي؟!» (ص32).‏

«حفرٌ كثيرة تتبعثر على نطاق واسع.. أصوات رتيبة ومتواترة تتردد أصداؤها حركة مكوكية لشيء ما يطلع وينزل، ورأس ينتصب وينكس، وحفرة ليس لها شكل معين تنغرز أكثر فأكثر في عمق التربة» (ص33).‏

وعاينت قصة «القمة» جهد المرء المستمر لبلوغها، بينما هي تغيب بين الغيوم، وغدت قصة «دُوار الصدى» نموذجاً لهذا المبنى الاستعاري الموحي، ويصعب تفريد حوافزها بينما يفصح نسق التنضيد بجلاء عن القصد: التقدم دون جدوى:‏

«الكابوس الضاغط فوق الرأس لا يرحم، واللكز والوخز مستمران. مما لا يدع مجالاً لأي تباطؤ أو هدوء. الأهم في الأمر هو استمرار الانطلاق بعيداً عن منطقة ـ أية منطقة ـ تبدو فيها هياكل تتحرك من أي نوع كانت، أو أية طريق أو معالم لطريق يمكن أن تكون سالكة الآن، أو سلكت منذ زمن بعيد.‏

 

وحين يفاجئه طريق متوار بين الأشجار أو الأشواك، أو ينسل بين الصخور الناتئة، يبتعد عنه مسرعاً. وإن حاصره من جهات عديدة، تجاوزه قافزاً إن كان ضيقاً. أما إن كان واسعاً وعجز عن ذلك، يقطعه بأقل عدد من الخطوات وأقل زمن. وأثناء ذلك كان يغمض عينيه كي لا يتعرف على أي شيء فيه، أو يبقى في ذاكرته أي ملمح منه» (ص41).‏

وأفضى كابوس الفقدان في قصة «مفقود» إلى برزخ مروع يجعله مفقوداً بين مفقودين حتى لم يعد يميز صوته. لقد استوى تجريب ونوس في مجموعاته القصصية اللاحقة إثر إنجازه الملحوظ في المجموعة الرابعة، فصار المبنى الاستعاري في مجموعات «أحمر أبيض» (1998) و«العائذ» (2000) و«خطايا» (2002) و«مفازات» (2003) إلى بنية القصص برمتها، فالقصص كلها سرد متناوب متعدد الوجه لعلاقة الرجل بالمرأة في «أحمر أبيض» على سبيل المثال، ويكتمل السرد من قصة لأخرى، وينتظم المنظور السردي ضمن مهارة لا تخفى في اقتصاد الحوافز. واختار المجموعة الثامنة «مفازات» لتحليل المبنى الاستعاري لقصصه، إذ بلغ غسان كامل ونوس ذروة مقدرته الفنية على المبنى الاستعاري لقصصه في مجموعته الثامنة «مفازات» (2003)، فثمة تعبير سردي لماح عن أسئلة الوجود الضاغطة على الوجدان والفعالية الإنسانية وعلائقها المتشابكة والمعقدة، وقد وسّع المجاز إلى استيعاب الترميز والاستعارة في رؤية مكابدة المرء لوطأة المشكلات الاجتماعية والأخلاقية وإلى الاستفادة من قابليات النص المفتوح على التجربة البشرية بالتأويل الدلالي المندغم بأفق استجابة المتلقي لمضاعفات المعنى وتبدلاته تطويراً لتوظيف فضاء التحولات بين الرذيلة والفضيلة، بين العدل والظلم، بين الاستقامة والفساد، بين الاحتباس والانفراج.. الخ، مقاربة لآفاق الخلاص.‏

 

ظهر الترميز في قصص عديدة مثل «الصوت» على أنه ساعف لحياة المرء على مجاوزة أن يكون صاحبه مطية، فالصوت إهابه المعبّر عن وجوده والناظم لأشكال ممارسته في قوتها وضعفها، والإنسان في تحققه الذاتي لا يخرج عن ظاهرة صوته في تباينات المواقف الإيجابية أو السلبية، وما يصدر عنه محمول في صوته، وقد أورد الراوي المتكلم تماهياً مع سيرورة الذات علامات وإشارات منضبطة مع الخطاب القصصي عدداً من الاستعارات التي سرعان ما تندغم في عملية الترميز الأشمل لما وراء المعنى مثل:‏

«- لو كان لي صوت، لصرخت في وجهه!» (ص21).‏

«- لماذا لم يصرخ في وجهه أحد؟!» (ص21).‏

«وحدي بقيت صامتاً» (ص22).‏

«لم يسألني أحد عن رأيي، لم أطالب بحقي في الكلام» (ص22).‏

«- هناك من يكون صوته في بطنه!» (ص22).‏

«- لا تزعل! لست وحدك.. أنا أيضاً ليس لدي صوت؛ لا أحد يسألني عنه!» (ص23).‏

«صوت أبي واسع حاد» (ص23).‏

«تباهى أمامنا مرات، بأن لصوته الفضل في استمالة قلب أمي» (ص23).‏

«- هل يبيع صوته؟!» (ص23).‏

«نحن من نستحق أصوات الكادحين! لن تضيعوا أصواتكم هنا وهناك» (ص24).‏

«كان أنين أمي المكتوم وضحكها المشتت يتناوبان من الركن المظلم في بيتنا الوسيع» (ص26).‏

- «وفتش عن صوتي طويلاً!» (ص28).‏

- «بدأت الكلمات متآكلة متداخلة؛ الصوت متواتر متلجلج» (ص29).‏

- «حتى إن صوتي لم يعد بإمكاني تمييزه!» (ص30).‏

- «كنا نشرّع أصواتنا، نتبارى بالصدى» (ص30).‏

- «تواصل الصدى مديداً» (ص30).. الخ.‏

ومن الواضح أن الصوت ومشتقاته ومردداته متضمنة المعاني التي لا يظهرها سطح الكلام، بل تضمر دلالات خافية تشير إلى نص غائب يستحضر بالتأويل من جهة، وباستجابة المتلقي بما يندغم في أفق التوقعات من جهة أخرى.‏

لقد بنى ونوس خطابه القصصي وفق التحفيز التأليفي أو التركيبي الذي يوحدّه مسار الوحدات القصصية على سبيل التوالي جامعاً بين مدلولاتها وهي تتراكم في المتن الحكائي علامات على تزاوج مكونات الفضاء القصصي من تعدد الأمكنة إلى تشظية الزمان واستدعاء شظايا السرد في علاقات الراوي مع الشخصيات الأخرى وتنامي الفعلية، ولعلنا نفرّد بعض مكونات الخطاب القصصي للتعريف بالمبنى الاستعاري.‏

1- علامة أن صوت المرء هو شخصيته وطلبه أن يكون له صوت أو حضور إنساني أو حق في الحضور الإنساني إزاء مرارة التجربة ومعضلاتها.‏

2- استعراض مكانة الصوت أو الشخصية علامةً على المجاهرة ونبذ الضعف والاستكانة. واستحضار قيمة الصوت من خلال قوة شخصية والده التي آلت إلى الخمول والاستلاب وأهمية سلامة الصوت في ضبط المواقف الوجودية، وهو علامة ارتهان الصوت لاستطاعة صاحبه.‏

3- تعبير الصوت عن مرارة الوجود منذ الطفولة واليفاعة في صورة رفيقة الرعي وصورة رفيق الصبا وصورة الحاجة لمضاء الصوت علامة على تماهيه مع الشخصية وممارستها من خلال هيمنة الكابوس على نفسه المتوجعة.‏

4- تعبير الصوت المطلق عن التعبير الذاتي المطلق علامة على ملازمته لأحوال الشخصية في ثوابتها ومتغيراتها، فقد غدا المرء مسكوناً بالصوت وصداه على تباعد الأمكنة والأزمنة.‏

وأشير إلى استعارية المبنى وما ينجم عنه من دلالات ومعان في عرضه لتنويعات الصوت وهو يستحضر قيمته:‏

«قعدت، يومئذ، أندب حظي، وقلة حيلتي، وضعف صوتي. حين سمعت أصواتاً متلجلجة غير مفهومة قادمة من طريق الوادي القريب؛ جزعت، وكدت أهرب لولا أن شغلتني اللهجة غير العادية، واللحن الغريب، والمقاطع المتداخلة، دون أن أتبين كلمة واحدة، أو نغمة منسجمة؛ قبل أن يظهر، بعد حين، أخرس القرية المجاورة، عابراً من جوار الحافة التي أختبئ خلفها، منتشياً، منشغلاً، هازاً رأسه، منطرباً..» (ص27).‏

ثم بدت الحاجة إلى الصوت بمدى ارتهانه لاستطاعة صاحبه بقوله:‏

«لم يكن لصوتي حاجة، حين حاربنا كل الأعداء، وانتصرنا في فترات التدريب الصباحية والمسائية. وكنت أحرك شفتي مع الصوت الهادر الذي يرعب العدو في عمق تحصيناته، ويعيد كل الحقوق بخبطة قدم. لكن المشكلة برزت، حين كان علي أن أقسم. وطلب مني أثناء التحضير لحفل التخرج مرات، أن أعيد الكرة، بعد عقوبات وتهديدات. فقد خلص المشرفون بعدئذ إلى أن نقسم جماعة؛ لست متأكداً إن كنت وحدي السبب في ذلك!» (ص28).‏

 

وختم القصة بتغطية الصوت للفضاء القصصي برمته من خلال استذكار الماضي وتجاذباته مع الراهن واقعياً أو صياغة مثالية لدى الخروج من الكابوس أو الدخول في الحلم:‏

«كان غروب الشمس قد بدأ بإلقاء نثار العتم على اللوحة الغارقة في الإبهام؛ أطلقت حجراً صوب النهر الذي كان لصهيله نغم الحياة، ذات طفولة. تردد إيقاع ارتطامها بقاعه الصخري. تلاه نداء خرج من بين شفتي المتيبستين، باسم من كانت تشاركني الرعي والصراخ، وأشياء أخرى.. لا أدري كيف حدث ذلك، لكنه كان صوتاً مني، صوتي! أتبعته بآخر، وآخر... تواصل الصدى مديداً، قبل أن تظهر على الضفة المقابلة من الوادي، على الصخرة المواجهة؛ تضرب خديها بكفيها، وتشد شعرها، وتنتحب..!» (ص30).‏

وجاءت قصة «ملاحقة» مماثلة استعارياً أيضاً في معاينة معنى الملاحقة في تنويعات متعددة ينهض بها الحرص والعناية في مواجهة الممارسات الأخرى، ولا يخفى أن المرء معرض للملاحقة على الدوام ضمن تشكلات المعنى المجازي بأشكال مختلفة:‏

 

«بعد لحظات، وقبل لحظات.. وفي برهة انشرخ عنها الوجود، برز أمامي؛ أحسست به، وتخيلت أني رأيته، وعجزت عن تفسير ما رأيت: شكل، هيئة، هيكل، موجة، شبح، خيال، رغبة، خوف، أمنية، احتمال، إحساس، شعور، فكرة، خاطر، إشراق... أو كل هذا معاً، أو لا شيء منه على الإطلاق.. سوى إشارة تلقيتها بوضوح وقوة وعناد:‏

- إنه يسأل عنك..!» (ص44-45).‏

وبنيت القصة وفق الترميز إياه في أن الملاحقة تبدأ من السؤال والتساؤل إلى نفي الضياع والحيرة والتمزق، ويرتبط ذلك بعناصر الفضاء القصصي من الأمكنة والأزمنة إلى دواعيها في لغز العذابات الكثيرة التي يواجهها المرء، حتى يصبح الحال كله أسير التفكير بالملاحقة:‏

«يبرز في شتات الحالة التي أعيش، وشريط الأفكار الذي يعبر طوعاً أو كرهاً في لحظاتي المسمومة هذه، أسئلة وتساؤلات وعلامات دهشة واستغراب تكاد تجعل كل ما مضى من عذاب لا معنى له؛ فما الذي يخيفني منه كائناً من يكون؟! وماذا ارتكبت من جرائم، واقترفت من آثام تجعلني غاية سهلة وصيداً قريباً؟! ومن الذي سلطه علي وسلمه المسؤولية عن ذلك؟!‏

وأعقد العزم على مواجهته، والوقوف في وجهه، وإبراز براءتي وحسن سلوكي وسمعتي..» (ص42).‏

 

ونهضت قصة «استقامة» على امتداد النجوى المؤرقة عن التزام الاستقامة إلى الخوض في زمن الفساد، وهي معاناة شديدة القسوة على الإنسان لدى تعرّضه لدفق العذابات:‏

«هنا في وحدتي وغربتي وبطالتي، تحاصرني أمداء مقطعة باستقامات مرئية وأخرى غامضة، وتخترقني إشعاعات من نوع مختلف، لكنها قادرة على الوصول إلي من كل الاتجاهات، وتتركني خرقة متكومة مثقوبة ومشروخة بعدد لا يحصى من الاستقامات..!!» (ص36).‏

 

وتناولت قصة «قناعة» تفريد الخطاب القصصي عن محاصرة الفكرة لصاحبها، وعاينت قصة «الجدار» مراودة القيود التي تزداد ضغطاً على الإنسان، وأفاضت قصة «الكوة» القول في مدى الانفراج عن كوة ما تلبث أن تتلاشى في اشتداد الحال، وأبانت قصة «المفتاح» الغبش الذي يتضاعف أمام منافذ الرؤية لتظل الآفاق موصدة، وتأملت قصة «الوليمة» شجن التباين بين الداخل والخارج في الذات، ووسع ونوس مبناه الاستعاري الشامل في قصتيه «تلك الرحلة» و«مفازات»، وعالجت الأولى ملامسة أشكال الخوض في تجربة الحياة ومدى عنائها، وقد عمّق هذه الرؤية في القصة الثانية عندما كشف عناء التجربة في مضاء النفس وهي تمضي إلى الفرح المنتظر:‏

«على أية حال، أنا لا أرضيك في كل ما تبتغي؛ أنا رهن حالك، رغبتك، مشاعرك.. إن تطلقني أنطلق، رغم أني أحبك وأغفر لك أحكامك، لأنني أبررها، كما أرجو أن تبرر لي سيرتي معك..!! الوقت ليس في صالحك، ها هي الأغصان عارية، والأرض تمور بالورق المصفر. وهي فرصتك، قبل أن يأتيك الأمر وأنت في طرف الحكاية الآخر، بعد أن تكون اللحظات غير قابلة للحياة. وعليك إن أصررت على موقفك الانفعالي، أن تلوم أحداً آخر، ظرفاً آخر، إرادة أخرى لا أملك حيالها حيلة!» (ص95-96).‏

بنى ونوس قصصه بإحكام مستفيداً من غنى المبنى الاستعاري، وأفلح إلى حدّ كبير في ضبط أنساق السرد تدعيماً لإثراء وجهة النظر.‏

 

2-3- فيض الوجدان اللغوي والدرامي في قصص سامي حمزة:‏

سامي حمزة قاص مجدد ومجود لفنّه القصصي منذ مجموعته القصصية الأولى «استنشاق رائحة اللون» (1982) التي لا تعتمد على حادثة أو حوادث معينة، بل تستعين على توسيع مدى الفعلية بإعمال الذاكرة وخصوبة التخييل معاً من خلال تنشيط الأغراض القصصية بما يسعف عمل الدلالة ووحدة الأثر الفني، مثلما أفاد كثيراً من تثمير تقنيات الفنون الأخرى كالمسرح والسينما في قصص كثيرة حملت مقدرة حكائية متدفقة وعالماً مدهشاً غرائبياً(2).‏

وحملت مجموعتاه «اضطرام الهويس» (1998) و«الدم حبراً» (2000) نزوعات تجريبية لافتة للنظر على أن ذروة هذه النزوعات تتجلى في استفادته من تقانات الحداثة في مجموعته الرابعة «تكلم لأراك» (2002)(3)، ولا سيما لغة السرد حاضنة للنزوع الدرامي المتعاضد مع مفهوم النص الغائب إذ يومئ إلى الوحدات القصصية في فيض الوجدان اللغوي المعبّر عن أغراضه العميقة بطوابعها الأخلاقية والإنسانية، وقد حوت المجموعة نصوصاً سردية تؤشر إلى فعلية (تحفيز) تتنامى وسط عناية كبيرة باللغة التي أثرت غالباً البعد الدرامي والمنظور السردي بعامة، وأثرّت قليلاً على بعض النصوص لتدخل في فضاء غنائي مفعم بالذاتية، فمال فيها السرد إلى تغليب صوت الوجدان إلى حدّ الغنائية والوصف والإنشاء المتطرف القائم على تشظية اللغة وشعريتها بالدرجة الأولى على أنه صوت متفرد يصف ظلال الأحداث، ويستعيد إشارات منها، ويفّعل بديلاً عنها وهج مفردات وعبارات وتراكيب أقرب إلى مسعى دلالي يحيل إلى الغائب، وما يحيي نبض السرد هو دعوة الكاتب إلى الأخلاق وإدانة الفساد والتردي الإنساني في حمأة الرذيلة والنفاق.‏

مهد حمزة لنصوصه السردية بكلمة مفتاحية لكاتب أو شاعر مما يسعف الدلالة على إبلاغية قصد النص أو أغراضه مثل كتاب عرب وأجانب (لو ـ تشي والإمام علي بن أبي طالب وعلي عقلة عرسان ويوسف إدريس ويحيى حقي ومصطفى الحلاج الفنان وعبد الرحمن الأبنودي وإبراهيم ناجي وبلند الحيدري) وفعّل العتبات النصية مثل الإهداءات والتناص مع نصوص في مطلع النصوص أو داخلها من أفلام مثل «زد» وأساطير مثل أسطورة كاسندرا ابنة بريام وأشعار مثل ممدوح السكاف، وأكثر من العنوانات الداخلية في النصوص تعضيداً لإثراء الدلالات.‏

 

أهدى المجموعة لصغيره مجد علامة على نزوعه الأخلاقي والإنساني بقوله: «فلتبق نبيلاً.. كريماً في أعتى الظروف» (ص5)، وصرّح بعنايته باللغة واعتماد سرده عليها في الكلمة الافتتاحية العامة: «اللغة سيدة لا تستجيب إلا لسيد مثلها» (ص6)، وأوحى في مفتتح كلمته لنصه السردي الأول «أحلام البنت حليمة» بما وراء المعنى الذي ينجم عنه بقولنا: «يقتلوننا والصمت مريب» (ص7).‏

 

وغلّب على النص الصوغ الغنائي المدعوم بتناصات كونية شاملة عن الحبّ والعطاء والموت والإرهاب، فكثرت الإشارات إلى موروث قفقاسي صريح يحوم مع ورزاي خليك فوق القفقاس:‏

«فالأعالي جميلة وإن كان العمر بعرض شبر... وبرغم ضيق الوادي... فإن السماء طليقة... وعند جدار القمة تنعصرين يا روحي... وأنت تدغدغين الأماني في القلب» (ص9).‏

وسرعان ما جاذب هذا الموروث إلى تراث الإنسانية الآخر الثّر في استظهار شعر لتشينغ مين «جائلة في المعيش والأساطير، مخاطبة فتية التنين/ ليس التاريخ أكثر من جدول... ينساب تحت الأقدام... وأنتم أيها الواقفون هناك... ستصبحون مثار اهتمام العالم... ذات سنة، ذات يوم.» (ص9-10)، ولشاعر من بلادها «لكن الشمس تعري الأرض... تدس الخصب بعمق الأرض... فيغدو الكون ولادة... يغدو العيش عبادة... تُشرق شمس سعادة» (ص10)، ولوقع غناء أنشأه سنغور: «سأستعير القيثارة التي تعطي السلام... وطيلة النهار تراني في ظل أهدابك قرب المنهل... يدغدغ جفوني نور الصباح... يواكب قلبي نشيد الطيور العذري طيلة النهار» (ص10)، ولما هدهده شعر بوشكين عندما «تزيح عن روحه حرجاً اكتساها: لا تخجل.. فلقد توحدنا تماماً كما فلقتي الجوزة.. في قشرة واحدة» (ص11).‏

