|
القصة القصيرة في سورية من التقليد إلى الحداثة
المقدمة
أصبحت القصة القصيرة في سورية سيدة الفنون النثرية في خمسينيات القرن
العشرين على أنها الإبداع الأبرز في كتابة الأجناس الأدبية، فتخطى القصاصون
نظراءهم الشعراء إقبالاً على الاشتغال بالقصة القصيرة كمياً بالدرجة
الأولى، فنشرت عشرات المجموعات القصصية، ثم تطور الإبداع القصصي في
مستوياته الفكرية والفنية المتعددة خلال عقد الستينيات، وتصدر قصاصون
مبدعون أمثال زكريا تامر وعبد السلام العجيلي وألفة الإدلبي وغادة السمان
وسعيد حورانية وفاضل السباعي وأديب نحوي الساحة القصصية العربية، وخاض
القصاصون في نهر التجديد والتجريب نحو الحداثة وما بعدها.
ويتصدى هذا الكتاب للتطور القصصي في سورية منذ تكوّن مصطلحها السياسي في
ثلاثينيات القرن العشرين إلى اليوم، وقد وضعت تمهيداً ينظر في الإطار العام
للنثر القصصي في هيمنة القص التقليدي وانبثاق الفنّ الروائي، وما آل إليه
التطور السردي من تعدد أشكال النثر القصصي ونضوجها واستواء الكتابة فيها،
وتلا ذلك توصيف للمشهد القصصي في الثمانينيات تمثيلاً لتباين الممارسة
وأساليبها السردية خلال عقد ما، ثم التحليل النقدي الموجز للكتابة القصصية
الجديدة التي استحوذت على الإبداع القصصي خلال نصف القرن الأخير.
وخصصت الفصل الأول للتعريف بالجهود الريادية والتأسيسية للقصة القصيرة
واخترت عدداً من المبدعين الراحلين الذين تميزوا بإبداعهم منذ ثلاثينيات
القرن العشرين، وهم علي خلقي وفؤاد الشايب ومحمد الحاج حسين وسعيد حورانية
وعدنان الداعوق وخديجة الجراح.
وعاينت في الفصل الثاني استواء الاتجاهات التقليدية كالواقعية عند نصر
الدين البحرة وجمالية تقاليد القصّ عند اسكندر لوقا وارتقاء التعبير السردي
عن الإحساس المأساوي بالحياة لدى صلاح دهني واحتضان القضايا الاجتماعية
والقومية عند وهيب سراي الدين.
وتناولت في الفصل الثالث بعض الرؤى الفنية والفكرية المعبرة عن الانعطافة
من التقليد إلى الحداثة وما بعدها مثل النظر في السخرية مظهراً من مظاهر
الحداثة عند عدد من القصاصين وتحليل السرد الاستعاري مثالاً لتقانات القصة
الجديدة وفلسطين والجولان في التعبير القصصي المقاوم حيث غلب الموضوع
القومي والوطني على الكتابة القصصية إلى وقت قريب، إذ يندر أن تخلو كتابة
قاص من التصدي للعدوان على الأمة والوطن وتعزيز الفعل المقاوم في منظومته
القيمية الأشمل وأبعاده العربية والإنسانية والمباشرة وغير المباشرة
المتعددة.
وعالجت صور المرأة في القصة القصيرة في نماذج قصصية تظهر مدى الدخول في
النزعة النسوية عند القاصات والنزوع الذكوري عند القاصين تمهيداً لتحليل
إنسانية صور المرأة التي جاوز فيها القصاصون معاناة النوع الاجتماعي في
عمليات إنتاج المجتمع وإعادة إنتاجه.
وتناولت في الفصل الرابع نماذج التحديث القصصي ونزوعاته من خلال نماذج
قصصية لعدد من القصاصين المتميزين مثل سرد الحداثة وما بعدها والاعتمال
بشعرية السرد والتجديد القصصي واستطاعته الرؤيوية والسرد السوريالي في إهاب
الأسطرة ومحاولات تحديث القصّ الواقعي والسرد الواقعي ورحابته في نقد
المجتمع والصدق الواقعي وفن الإيماء ومجاوزة التبشير العقائدي والتحديث من
خلال التزام تقاليد القص الواقعي وأسلوبية النصوص السردية وتمثل السرد
السيري والابتعاد عن غواية الإنشاء اللغوي. وتظهر هذه النزوعات الكثير من
مظاهر الانعطافة من التقليد إلى التحديث.
وجعلت الفصل الخامس توثيقاً لمصادر نقد القصة في سورية من خلال ثبتين الأول
ثبت المجموعة القصصية من عام 1931 حتى اليوم، والثاني ثبت الكتب المؤلفة
كلياً أو جزئياً عن القصة والرواية في سورية، لصعوبة الفصل في الكتابة
النقدية عن أشكال النثر القصصي.
وآمل أن يقدم هذا الكتاب صورة عن تطور القصة القصيرة في سورية وانعطافتها
من التقليد إلى التحديث.
المؤلف
أيار 2004
التمهيد
1- الإطار العام للنثر القصصي:
تعد فنون النثر القصصي ولا سيما القصة القصيرة والرواية، الإنجاز الأكبر
للأدب الحديث في سورية سواء في تمثل تقنياته وأساليبه لغة وبنية وصنعة فنية
أو في غنى الدلالة الاجتماعية والتاريخية أو في تعدد الاتجاهات والرؤى
ويصعب الفصل بين أجناس النثر القصصي، وأكتفي بالإلماح إلى أهم ظواهر التطور
القصصي (قصة ورواية) ثم أركز بشكل خاص على القصة القصيرة في الإطار العام
لنضوجها واستواء تجاربها الفنية والفكرية، ثم توصيف المشهد القصصي في
الثمانينيات انموذجاً للنظر في تطور الفن القصصي خلال عقد ما، ثم التحليل
النقدي الموجز للكتابة القصصية الجديدة الناجزة أو مما هي قيد الإنجاز.
وتتلخص أبرز الظواهر فيما يلي:
أولاً:
تقلص مساحة المثاقفة بمعناها السلبي بفعل استواء المؤثرات الأجنبية،
وامتلاك القاص والروائي لناصية فنه والتوازن بين هذا الفن والأفكار.
أن مقارنة سريعة بين الرواية «في المنفى» لجورج سالم (1962) ورواية «ملكوت
البسطاء» لخيري الذهبي (1976) وروايات خليل الرز تظهر بجلاء مدى الاستفادة
من النزوعات التجريبية الغربية من موقع مستقل وإبداعي واضح، فثمة تأثير
أجنبي كافكاوي مباشر في الرواية الأولى، وثمة تأثير فوكنري قوي في الرواية
الثانية، ولكن الروائي الثاني يوسع مجال تأثيره بنزوعات أخرى وجودية ونسبية
وجديدة (نسبة إلى الرواية الفرنسية الجديدة) كتيار الوعي وتغير الضمائر
وتناوب الرواة وتبديل الزمن وتعدد زوايا النظر، والتصرف بمسافة النظر، دون
أن يقطع الروائي صلته بتاريخه وتجربته الروائية روائياً و مساراً روائياً
عربياً وتمضي روايات خليل الرز في تجديد السرد الروائي إلى التعالق النصي
والإبداعي مع الرواية الفرنسية الجديدة ضمن صياغة متميزة، بل إن روائيين
آخرين يبدعون أشكالهم، وينوعون أساليبهم التعبيرية في صنعات روائية مبتكرة
في الموقف من الواقع أو المجتمع الروائي أو الزمن أو التاريخ، كما هو الحال
في روايات «الشمس في يوم غائم» لحنا مينة (1973)، و«المتألق» لعبد النبي
حجازي (1980)، و«وليمة لأعشاب البحر» لحيدر حيدر (1984).