ثم تجاذب الصوت الداخلي مع وصف طاغور:‏

«مثل إله طفل... تألقّت عيناه مثل نجمتي صبح... يترنم بترنيمة تسبيح... بصوته شبيه الزقزقة» (ص11)، ودندنة شعر اليابانية أونو ـ نوكور مانشي:‏

«لو علمت أن ذاك كان حلماً... لما تمنيت أبداً أن أستيقظ منه... أذهب إليه في أحلامي، كل ليلة دون توان... غير أن أحلامي أقل بكثير... من نظرة واحدة في اليقظة» (ص12)، وتساؤلات بابلو نيرودا: «أين تجد ناقوساً يدق داخل أحلامك؟/، فتساءلت معه ذاهلة:‏

/أين تذهب أشياء الأحلام.؟. هل تذهب إلى أحلام الآخرين؟./» (ص12).‏

 

وقام النص على حلم حليمة بلقاء الأحبة وهو يجاوز الضغوط العامة واشتراطات الواقع القاسية في تنوعاتها الصعبة من خلال استحضار أو حضور القزاز، ليختتم النص بالإيماء إلى معنى المعنى الذي ينغمر في دلالات متعددة في الوقت نفسه:‏

«إلا أن القزّاز حاوطها، تتبارق عيناه، وصرّت أسنانه صرير أضرس الضبعان، فزأرت قائلة: يمكنك قتلي، ولكنك لن تدنسني. فتشفى منها واضعاً اسمها في لائحة، رفعها متطاولاً إلى ركبتي مبتكرة، على أنها ذات أحلام إرهابية.!!...» (ص13).‏

 

ومازج حمزة بين الأمثولة والغرض المنشود في نص «دم الحمام، زيت الزيتون»، فثمة من يلوذ بمغارة فيها وجار ذئبة فتأنسه، ثم يدخل الإسرائيليون ويردونهما قتيلين، وقرّب النص من الأمثولة اعتماده على قول لوتشي: «إن الأسلوب لا يقلّ أهمية ـ بالنسبة للكاتب ـ عن الكمال الأخلاقي» (ص14)، والإهداء إلى روحي الشهيدين غسان كنفاني وناجي العلي، والإحالات الكلامية إلى تباينات مفهوم العدالة في مواجهة الظلم مثل مشهد المرأتين والطفل في مسرحية «دائرة الطباشير القوقازية»، ونبوءة زرقاء اليمامة في استطلاع مقدم مخاطر العدو، وتتعالق هذه المتعاليات النصية مع وعي الذات واشتراطات الواقع في خاتمة النص:‏

«ولأنك لم تسكت، حددوا أوان تنفيذ الحكم، وتولتْ «عثلياً» رصد تحركاتك، كمنت لك بينهم، وانتشت لمرأى دمك يكفنك، ولمّا تزل الحمامات تحوّم في برزخ التخوم نائحة، وروحك بينها تطوف السماوات والآفاق وفضاءات القارات متسائلة:‏

- قتلوني.!. لماذا قتلوني؟» (ص23).‏

وسخر حمزة في نصه «يوم دخلت الكرة قريتنا» من النزاعات الداخلية والتباسها وابتذالها، ومهّد لغرضه بقول علي عقلة عرسان في ديوانه «تراتيل الغربة»:‏

«أشهد أنّ الوقت ظلام‏

أشهد أن الناس نيام‏

أشهد.. أشهد أن العرب نشيد، وإذاعات، وكتابات، وخطابات، وبيانات، وشعارات، وزعامات» (ص35).‏

 

وسوغ هذا التمهيد في تعالقه النصي بإضافة «وكرة قدم»، وقد تألف النص من أحرف الأبجدية في مقاطع واصفة لما يماثل دلالة المحتوى في غلبة الأسى على الذات بتأثير هذه الممارسات غير الإنسانية، وإن لبست لبوساً اجتماعياً سائداً. ورمزّ حمزة للابتعاد عن التلوث والفساد في نص «وجع الألوان» من منطلق قول الإمام علي بن أبي طالب: «الراضي بفعل قومٍ كالداخل فيه معهم، وعلى كلّ داخلٍ في باطلٍ إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضى به» (ص51).‏

 

بينما دان الإيغال في الفساد في نص «اليخت»، وتهكم من وصول التعهير إلى أقنية المعلوماتية في نص «فيلم رسوم متحركة» كما في ختام النص:‏

«كافأ معاليه مديري المديريات، بشخص كبيرهم، وأقام لهم مأدبة باذخة، في احتفالية مترفة، تمَّ خلالها انتخاب ملكة جمال التقانة، نقلتها أقنية التلّفزة، وأعلن معاليه في ختامها، عن نجاح وزارته بزيادة دخلها، فقد تحوّل السيّاحُ عن المتاحف والأوابد الأثرية إلى مواقع العقول الإلكترونية المستفسدة!!» (ص78).‏

وعاين في نص «بأم العين مرتين» ذكرى لا تموت في أسلوب وصفي حواري يقارب السيناريو في إثارة الأسئلة. وأورد حمزة في نص «شرق الأطلنطي، شرق المتوسط» تنويعات على الولوغ في الفساد، وأتاح ذلك من خلال علاقة رجل بامرأة، فطالما خاطبها متأسياً:‏

«- شيءٌ ما في داخلي تحرّك نحوك مذ رأيتك. عند حافة القهر التقيتك، وبعينيك لملمت شظايا عواطفي، وهي مصدّعة مثل شمعدان فضة تحطّم منذ أمد، وها أنت ذا رأيت أني ما أردت سوى بعض وقتٍ عشته بجوارحي معك، إن شئت أنسه الآن.. دعه ليّ خلف الباب قبل أن تذهب، أما أنا فقد استنشقت منك رائحة ذكرى، ستعيش معي أبداً» (ص103).‏

 

وجعل حمزة نصه «الغربة» تصويراً لمصائب الاغتراب وأمان العودة إلى الوطن على الرغم من كل شيء، فقد «تعانق الرجلان، وافترقا ماضيين إلى وجهتيهما، ورأس كل منهما يضج بما سمعه من الآخر، وفي قلبيهما حرائق لا يعرفها سواهما» (ص113).‏

امتلك حمزة مقدرة طيبة على الصوغ اللغوي لنصوصه السردية متمازجة غالباً مع البنية الدرامية الدالة مثمراً ولعه باللغة علامات على الإحساس المأساوي بالتجربة الإنسانية لدى اعتمال هذه النصوص بالمعطيات الفكرية والفنية للتقانات السردية الحديثة.‏

 

2-4- الأخيولة أو الفنطزة في قصص محمد الحاج صالح:‏

دخل محمد الحاج صالح إلى القصة القصيرة من باب السرد الأعرق والأبلغ: الأخيولة وإدغامها في فضاء التخييل ومكوناته الإنسانية والاجتماعية في الوقت نفسه، لأن المهم في الإرث الحكائي هو إدخال الحدث أو الواقعة/ الحوافز في متوالية سردية تمكنها من استطاعتها الأوسع والأعمق في استيعاب فضاء غير واقعي، وقد نبه إلى ذلك في مجموعته الأولى «هكذا كان اسمها» (1988)(4)، واختار منها قصته «حورية تغرق في بحر الظلام» مثالاً للتعريف بأسلوبيته، وهي عن العجائز الذين يسرقون زهرة عن الصبايا، فقد جاوز فيها السرد الواقعي إلى نبض دلالة عميقة بنقل الحافز من مدار واقعي إلى رحابة الأخيولة.‏

 

بدأ الحاج صالح سرده بالإشارة إلى استغراق «حورية» في المعنى، لا بتوصيف الفعلية توسيعاً للرؤية بل في تمحيص عناء تأملات غائرة، فثمة قهر ناجم عن الاستلاب الذاتي عند تلاشي الخيارات الإنسانية وألقها المتجدد، أو هكذا يصح:‏

«كانت حورية غارقة في صفحة المأساة التي تعيشها. نعيم ممدد على الفراش. عيناه مغمضتان يتنفس بشخير كالبحر في ليل العاصفة. يمتلئ فمه بالهواء فينتفخ ثم يفرغ الهواء على شكل رتيب منتظم. وحورية يسبح سواد عينيها في البحر الأبيض الواسع...» (ص95 ـ هكذا كان اسمها).‏

ثم ما لبث أن عضد المعنى الحقيقي للعين البصر بالمعنى المجازي للعين البصيرة، بالاستفادة من المدى الواسع للغيبوبة /الغياب وقعر العين/ عمق البصيرة:‏

«بادرني أحدهما: لقد سقط يوم أمس، وأصيب بكسر في عنق الفخذ، أما الغيبوبة فقد ظهرت بعد ظهر هذا اليوم.. نرجو أن تقوم بفحص قعر العين.‏

 

لم أوفق في توسيع الحدقة رغم الموسعات قوية التأثير التي استعملها. كان جوابي لابد من وجود إصابة عصبية مركزية. عدم الاستجابة لموسعات الحدقة يعني أنَّ العصب الذي يعصبها أصيب في المنشأ داخل الدماغ» (ص45).‏

وألمح الحاج صالح إلى معضلة التنميط الاستهلاكي للحياة بما فوّت على الإنسان تلبية نداءات أحلامه المحبطة إزاء اشتداد المواضعات الاجتماعية، وهذا ما دعاه إلى مواصلة الاعترافات بقسوة الأحوال:‏

«كنت وفية لسيدي الذي اشتراني بماله. سيدي الذي يستلقي الآن أمامي، أمضيت زهرة شبابي معه وفقدت كل الأحلام يوم كان الزواج..‏

 

كل طموحاتي توقفت، وأغلقت دائرة التفكير.. توقف القلب عن الخفقان. لقد أتى فارس الأحلام، لم يعد في وجهي نضارة، وغرقت العينان السوداوان السابحتان في بحر السحر الأبيض.. الشعر الأسود شلال الأحلام فقد تموجاته، وصخبه، وماجد أين هو ماجد؟ لقد هاجر هو الآخر.. لم يتحمل الصدمة.. وثورته لم تكن تكفي للوقوف في وجه المليونير المغترب الكريم..» (ص47).‏

لقد غمر الظلام الأفق على أنه تعبير عن قسوة الظلم، وتمثل جانباً من هذا الاستدلال في وصفها «خرساء لا أتكلم وصماء لا أسمع إلا ما يقوله نعيم، وعمياء لا أرى سواه» (ص48)، فقد اسودت الدنيا في النظر مثل الغشاوة القاتمة التي ثقل على القلب وتعطله:‏

«كنت أرى الظلام خارج المنزل لا يوجد منازل ولا بيوت ولا جيران ولا شجر ولا بشر. ظلمة دامسة تعم الكون.. العالم محدود جداً وصغير جداً.. إنه فقط هذا المنزل الفسيح.. الطيء بصور القديسين والأولياء وعباد الله الصالحين. الفرش والوثير، والتحف التي رافقت نعيم من المهجر، الساعات الكبيرة المعلقة على الجدران، والتماثيل وجلود النمر والأفاعي هل تتركها جميعاً يا نعيم؟ هذا ليس عدلاً..» (ص48-49).‏

وختم الحاج قصته بخّناق ضياع زهرة العمر في غياب معنى الحياة عند الاستسلام لصدمة المواضعات الاجتماعية والرضوخ لها:‏

«الحياة.. حتى الحياة سرقتها مني.. كان الصراع يتصاعد وحورية تتمتم بلا أصوات... وفجأة بدأت تنتحب تبكي وتولول.. وتذكر شبابها الذي ضاع والذي دفنه نعيم منذ زمن طويل» (ص50).‏

 

ثم طوّر تقاناته الفنطزية في مجموعته الثانية «يوم في حياة مجنون» (1991) بأشكال مختلفة من المفارقة المعنوية في «قصص قصيرة جداً» إلى التشكيل السردي المراوغ للارتجاع والاستباق في قصة «جدتي»، والتشكيل السردي للبنية النفسية وكشوفاته في قصة «يوم في حياة مجنون»، إذ يستبطن القاص مشاعر هذه الشريحة المظلمة الدواخل، لتغدو الفنطزة اندغاماً مدهشاً باختلاطات الوهم والواقع.‏

تجسد أقصوصة «النوم» موضوعة القمع من خلال تغير دلالة «النوم» حين يساق المرء «إلى السجن ليتعلم النوم في الأوقات المحددة» (ص51)، فقد أخبر العسعس أنه خالف الأوامر والحال مخالفة أيضاً في أنه لم يستطع النوم تلك الليلة. وخاضت أقصوصة «الطيران» في مفارقة لفظية قوامها التناقض من الطيران الواقعي إلى الافتراضي، ومن المعنى الواقعي إلى ما وراء المعنى بالأخيولة:‏

«بعد مدة شعرت الطائرة بالجوع، فتوقفت قليلاً في الفضاء، أكلت الطيار، ثم أفردت جناحيها وعاودت التحليق من جديد» (ص51 ـ يوم في حياة مجنون).‏

وأثارت أقصوصة «قاتل» أسئلة كثيرة، فالقاتل يبلّغ عن قتل زوجته، ولا يوقفه حارس الليل، ويسمّي بلاغه هذياناً بوصفه كاذباً. ويعنى الراوي في قصة «جدتي» بحضور جدته الأليف الحنون المحب، فقد درس الطب، وأخرج عظامها أمانة له، وسهر الليالي معها حتى تخّرج ثم عادت إلى قبرها، ويلاحظ التمازج بين الإخراج المادي والإخراج المعنوي، فليس الحضور من محيط الملموسية بقدر ما هو حضور إنساني عن ذلك الدفء الذي مثّلته الجدة لحفيدها. وأوحى الراوي المتكلم بالبعد الأخيولي الاستعاري في مفتتح القصة:‏

 

«أمسكت قبضة من تراب القبر، ذروتُها في الهواء.. تحرك في ذاكرتي شريط الصور.‏

كانت جدتي متكئة على ذراعي الغضة. ممسكة عصاها بيدها الثانية تتمشى معي داخل الدارِ. تجلسُ كي تستريح. تتناثر من فمها قصصُ الشتاءِ. عذبٌ محياها وهي تتحدثُ عن العنزة الذهبية وحديدان. وجهُها رقيقٌ ناعمٌ، وعيناها تشعان. تنفسّها مجهدٌ متقطع. سمعا لها يسمعُ عن بعدٍ» (ص84 ـ يوم في حياة مجنون).‏

ثم غلّب الحاج صالح العبارات المجازية على المبنى الحكائي التي لا تؤخذ فيها الكلمات بمعانيها الحقيقية:‏

«أحنى الزمن ظهرها. وأنحل جسدَها. لكنها لم تفقدُ سطوَتها وهيبتها على والدي وأعمامي. نظرة منها لأحدهم تكفي عقوبة له، وكأنه طفلٌ ارتكب عملاً ما. وعيها متقدّ وذاكرتها حاضرةٌ. كأن المائة عام التي عاشتها ماثلةٌ أمامَ عينها.. كانت تظن أن عزرائيل نسيَها. لذا كانت تدعو الله كي يتذكرها برحمتِهِ. فرأسُها ازداد انحناءً، وكاد يلمس الأرض» (ص84 ـ يوم في حياة مجنون).‏

 

وتوّج السرد الأخيولي الاستعاري بالخاتمة:‏

 

«توجهت إلى مقر قبرها. كانت تقف على ترابه. تأملتني، شعرت بنظراتها تلتصق بي، وسمعت صوتاً عميقاً ينبعث منها، وكأنها تفرغ كل ما بقي عندها:‏

- مبارك نجاحك يا ولدي، لم تعد لك حاجة إلي، فلقد أديت مهمتي، دعني الآن أستريح بسلام.‏

رفعت يدها ملوحة وهي تبتسم، ورأيتها تغوص رويداً رويداً في تراب القبر حتى اختفت» (ص88 ـ يوم في حياة مجنون).‏

ثم وسع هذه التقانات، ولا سيما الاستباق والارتجاع والكشوف النفسية في مجموعته الثالثة «الحبّ في عام 2060» (1995) لتستوعب بنية الفنطزة أسئلة عن الأخلاق والوجود والتاريخ.‏

وقد استعان الحاج صالح بالخيال العلمي في تعزيز السرد الأخيولي الاستعاري في قصص مجموعته الثالثة من منطلق الإيمان بالعلم ضمن الرؤى الإنسانية، وأبدى في قصة «نهاية الكون المتأرجح» التأويلات الناجمة عن نبوءة قدوم يوم القيامة، وما يثيره من مضاعفات المخاطر على السلامة البشرية والسلام من خلال فيض التداعيات في نفوس المواطنين:‏

 

«العلماء رغم بحوثهم المتواصلة لم يصلوا إلى إجابة شافية عن الأسئلة المحيرة:‏

- ماذا سيحصل لحظة الاصطدام؟ لحظة التحام المجرات بالنواة الأم؟‏

هذا السؤال الذي يثير الرعب في نفوس المواطنين له ما يبرره: فالعلماء (يخشون لحظة الالتحام، تولد طاقة نووية ترافقها شحنات هائلة، ينجم عنها انفجار كوني عظيم ثان). وخشية تنشب مخالبها في ضمائرهم تمنعهم من كشف تلك الحقيقة أمام شعوبهم. المعلومات عن آخر نتائج البحوث تبث ساعة تلو الساعة إلى المواطنين في مختلف المجرات مع التعتيم على الجانب المظلم) (ص18 ـ الحبّ في عام 2060).‏

ثم انتهت الهواجس المقلقة عن الحياة الجديدة بالاطمئنان إلى التشكلات الكونية الجديدة التي يعيشها الإنسان: «أضاءت نجوى كرة النور، وأخذت تتمتم صلاة من أجل الذين لم تتح لهم الظروف أن شهدوا نهاية الكون المتأرجح، وولادة البيضة الكونية الجديدة» (ص22 ـ الحبّ في عام 2060).‏

 

وتناولت قصة «الاتصال» فائدة الانتماء في أهمية التواصل البشري لدى تأمل كائنات تغادر الأرض فجأة إلى قومها، وهم يودعون الأرض، ورصدت قصة «مقبرة البعوض» أخلاقية العلم في مواجهة الشرور، إذ يتحول جلد يد أحمد إلى مقبرة للبعوض، ولا ينفع معه علاج، وتزداد خطورته وأذاه في عدواه لكلّ من يلمسه، ثم يصير، في نتيجة غير محسوبة لدى من فعل ذلك، إلى سوبرمان، ونعرف أن علماء أشراراً فعلوا ذلك، «فالبعوضة التي أطلقوها نجحت في مهمتها، بإيصال السم إلى جسده، جسمه شكل مناعة ضدها، وهكذا تكاثر جزيئات السم بالانقسام البطيء أخذ الجسد يشكل أجساماً ضدية تزيد من مناعته وتحمله لتلك السموم، أصبحت كمية السم كبيرة تسربت من الدم إلى الجلد الذي أضحى سترة قاتلة لكل كائن يلامسه.‏

أما الأمر الثاني الذي أقلق هؤلاء العلماء والذي عكفوا على دراسته فهو: (كيف يمكنهم أن يؤثروا على أدمغة الأشخاص الذين يتناولون عقارهم الفتاك. لتنفيذ المهام التي توكل إليهم دون تردد.‏

سؤال لا تزال الإجابة عليه بانتظار الحل» (ص65 ـ الحب في عام 2060).‏

وحوت قصة «القنديل الأزرق» تأملات في مهبط كائنات من الكواكب الأزرق تشبه القنديل البحري المعروف بهذا الاسم، وتبتعث القصة وعداً باللقاء أن يثمّر العلم في خدمة الإنسانية:‏

«في كل مساء تصحو سماؤه، يقف سامر ونجوى يرصدان بمنظاريهما موقع الثريا، يبحثان عن الكوكب الأزرق، وهما يمتلكان شعوراً بأن أناساً كونيين على الكوكب الأزرق، يمتلكون تفوقاً علمياً أكبر، ينظرون بوسائلهم الخاصة إلى موقع المهبط، خاصة أن جزيرة دير القمر ما تزال نقطة علام تحرس موقع المهبط إلى جوارهما» (ص56 ـ الحب في عام 2060).‏