ثانياً:
تقلص حجم العنصر السيري في الأعمال الروائية. صحيح أن أغلب
الروايات المهمة في تاريخ الرواية العربية تستند إلى أساس سيري، إلا أن
الروائي العربي في سورية قد استطاع أن يثمر هذا العنصر في صنعته الروائية،
وأن يصير إلى حافز إبداعي في السياق الفني. وهذا واضح في أعمال حنا مينة
«بقايا صور» (1975) و«المستنقع» (1977)، وأعمال نبيل سليمان «ينداح
الطوفان» (1970) وحيدر حيدر «الزمن الموحش» (1973) وملاحة الخاني «بنات
حارتنا» وغيرهم. وهذا واضح في القصة أيضاً كما في مجموعة «النار: حكاية طفل
لم يرزق بعد» (1996) لمحمد عبدو النجاري.
ثالثاً:
تقلص التحكميات السابقة على الأعمال الروائية مثل الأفكار والأيديولوجيات
والتحزب والالتزام وفكرة الروائي عن فنه، وهي تحكميات غالباً ما تلغي الجنس
الأدبي وتزيد من قلق الرواية وخلخلتها أمام الموقف الموضوعي في العمل
الفني، وهذا القلق واضح في روايات كثيرة في الستينيات كزخم المعلومات
المعرفية والطبية والذاتية والسياحية والتاريخية وغير ذلك، مما يكثر وروده
في روايات عبد السلام العجيلي وفاضل السباعي وعبد الرحمن
الباشا وحسيب كيالي، ويقال مثل هذا عن تحكميات أخرى.
رابعاً:
نجاح القصاصين في تخليص القصة القصيرة من معضلات الممارسة الفنية التي تكمن
في الإرث الطويل من تكريس الأوهام حول القصة القصيرة في النظرية والتطبيق.
وقد تخففت القصة القصيرة من مظاهر التضييق المختلفة كالتداخل بين وظيفة
القصة وموضوعها، والتداخل بين وظيفتها واتجاه كاتبها والتداخل بين فعالية
القصة وفعالية المتلقي والتداخل بين الممارسة الاجتماعية والممارسة الفنية
والتداخل بين الفن ومجرد الوثيقة أو المرحلية(1).
لقد وصلت القصة القصيرة إلى بلاغة مشهودة في تقنياتها وتعبيرها عن الجماعات
الإنسانية والأوضاع الاجتماعية التي تصدت لها، ومن أبرز الأعمال القصصية
التي تدخل دلالة واضحة على هذا التطور، «حكاية مجانين» لعبد السلام العجيلي
(1972)، و«عزف منفرد على الكمان» لجورج سالم (1976)، و«النجوم» لعبد الله
عبد (1977)، و«موت الحلزون» لوليد إخلاصي (1978)، و«النمور في اليوم
العاشر» لزكريا تامر (1978)، و«الرجال الخطرون» لياسين رفاعية (1979)،
و«الوعول» لحيدر حيدر (1978). و«سلامات أيها السعداء» ليوسف أحمد المحمود
(1980)، و«رمي الجمار» لنصر الدين البحرة (1980) و«آدم والجزار» لعدنان
الداعوق (1979) و«أحلام ساعة الصفر» لعادل أبو شنب (1973) و«رحيل المرافئ
القديمة» لغادة السمان (1973)، و«أحزان حتى الموت» لفاضل السباعي (1975).
خامساً:
تنوع الاتجاهات الفنية ولا سيما الواقعية بتقسيماتها المتعددة
كالتعبيرية والانتقادية والانطباعية والاشتراكية والجديدة والطبيعية تحت
وطأة تأثير الحداثة والتطلع المستمر إلى التجديد والالتزام. كانت الاتجاهات
السائدة حتى مطلع السبعينيات هي التعليمية والإتباعية والرومانتية
والواقعية بأشكالها الانتقادية والطبيعية، ولكن المرحلة الراهنة قد بلغت
شأواً كبيراً في تحديث الخطاب القصصي بأشكال حداثية هي مجرد «موضات» عند
الكثيرين، فنجد لدى القاص الواحد سوريالية وإتباعية وواقعية اشتراكية
ورومانتية ووجودية وعبثية في مرحلة واحدة أو أكثر.
وفي هذا الإطار التاريخي، انطلقت تجارب القصاصين الجدد تتوسل إلى الحداثية
بوسائل تعبير منسجمة حيناً، وغامضة أو مبهمة حيناً آخر، وربما كانت تجارب
محمد كامل الخطيب ورياض عصمت وإبراهيم الخليل وخليل الحميدي ونيروز مالك
وزهير جبور وجمانة طه وغسان كامل ووليد معماري وسحبان سواح وجميل حتمل
وإبراهيم صموئيل وملك حاج عبيد هي الأكثر انسجاماً في تحديث أساليبها
وتأطير رؤاها، بينما توغل تجارب أخرى كثيرة في التجديد الذي يستعصي أحياناً
على الإيصال كما عند محمد خالد رمضان على سبيل المثال.
على أن ساحة القصة القصيرة ما تزال تعتمل بالصراعات الخفية بين الاتجاهات
المختلفة، حيث الرومانتية والإتباعية والتسجيلية والواقعية الانتقادية ـ
وما تزال ـ من أقوى الاتجاهات أيضاً، كما في قصص عبد السلام العجيلي وكوليت
خوري وقمر كيلاني وفاضل السباعي وعبد العزيز هلال وصلاح دهني وجان الكسان
وعدنان الداعوق وشوقي بغدادي ومظفر سلطان ودلال حاتم وحسيب كيالي وضياء
قصبجي وغيرهم.
سادساً:
وعي القصاصين والروائيين لتجاربهم، وهذا واضح في التنظير الواسع الذي بدأ
يمارسه كثيرون مثل حنا مينة في كتابه «هواجس في التجربة الروائية»
(1987) وعبد السلام العجيلي في كتابه «أشياء شخصية» (1968-1980)، وآخرون في
شهاداتهم ومقالاتهم ومقابلاتهم المنشورة في الكتب والدوريات. وثمة وعي
يتمثله القصاصون والروائيون في تطوير فنهم على مستوى اللغة والسرد
والحكائية والحوافز والأغراض والبنية إجمالاً، وهذا ملحوظ في مئات القصص
المنشورة.
2- المشهد القصصي في الثمانينيات:
ماتزال القصة القصيرة هي الأكثر دوراناً على أقلام الكتاب في سورية إنتاجاً
وتنوعاً وغنى، بل إن نظرة عجلى إلى ثبت المنشور منها في مجموعات أو دوريات
يشير إلى ذلك الكم الهائل بالنسبة إلى الأجناس الأدبية الأخرى، وإذا كان
قصاصو الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين أمثال ألفة
الأدلبي وعبد السلام العجيلي وأديب نحوي وحيدر حيدر، قد غادروا بدرجات
متفاوتة إلى أجناس أخرى، ولا سيما الرواية، فإن القصة القصيرة تستأثر
باهتمام الكتاب الجدد، وتثير حماستهم في الإبداع، ولا تنقل في هذا المجال
إلا هوى كتابة القصة القصيرة، نظراً لطبيعتها اللاهثة المتوترة، لدى كتّاب
السبعينيات اقتصر على مجموعة صغيرة واحدة لعدد غير قليل من القصاصين، ثم
انقطعوا إلى مشاغل أخرى، مما يفضي إلى نتيجة أولى هي أن كتابة القصة
القصيرة لدى الكتّاب الجدد في السبعينيات ليست هموماً تستأثر باهتمامهم، أو
مركزاً يستقطب تطلعاتهم والتوجه الإبداعي لديهم(2).
ويتصدر المشهد القصصي في الثمانينيات قصاصو الستينيات والسبعينيات على وجه
الخصوص أمثال، وليد إخلاصي ونصر الدين البحرة وناديا خوست وقمر كيلاني
وكوليت خوري ومحمد كامل الخطيب ورياض عصمت وحسن صقر ووليد معماري وخليل
الجاسم الحميدي وزهير جبور وغيرهم كثر.