 

وتألفت قصة «الأنصاب» من مقاطع سردية عن مواجع العلم ما لم توظف في سياقها لمنع الخطر عن سكان الأرض، فمهّد مقطع «امرأة الحلم» للقصة بتلقي قائد الرحلة الأمر بالعودة وإلغاء الرحلة لأسباب طارئة وهو مشتاق لنجوى، ووصف مقطع «العودة» تفاصيل هذه العودة إلى الأرض وتداعياتها على وجوده:‏

«كذرة تائهة في الكون الفسيح، مذعوراً وصغيراً أمام عظمته واتساعه، الدوائر لغة جديدة، والمدارات ترسم أزمنة خاصة بها. نجوى بعيدة، وعلى حدود الكون أسرار وعلى تخوم الجسد امرأة. في طريق العودة يستعر الشوق في الجسد، ونجوى تحتل مساحات العقل كافة. عيناي لا تفارقان ساعتي، وسؤال مباغت يهاجمني:‏

أيمكن للساعة أن تعطي نبض القلب، وإيقاع الجسد العاشق، فوق متاهات الدروب البعيدة؟ ونجوى الوجد والحب، ونجوى الوجع وإيقاع الزمن القريب والبعيد والمستعاد» (ص33 ـ الحب في عام 2060).‏

 

وخلص مقطع «الاستقبال» للتفتيش الدقيق لرواد البعثة العلمية للفضاء، وعني مقطع «الأسرة» للقلق على الأولاد: حنان وعادل، وللإعلان عن خطر وقوع الأرض تحت سيطرة مخلوقات لم تعلن عن هويتها بعد، وتفاقم الحال ومخاطرة في مقطع «أقوال» عند التشكيك به، فأمسك بالحجر الغريب، وأخذه إلى المجهر ووجدوا في مقطع «الحجارة تحت المجهر» أنها «نصائب حجرية تغزو العقول، تسيطر عليها، تصّخرها» (ص38)، وعرفوا في مقطع «مدينة العلم والنصائب المشعة» أن الأوامر صادرة عن سفينة عملاقة في مدار كوكب الزهرة، واكتشفوا في مقطع «إلى اللاعودة» «شيفرة» مخاطبة الإنسان حين تتجمع في مراكز مدن العلم، فقد «ظهر لكل حجر مراوح وهوائيات أشبه بقرون استشعار، وتحول كل حجر إلى طائر صغير. الحجارة الطائرة لا تضل طريقها، تتجمع في الأماكن المحددة، منفذة الأوامر بدقة كبيرة. مركبات عملاقة بالانتظار، تفتح بواباتها، تحملها. كان علي أن أكون شاهداً على ما يجري، كم أحسست بالغيرة من تلك الكائنات التي ترحل عنا، المهمة التي أعطيت إلي بدت صغيرة وتافهة أمام الأحداث الكبيرة والساخنة، تتلخص المهمة: (بإجراء الفحوص الحيوية للتأكد من سلامة الناس الذين اختلطوا مع تلك الحجارة)

تم عزل المركبات كهراطيساً، أغلقت بواباتها، وصدرت الأوامر إليها واضحة جلية:‏

- إلى اللاعودة.‏

المركبات تنطلق إلى مدارات بعيدة خارج مجموعتنا الشمسية بمئات السنين الضوئية، البشر في كل مكان يتابعون عبر شاشات التلفزة والمقاريب المركبات العملاقة وهي تغادرنا» (ص44 ـ الحب في عام 2060).‏

وثمة قلق واضح في مقطع «الكوكب جاما 16» من رسالة تقول بأن شعوب الأرض حررت نفسها من سيطرتهم والتحذير بأنهم سيعودون، ثم يعلو الصوت الداخلي العميق بأن الانفراج بهزيمة السرّ في سبيله إلى التحقق حيث «غسق أحمر ونسائم رطبة مملحة، وأطفال وفتيان وشبان يسبحون في بحر من السكينة والضياء» (ص45).‏

استفاد محمد الحاج صالح كثيراً من الأخيولة في استيعاب فضاء السرد غير الواقعي، ولا سيما بعض تقانات الخيال العلمي من منطلق الإيمان بالعلم ضمن الرؤى الإنسانية كما ألمحنا.‏

 

3- ملاحظات ختامية:‏

قارب العديد من القصاصين أسلوبية السرد الاستعاري بأشكال مختلفة مجاوزة للتحفيز الواقعي نحو تثمير تقانات مجازية، أشير إلى الأبرز فيها:‏

1- يستند السرد الاستعاري إلى تاريخه المضيء عند زكريا تامر وغادة السمان وحيدر حيدر ووليد إخلاصي وياسين رفاعية.‏

2- الابتعاد عن السرد المباشر من أجل العناية بالبنى العميقة للخطاب القصصي.‏

3- شمول الخطاب القصصي المبنى السردي برمته باللغة حيناً وبضبط أنساق التنضيد حيناً آخر.‏

4- الاستفادة إلى حدّ ما من الفضاء الدرامي في توسيع مدى الدلالات المفضية إلى غنى وجهة النظر.‏

5- نجاح القصاصين في بلوغ بعض مستويات الميتاقص أو ما وراء القص بالتوهم أو التخييل أو الأخيولة متجانساً مع تقانات الترميز أو الخيال العلمي أو الحوارية والنجوى.‏

6- عمد بعض القصاصين إلى استعمال الميتاقص أو الانزياح النصي وانحرافه أو المتعاليات النصية الباعثة لمحتوى البنى العميقة للسرد.‏

7- المضي بالاستطاعة التخييلية إلى كتابة نصوص قصصية قابلة للتأويل والإفصاح عن مكونات العلامية والإشارية والدلالية بوفرة إضمارها ومعطيات خطابها غير المباشر.‏

3-فلسطين في التعبير القصصي المقاوم: نماذج قصصية‏

 

صار السؤال مختلفاً عن استجابة الأدب المباشرة للأحداث القومية والوطنية إثر اندلاع الانتفاضة إذ غدا التعبير القصصي المقاوم باستحضار فعل الفداء الانتفاضي الغالب، فليس الأمر متعلقاً بانعكاس الحدث في الفن وهو هنا فن القصة القصيرة المعروف بشفافيته ومهارته البسيطة وكثافته في التعبير عن الجماعات البشرية المغمورة بل يتجاوزه إلى تعبير هذا الفن أو ذاك عن تاريخية الحدث ودلالاته الباقية، ولقد كتبت حتى الآن مئات القصص القصيرة، أو قل الآلاف، عن انتفاضة الأهل في الضفة والقطاع والجولان بأقلام غالبية القصاصين العرب، ثم صدرت مجموعات قصصية مكرسة، كلياً أو جزئياً لهذه الانتفاضة(5).‏

إلا أن السؤال حول مجاوزة القصة القصيرة حدود الاستجابة المباشرة إلى آفاق الوعي بالتاريخ هو محك علاقة القصة القصيرة بالانتفاضة؟ ويظل لهذا السؤال مشروعيته ومكانته النقدية إزاء موقف الفن والأدب من الأحداث القومية والوطنية طالما تحدثنا عن وعي قومي ننشده وطالما فهمنا العمل الأدبي أو الفني أبعد من مجرد الرجع أو الصدى للحدث وأبعد من مجرد الغناء وتمجيد الشعار والفكرة التي تلف الحدث. إن صمود الفن أمام هذا السؤال المطروح هو محك خدمته لقضيته لأن أي قضية تحتاج إلى الفن الجيد والأصيل واخترت في إطار التعبير القصصي المقاوم عن الانتفاضة مجموعتين قصصيتين مكرستين للانتفاضة لأحمد زياد محبك ومحسن غانم(6).‏

 

1- الاستجابة المباشرة للانتفاضة في قصص أحمد زياد محبك:‏

خصص أحمد زياد محبك مجموعته القصصية الثالثة «حجارة أرضنا» (1989)(7) للتعبير القصصي المقاوم استجابة مباشرة للانتفاضة الثانية في فلسطين ضمن مؤداها النضالي بإعلاء منظومة القيم القومية والوطنية، ولا سيما تمجيد قيمة الشهادة. واختار محبك لقصصه المبنى الواقعي الذي يظهر هذه القيم صريحة في دلالاتها ومعانيها الراسخة في الوجدان، وإن غلب عليها النزوع التعليمي الذي يتعاضد مع التوجيه القيمي، وهذا واضح في الوصف الذي يغطي المساحة السردية ابتعاثاً لهذه الدلالات والمعاني، وبدأ قصته «لنا باقي الأيام» بمثل هذا الوصف الذي يفضي بالرجال المقاومين «أن يظل الشهيد فوق الأيدي طويلاً طويلاً، ليكون شوكة في عيون الجند»، فما تفعله أطراف المرء كلّها منضوية في لواء الاستغراق في فعل المقاومة:‏

«الأيدي كلها مرفوعة إلى فوق، أيد تحمل أعلام فلسطين، أيد تحمل أغصان زيتون، أيد تحمل صور الشهيد، أيد ترسم بإصبعين إشارة النصر. وفي المقدمة أيد تحمل إلى فوق نعشاً، فيه جثمان مغطى بالعلم الفلسطيني، وفوقه بعض الزهور. الأرجل تسير بهدوء، الخطوات تتقارب، الغبار يعلو قليلاً، وهو غير كثيف. الحناجر تغص، يجف فيها الصوت، ولا تنبس شفة بكلمة. الصدور تتيبس، تتفطر، تتمزق، تشرب الهواء، ولا ترسل زفرة. العيون تحفل بالدمع، تتورم، تحتقن، ولا تذرف دمعة» (ص5).‏

 

وعضد هذه الدلالات والمعاني بوصف موكب الشهيد ومرارة الصمت وحرارة العزيمة وارتفاع نداء الحرية الحي، لأن «حجارة أرضنا كثيرة، ونحن أكثر» (ص10)، ثم ولّد لوحة تثمّر الدلالات والمعاني في وهج الشهادة:‏

«ويعلو النداء:‏

- يكفي هذا، أصبنا أربعة جنود.‏

- لا، لن نتوقف.‏

- لا، يكفي، في الصباح قدمنا الابن، والأم قدمناها في المساء.‏

- يكفي هذا اليوم، لنا باقي الأيام.‏

الأيدي إلى فوق، ترفع الشهيد مغطى بالعلم الفلسطيني.‏

الأيدي إلى فوق، ترسم إشارة النصر» (ص10-11).‏

ونظر محبك إلى القصة مراراً لمباشرة التربية القيمية في قصة «أبو خالد لا يستلم ابنه إلا جثة»، فقد رفض الأب أن يذهب لاستلام ابنه الأسير، وسأل: ولماذا لم يُقتل؟ واستهجن أسر ابنه، فهو ما رباه للأسر، غير أنه قدّر فعل ابنه المقاوم تالياً عندما قرأ الضابط الورقة التي طلب من الأب التوقيع عليها:‏

«أنا مصطفى الحمود، والمعروف بأبو خالد، أتسلم ابني سمير الحمود، وهو في حالة جيدة، وأضمن إحضاره إلى المحكمة بعد شهر، لمحاكمته بتهمة طعن ثلاثة جنود، متحملاً المسؤولية عن أي تأخير، وعليه أوقع»sdأ (ص21).‏

وانطلق إلى ابنه طالباً منه السماح، إذ أساء الظن فيه، ورفع «رأسه والدموع تملأ عينيه، ومن حوله يلتفّ رجال القرية» (ص22).‏

 

وأمعن محبك في وصف تدمير الصهاينة لبيوت الفلسطينيين في قصة «حجارة أرضنا» مما دفع الأولاد والنساء لعمل الحجارة ومقاتلة العدو، لتغدو العلاقة مع الحجارة سبيلاً لصون العلاقة مع الأرض وحمايتها من العدو، ويتألف متن القصة من تضاعيف العلاقة الحميمة مع الحجارة، وكأنها أنسنة شديدة التأثر والتأثير كما في وصف انطلاقة الشاب «إلى داخل القرية، وفي يده حجر، الأرض تحفظ خطواته، تشيلها، وفي يده كان قد شال منها الحجر، والجند وراءه يلهثون، الحجر في قبضته يلوي عليه أصابعه، الحجر ينبض، يسيل عليه الدم، يشربه، يرتوي به، فيلين، ويحس الشاب بحنين عارم إلى الأرض، فينثني نحوها، يميل إليها، يحس في صدره شوقاً جامحاً إلى ترابها، فيشق قميصه، ثم يهوي على الأرض يلتصق بها، الأرض تنبض بنبض قلبه، النبض ينداح دوائر دوائر، تموج بها الأرض، تتحرك، ولكنه يحس في داخل النبض وقع أحذية عسكرية، يلتفت، فيرى الخوذات والبنادق، فيسدد الحجر الذي في يده إلى تلك الكائنات، ويقذفها به، يرميها بالحجر المشرب بدمه، فيكتسي الكون كله حمرة دمه» (ص28-29).‏

ثم شرح آلية المقاومة بالحجر من رشقه إلى الاستشهاد، فليس متاحاً لهم سوى انهمار سيول الحجارة دفاعاً عن وجودهم أمام المحتلين:‏

«الأطفال والشباب في مدخل القرية يهجمون، وبأيديهم الحجر، يقذفونه ويتقدمون، يتقدمون أمتاراً، أمتاراً، وفي مواجهتهم الجند المدججون بالسلاح، يرمونهم بالرصاص والقنابل، والأطفال والشباب يقذفون الحجارة، يتراجعون متراً، يتراجعون مترين، يتفرقون يتناثرون، بعضهم يحمل من سقط من الجرحى، ثم يتجمعون ثانية، ويضربون، ومن ورائهم الأمهات والأجداد العجائز يمدونهم بالحجر، يدبون على العصي وراء الأحفاد، أحياناً ينكشف العجائز، فيواجهون الجند بعصيهم وخطواتهم المتعثرة وأصواتهم المتهدجة، يغطون أحفادهم بأجسادهم، ثم يرجع الأطفال والشباب إلى التقدم، يرمون الجند بالحجارة، يتقدمون، يتقدمون» (ص35).‏

ونظر محبك إلى جانب العدو في قصة «في داخل سيارة عسكرية» من خلال الحوار بين الجنرال والخبير الذي شرح حال المقاومة بالحجر، فما رآه «هنا حالة خاصة، ليست شغباً ولا إرهاباً على الإطلاق، قرية عادية، بيوت مكشوفة، ولا سلاح ولا أنفاق ولا سراديب، ناس عاديون جداً، عجائز أمام أبواب الدور لتكسير الحجارة، وشيوخ مسنون يلوحون بالعصي والأعلام، وأطفال يرسمون إشارات النصر، وشباب يقذفون الحجارة، ليسوا إرهابيين ولا مشاغبين، هم شعب» (ص40).‏

وحلل حقد الجنود الصهاينة، وابتعد الجنرال عن مقترحات الخبير، ووجه الأمر بإبادة الفلسطينيين:‏

«ابق هنا، لتقود العملية، اضرب حصاراً مشدداً على القرية، وافرض عليها منع التجول، واطلب من أهلها لزوم بيوتهم، واستمر في قلع أشجار الزيتون، ولا تتردد في استخدام الرصاص الحي» (ص44).‏

وما لبث الراوي أن فضح آلية التعاون الأمريكي:‏

«وبعد يومين من عودة الخبير روجر إلى الولايات المتحدة، يقدم اقتراحاً آخر بدس الجواسيس بين الفلسطينيين، وتوزيع منشورات باسم الانتفاضة ولكنها مزيفة ومتناقضة لإحداث البلبلة، وتفجير بعض الحوادث الجزئية البسيطة في أي بقعة من العالم والمبالغة في تركيز الإعلام عليها للتغطية على أنباء الانتفاضة» (ص44-46).‏

 

ولم يمنع ذلك كلّه من استمرار المقاومة بالحجارة، وهو شأن غالبية القصص، ففي قصة «فتاة من واشنطن» قفز الشاب الفلسطيني من سور الحديقة، ورأته اليهودية المجندة، وغطت عليه بدعوى الحوار معه، واستحال الحوار، وهرب من السور ثانية، وأطلقت عليه الرصاص، وأصابت كتفه، فانضم إلى المقاومين المنتفضين الذين يرمون عدوهم بالحجر:‏

«ومن وراء السور يرفع يده المخضبة بالدم، يرسم بإصبعه إشارة النصر.‏

وتدوي رصاصة ثانية.‏

وعلى الرصيف يعدو مصطفى، يدخل في شارع فرعي، ينضم إلى مجموعة من الشباب والأطفال والشيوخ، يرجمون الجنود بالحجر» (ص59).‏

وامتدت النزعة التعليمية إلى إبداء التضامن العالمي مع الانتفاضة في قصة «رسالة»، فقد أرسل المقاوم الفلسطيني رسالة لصديقه الفرنسي جان، وشرح فيها إرهاب الصهاينة، واقترح إرسال حجارة لوضعها في المتحف الفرنسي علامة على نضال الشعب الفلسطيني، وأشاد بمحاضرته عن فلسطين، ودعاه لزيارتها، وإن استشهد فإن كثيرين سيكونون في استقباله. وأفاد، في النزوع التعليمي إياه، أن المقاومة تكاد تقتصر على أطفال الحجارة المنتفضين في قصة «الأطفال أخيراً»، وتناولت القصة ضابطاً إسرائيلياً يعيش مع زوجته وهما عاقران، وتغادر الزوج إلى لندن، وتعده بدوام خدمة أرض الميعاد، فقرر إبادة أطفال الحجارة، واستمر أطفال الحجارة برجم أعدائهم.‏

 

وحاول محبك أن يمنح التعبير المقاوم بعداً مجازياً في قصة «آخر الليل»، فقد أتى المرأة الفلسطينية المخاض في الشهر الثامن، والقرية كلّها محاصرة بالدبابات، ثم صادروا من زوجها الفأس بعد انتظاره واقفاً بإذلال أمام الجنود الأعداء، بينما «انتهى الاشتباك المعلن بإلقاء زجاجة حارقة على إحدى المصفحات فاشتعلت فيها النار» (ص10)، وهو إيماء إلى فضائه «الضحى مع الشباب في رجم جنود العدو، ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة، وهم يرجمون الجنود، سقط ثلاثة شباب، وجرح عشرة، حمل أحدهم بنفسه إلى المستشفى» (ص102).‏

وتوقع الزوج الحصار، ولكنه لم يتوقع المخاض، فقد أجهضت الزوج مراراً، وتداخل الوصف بين المخاض والإجهاض مع حال انسحاب العدو من الحصار من جهة، وولادة محمد من جهة أخرى، وغدت الخاتمة بشارة بالنصر:‏

«وترفع أم العزّ الملاءة عن النافذة، فيدخل نور فجر جديد» (ص106).‏

 

2- فعل المقاومة في قصص محسن غانم:‏

عنى محسن غانم في غالبية قصصه بالموضوع القومي، وجعل مدار قصص مجموعته الأولى «حدث في تشرين» (1980) صوراً نضالية دفاعاً عن فلسطين أو الجولان المحتل إثر الحرب من أجل تحرير فلسطين. وحوت المجموعة الثالثة «زمن الشام» (2001)(8) قصصاً عن أشكال المقاومة الفلسطينية، وعمد إلى التعبير القيمي عن موضوعه بالصوغ المجازي حيناً والواقعي حيناً آخر تشبثاً بالدفاع عن الوطن وتعزيزاً لفعل المقاومة بعامة والانتفاضة بخاصة.‏

وقد غلب على المبنى القصصي البعد المجازي، وأتوقف عند القصة التي تحمل عنوان المجموعة أنموذجاً، على أن زمن الشام هو زمن المقاومة الدائم والمستمر على مرّ التاريخ، واختار غانم لأسلوبه السردي بعض التقانات الحداثية مثل تثمير العتبات النصية كالعبارة المفتاحية، وهي مأخوذة من شعر أمل دنقل لمعنى القصص جميعها، وعنوانات القصص ومقاطعها على وجه الخصوص. وتألفت القصة من خمسة مقاطع توحي عنواناتها الجزئية بتلاقي الدلالات، من إطارها الأعم الشهادة إلى مجالات اللقاء والمكاشفة بلوغاً لتجديد الأمل بالنصر من خلال موكب أطفال الحجارة.‏