ونشط الجيل الأسبق ممن كتبوا في الأربعينيات والخمسينيات إلى حد ما، كما هو
الحال مع ألفة الأدلبي وأديب نحوي وعبد السلام العجيلي وفاضل السباعي وبديع
حقي ومراد السباعي، وإن كانت القصة في المرتبة الثانية من اهتماماتهم. ومن
اللافت للنظر أن بعض القصاصين المتميزين في المشهد القصصي في سورية قد
صمتوا مثل سعيد حورانية الذي لم ينشر منذ منتصف الستينيات أكثر من قصتين أو
ثلاث قصص قصيرة.
أما القصاصون المعتبرون مثل حنا مينة وفارس زرزور وهاني الراهب وحيدر حيدر
فقد هيمنت الرواية على نشاطهم الإبداعي.
وعلى هذا النحو نجد أن الذين أصدروا مجموعات قصصية خلال هذا العقد، ولم
يسبق لهم أن أصدروا مجموعة قصصية من قبل قد جاوزا الخمسين قاصاً(3)، ولعلنا
نشير إلى أهم الملاحظات حول الكتابة القصصية في الثمانينيات:
1- فن القصة هو الأثير الدائر على الأقلام منذ أكثر من ثلاثة عقود من
الزمن، وهي حقيقة تؤكدها كمية المنشور من القصص الجديدة للكتاب القدامى
والجدد في الكتب والدوريات ووسائل الاتصال بالجماهير. ويشير العدد الممتاز
والملف الخاص اللذين أصدرتهما «الموقف الأدبي» عام (1987) عن القصة القصيرة
في سورية إلى استمرار الحضور الكبير للقصة القصيرة في الإبداع الأدبي في
سورية، وكان العدد الممتاز عن القصة القصيرة في سورية، وقصص الملف للأصوات
الجديدة في القصة القصيرة في سورية، شارك فيهما أكثر من أربعين قاصاً وقاصة
تعبيراً عن مثل هذه الحساسية المستمرة في حياتنا الأدبية، كما أظهر هذان
الملفان أصواتاً جريئة مبدعة تخوض غمار التجريب، وتفلح في الإفصاح عن
أساليبها وأفكارها لدى غالبيتهم، بل أن بعض الأصوات متميزة في المشهد
القصصي الراهن، كما أن عدد المشاركين في مسابقة «الأسبوع الأدبي» عام 1992
بلغ أكثر من 190 قاصاً شارك كثير منهم بنصوص جيدة، وأغلبهم أيضاً من الكتاب
الجدد.
إِنّ هذه الوقائع وغيرها تؤكد صدارة القصة القصيرة للكتابة الأدبية في
سورية، ربما أكثر من الشعر أيضاً، أما الأسماء المتميزة في المشهد القصصي
في سورية من كتاب الثمانينيات فنذكر منهم: حسن حميد وجميل حتمل وإبراهيم
صموئيل ونضال الصالح وعلي المزعل وجمال عبود ونادر السباعي وزياد كمال
حمامي وغالية قباني وفيصل خرتش وسمير بلوكباشي وأنيسة عبود ونبيل صالح
وأمية عبد الدين.
2- ونلاحظ أن الأصوات النسائية متعددة في هذا العقد، وتشير بطاقاتهن الفنية
والشخصية عن مهنهن المختلفة كالمهندسة والطبيبة والمدرسة والمربية.. الخ
مما يزيد من ثراء التجارب القصصية، فقد ظهرت في عقد الثمانينات مجموعة
قصصية لكاتبات كثيرات ينشرن كتباً لأول مرة(4). مع العلم، أن لبعض هؤلاء
الكاتبات كتباً منشورة في أجناس أدبية أخرى.