يلوذ غانم بديمومة الروح النابعة من مكابدة العيش ارتهاناً بتحقق الكرامة الإنسانية، وأوضح في المقطع الأول من القصة «الشهادة» أن الشهيد يروي شهادته، ويصف امتداد فعلها في تقمص أرواح الشهداء في نجواه المتصلة بعلامات مواجهة الأعداء من تاريخ إلى آخر:‏

«تقمصت روحي أجساداً عديدة، في جيش الغافقي، يوم بلاط الشهداء كنت، وإلى فيالق سيف الدولة انضممت، في حرب صلاح الدين، في الزلاقة وعين جالوت شاركت، وألتحق اليوم زمن الشهادة، بالمناضلين من قومي، فالأعداء يشحذون أسلحتهم، يوحدون صفوفهم، يعقدون العزم على العودة إلى أرضنا، والتناسل فوقها من جديد» (ص6).‏

ومثّل لجفاء التحقق الذاتي بعوائق اللقاء في المقطع الثاني، إذ وصف قلقه وذعره وخوفه مما دعاه أن يطلب الأمن والحماية من جاره الذي ما قدر على ذلك (ص9)، وارتأى تحقق اللقاء بينهما قابلية أولى لاحتضان فعل المقاومة، فالتقيا وتبادلا الشكوى والشجن من مطاردة الانتماء القومي، فلطالما عاشا التاريخ كلّه في مواجهة الأعداء، وأعلنا استمرار اللقاء في زمن صعب آخر، وتحاورا عن ضرورة المقاومة:‏

 

«- يبتغي العدو السيطرة على بلادنا، أمامنا طريقان لا ثالث لهما: الاستسلام أو الصمود» (ص12).‏

وجعل المقطع الخامس حاملاً لأمل مواجهة العدو الذي يزحف بينما الرجال نيام، ولم ينقذ الوضع سوى الأطفال الذين يحملون حجارة بأيديهم، ويهاجمون جحفل الأعداء الزاحف، وفي قسماتهم عزيمة وتصميم، ليستقر الحال على المقاومة مع الجيل الجديد:‏

«عدنا إلى الخيمة، اقتلعنا أوتادها، انتزعنا أعمدتها، طويناها ثم انطلقنا في موكب الأطفال» (ص15).‏

ويتبدى الصوغ المجازي في استعادة تاريخ المقاومة العربية «قاتلنا معاً التتار.. الأعاجم.. الصليبيين. الأوروبيين، ـقاسمنا الطعام في أهوار العراق وشمال أفريقيا، في الصحارى والبوادي والجبال..» (ص11)، وفي إضاءة الانتماء القومي الذي ينمّي فعل المقاومة، ولا سيما معنى الأمة الواحدة:‏

«- من كل البلاد جئتُ، من المغرب، من المشرق، من الشمال، من الجنوب أهلي في كل البقاع، على شواطئ الأنهار العظيمة، والبحار البيض والزرق والحمر، في السهول الخصيبة، والجبال المنيعة، وأبي عامل.. فلاح.. جندي.. هؤلاء أهلي، في الماضي والحاضر لم يتغير اسمي، لم يتبدل نسبي، ولم يرتفع السوط على جسدي» (ص10).‏

ودعم ذلك بالتناص مع عناصر التمثيل الثقافي في فهم معنى الحرب منذ ما قبل الإسلام إلى يومنا هذا: «وما الحرب إلا ما عرفتم» (ص13).‏

وأدخل غانم سرده القصصي المجازي في فضاء الأخيولة نحو اتساع مدى الرؤية من خلال تماهي شخصية عروة مع إرادة الدفاع عن الوجود العربي ممثلاً في صورة القدس المهددة بالاحتلال، والمحتلة، وتحريرها من هذا الاحتلال، وتوزعت قصة «عروة» إلى مقاطع، تعطي البعد المجازي إياه على أن النفي عن الوطن لا يمنع المنفي من الإصرار على مواجهة الأعداء. وبدأ التخييل الأخيولي بأن ما يحدث جار في كل عصر، وهو عنوان المقطع الأول، إذ حمل قطار قادة عرباً من العصور كلّها، كانوا رموز مواجهة الأعداء ممن حققوا النصر أمثال سيف بن ذي يزن وهانئ بن مسعود الشيباني وخالد بن الوليد والقعقاع بن عمرو وعبد الرحمن الغافقي وصلاح الدين الأيوبي والملك الظاهر وسليمان الحلبي، ثم اجتمع الصحفيون يسألون عروة عن كلّ شيء «عما حدث في الماضي وما يقع في الحاضر وما سيكون في المستقبل!» (ص16).‏

ورأى الراوي في المقطع الثاني «محاكمة ثالثة» أن محاكمة العربي دائمة وقائمة ما لم ينتفض على الاحتلال وظلمه ومجازره فهم يحاكمونه من جديد «كل يوم يُحكم عليه غيابياً وحضورياً، المدّعون هم القضاة، والقضاة هم المدّعون والشهود، ويبقى هو المحكوم عليه دائماً.‏

يصوغون قرارات الحكم بلغة فصيحة بليغة، ومفردات دقيقة منتقاة، يزرعون حواشي الصفحات بأرقام المواد القانونية والقواعد الفقهية والاجتهادات القضائية، لكنّ الحكم يظلّ واحداً لا يتغيّر (النفي حتى الموت)!!» (ص17-18).‏

وتعرض العربي مرموزاً إليه بعروة للنفي في المقطع الثالث، إذ «يقبضون على عروة، يضعون القيد في يديه، يسوقونه أمامهم إلى السجن، يلقونه في زنزانة مع القتلة واللصوص» (ص18-19).‏

واستمرت محاكمة عروة للمرة العاشرة في المقطع الرابع، فقد اتهم بتحريض الناس، ولكنه توهم القدس وجهاً لامرأته التي يعشقها، فطلب «الحكم عليه بأن يُنفى إلى خارج البلاد حيث يقضي بقية عمره» (ص19).‏

وثمة خلل في ضبط المنظور السردي في هذه القصة، حين لا يتطابق مأثور فعل الصعلكة، ورمزه عروة بن الورد مع فعل المقاومة، فليس انتقاد النظام السائد أو السطو، وهو تعبير غير دقيق عما يقوم به الصعاليك، على أموال الأغنياء وتوزيعها على الفقراء، مندرجاً بمنافحة الأعداء، وليس نفي الصعاليك معادلاً لنفي الفلسطينيين عن أرضهم. وخفف غانم من تعقيد المجاز السردي وتشابكاته الدلالية في قصة «في بيت ساحور»، فقد أمعن في وصف الاحتلال ومعاناته مما صيّر نار المقاومة مشتعلة:‏

«توقف، جلس على التراب، جمع كومة من أغصان الزيتون الجافّة، أشعلها، التهمت الشعلة الأعواد اليابسة، انترت النار. بحر النيران المتأجّجة يزحف باتجاه بوابات المدينة، في حين تبزغ ملامح الصباح من وراء الهضاب الشرقية» (ص57).‏

وهذا جلي أيضاً في قصة «رقصة البنادق»، فثمة مخاطبة للعين الجافة من الماء، ثم استدعاء رقصة البنادق طلباً للماء الذي يعود بهذه الرقصة التي غدت تقليداً نضالياً في المنطقة كلّها.‏

 

(1) أصدر غسان كامل ونوس المجموعات القصصية التالية:‏

- هامش الحياة.. هامش الموت. منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1991.‏

- الاحتراق ـ دار الشادي ـ دمشق 1992.‏

- ظلال النشوة الهاربة. وزارة الثقافة ـ دمشق 1994.‏

- دُوار الصدى. دار الحوار ـ اللاذقية 1997.‏

- أحمر أبيض. اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1998.‏

- العائذ. مطبعة إياس. طرطوس 2000.‏

- خطايا. وزارة الثقافة ـ دمشق 2002.‏

- مفازات. اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2003.‏

(2) كتبت عن التجريب القصصي عند سامي حمزة في كتابي «عن التقاليد والتحديث في القصة العربية» بعنوان:‏

- المخيلة والاتصال بين الفنون. منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1993 ـ ص223-228.‏

(3) صدر لسامي حمزة المجموعات التالية:‏

- استنشاق رائحة اللون. العربية للدراسات والنشر والتوزيع ـ دمشق 1982.‏

- اضطرام الهويس. اتحاد كتاب العرب ـ دمشق 1998.‏

- الدم حبراً. اتحاد كتاب العرب ـ دمشق 2000.‏

- تكلم لأراك. اتحاد كتاب العرب ـ دمشق 2002.‏

(4) أصدر محمد الحاج صالح المجموعات القصصية التالية:‏

- هكذا كان اسمها. دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت 1988.‏

- يوم في حياة مجنون. مطبعة ألف باء الأديب. دمشق 1991.‏

- الحب في عام 2060. قصص من الخيال العلمي. دار معد للنشر والتوزيع. دمشق 1995.‏

(5) وضعت كتابات نقدية قليلة عن قصة الانتفاضة، وأبرزها:‏

- محمد توفيق الصواف، الانتفاضة في أدب الوطن المحتل، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997.‏

(6) عالجت في كتابي «الأدب والتغير الاجتماعي في سورية» الموضوع القومي في القصة القصيرة و«حرب تشرين في القصة القصيرة» باتساع. انظر:‏

- الأدب والتغير الاجتماعي في سورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1990، ص189-246.‏

(7) وقد أصدر محبك بالإضافة إليها مجموعات قصصية كثيرة هي:‏

- يوم لرجل واحد. دمشق 1986.‏

- حجارة أرضنا. مطبعة عكرمة ـ دمشق 1989.‏

- حلم الأجفان المطبقة. دمشق 1996.‏

- عريشة الياسمين. حلب 1999.‏

- لأنك معي. دمشق 2000.‏

- طعم العصافير. حلب 2001.‏

- العودة إلى البحر. دمشق 2001.‏

- الرحيل من أجل مها. دمشق 2003.‏

(8) محسن غانم: زمن الشام. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق 2001.‏

 

وتتباين الدلالات الناجمة عن المجاز السردي في قصص أخرى، فأفلح إلى حدّ ما في قصة «بين كتابين» التي تستفيد من المفارقة المعنوية من قدم الشرور إلى معنى دوام حداثة استمرار نشر العدل، ففي المقطع الأول «من كتاب أصفر» ذكر المهدي وقضاؤه على الدجال وتخليص المؤمنين من شروره، ويتلوه المقطع الثاني «في جوف الليل» إلماحاً إلى بزوغ الضوء من قلب الظلام، ويحاول في المقطع الثالث «القمر لا ينير» أن يشير إلى مظاهر الحياة القلقة، بينما يتكامل طرفا المفارقة المعنوية في المقطع الأخير «من كتاب أبيض» حين نجح الدجال في نشر الظلم والضلال، ومضى أطفال الحجارة في نشر العدل:

«فتح الرجل كتاباً عربياً حديث الطباعة، وقرأ:‏

«بعد نجاح الدّجال في نشر الظلم والضلال، يظهر أطفال، يواجهون بالحجارة، القنابل، يقررون أن تمتلئ الدنيا عدلاً لا ظلماً ولا جوراً»..» (ص63).‏

ويتعاضد المبنى المجازي مع حوافز واقعية في قصة «سلوان»، وهي مكان فلسطيني محتل، فيشرع الراوي في المقطع الأول «شكوى» في وصف المحتل في دار الفلسطيني الذي يطالب بعودته إليها، وهو يعاني من الضياع في المقطع الثاني لدى بحثه المزمن عن أسرته متطلعاً إلى منزله في سلوان، ويقضي الفلسطيني أمداً طويلاً في التجوال الممض، في المقطع الثالث، يرى خياله في بيته في سلوان، ولا يصل إليه. ويسعى في المقطع الرابع لاهثاً للعودة إلى بيته ولطرد المحتل منه. ويختتم القصة في المقطع الخامس «تصورات» بحلم مفاده أنه وصل إلى بيته، ولكن المحتل وجه السلاح في وجهه، وطرده من جديد:‏

«انفتح الباب، رقصت قطع الأثاث، دخلت العصافير من النوافذ، ملأت البيت زقزقة وتغريداً فجأة يبرز رجل يحمل بندقية، يشهرها في وجه ابن سلوان. ويشير إليه أن يتراجع ويخرج، ترتجف أعضاء الرجل، يخطو إلى الخلف وفي صدره حرقة، تبقى حبيسةً أمام فوهات الأسلحة الجاهزة للإطلاق في أية لحظة، وانغلق باب الدار في وجهه من جديد» (ص80).‏

ويدغم الراوي المجاز السردي في قصة «جراد» بالمبنى الواقعي المباشر، فقد ظهرت أسراب الجراد في عدد من أقطار أفريقيا، ويرتفع صوت النجوى أنه شم رائحة الجراد متجهاً نحو السودان، ويتذكر حكايات سفر برلك وجراده، ثم نظر في موسوعة عن الجراد، غير أن الجراد انتشر، وكسا جلده:‏

«حطت جرادة فوق رأسي... اثنتان... تسلّقني الجراد... فناديت بملء فمي... ضربت وجهي بكفي... صدمت رأسي بالجدار خلفي، كي أستيقظ من الحلم المرّوع... من الكابوس المفزع...‏

ظلّ الجراد يزحف نحوي...‏

ويكسو جسدي!!» (ص23-24).‏

وعمد غانم إلى المبنى الواقعي لقصصه الأخرى الكثيرة توكيداً لقيم المقاومة والانتفاضة أمام القضية الفلسطينية، وقد تحدثت قصة «في بواية دمشق» عن أم حبست ابنها في بيتها في القدس لئلا يشارك في مظاهرة احتجاج ضد أساليب المحتلين، ويتعرض للموت، لأن أسرتها تلتحق بالفدائيين، وها هي ذي صورة ابنها الشهيد شاخصة وناطقة، والمنطقة محاطة بالدبابات والمسلحين، ثم خرجت الأم، ورأت المظاهرات مندفعة تهتف: «فلسطين عربية.. القدس عربية.. تحيا فلسطين» (ص27)، وعادت إلى البيت، «وأعاد إلى ذاكرتها صورة زوجها الشهيد مسجاة، وبعثت في ظاهرها وجه ولدها الذي ذهب ولم يعد» (ص28).‏

ولحق بالأم الجندي الإسرائيلي، ورفع هراوته في الهواء ليضرب ولدها، أما هي فكزّت أسنان فكيها فوق بعضها، وأغمضت عينيها، وبلحظة خاطفة دفعت نصل المفك في ظهر الجندي، فغاص حتى نهايته، وتهاوت الهراوة بطيئة... بطيئة... ثم سقطت على الأرض» (ص29).‏

 

وصورت قصة «احتفال» مواصلة النضال في قرية محتلة دفعت شهداء كثيرين، مما دفع الفلسطيني للاحتفال بذكرى الانتصار على الأوروبيين في حطين عام 1187، وهو لا يغفل عن وطأة المرارة حين لا يحس للطعام مذاقاً، ولا ابتهاج إلا بتذكر صلاح الدين وتحيته، وانطلق إلى فعل المقاومة خلاصاً من الاحتلال:‏

«توقف أمام أسرة الأولاد، غمرهم بنور منبثق من حدقتيه الحانيتين، خرج إلى مستودع المؤونة، هبط إلى قبو سري تحت المخزن، أخرج أسلحة... قنابل... لفها ببقايا قميص شقيقه الشهيد، حملها... خرج دونما أية ضجة، أغلق باب الدار خلفه... سار نحو معسكر قريب للأعداء» (ص33-34).‏

وخلصت القصة إلى نجاح العملية الفدائية الجريئة، واقتصر الراوي في قصة «سالم»، وهي قرية فلسطينية، على وصف الجنود المحتلين وفتيان الانتفاضة الذين دفنوا أحياء، وصوت قهقهات شاؤول وديفيد العالي يملأ جو المكان. وبلغ الظلم الإسرائيلي في قصة «بيتا»، وهي قرية فلسطينية قرب نابلس، أن قتلوا فلسطينيين واليهودية تييز من أجل محو «بيتا» من الخريطة. وعلى الرغم من ذلك كله تشبث أهالي القرية بأرضهم وبيوتهم المهدمة:‏

«أما عرب «بيتا» فكانوا ينظرون إلى كلّ ما يجري، والمرارة تمزق أكبادهم، والعدو يقود أبناءهم إلى معسكرات الاعتقال والنفي، ومع ذلك فإن الباقين في قرية بيتا نصبوا الخيام فوق أنقاض بيوتهم المهدمة، وسكنوا فيها، ملتصقين بأرضها، ملتحمين بترابها» (ص43).‏

وتباشر قصة «فتيان الجنوب» وصف الأطفال الشجعان وعزيمتهم المستمرة على المقاومة، ومثلها قصة «طريف يرسم» فهو يرسم المقاومة، لأن الشوارع مزدحمة بها.‏

ويقترب نص «نجمة.. نجمتان» من الخاطرة القصصية، فقد فرح المخيم بانتساب ابنته إلى الكلية الحربية للبنات. ويجعل حال اليقظة مثل الحلم في قصة «حجارة.. وقنابل» إذ يصبح الأفق كلّه بلون الدم (ص76).‏

ويسرد الراوي في قصة «أحمد» واقعة حقيقية، هي عملية أحمد الدقامسة الذي أطلق النار على مستوطنة محاذية للباقورة، ويربطها بحادثة غولد شتاين الذي أطلق النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي في الخليل.‏

 

7- ملاحظة أخيرة:‏

مال العديد من القصاصين إلى التعبير القصصي المقاوم الذي يبتعث قيم المقاومة بأشكال مختلفة، بل إنهم أفلحوا، في نماذج قصصية كثيرة، في مجاوزة القصة حدود الاستجابة المباشرة للأحداث العدوانية على الفلسطيني إلى آفاق وعي الذات والتاريخ.‏

 

4-الجولان في التعبير القصصي المقاوم: قصص علي المزعل أنموذجاً‏

يعنى هذا البحث باستقراء ملامح التعبير الأدبي المقاوم من خلال حالة نضالية محددة هي الجولان، ذلك الجزء الغالي من الوطن الأم سورية، ويتقصى هذه الحالة النضالية منذ عام 1948، الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى، وكان الجولان فيها مسرحاً لعمليات قتالية مع العدو الصهيوني من أجل فلسطين، ويتتبع التعبير الأدبي المقاوم في المراحل اللاحقة ولا سيما حربي 1967، 1973، وما تلاهما من نضال أهلنا في الجولان كما أظهرها الأدب المكتوب.‏

وينقسم البحث إلى تمهيد عام للتعبير الأدبي المقاوم بعامة والقصصي بخاصة عن الجولان، ومتن يعالج الجولان في قصص علي المزعل نموذجاً، فيعرض لكتابته القصصية، ثم يتقصى معالجته لموضوع المقاومة بخاصة والقيم القومية والوطنية بعامة في مجموعاته القصصية.‏

 

1- التعبير الأدبي المقاوم عن الجولان:‏

مرّ التعبير الأدبي عن الجولان بأطوار مختلفة، وغالباً ما كان متداخلاً مع التعبير الأدبي عن الموضوع القومي بعامة، وعن مفاهيم وقضايا أخرى متصلة بالموضوع القومي كالحرب مع العدو والمقاومة بخاصة. ولم يصرح بالجولان في التعبير الأدبي بوصفه قضية وطنية بذاتها إلا متأخراً مع تزايد وطأة الاحتلال وبالذات إثر قرار الكيان الصهيوني ضمّ الجولان إليه في 14/12/1981.‏

يلاحظ المتتبعون أن التعبير الأدبي عن الجولان قد تبدل كثيراً بعد هزيمة 1967، فثمة اختلاف بيّن وكبير بين التعبير الأدبي عن الجولان قبل هزيمة 1967 وبعده، أي ان الاحتلال كان حاسماً في إثارة قضية الجولان.‏

ونوجز أهم الملاحظات حول ذلك التعبير قبل الهزيمة:‏

أ- اتصل التعبير الأدبي عن الجولان بالحروب (1936-1948) والمناوشات الكثيرة، ورصدت القصة القصيرة على وجه الخصوص جوانب من وصف هذه الحروب والمناوشات.‏

ب- كانت الجولان مسرحاً وأرضاً للعمليات الحربية والقتالية والعسكرية ومعبراً للقوات الحربية والمجاهدين إلى فلسطين في ثورة 1936 وفي حرب الانقاذ وسواهما، ويتضح ذلك في عدد من الأعمال السردية والقصصية الأخرى.‏

جـ- نادراً ما صُرح بلفظ الجولان على الرغم من ورود عشرات أسماء المواقع الجولانية، ووصف البيئة الجولانية وجغرافيتها.‏

د- كان الجولان مسرحاُ لمواجهة العدو الصهيوني، فتردد في التعبير الأدبي كلمات مثل «الجبهة» أو «الحدود» أو «القرى الأمامية»، وتردد اسماء قرى ومدن ومزارع وتلال، ولاسيما «العزيزيات»، وهذا جلي في قصص كثيرة.‏

هـ- برز في هذه المرحلة التعبير الأدبي في شكل معين هو القصة القصيرة، فكتبت عشرات القصص بأقلام عشرات القصاصين، ولاسيما المجندين أو المتطوعين منهم أمثال عبدالسلام العجيلي وفارس زرزور، وتعدّ بعض هذه القصص علامات في التقليد الأدبي حول الموضوع القومي، وأذكر من هذه القصص «كفن حمود» للعجيلي، و«شجرة البطم» لزرزور.‏

و- حفل النثر القصصي على وجه الخصوص بإرادة الكفاح والعزيمة والنصر وشيوع النبرة التفاؤلية التي تصل إلى حدّ القداسة في تصوير الفعل البطولي لمقاتلينا. وعنيت عشرات القصص بتعزيز أمثولات لمعاني النضال ودلالات المواجهة وتوهج الحلم القومي بالعودة والتحرير.‏

 

اتصل التعبير الأدبي بالجولان بعد عام 1967 بموضوع الحرب بالدرجة الأولى، وظهرت الجولان بشكل مباشر في ارضية موضوع الحرب، وإن ظلَّ الجولان إطاراً لقضية أعم وأشمل هي القضية الفلسطينية، وظلَّ بعد ذلك التعبير عن احتلال الجولان جانباً من القضية الأعم، القضية الفلسطينية، لأن احتلال الجولان كان بسببها. وسادت في هذا التعبير نغمة متشائمة هي صدى للهزيمة الحزيرانية البشعة، وكان النثر القصصي (قصة ورواية)، بالإضافة إلى الشعر هما الفنان أو الجنسان الأدبيان الأبرز في التعبير الأدبي عن الجولان، وهذا واضح في روايات ممدوح عدوان «الأبتر» (1970) وعبد النبي حجازي «قارب الزمن الثقيل» (1970)، وهاني الراهب «ألف ليلة وليلتان» (1977)، ونصر شمالي «الأيام التالية» (1970). ونلاحظ في الأعمال الأدبية عن هذه المرحلة أن كثيراً من هولاء الأدباء قد تجنبوا تفصيل القول فيما جرى، باستثناء رواية ممدوح عدوان، وهي أقرب إلى القصة المتوسطة، ولذلك جاء ذكر الجولان عرضياَ أو مكملاً لخلفية المشهد السردي أو مكوناً من مكونات رؤية القضية القومية.‏

كانت المرحلة التي تلت حرب 1973 هي الأخصب والأغنى في التعبير الأدبي عن الجولان، ففيها اتجه غالبية الكتاب للكتابة عن الجولان في إطار موجة التفاؤل إثر النصر المحدود الذي أشاع الأمل باستعادة الجولان كاملة أثناء حرب تشرين وحرب الاستنزاف.. الخ.‏

ونجد في هذه المرحلة أيضاً تعبيراً عن الجولان في مختلف الأجناس الأدبية، وإن كانت الرواية هي الأكثر في إقبال الأدباء على تناول هذه القضية تناولاً مباشراً، وسيظل التعبير الأدبي عن الجولان متصلاً بموضوعي الحرب على وجه خاص، والقضية القومية الفلسطينية على وجه عام، فغلب على أعمال هذه المرحلة تمجيد بطولة الجيش العربي السوري وصلابة الجبهة الداخلية وكسر الحاجز النفسي المتولد بفعل الهزيمة ونسيان أحاسيس نقد الذات القومية، وإن استبدل بنقد في بعض الأعمال للمؤسسة العسكرية والمؤسسة الاجتماعية، ولاسيما المنتهزين والمستفيدين من ظروف الحرب والمواجهة، كما في روايتي نبيل سليمان «جرماتي أو ملف البلاد التي سوف تعيش بعد الحرب» (1977) و«المسّلة» (1981).‏

 

أما بقية الأعمال القصصية فغلب عليها التفاؤل والإيمان بالتحرير الكامل. على إننا سنذكر الملاحظات التالية في الأطار الأعم:‏

ـ كانت القصة هي الفن الأثير في التعبير عن الجولان في هذه المرحلة، ويندر أن نجد قاصاً لم يكتب قصة أو أكثر عن الجولان، ونذكر بعض المجموعات القصصية المكرسة كلياً أو جزئياً للجولان، مثل «الوسام» (1975). لمجموعة قصاصين جدد، ومثل الملحق الذي أصدرته «الموقف الأدبي» (1974) وضمَّ مجموعة قصص لبعض أهم كتاب القصة في سورية ككوليت خوري وعادل أبو شنب، ومثل المجموعة المشتركة لنجاح العطار وحنا مينة «من يذكر تلك الأيام» (1974) ومجموعة محسن غانم «حدث في تشرين» (1984).‏

ـ اقتصر التعبير الأدبي عن الجولان على الكتاب العرب من سورية وفلسطين باستثناء رواية يتيمة لمبارك ربيع من المغرب بعنوان «رفقة السلاح والقمر» (1975)، وتندرج هذه الرواية في إطار روايات الحرب، وتركز على دور التجريدة المغربية في حرب تشرين.‏

وقد حدث تطور كبير في التعبير الأدبي عن الجولان في المرحلة التالية إثر قرار ضم الجولان إلى الكيان الصهيوني في 14/12/1981، كما أشرنا.‏

 

وانعطف التعبير الأدبي عن الجولان في هذه المرحلة إلى الكتابة المباشرة عنه بمعزل عن إطار موضوعة الحرب أو موضوعة القضية القومية الفلسطينية، كما كان سائداً من قبل، وتوزعت في هذا الميدان اتجاهات الكتابة عن الجولان إلى الموضوعات التالية:‏

ـ تصوير المقاومة الوطنية للجولانيين ضد الاحتلال الاسرائيلي، وهذا واضح في رواية وهيب سراي الدين «الرجل والزنزانة» (1988)، ورواية مالك عزام «حدث في الجولان» (1990).‏

ـ التبدل في معالجة موضوعة الحرب الجولانية سواء حرب 1967 أو حرب 1973، ويبرز في هذا المجال رواية أديب نحوي «سلام على الغائبين» (1981) التي صورت بطولة العسكريين حتى الموت دفاعاً عن تل الفخار، وهذه الرواية على الرغم من أنها مكتوبة عن حرب انتهت بالهزيمة، فإنها تصدر عن إيمان عميق بالنصر حتى كأنها لاتنتمي إلى موجة الأدب الحزيراني، وهناك رواية «الخندق» لمحمد وليد الحافظ التي ترصد بطولة وحدة من سلاح الدبابات، وتنجح إلى حد كبير في بناء مجتمعها الروائي داخل الحياة العسكرية والحياة المدنية على حد سواء.‏

ـ اتجاه وعي الذات القومية بالعودة إلى جذور الراهن بالعودة إلى تاريخ المنطقة، ولاسيما الجولان، كما في رواية نبيل سليمان الكبيرة «مدارات الشرق» (1992-1994).‏

ـ يلمس المرء تطوراً في تناول القصة لموضوع الجولان أيضاً. ويبرز في هذه المرحلة قصاصون كرسوا فنهم أو جانباً كبيراً من فنّهم لتصوير التحولات المجتمعية في مناخ الحلم القومي المتجدد في استعادة الجولان وتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية، ويظهر ذلك في أعمال علي مزعل وحسن حميد ومحمد وليد الحافظ ووهيب سراي الدين على وجه الخصوص.‏

 

2- كتابة علي المزعل القصصية:‏

وضع علي المزعل(1) أربع مجموعات قصصية هي «شهادات على جدران الوطن» (1987)، و«ندى الحصاد» (1992)، و«أبي خارج القبر» (1994)، و«أسرار وجه» (1997)، ورواية واحدة هي «قناديل الليل المعتمة» (1998).(2)‏

أشار علي المزعل في مجموعته الأولى إلى انصرافه الكلي إلى الموضوع القومي، ولاسيما مقاومة العدو الصهيوني، فانتقل باهتمام، كما أوضحت في مقدمتي للمجموعة، من حدث إلى آخر من مجريات المرحلة التاريخية الراهنة: احتلال الجولان، اتفاقيات معسكر داود، الغزو الصهيوني للبنان، مذبحة صبرا وشاتيلا، قوات المارينز في لبنان. إلخ، ليدين العدوان الإمبريالي - الصهيوني، وليدعو إلى استمرار المقاومة والنهوض القومي الشامل. ولوحظ على كتابة المزعل القصصية الانغمار بالروح النضالية لتصبح حالة وطنية وقومية ضاغطة على الوجدان العام، مثلما عبر عنها أبطاله الذين دافعوا عن وطنهم، وضحوا في سبيل انتصاره. إن هذا الهاجس الوطني هو المهمين على قصصه، بل إنه رهن الاجتماعي والإنساني بالوطني والقومي على نحو هامس حيناً، وصارخ في غالب الأحيان(3).‏

وما لبث المزعل أن جعل غالبية قصصه في مدار الجولان ومقاومته للعدوان والاحتلال الصهيوني. بينما تنخرط بقية القصص في التعبير المقاوم في فلسطين المحتلة. ولعلنا نستعرض موضوعات قصصه في مجموعاته الثلاث التالية.‏

 

3- «ندى الحصاد»:‏

تمتح قصص هذه المجموعة من معين القيم القومية والوطنية، وتفلح في كثير منها في صوغ ملموسيتها الواقعية نحو استنطاق الوجدان أشرف المعاني يتخللها وعي صادق بالتاريخ. تسترجع قصة «الجوع» ذكرى أيام السفربرلك القاسية على سبيل الأمثولة، إذ قتله ليخرج حبة شعير من معدته، ثم أكلها وبكى. بينما تشير قصة «عودة أم خالد» إلى حال البطولة والمقاومة في الجولان من بابها العريض، الصمود والفداء من أجل الوطن:‏

«قالوا لنا: أرشدونا إلى مكان المتسللين وإلا قتلناكم. إنهم لا يعرفون الأرض ومداخلها، ولن يعرفوها ولو بقوا مليون عام.. كيف نفعل ذلك؟! فهؤلاء أبناؤها، عشنا معهم سنوات طويلة في هذه القرية، ولما تيقنوا من رفضنا وضعونا في شاحنة، وألقوا بنا على الحدود بتهمة إيواء الفدائيين والتستر عليهم، ثم مسحت دمعها: صدقوني إنهم جبناء يعيشون في رعب دائم، كانوا يخافوننا كثيراً رغم حالتنا التي ترون، فكيف لو بقي سكان القرية بكاملها؟ إنهم يخافون من كل شيء، من الأرض، من الحجارة، من الأشجار.. كثير من الأماكن لم يدخلوها حتى الآن، واكتفوا بمراقبتها من بعيد» (ص94-95).‏

وتفصح قصة «الملاحق» بجلاء عن قوة الفعل المقاوم، فثمة مناضل مطارد من جنون الاحتلال، وثمة إرادة المواجهة مستمرة في الظروف كلّها:‏

«ولتضع لأفكاري حدّاً كنت أحلم له دائماً.. كان ذلك حين استيقظت القرية على أصوات إطلاق النار في كلّ مكان، حيث بدأت قوات الاحتلال بأعمال المداهمة والتفتيش لملاحقة رجال المقاومة الذين قتلوا الحاكم العسكري الجديد في منزله، وقاموا بتوزيع المنشورات المعادية للاحتلال في الأنحاء كلها» (ص124).‏

ثم تختتم القصة بسريان فعل المقاومة في نسغ الحياة اليومية:‏

 

«على الفور لفت أهدابي وجه أبي، تلاقت نظراتنا، قال لي شيئاً دون أن يتكلم.. ابتسمنا معاً، تعلقت ابتسامتنا على أزيز الرصاص»(ص124).‏

على أن بعض القصص تستغرق في وصف فعل البطولة بذاته على خط الجبهة في الأرض المحتلة كما في قصة «الكمين»، فهي تلتفت إلى وصف تأثير المقاومة على العدو الإسرائيلي:‏

«وبعد أن ألقوا أسلحتهم أرضاً جاست أيادي الجنود أجسادهم، ومن مواقعنا الخلفية اقتلعت مدافعنا جدار الصمت، وأحرقت جدائل اللهب ما تبقى من خيوط الليل، وتعالت أصوات المحركات وصلصلة الجنازير في عمق الصخور، وهي تعود مكسورة نحو الوراء» (ص ص53-54).‏

ولطالما عني السرد بتصوير جانب العدو الغاشم، ففي قصة «جنون الجنرال» يفرض الجنرال الإسرائيلي قيوداً، ولكن الإعلام والكتابات تظهر مجدداً، ويأمر بالمصادرة دون جدوى، لأن المقاومة مستمرة، والعلم مرتفع. لقد صارت الأعلام المرسومة إلى رعب:‏

«آلو.. سيدي.. لقد امتلأت جدران المنازل بالأعلام المرسومة بالطباشير، فماذا نفعل؟ انتصب كمن مسه الجنون، فألقى سماعة الهاتف أرضاً، ودوّى صراخ مرعب تدافع على إثره الجنود إلى باب مكتبه لتسقط كل الألوان.. ثم بدأ بتمزيق الستائر في مكتبه وتحطيم كل الألوان الحمراء والبيضاء والخضراء والسوداء.. وخرج راكضاً» (ص62).‏

لا تخفى عناية المزعل في مثل هذه القصة بالسخرية والهجائية، فقد أفرزت حالة المقاومة آثارها على المحتلين. ولعل هذا الأسلوب نافع في استجلاء معنى المقاومة المرعب في نفوس الأعداء، وبالقدر الذي يمعن فيه الراوي العارف المضمر في إعلان سخريته وهجائيته من إجراءات المصادرة، لا يبقى في المشهد سوى العلم علامة وطن يرفض هذه المصادرة بالمقاومة أياً كان شكلها:‏

«أغلقوا معامل الطباشير، فتشوا المدارس، ابحثوا في جيوب المعلمين، اعتقلوا العفاريت الصغار.. دمروا كل شيء.‏

صادروا الملابس التي تحمل لوناً من ألوان علمهم. لا أريد علماً بعد الآن.‏

استمر صراخه عالياً إلى أن تهاوى متعباً وهو يتمتم: العلم.. العلم..‏

وقبل أن تُغلق معامل الطباشير، كانت العديد من الأعلام المرسومة بألوان الباستيل واللون الزيتي قد زينت جدران المخيم، واستمر الجنرال ليفي يهذي.‏

العلم.. العلم.. العلم.. حتى صار اسمه بين الجنود الجنرال علم» (ص63).‏

ويعاد الموضوع نفسه في قصة «أحلام الجندي يعكوف» حيث تأثير الانتفاضة البالغ في «طمأنينة» الجنود الأعداء، توكيداً لفعل المقاومة الواحد على امتداد الأرض المحتلة من الجولان إلى نابلس، ليثار السؤال الأزلي: إرادة المقاومة؟ فقد صارت لحظة نوم واحدة حلماً أمام الحقيقة المفزعة، وهي الانتفاضة التي أفرزت قانونها: الفداء في وجه الاحتلال، وأن قطرات الدم وحدها كافية لصدّ العدوان:‏

«قالوا لنا:‏

نابلس قطعة حلوى يسهل مضغها، نابلس فاكهة لذيذة يسهل اعتصارها. وها قد مرت الشهور ولم تفعل شيئاً، حتى فياض الأعور الذي أرعبنا بهجماته المتلاحقة لم نستطع القبض عليه.. رغم علمنا الأكيد أنه موجود هنا أو هناك.‏

ولكن ماذا نفعل إذا كان الجميع في هذه المدينة هم فياض..؟‏

ليس فياضاً فقط، العجوز أم دحام قاتلتنا بحذائها المهتريء، والولد العفريت ابن الطنبرجي أقلق راحتنا أياماً بلياليها.‏

إنهم جميعاً هكذا، ولا جدوى من محاربتهم» (ص ص80-81).‏

أوغل المزعل عميقاً في تثمير المبنى الساخر لقصته، متقصياً آثار الرعب دون شعارات أو فخامة خطابية ولفظية:‏

«وقبل أن يطير بأحلامه، تدلى شاب ملثم من أعلى الجدار..‏

صرخ: ليفي.. أرجوك.‏

وغاب صدى الصوت وسط الأمواج الجديدة التي ولّدتها المدينة» (ص83).‏

يميل المزعل في قصص مجموعته الثانية إلى الاختزال وتكثيف المشهد القصصي مما يجعل وحدة الأثر موضع نظر، إذ تتباين طرائف الوصف وأنساق التنضيد الحكائي، معولاً في الأحوال جميعها على حرارة الموضوع القومي والإحساس المأساوي الناجم عن وطأة الشروط التاريخية القاهرة على الوجدان العربي المكلوم، فثمة قصص عن مثل هذه الضغوط الباهظة على الذات القومية مثل «رحلة أيوب العربي» التي تلامس نبرة حزينة ساخرة عن النجاح في السفر إلى بلد عربي، غير أنه ممنوع من الدخول بأمر الحاسوب!‏

ويتفاقم الشعور الساخر من استغلال الدين لغير مآله الأخلاقي النبيل في قصة «ضريح عويص»، ثم يختلط الضحك بالبكاء في إحدى الذرى المأساوية الدالة في قصة «ندى الحصاد»، فقد صار مصلح الحاصود حاجباً يقدم الشاي والقهوة للرواد، ولكنه أبداً يحنّ إلى منجله والحصاد. وها هوذا مصلح الحاصود متوجعاً مقهوراً:‏

 

«إن شعوراً بالغربة قد تسلل إلى راحتي حين أمسكت المنجل للحظة الأولى. إلا أن مارداً قديماً قد نهض فاختصر السنين.‏

 

عدت إلى صاحب الحقل لأجلو له النهاية التي ترقبها بدهشة واهتمام.‏

لكن الأمر لم يكن صعباً على الإطلاق، لقد جمعتنا رائحة القش، واستطاع أن يفهم كل ما في داخلي، بعد ذلك تشابكت ايادينا وكان الوداع دموعاً.. هذا كل ما حدث.‏

وغداً سأذهب إلى الجامعة.. «لعن الله ذاك اليوم الذي كان سبباً من قال: إن أبا الهمايم يقدم الشاي والقهوة لأمثال هؤلاء»؟‏

صدحت حناجر الجميع بالضحك، ثم ساد الصمت وتجمدت الكثير من حبات الدمع على وجناتهم». (ص109).‏

لقد اهتدى المزعل إلى موضوعه القومي: المقاومة في الجولان متوحدة مع المقاومة العربية ضد الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة، ويلاحظ أن ثمة تنوعاً في أنساق التنضيد الحكائي داخل التحفيز الواقعي إياه مشتغلاً على تقانات متعددة مثل السخرية والهجائية والإحساس المأساوي بالحياة والوصف.‏

 

4- «أبي خارج القبر»:‏

تعالج قصص المجموعة الثالثة موضوعها القومي بامتياز، إذ ينصرف السرد كلياً إلى الاحتفاء بفعل المقاومة في الجولان، لتعرض جوانب من هذه القضية الوطنية متلفعة بنبض إنساني دافيء، ولاسيما أوجاع النزوح بعيداً عن أرض الذكريات والقيم والكرامة والشرف، ويعمّر القصّ حنين مقيم للجولان استطاع المزعل أن يعبر عنه بأسلوب بسيط وحكائية مختزلة، ووصف موجز يفلح أحياناً في تثرية السرد وقوة المشهدية.‏

وتبرز لدى المزعل مقدرته الواضحة على استيعاب موضوعه، بل إن ما يميز قصصه هو إحاطته بقضية الاحتلال الإسرائيلي للجولان من جوانب متعددة. ويغلب على السرد تحفيز واقعي غالباً كدأبه، مما يظهر معه صوت الأفكار على حساب الفن في بعض المواقع.‏

يستعيد الراوي سالم في قصة «الدوي في رأسي» حادثة شهدها أثناء القصف الإسرائيلي لقريته عام 1967، بعد لقائه بصديق حضر الحادثة معه، وانقطع عنه أكثر من عشرين عاماً، والحادثة هي فقدان فرس لرأسها جراء القصف، حين كان سالم يذهب بالفرس لإيصال بعض الأرغفة إلى الجنود في موقع المدفعية التي تتصدى للطائرات المعادية:‏

«لا أدري أين وصلت الآن، أفقت من شرودي على بوق سيارة مسرعة حملت معها أذيال معطفي.. تابعت سيري في شارع مزدحم يلفّني الحزن، وفي رأسي دوي هائل اختزنته منذ عشرين عاماً» (ص ص60-61).‏

 

تشرّح القصص حال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وقد تغلغلت في نسيج الحياة اليومية والعامة في الجولان ولدى النازحين عنه، وهم يحملونه معهم في حلهم وترحالهم. يشهد الراوي في قصة «أبي خارج القبر» بعد تحرير القنيطرة آثار التدمير التي خلّفها العدوان الصهيوني الحاقد والمدان، ولدى زيارته لقبر أبيه يُفاجأ بوجود جثة والده خالج القبر، وقد جردت من جلدها ولحمها، فينظر إليها مدهوشاً متأسياً مستحضراً ملامح والده الذي يطلب منه إعادة دفنه، فقد بلغ الإجرام الصهيوني مداه الأقصى كما في الخاتمة المؤلمة:‏

 

«مرةً أخرى حاولت ترتيب ملامحه من جديد، نظرت إلى جمجمته، التمعت عيناه في محجرين عميقين امتلأ قعرهما بالتراب، ثم انطفأ بريقهما سريعاً، حاولت مرّةً أخرى... فكاه متباعدان على نحو يوحي بابتسامة ساخرة، أو صرخة احتجاج مدوية، تمليته من جديد.. في أعماقي انداحت ابتسامته كما أذكرها تماماً.. اقتربت منه أكثر، جثوت على ركبتي، التهمته بعينين دامعتين من أخمص قدميه حتى جمجمته، ثم استقرت عيناي في فكه المفتوح، في ذاكرتي التمعت أسنانه المذهبة، مرة أخرى، أمعنت النظر جيداً، وبراحتي مسحت أهدابي المبتلة بالدموع... لاشيء في فكيه مما أذكر، لقد اقتلعت جميعها ولم يبق إلا أسنان عظيمة متباعدة يلونها التراب.‏

 

أمن أجل هذا أخرجوك من القبر يا أبي؟» (ص ص17-18)‏

يتخلل القصة وصف النزوح وحياة المخيمات والفقر والجوع والحرمان المنتشر فيها، وهو المناخ الصعب الذي برع في تصويره في قصص أخرى مثل «العلبة المعدنية»، فالراوي، منذ طفولته في الجولان، يلحظ احتفاء أمه بعلبة أسطوانية مغلقة صدئة حرصت دائماً على إخفائها، بل إنها نقلتها معها إلى المغاور والكهوف كلما هرعوا للاحتماء من القصف الذي تتعرض له القرية قبل حرب عام 1967. ثم رفضت الأم إطلاع أبنائها على محتويات العلبة، فكانت تحفر حفرة داخل الخيمة لإخفاء العلبة بعد النزوح، وكبر الأبناء، وكشفت الأم لابنها الراوي محتويات العلبة، فإذا هي أوراق ملكية أرضهم في الجولان:‏

«وثيقة (طابو) مكتوبة بلغات ثلاثة الفرنسية والعربية والتركية:‏

اسم المالك....‏

رقم العقار....‏

مواصفات العقار: كرم زيتون تحيط به أشجار الصبار من كل جانب.‏

الحدود: غرباً انهدام صخري حاد محاذٍ تماماً لبحيرة طبرية.‏

شرقاً: كرم زيتون تعود ملكيته لقاسم أبي سويد.‏

جنوباً: كرم تين تعود ملكيته لعوض الشيني.‏

شمالاً: كرم زيتون تعود ملكيته لذيب الخلف.‏

مصدر الملكية: وراثةً عن أبيه» (ص ص27-28).‏

وقد مازج السرد وصف للنزوح وآلامه وحياة المخيمات القاسية:‏

«وحين اجتزنا دائرة الموت تاركين خلفنا قبر أبي ومحراثه، وأصبحت لدينا الفرصة الكافية للتخلص من الأشواك المغروسة بأقدامنا والعالقة بسراويلنا كانت الخيام القماشية التي أعدت لاستقبالنا قد أخذت مكانها في مساحة ما من الوطن، وقد طوقتها الخنادق من الاتجاهات كلها حيث حفرت خصيصاً لمساعدتنا على قضاء حاجاتنا والتخلص من فضلات أجسادنا، وقد أفاد ضابط المخيم يومها، أن حفر الخنادق لهذا الغرض هو أسلوب متطور وحل سريع لامتصاص فضلات الناس، ثم أردف قائلاً: صحيح أن على النساء أن يؤجلن قضاء حاجاتهن حتى حلول الظلام، لكن تبقى الخنادق حلاً مثالياً في مثل هذه الحالة.» (ص24).‏

ويرتقي السرد إلى مصاف تعاطف إنساني يمتد إلى أنسنة الأشياء والكائنات الأخرى التي تجترح مع أهل الجولان فعل المقاومة:‏

«هبط الصمت واشتعلت الذاكرة بحجارة الكروم وأشجارها وتسمرت العيون على أطراف الخيمة وهي تقاوم الريح بآخر ما تملك من خيوطها المهترئة.» (ص28).‏

وينشغل الراوي في قصة «حمى الوطن» بالبحث عن عبدالرحمن الذي استغرقته ذاكرة الوطن وتفاصيله إلى الحدّ الذي غاب فيه عن العالم المحيط به فجن، وهو الذي عاش حياته راجح العقل نشيطاً مجداً في عمله قبل النزوح. وعندما عثر الراوي على عبدالرحمن جال معه في الذاكرة في قريتهم بتفاصيلها ورجالها الذين غيبهم الموت قبل أن يعيده إلى بيت أهله.‏

 

اعتمد الراوي على حوافز واقعية دامغة لوصف القرية وناسها وحياتها قبل العدوان الصهيوني، مثل هذا الحافز الختامي:‏

«وحين وصلنا كان أفراد أسرته في حيرة من أمرهم، حيث خرج منذ أيام ولم يعد.‏

على الفور تم إحضار الطبيب الذي سارع بحقنه بالأدوية اللازمة فتلاشى وهو يهذي بالأمكنة ذاتها، والأسماء ذاتها..‏

تركته وعدت أدراجي إلى منزلي،.. فقدت إحساسي بالمكان، ظلت القرية تلف ذاكرتي» (ص51).‏

تعرض بعض القصص لفظاعة الاحتلال الصهيوني، ففي قصة «طقوس الموت» تغيرت الطقوس نفسها بسبب النزوح، وفي قصة «معطف البشتاوي» يتوشح السرد غناء شجي للتشبث بالأرض مقترناً بمرارة النزوح من خلال الذكريات الحية عن الجولان:‏

 

«في اليوم التالي ظهر هلال البشتاوي وهو يرتدي معطفاً شمعياً أزرق (وبسطاراً) اكتسى نعله بالمسامير المدببة، وقد قال كثيرون يومها: أن هذا المعطف والبسطار من بقايا معونة الشتاء، ومع ذلك فقد ظل أبو هزاع يحلم ببندقية أفضل من تلك التي خانته في أحرج اللحظات... وظل يتبختر بكبرياء كلما التف بمعطفه.. بل كثيراً ما تمنى في سريرته لو يطول الشتاء كي يبقى ملتفاً به، وظل ابنه هزاع يتحين فرصة مناسبة لارتدائه.» (ص ص50-51)‏

 

وتعنى بعض القصص الأخرى بتصوير نفسية الصهيوني وإرهابه في طبيعته وفي معتقلاتهم، وتحمل قصة «طباع الذئاب» عنواناً صارخاً عن لؤم الصهاينة وغدرهم قبل النزوح وبعده، بينما تظهر قصة «الصوت يدميني» عذاب المعتقلات الإسرائيلية من خلال تحفيز واقعي لشاب مقاوم داخل المعتقل «الإسرائيلي» يستمع إلى صوت أستاذه في المرحلة الابتدائية، على الرغم من ضجة «القاووش»، ولا يستطيع مقاومة الرغبة في إشعار أستاذه بوجوده، فيستعين برفاقه من أجل رفعه ليصل إلى الكوة المطلة على الساحة، فيرى أستاذه المسن، ويصيح منادياً معلناً عن نفسه قبل أن يسقط، وتنهال عليه هراوات الأعداء:‏

«حزم من هراوات الشرطة كانت بانتظاري، ولم أصحُ إلا حين عدت إلى (القاووش) والدم ينزف من قدمي والعديد من الرفاق يلتفون حولي وقد كظمت وجوههم غيظاً ينذر بالانفجار.‏

وظل الصوت مشتعلاً في ذاكرتي لا يبرحها أبداً... أستاذ عبدالجليل.. أنا هنا أنا منصور...‏

وظلت عيناي عالقتين بفضاء الكوة المختنق» (ص40).‏

ثمة عناية واضحة في هذه القصص بالمنظور السردي تجلية لجوانب الموضوع القومي، بالاستعانة بالوصف حيناً، وبالمعلومات التاريخية حيناً آخر، وبتمكين الراوي المضمر العارف من وجهة النظر، الذي ينجح إلى حدّ كبير في اختزال الحوافز نحو ضبط المتن الحكائي من انثيالات التماهي السيري إذ تعتمد غالبية القصص على حوادث أو وقائع سيرية.‏

 

5- «أسرار وجه»:‏

يتابع المزعل في مجموعته الرابعة عنايته بالقيم القومية والوطنية، ويقتصد في سرده مركزاً على وحدة الأثر وتثمير الدلالة نفوراً من الإطالة وتقليلاً للحوافز لصالح فكرة في لبوس سردي هي تعبير ذات مشحونة بمحنة الاحتلال، فتصدر القصص عن تجربة ومعايشة للمخيمات والأرض المحتلة وذاكرتها، وتنشغل بأفعال مناضلين من البسطاء والفقراء الذين يعبرون عن وعي قومي عفوي وأصيل.‏

يلتقي الراوي في قصة «أسرار وجه» كل يوم بالرجل وهو يشتري الخبز في البرد وفي الحرّ في الفصول كلّها، ويأخذه الفضول لهيئته ولتجنبه نظرات من حوله، ويكتشف بعد لأي أنه فقد أنفه وجانباً من وجهه في الدفاع عن تل أبي الندى، فكأن التل على ضخامته هو أنف الرقيب محمود الهايش ذاته.‏

يلجأ المزعل كعادته إلى تحفيز واقعي قوامه حوافز هي وقائع وأحداث تتوالى وحدات قصصية موجزة ما تلبث أن تندغم في تنامٍ موحٍ لفعلية تنفتح على دلالة المقاومة بيسر، ويتضح ذلك بجلاء منذ الحافز الأول، اللقاء بالرجل في هذه القرية الحدودية، وما يثيره اللقاء من فضاء الجولان المقاوم:‏

«كانت المرة الأولى التي رأيت فيها هذا الرجل، حين قدمت إلى هذه القرية الحدودية التي تقع تماماً قبالة التلال المحيطة بمدينة القنيطرة كتل أبي الندى وتل الشيخة وتل عرًام وغيرها من التلال الصغيرة المتخاصرة على طول الحدود» (ص5).‏

ولعلنا نذكر الحوافز الأخرى للتعرف إلى بنية السرد عنده:‏

- الاستيقاظ المبكر وما يرافقه من أحاسيس ومشاعر ملازمة لأي قاطن جديد في مكان لا يألفه، واستحضار فضاء المنطقة ولاسيما قمة جبل الشيخ وطبيعتها الفريدة.‏

- وصف جانب من الحياة اليومية في القرية، وكأن الحياة كلّها في حالة مقاومة.‏

- وصف مسيره اليومي إلى المخبز الآلي.‏

- وصف اقترابه من نافذة المخبز، وتعرفه ثمة إلى «رجل يلتف بمعطف عسكري قديم، وعلى رأسه التفت بإحكام كوفية بيضاء مخططة، حتى غطت معالم وجهه تماماً، وعلى عينيه ارتكزت نظارة سوداء، حتى صار من الصعب تمييز ملامحه» (ص6)، ووصف تعاطفه أو رثائه لوضعه البائس «الذي يجلس طيلة النهار في مواجهة الريح الشمالية الباردة» (ص7).‏

 

- منظر الرجل اليومي المألوف، وهو يبيع الأكياس للمشترين ووجهه إلى التلال المحتلة، وفضول الراوي المستمر، لأن هيئة الرجل وملامحه لم تتبدل مع تبدل الفصول.‏

- تصاعد نبرة الفضول: «لماذا يصرّ على إخفاء ملامحه إلى هذا الحد؟». «ثم لماذا هذا المكان بالذات؟» (ص8).‏

- وصف اللقاء والحديث بينهما: التساؤل والاستنكار.‏

- حواره مع أحدهم، وطلب الأخير أن يوجه السؤال إليه بالذات.‏

- هاجسه أن يعرف «من هو تحديداً» (ص9).‏

- قراره أن يسأله في الصباح، ووصف لقاء الصباح ولحظة المواجهة بينهما.‏

- حديث الرجل عن سر هيئته: «أنت تحاول أن تعرف سر وجهي، أليس كذلك؟» (ص9).‏

- نزع الرجل لكوفيته ونظارته السوداء: «تملكني الذهول، واعترتني الدهشة، وارتعد جسدي وأنا أرى أمامي رجلاً بلا أنف، وقد غابت إحدى عينيه تماماً، حيث خلّفت وراءها حفرة التأمت أطرافها فوق وجنة مشوهة كأنما احترقت على نار جهنم» (ص10).‏

- حوار حول هوية الرجل وهيئته ومشاركته في مقاومة المحتلين الصهاينة: «على سفحه الشمالي غرست قطعة من جسدي وبترابه الطاهر امتزج دمي.. كلّ الأجزاء التي لا تراها الآن في وجهي هي هناك.. هناك تحديداً» (ص11).‏

- لحظة التنوير وانكشاف الدلالة الإنسانية لفعل المقاومة: «وحّد الصمت وجهينا، وابتلت الأهداب بدموعها.. وتقافزت نظراتي بين ذاك التل الأشم في عمق الوطن المحتل، وهذا الأنف المقطوع والوجنة المحترقة التي تقف قبالتي الآن.‏

عانقته.. ارتجفت أكتافنا، تساقطت بعض أرغفة الخبز لتملأ الفراغ بين جسدينا. ثم انصرفت مسرعاً وقد تعلقت عيناي بتل أبي الندى حتى خيل إليّ أن هذا التل على ضخامته هو أنف الرقيب محمود الهايش ذاته»(ص11).‏

حوت قصص المزعل ذاكرة لفعل المقاومة في الجولان ومفرداته: الصمود والفداء وتثمير القيم القومية والوطنية في صوغ فني مؤثر ومفعم بالدلالات الإنسانية. في قصة «انتظار» تخبز فاطمة الحمد الخبز للثوار ورجال المقاومة: «ومع ندى الصباح كان التنور ينتظر قدح الزناد، وهي تجوس الأودية والهضاب والطرقات بعينين تفيضان بالرجاء» (ص96). وفي قصة « ما حدث لوالدي» لا يرى والده إلا الأفق، وهو يحدثه أنه هو وحده من يملك نور عينيه، وسرعان ما ينغمر السرد بأعراف استعارية جلية حين تصير الرؤية متلاحمة ما بين الماضي - المستقبل وإرادة الحرية:‏

«وقفت أمامه، كان وجهي منكسراً في بحر عينيه وهو يحدق غاضباً في الأفق.. وقد انفجرت في رأسي ينابيع من دماء، وأحزان ورصاص، صار ومضة بريق عيوننا..» (ص94). وفي قصة «رجال مع الفجر» تصير مقاومة العدو في الجولان إلى حالة نضالية يومية: «رصاص.. وأضواء كاشفة، وحيوانات برية تقفز مذعورة بين الصخور وصرخات استغاثة، وأشباح تفرّ نحو الغرب، وخيوط رفيعة جداً تفصل بين الموت والحياة. وحين لاحت أعمدة الفجر، كانت رصاصات متفرقة مازالت تطلق من هنا أو هناك.» (ص68) وفي قصة «الطلقة» يواجهون العدو، ويملك الراوي طلقة، ويبحث عنها، وقد غفل أنهم صوبوها إلى السماء لصدّ طيران العدو:‏

«بينما اشتد أزيز الرصاص ونحن ندخل دائرة الموت من جديد. قالت زوجه: الآن تذكرت الطلقة يا ابن الطافش؟! ألم تر البرق في أفق البلاد منذ أيام، بل منذ أعوام؟ ثم أجهشت بالبكاء ونحن نبحث عن أقدامنا ونور عيوننا» (ص82).‏

وفي قصة «وثائق التراب» تتغير الأوضاع، غير أن وثائق التراب لا يمكن طمسها دخولاً في منطق الأمثولة: «محمود الشاعر الشعبي الذي عرفته القرية صوتاً نقياً مؤثراً.. بدا متجهماً وقد غرقت عيناه بالدموع، وهو يمسك القلم يضع توقيعه على وثيقة التراب التي ارتجفت بين يديه.. حرّك القلم وعيناه تطيران في أفق السهول، ثم خنق بكاءه وهو يحاول الجلوس على التراب» (ص75).وفي قصة «البحث عن ملامحي» يجدها في بقايا الصور التي مازالت تتشبث بجدران المخيم، أو تتشبث بها جدران المخيم:‏

 

«كيف لي أن أفعل وصرخات الأطفال تقض مضجعي، يتردد صداها في أعماقي دوياً هائلاً، وصوت أمي الحزين يقطع أوصال صمتي ونومي محذراً من سقوط الخيام تحت وطأة الثلوج والأمطار؟» (ص22).‏

 

تتحول أفعال المقاومة في قصص المزعل إلى تصوف وطهارة ونبل في التعلق بالوطن والدفاع عنه. في قصة «آخر لحظات طفولتي» يتأمل الراوي بخشوع السيارة التي حملت نعش أبيه الشهيد ملفوفاً بعلم الوطن:‏

«غداً، ستكبر، وتنطلق إلى هناك، حيث دماء أبيك ورفاقه.. عندها عرفت تماماً أن الشهيد أبي، وعندها عرفت معنى الحرب، وقرأت في عيني أمي، كيف يكون المرء شجاعاً، وكيف يكون المرء صابراً ومحباً. وكانت تلك اللحظة آخر لحظات طفولتي، كبرت أحلامي فجأة، غادرت الفراشات الملونة ذاكرتي إلى الأبد. وصارت البنادق حلماً يراودني كلّ يوم، وامتلأ صدري بكل إيمان الرجال، فمن قال إن الأطفال لا يعرفون الحرب؟» (ص36).‏

وفي قصة «المواجهة» يظهر الاستعداد الكامل بالسلاح والجسد للمواجهة، وفي قصة «ثلج وأحزان وعام جديد» تجلس أمه العجوز على السطح تشارك المبعدين في مرج الزهور محنة إبعادهم عن أرضهم، وفي قصة «الكف» طارت كفه وهو يدافع عن الملجأ، وفي قصة «المعطف الأزرق» لوعة فقدان الأطفال الذين يموتون تحت الاحتلال:‏

«وقبل أن ينتهي الحوار، كان عدد من المسلحين يحملون جثة صغيرة على نقالة بيضاء ويهبطون الدرج.. نحو البوابة الرئيسية. ارتكزت عيناه فوق جثة هامدة، حدّق في وجوههم ملياً، تجمد الدمع في عينيه ثم تراخت يداه، وعلى الأرض سقط المعطف الأزرق الصغير، ومن جيوبه تدحرجت بعض قطع الحلوى وبقايا لفافة الزعتر» (ص52).‏

 

6- مزايا الكتابة القصصية:‏

ونوجز مزايا الكتابة القصصية في ما يلي:‏

أ- السعي للإحاطة بموضوع واحد هو مقاومة المحتلين الصهاينة وتقصي أوضاع النازحين في مخيماتهم وفي حياتهم اليومية، ومدّ مفهوم المقاومة في الجولان إلى الأراضي العربية المحتلة في فلسطين.‏

ب- احتضان التعبير القصصي المقاوم لنماذج بطولية في حالات نضالية ضمن شرطها التاريخي وإدغامه بإحساس مأساوي يضمن التعاطف الإنساني.‏

جـ- الإيمان العميق بالنصر على الأعداء المحتلين على الرغم من قسوة إجراءات الاحتلال وقمعه وإرهابه.‏

د- عناية السرد بمكونات الضمير القومي والوطني مثل عدالة القضية وإحقاق الحقوق ومشروعية المقاومة.‏

هـ- تخليص السرد في بعض القصص من طغيان الأفكار لصالح مبنى سردي استعاري لمّاح.‏

و- حرص واضح على انتظام القيم القومية والوطنية في سيرورة المنظور السردي في غالبية قصصه، فلا تصير وجهة النظر إلى خطابية نابية أو إرشاد لفظي.‏

 

5-صور المرأة في القصة القصيرة‏

تتباين صور المرأة في السرد بعامة وفي القصة القصيرة بخاصة، وأولها النسوية التي تنحاز إلى قضايا المرأة، وتكاد تلغي الذكورة نبذاً لأشكال هيمنتها التي لا تورث سوى القهر للمرأة في مجتمع أبوي، سمته الرئيسة هي حرمان المرأة من قابليات تحققها الذاتي المستقل أو المشارك لإنتاج المجتمع، وتتبدى مظاهر الحرمان في الاقتصاد والثقافة، ولا سيما الاعتراف بمكانة المرأة في المصير البشري ضمن الوعي بشروط التاريخ واستحقاقاته الباهظة، وانطلقت النسوية متزامنة مع حركات تحرير المرأة، ومرتهنة بالعلاقة مع الذكورة حين تغدو المرأة مستلبة إزاء ذاتها المسلوبة من الرجل ذاتاً طاغية شديدة التماهي مع الذات العامة. ولعل كتاب سيمون دو بوفوار «الجنس الآخر» من أوائل النظرات التي مهدت لصوغ نظرية النسوية حين جعلت المرأة «آخر» هو موضوع مسحوق أمام طغيان الرجل، ثم تلّونت النسوية بتلاوين النظريات المعرفية الحداثية وما بعدها، وفي مقدمتها النظرية النفسية استناداً إلى الرؤى الفرويدية وما تلاها لدى ورثته، والنظرية الماركسية التي تؤكد تصويب مشاركة المرأة في إنتاج المجتمع تغليباً لمستويات تنظيم البنى التحتية التي تؤدي بالممارسة إلى تغيير البنى الفوقية، وإن أظهرت المتغيرات المتسارعة والعنيفة في نهايات القرن العشرين خذلان عناصر كثيرة من هذه النظرية، ونظريات ما بعد البنيوية التي تتواشج فيها رؤى متعارضة أحياناً إبرازاً لتعاضد الداخل مع الخارج في وعي الذات من خلال التوفيق بين الفروق الجنسية بين الذكورة والأنوثة كما في الحفر المعرفي والتفكيكية والسيميائية (العلامية) على وجه الخصوص. وساعدت هذه النظريات على تدعيم مطاليب النسوية بتقدير العالم الداخلي للمرأة توطيداً لمعنى مشاركة المرأة في إنتاج الذات الإنسانية المكونة من عناصر ذكورية وأنثوية معاً، وإنصاف العناصر الأنثوية في رؤية العالم التي طال إلغاء الذكورة لها أو إغفالها أو إهمالها.‏

 

ولا يخفى أن النسوية ارتبطت منذ نشأتها اللافتة للنظر في سبعينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة وفرنسا على وجه الخصوص بالموقف السياسي الذي يقف مع المرأة أو ضدها بصريح العبارة، وتنامى مصطلح النسوية الى الاعتقاد «بأن المرأة تأخذ مكانة أدنى من الرجل في المجتمعات التي تضع الرجال والنساء في تصانيف اقتصادية أو ثقافية مختلفة، وتصر النسوية على أن هذا الظلم ليس ثابتاً أو محتوماً، وأن المرأة تستطيع أن تغير النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي عن طريق العمل الاجتماعي، ومن هنا فإن هدف المسعى النسوي هو تغيير وضع المرأة في المجتمع».‏

 

وتندرج الموجه النسوية الثابتة في هذا الاعتقاد الذي بدأ يتداخل مع ما بعد النسوية وضرورة مواصلة النضال من أجل قضية المرأة داخل التناقضات المتعددة. وحدد مصطلح النقد النسوي «بدراسة كيفية تأثر جمهور القارئات بالصور الاختزالية أو الاقصائية للمرأة»(4).‏

 

وأشارت جانيت تود في كتابها «دفاعاً عن التاريخ الأدبي النسوي» (1991 بالإنجليزية، تعريبه 2002) أن النقد النسوي ذاته يعاني من التهكمية، ويحتاج إلى صوت المرأة الناتج عن التجربة إلى أن يظل في قواعده، وحتى يتسنى للرجل أن يسمعه، فلا يمكن وجود حركة نسوية ذكورية أو رجل ذكر في الحركة النسوية «فالرجال ببساطة يستخدمون الحركة النسوية، وكما تلاحظ ماري جاكوب فإن باستطاعة المرء، رجلاً أو امرأة، أن يكتب في النقد النسوي، ولكن لا أحد يستطيع أن يشترك في نقاشه وممارسته بدون مواجهة المفاهيم الخاصة بموقفه النقدي الخاص بالنسبة لذلك النقاش وتلك الممارسة»(5)، اي أنه مرهون بالموقف السياسي الذي أشرنا إليه، ورأى النقد النسوي العربي أن هذا الارتهان جعل القضايا النسائية محدودة في إطارها الذاتي، وقد اقتصرت «محاولاتها على استكشاف داخليات الذات خاصة النفسية منها ومدى ابتعادها عن مناقشة قضايا موضوعية شاملة كالوجود والموت والصراع ضد الطبيعة.. الخ»(6).‏

وثانيها الذكورية التي تنظمها عمليات هيمنة الرجل ودونية المرأة، وهي إيديولوجية سلطة وتسلط سائدة امتدت إلى إقرار الأنثى بها ضمن بنى ثقافية أنجبها المجتمع الأبوي، ثم صارت فيه الأنوثة مستلبة تحركها الأعراف والعادات والتقاليد بالدرجة الأولى، بينما غدت الأنثى هامشية ودونية ومسحوقة في المؤسسة الاجتماعية الذكورية. ولا يخفى الانحياز المطلق إلى لرجل في الذكورية مما جعل النسوية متصارعة معها لدى الانحياز المطلق إلى المرأة، وتظهر صور المرأة في حال صراع شديد ودائم يُلغى معها الآخر ذكراً أم أنثى.‏

وثالثها صور المرأة الخارجة عن النسوية أو الذكورية إلى حد كبير أو قليل، عميق أو سطحي، جذري أو عرضي، عن إيمان أو مجرد إعلان.. الخ، وتغلب عليها الرؤى الإنسانية لدى وعي التاريخ مندغمة بأطروحات حقوق الإنسان، ولا سيما المساواة بين الرجل والمرأة وقيم الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني التي تحتاج جميعها إلى عمل نضالي دؤوب لتعديل الإيديولوجية السائدة في هذا المجتمع أو ذاك، ما دامت الإيديولوجية مرهونة بتجليات الثقافة وأنساقها الخاصة، الإناسية والدينية والعقائدية والإثنية وسواها.‏

 

واخترت لمعالجة صور المرأة في القصة القصيرة في سورية ثلاثة نماذج لخليل جاسم الحميدي ونادرة بركات الحفار وعلي ديبة من كتاباتهم القصصية الأخيرة.‏

 

1- الدخول في النزعة النسوية عند نادرة بركات الحفار:‏

خصصت نادرة بركات الحفار جل أدبها لقضية المرأة من منظور الدخول في النزعة النسوية غالباً في رواياتها «الغروب الأخير» (1985) و«امرأة في عيون الناس» (1988) و«الهاوية» (1990) و«قلوب منسية» (2002)، وفي مجموعتها القصصية الوحيدة «أرملة رجل حي» (2002)(7).‏

ونلاحظ ميل الحفار إلى الدفاع عن المرأة في الأحوال جميعها في قصصها، على أن المرأة عرضة لظلم الذكورة أو الرجل أو مؤسسته باسم العادات والتقاليد على نحو خاص أو الخضوع لإملاءات التمثيل الثقافي على نحو عام، فهناك المرأة المظلومة إلى حدّ الفجيعة من غياب رحمة الرجل أو إيغاله في تسليع المرأة وتهميش إنسانيتها، ويظهر ذلك جلياً في القصة التي تحمل عنوان المجموعة «أرملة رجل حي»، فقد تزوجت سلمى من خالد الطبيب، وعاشت معه في رتابة تقارب الإهمال إلى أن دعيا إلى حفل رسمي بدعوة وزير الصحة بمناسبة انتهاء أعمال مؤتمر طبي، ثم فوجئت باهتمام زوجها بزوجة سراج الدين رجل الأعمال، واسمها غيداء، وبدا زوجها جالساً على «جمرة من نار تهادى مكانه، وكأنه لم يكن يتوق إلى الخلاص من هذا القيد الاجتماعي» (ص91 ـ أرملة رجل حي).‏

 

ولفتت الحفار النظر في مفتتح القصة إلى وطأة هذه المفاجأة التي قد تحول حياتها كلها إلى مسار جديد غير متوقع:‏

«لم أكن أعلم أن صدفة عابرة يمكن أن تحيل حياتي من بحيرة ساكنة، إلى بحر صاخب هدّار، وما كان ليمرّ في خاطري أن أمسية هادئة قد تعقبها ليالي صاخبة ظلماء، وما كنت لأحسب أن قطرات المطر الخفيفة قد تجني السيول، وأن ظلال الماضي قد تندفع بغتة لتسحق الحاضر، وتخفي معالم المستقبل» (ص89 ـ أرملة رجل حي).‏

ووصفت الراوية الزوجة وقائع تعرفها إلى زوجها عندما مرضت أمها، ونقلت إلى المشفى، وكان خالد طبيبها ثم طلبه الزواج منها ورضاها المطلق الذي يقارب الأمنية:‏

 

«كان من الطبيعي أن يملأ هذا الشاب حياتي، وأن أجلس أمام الهاتف بضع ساعات في انتظار أن يرن، وكان من الطبيعي أيضاً أن يصيبني الفرح، وأن تفوق السعادة أشجان الروح، حين سألني إن كنت أرضى به زوجاً» (ص94-95 ـ أرملة رجل حي).‏

ورأت أن خالداً يرتقي سلم النجاح خلال سبع السنوات من زواجهما، بينما قابل هذا النجاح الإهمال واللامبالاة اللذين فتكا بأعصابها، وأنكرت وجودها، وسحقت اعتبارها، وعانت وحدها من مشاعر مكبوتة يجهلها، ومنعها كبرياؤها وعزة نفسها عن التصريح بها: «كنت أموت كل يوم، فالمرأة أي امرأة لا يقتلها غير إهمال رجلها لها وعدم مبالاته بها، مهما كان هذا الرجل عظيماً» (ص96 ـ أرملة رجل حي).‏

ووجدت أن الهوة التي تفصل بينها وبين زوجها عميقة جداً، وواجهته بحالها البائسة، وأملت أن يعاود النظر في وضعهما، وأن يعدّل نظره إليها، وأن يقلل من هذه الهامشية بقولها بصوت مختنق العبرات:‏

«- أشعر أننا نعيش على هامش الحياة، غرباء في مسكن واحد، حياتنا جافة باردة، وزواجنا بليد مملّ رتيب، كأننا ننفّذ حكماً محتماً لا مفرّ من تنفيذه، ألا ترى أننا لا نفكر حتى بإنجاب طفل؟ وأننا..» (ص97 ـ أرملة رجل حي).‏

ولكنه تعوّد الصمت والاحتفاظ بخصوصيات حياته وحده، وأظهر تعلقه بغيداء أمامها وأمام زوجها، وفكرت بالعناية بنفسها وبمظهرها، وألا تهمل جمالها وأناقتها، وأن تستعيد ثقتها بزوجها دون جدوى، لأنه مفتون بغيداء وشغوف بها «كأنها معبودة استطاعت أن تحيل الرماد إلى بركان متأجج» (ص102 ـ أرملة رجل حي).‏

 

وحكمت على زوج غيداء بالرجل الأحمق البليد الذي «لا يدرك ما يجري حوله، ولا يبالي برجل آخر يغزو محراب حياته الزوجية!» (ص106 ـ أرملة رجل حي) فشعرت بنفسها مثل أوراق جافة، وتتلاشى وتذوب داخل أرض هشة، وتغوص في رمال لا قرار لها، ولم تعد تحتمل البقاء لحظة واحدة، «ولم أعد أرغب في أن أكون زوجة لهذا الرجل الميت» (ص106 ـ أرملة رجل حي) ثم تسللت إلى حجرة مكتب زوجها، لدى عودتهما من مزرعة سراج الدين، واكتشفت أن زوجها زميل جامعي لغيداء، وثمة عشرات الصور بينهما «تفضي إلى حقيقة واحدة وهي أنهما متحابان منذ سنين طويلة، قبل أن تتزوج غيداء وقبل أن يسافر خالد للتخصص» (ص107 ـ أرملة رجل حي).‏

 

وغلّبت الحفار وجهة النظر النسوية في الحكم على الذكورة، فالرجل أهمل زوجته، وحوّل الزواج إلى مقبرة مما جعل المرأة الزوجة تقرر الطلاق: «أفضل أن أكون مطلقة على أن أكون أرملة رجل حي» (ص108 ـ أرملة رجل حي).‏

ولا تختلف معظم قصص المجموعة عن هذا النزوع النسوي الذي يستدعي تسويغاً فكرياً في مواقع متعددة من خلال تحليل أو تعليل أحوال الرجل والمرأة في مواجهة الحياة والانتظام في عمليات إنتاج المجتمع. ففي قصة «الحب بين الأبيض والأسود» ثمة امرأة صحفية تعشق التحدي وقادرة على مواجهة الزمن، وتعرفت إلى رجل روائي وأحبته، كما أوحى لها بمبادلة هذا الشعور، وغادر إلى الخليج رئيساً لتحرير مجلة هناك، فأعلنت عن خلاصها من حبّه، ورفضت زائريها، غير أنه حضر فجأة، وأوشكت أن تنهار أمامه، وتزوج أخرى وطلقها بعد سنة، وها هو ذا يعود إليها لأنه يحبها، ولكنها رفضت ذلك، فقد تزوجت من آخر، وليس بإمكانها طعنه.‏

وعرضت قصة «يوميات مسعود»، وهو سائق سيارة، متاعبه اليومية في حالات متعددة لرجال عانوا من نساء، ولعلها «لعنة اللّه هي التي تسقط على العباد» (ص37 ـ أرملة رجل حي).‏

وتصور قصة «الصفعة الأولى» معاناة رجل من زوجته، ثم ما لبث أن تزوج من أخرى، وواجه زوجته الأولى في خلاصة نصه السردي بلسان الزوج على سبيل السخرية المرّة:‏

«- على المرء أن يسقط إلى الدرك الأسفل، كي يصعد من جديد، ويستعيد عمره المسروق وأحلامه المؤودة وسعادته المشتهاة» (ص53 ـ أرملة رجل حي).‏

 

وتتباين مظاهر النزوع النسوي من قصة إلى أخرى، فقد رفضت المرأة سلطة الذكورة ومتطلباتها الاجتماعية الجائرة في قصة «الحبّ وحده لا يكفي»، فقد أحبها، وطلبت أمه الزواج منه، وتزوجها على الرغم من الفقر ومكابدة العيش، بينما عانت الزوجة من مسؤولية البيت والأسرة على عاتقها، فهربت من ضغوط هذه المسؤولية، ولحقها الزوج ليرتطم جسده بسيارة.‏

وعانت المرأة من هذه السلطة الذكورية الظالمة في قصة «وأغرورقت عيناها بالكبرياء»، فقد عرضت المهندسة وداد مشروع بناء «مأوى العجزة»، وعرّفها رئيس المشروع على المهندس عماد رشدي العائد من الخليج، وتبادلا مشاعر الحبّ، واكتشفت فجأة أنه تزوج أخرى، «فدوى انفجار في داخلها، وتطايرت شظايا الروح، وانصهرت حرارتها، وسمعت هدير صوته البعيد، وتراجعت ملايين الخطوات» (ص73 ـ أرملة رجل حي).‏

أما ردة فعلها فهي سخرية مرة أيضاً: «ضحكت وضحكت حتى اغرورقت عيناها بالكبرياء» (ص74 ـ أرملة رجل حي).‏

 

وتوضح قصة «أبو البنات» النزوع النسوي في قصص الحفار في فضاء مجازي أشمل من بقية القصص، إذ تدخل قصة «أبو البنات» لنادرة بركات الحفار في نقد الأعراف والعادات والتقاليد التي تنعي ولادة الأنثى بلوغاً لنقد الاعتقاد الذكوري في إدانة الأنوثة وتوكيد دونيتها وتهميشها منذ ظاهرة وأد البنات بدفنهن أحياء إلى وأد البنات بدفنهن في الحياة بإنكارهن ونبذهن محقاً واستلاباً، فعرضت لنموذج الأب الذي لحقت به مصيبة ولادة الإناث وانتظاره القاتل للأبناء الذكور مما آل به الحال إلى المرض والعذاب والشقاء الإنساني ونفاذ الرحمة بامتناع ولادة الذكر، وعزفت القاصة على إخضاع الرجل لعملية تقبل المرأة كائناً مساوياً له مواءمة لمسعى الاندغام بالنسوية بإقرار حق المرأة في الحياة حين رضخ الرجل للرضى بالمقدور بتقبله للواقع نحو المصالحة بين النسوية والذكورية، حين تقبل الأب حالته المعذبة والشقية إثر مرضه وحزنه، لدى إدراك أساس هذه المصالحة بين روحه والغطاء عليها بالأعراف والعادات والتقاليد:‏

«لكن المدهش أنه لم يتذمر في يوم من الأيام من أفعالهن، لم تتمكن منه أحاسيس البغض تجاه واحدة من بناته، بل على النقيض تماماً، كان ينجذب إلى عالمهن الرائع بقوة روحية تفيض بالرفق والحنان» (ص183 ـ أرملة رجل حي).‏

 

وقد بنت القاصة قصتها وفق التحفيز الواقعي في شكل القص الإتباعي الذي تتنامى من فعليته بتتالي الحوافز الواقعية بصورة منطقية صريحة ومباشرة.‏

ومن الواضح أن قصص «أرملة رجل حي» تدخل ضمن النزعة النسوية من أوسع الأبواب بالإلماح الى هيمنة المذكورة وتهميشها للمرأة وهدر حقوقها في الحياة على أن هذا النقد النسوي لا يمتلك مسوغاته الفكرية غالباً، فثمة نماذج نساء معروضة لا تستحق ذلك الدفاع عنهن، ولسن مظلومات من رجالهن لدى تحليل المنظور السردي.‏

 

2- الدخول في نزوع الذكورية عند علي ديبة:‏

عني علي ديبة في غالبية نصوصه الأدبية، متعددة الأجناس، بالنزوع الذكوري في التعبير عن صورة المرأة في سرده القصصي والروائي من منظور السخرية والانتقاد الذي يبلغ حدّ الهجاء، ولا سيما روايته «تلاشي الزرقان» (2001)، ومجموعاته القصصية «قوباز» (1997)، و«ثمن قبلة عزيزة» (2002) و«الهزيمة الأولى للعتابا» (2003)(8)، وهذه الأخيرة هي التي سنعرض لقصصها للتعرف إلى معالجة صورة المرأة.‏

تبدو معاناة الرجل في قصص هذه المجموعة من تدني المرأة وأشكال غوايتها له، فالمرأة تطلب الرجل لغايات في نفسها، ولا تعبأ بقيم أو عادات أو تقاليد أو أخلاق سوى ما يعضد أنانيتها وهواها وأغراضها الشخصية والأنثوية، وعلى الرغم من التباس الصورة في قصة «امرأة خلف الزجاج»، فإن المنظور السردي يومئ إلى مثل هذا الميل الذكوري؛ إن ثمة رجلاً مشدوداً إلى امرأة ومتمنياً رفقتها ومغتاظاً من اقتراب رجل منها وحديثها معه، ثم يشير الحديث إلى أنه صديق والدها، وأنها بحاجة إلى ساعة من وقته، وترك الغرض مفتوحاً على مصراعيه في وجود المرأة المثيرة لرغبات الرجال:‏

 

«وقف الرجل على الرصيف، بينما كانت الحافلة تنطلق بامرأة تغمض عينيها خلف زجاج النافذة» (ص43 ـ الهزيمة الأولى للعتابا).‏

 

ولا يظهر وجود معلن للمرأة في القصة التي تحمل عنوان المجموعة «الهزيمة الأولى للعتابا» على أن المنازلة الفاشلة لفضح هزيمة الخطاب الفني والفكري لمعنى الشعر توحي بالتداخل الدلالي بين تبعات الوجود واشتراطاته الحادة، وثمة إرباك لا يخفى في صعوبة ضبط التحفيز السردي في أداء أغراضه، إذ يترك المدى واسعاً للتأويل دون سند فني في مثل هذه القصة، غير أن قصصاً أخرى جاوزت هذا الإرباك كما في قصتي «مهر معجل، حصان مؤخر» و«عنترة لهذا الزمان» على الرغم من مبالغة القول في مضاعفة الإيحاء بدلالات عصية على تعاضد المبنى والمعنى، ففي القصة الأولى يتعلق الرجل بها وهي رافضة له، وظلت معاندة لهذا التعلق حتى جعل حياته رهاناً على قبوله، وما إن رضخت لإرادة أهلها بالزواج، وعاشت معه، حتى باشرت تعذيبه بصمت لتصبح حياته رهاناً على توفير مؤخر صداقها من أجل تطليقها، فقد منع نفسه وأسرته من رضى العيش وقابليته في الرخاء، و«حين عاتبه والده على شح لم يعهده به آملاً إصلاح ذات البين. اعترف الزوج الشاب قائلاً: إنني أدخر، أريد أن أوفر لها مؤخر الصداق» (ص92 ـ الهزيمة الأولى للعتابا).‏

وتظهر إدانة المرأة صريحة في القصة الثانية، فالفتاة غبراء حين رآها الشاب، وهي كريمة في التعامل مع من تبادله الرغبة، واعترف لها بحبّه، وهو بطل سباحة حاز على المركز الأول، ونال وساماً، وسخرت منه عبلاه على أن الوسام لا يفيدها بشيء، ومضت إلى غواياتها، وسخر منه الوالد على إهمال مسعاه للعلم والتعليم الذي هو الأساس لبناء الإنسان، فذهب إلى البحر لينتحر متأذياً من رفض المرأة له واستغراقها في أهوائها، وتراءت له حقائق صلابة الحياة بعد إنهاك البحر له وجهد السباحة فيه، ولم ينقذه إلا زورق في البحر، وحين استيقظ في المشفى سأله المحقق على سبيل السخرية المرّة عن «اسم الشخص الذي سيستلم منه تلك البضاعة المهربة على متن ذلك الزورق» (ص103 ـ الهزيمة الأولى للعتابا)

 

وأوجز ديبة غرضه في التعاطف مع البطل الشاب في مواجهته مع صوت البحر إثر مواجهته الصعبة مع عبلاه وتبعات هذه المواجهة على تحققه الذاتي:‏

«تبرد جسده، تراخت عضلاته، غشاوة من سحب الزبد ملأت ضفاف بصره، أرسل حبات من دموعه، غرسها قطرات عذبة على شطآن حنينه المالح.‏

مع آخر خيط تجره الشمس وراءها، حملت إليه الريح صوت محرك قادم. استفاقت روحه المهزومة، تمردت، عادت إلى سكنها المتهدم قبل أن يفقد الشاب وعيه على سطح ذلك الزورق المنقذ» (ص102 ـ الهزيمة الأولى للعتابا).‏

وتعد قصة «شرط غريب» هجاء للأنوثة من منظور الذكورة، فقد و ثق بزوجته ثقة عمياء، ثم اكتشف أنها والغة في نقيضها، إذ غادرت المرأة سمات الفضيلة، فلطالما كذبت على زوجها بأنها ذاهبة إلى طبيب الأسنان لمعالجتها كل يوم، وعندما لحقها ذات يوم وجد الطبيب يعالج سيقانها، مما جعل ابنه بعد عقدين من الزمن يشترط «على من يرغب بها زوجة أن تخلع كل الأسنان الباقية في فمها قبل عقد القران» (ص109 ـ الهزيمة الأولى للعتابا).‏

 

غير أن النزوع الذكوري واضح في قصة «مرثية زليخة القلبورية» التي تشير إلى جوهر رؤية علي ديبة لصورة المرأة وامتداد هذه الرؤية إلى تشويه الصورة الإنسانية إزاء مرددات المومس الفاضلة وفهم الحرية الشخصية وتقييده بالنظر إلى مفهوم الحرية وحق الإنسان بالحياة.‏

 

تقوم قصة «مرثية زليخة القلبورية» على السخرية والمفارقة الساخرة، فالرجل وعد المرأة بأن يضع على قبرها الأزهار إذا ماتت، أما المرأة فهي بنت ليل وهوى تعرف إليها في ملهى، وقد اعتاد رؤيتها، ولفتت نظره، وتعرف إلى وضعها البائس الذي اضطرها إلى البغاء، إذ زوجت من ابن عمها دون رغبتها، ثم صار مصيرها إلى القتل في الملهى، على أن الرجل بالغ في أداء المفارقة الساخرة حين تحول قبرها إلى ضريح أو مقام يُزار، وتقدم له القرابين والأضحيات. لقد لجأ القاص إلى أسلوب التغطية بالخداع والتزييف حين زار قريتها، وأوهم أهل القرية أنه رآها في الحلم، ثم امتدت السخرية إلى شيوع الفكرة حين عزّاه عمه والد زوجته، وطلب منه زيارة ضريح السيدة زليخة في قلبور، غير أنه مضى إلى ذروة السخرية بإصراره على أن تكون الزيارة في الربيع، ليضع على قبرها «طاقة من أزهار الأقحوان البيضاء، وطاقة من أزهار شقائق النعمان الحمراء» (ص59 ـ الهزيمة الأولى للعتابا).‏

تحتاج القصة إلى التعليل لتعضيد الصدق الفني، فالرجل وضع الملامة على زوجته التي دفعته إلى تعوّد قضاء الوقت في الملهى دون تسويغ فني كاف، ورمى الراوي ـ المندغم بصوت الزوج أسباب دفع زليخة إلى البغاء على زوجها، دون مثل هذا التسويغ أيضاً، بينما المسعى السردي هو السخرية من الحال العامة التي تشوه صورة الرجل والمرأة في آن واحد، على الرغم من تغليب هجائه الباطن للمرأة بوصفها بغياً، فقد تلاعب مع فكرة المومس الفاضلة، في الوقت الذي وصف فيه المرأة بالبغي من خلال التناص الصريح في عتبة العنوان إحالة إلى سيرة زليخة في الموروث الوالغة في تبضعها ومخادنتها ومخاتلتها للتغطية على سوء الفعل.‏

 

وتتبدى المفارقة الساخرة في مضاعفة تبعات هذا التعابث الذي بُنيت عليه القصة حين سأل نفسه عن صعوبة جلب الأقحوان وشقائق النعمان في مثل هذه الأيام الخريفية الباردة. وبلغت السخرية حدّ المرارة والملهاة السوداء حين «أمسكت الأيام بالرجل الوفي من حيث لا يحتسب، أبقته مقعداً في البيت لا عمل له غير التلفاز والانتقال من قناة إلى قناة، و من محطة إلى أخرى.. كثرت الاستشارات والنصائح وأسماء المشافي والأطباء اللامعون والوافدون، وسواهم من الشطار الذين يدعون أنهم ورثوا حكمة فريدة لم يسبقهم إليها أحد، وكان آخر هذه النصائح من عمه والد زوجته، يوم أتاه قائلاً: سوف نذهب معاً لزيارة ضريح السيدة زليخة في قلبور، وبعون الله لن تعود خائباً..‏

ابتسم الرجل في سره، قال لعمه: لن أذهب قبل فصل الربيع» (ص67-68 ـ الهزيمة الأولى للعتابا).‏

ولعلنا نوجز القول في مدى دخول قصص «الهزيمة الأولى للعتابا» في نزوع الذكورية الجائر على أوضاع المرأة والحكم عليها بطلاناً أو بهتاناً غالباً، إذ تجانب صور المرأة هذا الهجاء الباطن للنساء في سيرورتها الإنسانية والأخلاقية، ويتصل ذلك بنقد المواضعات الاجتماعية السائدة الظالمة للمرأة والرجل في ظروف كثيرة.‏

 

3- إنسانية صورة المرأة عند خليل جاسم الحميدي:‏

كانت صورة المرأة في قصص خليل جاسم الحميدي إنسانية وبعيدة إلى حدّ كبير عن دواعي الذكورة أو الأنوثة، وتجلت بوادر هذه الصورة الإنسانية وتمثيلاتها في مجموعاته «السخط وشتاء الخوف» (1975) و«الركض في الأزمنة المنهوبة» (1980) و«موت الرجل الغريب» (1987) و«المغني والنخلة» (1998)، أما ذروة التعبير عن هذه الصورة الإنسانية ففي مجموعته القصصية الأخيرة «قمر أخضر على شرفة سوداء» (2003)(9).‏

 

وتتميز كتابة الحميدي القصصية بمستوياتها الاستعارية المتعددة في إظهار معنى المعنى باستخدام تقانات الحداثة وما بعد الحداثة في السرد، ولا سيما اتساع فضاء السرد إلى احتضانه المتعاليات النصية بتثمير العتبات السردية وسواها من جهة وتشظية السرد من أجل بلوغ حوارية تستفيد من الترميز والمجاز وتوازي النص السردي مع النص الغائب من جهة أخرى.‏

 

ولا تؤخذ الأغراض من معاينة عناصر السرد وحدها، بل يستدعي ذلك تضافر استجابة القارئ مع استنهاض الدلالات الكامنة. وتقارب قصص هذه المجموعة مفهوم الكتاب القصصي، على أن القصص جميعها تتعاضد في نص سردي مفتوح على تعدد الأغراض وتنوع أشكال أداء الخطاب فيما تثيره من إضاءة للتجربة الإنسانية القائمة على علاقة الرجل والمرأة والارتقاءyvh بصورتيهما معاً إلى بعد إنساني شامل، ويُوحي عنوان المجموعة «قمر أخضر على شرفة سوداء»، ولا يحمل عنوان قصة بعينها، بالتدليل على صورة المرأة المضيئة في سواد الأيام وحالك الليالي من خلال تلاقي هذه الدلالة مع محتوى عدد من القصص، ولا سيما قصة «الشرفات ترتدي حدادها»، وركز في العتبة الثانية/ الإهداء على اكتمال هذه الدلالة مع صورة الأم «آخر الملكات وأول الأحزان في قلبي» (ص5 - قمر أخضر على شرفة سوداء).‏

 

وأفادت العتبة الثالثة «مدخل» مضاء الدلالة في مدى إضمارها وظهورها تعبيراً عن قسوة الموت التي تتماهى مع الفقدان، ولولاهما لكانت الشمس أكثر إشراقاً، حسب قول أموهان بيجاكلي، وأفصحت العتبة الرابعة عن اندغام هذا المضي في عمق الدلالة إلى الفضاء الاستعاري «فالفن، حسب بول كيلي، لا يرينا ما هو منظور، بل يجعل ما لا نراه منظوراً» (ص9 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء). ثم تعددت العتبات المفتاحية الدالة على محتوى السرد في مفتتح كل قصة. والقصص جميعها تتناول العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، وتقرّب صورة المرأة من بعدها الإنساني الذي يستوجب التعاطف الرحب.‏

 

تعالج قصة «الظهيرة ورائحة الياسمين» مراودة إقبال الرجل على المرأة من خلال قيامة الرائحة والجسد والخوف حتى قيامة اللحظة حين يلتحمان معاً، كما يحدث في الحلم، فالفعل مثل مراودته:‏

 

«رأى الغسيل المنشور على أسطح العمارات تدهمه الريح، فيروح يرف مثل طيور تود الطيران، ثم لا يلبث أن يطير محلقاً في الفضاء، والرجل ينظر إليه، دون أن يحاول الركض خلفه، أو يثير اهتمامه، وحدها المرأة كانت تمتزج بالرجل، تتسرب في دمه مع أشعة الشمس الوافدة من النافذة الصغيرة ثم تلوذ بروحه وهي تنتحب بمرارة» (ص21 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء).‏

 

وتثير قصة «نشيج الفصول الخائفة» الشجن العميق والحميم فليس هناك «سوى التشتت ومرارة الحزن والألم» بتعبير أموهان بجاكلي، بينما شجعته المرأة على مجاورة الخوف، وتتوالى حالات نشيج الروح ثم نشيج الليلة الوارفة ثم نشيج الدم، فقد «صار لعمره طعم الدفلى» (ص25 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء)، وارتفعت وتيرة مواجهة المطاردة والحصار من الجهات جميعها، وكانت المرأة سبيل الخلاص، وقلبها حاضناً له على الرغم من المخاطر المحدقة كلّها.‏

وبيّن الحميدي مستوى أرقى في رؤية حال التعلق بالمرأة من خلال جوهر صورة المرأة نفسها من حال الأم إلى حال المرأة في مكابداتها العنيفة والرجل على مواجهة اشتراطات الوجود وشروط التاريخ، ويتلاقى التوهم مع الحقيقة في تأمل تبعات الوعي بقابليات هذه المواجهة، فقد بشرّته العرّافة «بامرأة مثل قمر من ماء الروح» (ص63 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء)، ورأى نفسه حالماً يمازج الوهم بالواقع:‏

 

«ورغم أنه ضحك من كلامها، لكن شيئاً فيه صدقها، وعندما راحت تصف المرأة الموعودة بإسهاب مثير للدهشة، وكأنها تقف أمامها، خيل إليه أنه رأى هذه المرأة ذات يوم في مكان ما. في زمان ما. ما عاد يتذكرهما، ربما في الشارع، وربما في الحديقة العامة، وقد يكون ذلك على الشاطئ أو على الجسر، وربما رآها في الحلم، وازداد يقيناً بكلام المرأة العرّافة حتى أنه شعر بالمرأة تتحرك في داخله، وتستقر في خاصرته الطرية وهي تكركره وتضحك» (ص63-64 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء).‏

 

غير أن المرأة ظلت بعيدة كالسراب آملاً أن يسحب الحلم من داخله لانسداد «منافي الروح» أمام المواجع الضاغطة:‏

«بين اليقظة والنوم كان، وعيناه مغمضتان، وبشيء يشبه الضوء ينسرب إلى الأرض بهدوء وصمت، وحين فتح عينيه وجد المرأة تقف هالة من ضوء أخضر في وسط الغرفة» (ص70 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء).‏

وتصور قصة «من سيرة الدم والخراب» لوعة امتلاك المرأة من خلال نزاع الرجل الملتحي والرجل النحيل، فقد تحداه النحيل ألا يصل إليها، ثم قتله ومضيا و«دم القتيل يركض وراءهما على شكل رجل نحيل يتشبث بالمرأة، ونحيبه يقطع القلب» (ص87 ـ قمر أخضر على شرفة سوداء).‏

ولعلنا ننظر بالتفصيل في تعبير الحميدي عن صورة المرأة في قصة «الشرفات ترتدي حدادها» أنموذجاً لفنّه القصصي ولرؤيته لإنسانية المرأة وثراء حضورها بالنسبة إلى الرجل إذ لا تكتمل إنسانيته إلا بالمرأة.‏

 

تقوم قصة «الشرفات ترتدي حدادها» على التحفيز الجمالي الذي ينهض على تقانات حداثية وما بعد حداثية في السرد من خلال ضبط الحوافز في فضاء سردي معني بمعنى المعنى أو ما وراء المعنى (ميتانص) يتجاذب فيه النص السردي مع النص الغائب، حين يتم استدعاء المعنى من خلال تعدد الأصوات والأنسنة والشيئية لبعث معنى المرأة الجوهري، تلك المرأة المسكون بها باستحضار فضاء الذات الإنسانية الفسيح وترسيخه في وجدان الرجل، إذ حوّل الكائنات إلى أشياء تتصاعد إلى مراقي الذات الحقيقية والعالية كالرجل والمرأة اللذين صارا إلى شرفتين للإطلالة على ما وراء المعنى شأن الكرسي في إثارته لهذا المعنى الجوهري، وما يتصل به من عناصر الفضاء السردي ومكوناته، ولا سيما الثوب، فالقصة تتحدث عن رحيل المرأة المأساوي لدى الرجل في دلالة الحاجة المتبادلة بين الرجل والمرأة وقيامها على أصالة الحبّ، فقد أثار رحيلها شجناً موجعاً وقاهراً لدى رجلها الذي تملكه فضاؤها بأشيائه وتفاصيله الحارقة، فكان الوصف الذاتي الممعن في العذاب لفقدانها وهو يثير مكامن الالتياع والحزن بتمازج أوجاع الذات مع محيطها، وتداخل هذا الوصف مع النجوى الدرامية والحوار مع الآخر المندغم بالذات، فأظهر في التركيب الأولي عناصر الحال المؤرقة: المكان والأشياء والتفاصيل الدالة، ومدّ التركيب في الحركة السردية الثانية إلى ابتعاث إشارات المعنى: مصادر الثبات والقوة ومؤثرات العناء والمكابدة: الكرسي والثوب والشرفة دخولاً في جوهر العلاقة وامتحانها حين تظهر الحركة الثالثة في السرد من خلال صورة المرأة الباعثة من الشرفة المقابلة طيوف معنى المعنى.‏

يتعاضد التحفيز الجمالي مع عناصر فنية استعارية مثل الترميز والتمثيل الثقافي، إذ صار الكرسي إلى إثارة المعنى، فالتوق المتبادل بين الرجل والمرأة مرهون بتعينه وإطلاقيته في آن واحد، لأن التعلق المطلق لا يتأثر بالمتغير وإن شابته ملامح توحي بغير ذلك، وقد عمد القاص إلى التدليل على ذلك بمقابلة العلاقة بتوهمها حين مدّ قابليات فهم الحاجة بينهما إلى امرأ