3- تغلب على الكتابة القصصية نبرة التجديد أو التوسل إلى التحديث في
الكتابة القصصية بأدوات مختلفة يشير استخدامها في أكثر التجارب حفيظة دعاة
التقيد بالأجناس الأدبية. مما يتيح أوسع الفرص لمعالجة قضية الاتصال
والفنون بين الأجناس الأدبية سواء في الالتفات عن تقاليد النثر الفني
العربي أو التراث القصصي العربي أو في اللحاق اللاهث الواضح بأشكال التجديد
عن أصالة أو مجرد شهوة التعبير المختلف، فثمة إشارات واضحة إلى ممارسة
غالبة على الكتابة القصصية لدى جيل السبعينيات ماتزال مستمرة في محاولات
دائبة لتحديث الأدوات القصصية. إن ثمة تعبيراً جلياً عن هذه الحساسية
الفنية الجديدة التي طبعت القصة القصيرة في سورية بطوابعها منذ مطلع
السبعينيات في مجموعات قصصية كثيرة نحو الاختلاف في التعبير بعامة والتطلع
إلى التجديد بخاصة، ولا سيما تطويع الحكائية والسرد لحاجات خطاب مباشر
غالباً، وتعبير إنساني خافت أحياناً، وتحفل النماذج المنشورة غالباً بطوابع
استحوذت على أساليب متوترة ومندفعة في استخدامات جريئة ومتأنية في بعض
القصص مثل التقطيع و الترقيم وتنوع الحوار وتعدد الأصوات وشاعرية السرد.
واللافت للنظر في بعض المجموعات القصصية هو تنوع التجارب القصصية والسعي
الواضح لتطويع أساليبهم باتجاه حداثية منشودة.
هناك كثير من الكتابات ذات الميل التقليدي كما هو الحال عند مالك صقور وعلي
المزعل وعادل بشتاوي ونضال الصالح وسميح عيسى ومحمد أحمد السوسو وخطيب بدلة
وزياد كمال حمامي ومحمد رشيد رويلي وغيرهم، ولكن أصحابها جهدوا لتلوين
أساليبهم بنبرات حديثة أيضاً في التمسك برؤية أشمل لموضوعاتهم، لا التوقف
عند أغراض مباشرة أو صريحة، توكيداً على قلق مشروع في مساءلة أطروحاتهم في
هذه الصيغة الفنية أو تلك، غير أن ثمة أصواتاً أخرى ارتهنت لذلك التجريب
اليقظ في تحديث الأسلوب، في مغامرات جريئة.
يستفيد هؤلاء القصاصون من آخر إنجازات القصة الحديثة مع اختلاف التوجيه
الفكري وتباين التحقق الفني: الشاعرية، نسبية وجهة النظر أو المنظور
السردي، الاستفادة من معطيات الفنون الأخرى، التلاعب الحكائي بالزمن، كثافة
المشاعر أو نذرتها، توسيع مدى استعارة الفعل الإنساني أو تضييقه، التجنيح
الأخيولي (الفانتازي).. الخ.
وتشير هذه الكتابة القصصية إلى أن استخدام المنجزات الحداثية غير ناجز أو
شاحب في بعض قصصهم، لأن كتابها تعمدوا التحديث الذي يصل إلى حدّ الاستغلاق
على الدلالة ونقي الموضوع، إذ يحاول بعض الكتاب الجدد الترميز و«أسطرة»
الواقع وتعدد الرواة أو المنظورات السردية والإكثار من التجنيح الأخيولي
دون معادلات موضوعية كافية أو معللة بالتحويل الأدبي، إذ أن استخدام
المنجزات الحداثية لا يتعلق بالنيات فقط أو وضع تقنيات قد لا تتناسب مع
التجربة القصصية، والمهم في هذا المجال هو نجاح القاص في تحويل الواقع إلى
أدب عبر ضبط القص وتنظيم السرد ووضوح التحفيز في تضافر البناء القصصي.
وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام هي ابتعاد غالبية قصاصي الثمانينيات عن هموم
البحث في السرد في تجاربهم القصصية. إذ لا نجد قصصاً تعتني باستيحاء التراث
القصصي أو ثراء السرد العربي الموروث، وإذا وجدت بعض المقاربات فلا تشير
إلى وعي الهوية فثمة قصص كثيرة لجميل حتمل وسمير بلوكباشي ونبيل صالح تعلن
خيارات فنية غير حاسمة، وتقارب سردها الحداثي من منظورات شاعرية وحكائية
ممعنة في تحديد علاقتها بالموروث القصصي، وهي أقرب إلى القطيعة منها إلى
التواصل فتعتمد على الدلالة الثقافية، وتثير الإشارات في بنية القصة، وتوغل
في اللغة والتغريب اللغوي وهو التماهي المصنوع، أو تصوغ تحويلها الأدبي
للوقائع الحياتية من ذكاء مشروط هو بعض حصيلة الخبرة الفنية. إن السرد في
مثل هذه القصص واثق متمكن من حكائيته وكأنه يستند إلى الموروث، ويستوعبه.
4- هناك كتابات قصصية كثيرة في الثمانينيات تستمد نجاحها من موضوعها وشرف
القيم التي تتحدث عنها، وهذا جلي أيضاً في قصص حسن حميد وعلي المزعل ومحمد
وليد الحافظ. إنهم يتحدثون عن الموضوع القومي حيث القيم النضالية، ولا سيما
فلسطين والجولان والانتفاضة، إلا أن قصصهم، وهذه مزية أيضاً، لا تكتسب
قيمتها من تناولها للموضوع القومي وحده أو من إعلانها القيم النضالية فحسب
بل لأسباب فنية بالدرجة الأولى، فقد جاوزت هذه القصص التعبير المباشر
والمستوى الشعاري في التصدي للقضايا القومية، بمستويات متباينة إلى تعبير
فني يعلي من شأن الوعي القومي في القصة القصيرة، ويواصل تقاليد القصة
القصيرة في سورية في التزامها العميق والمسؤول بالقضايا القومية.
5- نجد اتساعاً في الموضوع القومي أولاً والموضوع الاجتماعي ثانياً، من حيث
الموضوعات التي اقتربت منها القصص أو عالجتها، ولكن أغلب القصص ذات الموضوع
الاجتماعي تعنى بالأسئلة، وتبتعد عن التفاصيل اليومية لصالح الانشغال
بالمفارقة الاجتماعية كما في كتابات: عبد الباقي يوسف وعبد الحليم يوسف
ومالك صقور وسمير عامودي وعماد نداف وخطيب بدلة، على أنه ملاذ للسخرية إلى
حد الكاريكاتير أحياناً عند بعضهم أو ملاذ التغريب في فضاء سوريالي أحياناً
أخرى.
6- ثمة ملاحظة لا يمكن إغفالها هي بروز قضية الإيصال، إذ تعاني بعض
الكتابات القصصية من ضعف الإيصال وعدم ضبط التجربة القصصية، وقد عوض بعض
القصاصين شيئاً من ذلك في الاستسلام لشاعرية سردية أو جمالية القص، ولكن
فكرة القصة تحتاج إلى أكثر من عنصر واحد، ويبدو أن هوس التجريب لذاته قد
بولغ فيه لدى عدد كبير من قصاصي الثمانينيات.
7- نلاحظ أيضاً سعي بعض الكتابات القصصية لتقديم أمثولات هي نداء لحكمة أو
قيمة مما يقلل من تأثير خطاب الناشئة واليافعين فتكاد تكون قصصهم دروساً
ونصائح وعبراً، فمثل هذه القصص تختزل التجربة، وتضيق عملية التحويل الأدبي
كثيراً، ويشير هذا بحد ذاته إلى تنوع الأساليب لدى طلائع القصة استناداً
إلى طموح مشروع تبدو القصة خطوة على طريق تحققه(5).
3- القصة الجديدة:
صار للقصة القصيرة في سورية عمر طويل ونضوج فني معتبر قياساً إلى التجارب
القصصية في الأقطار العربية الأخرى، ولعل مرد ذلك إلى إقبال القصاصين على
كتابتها أكثر من الرواية والمسرحية، فظلت القصة القصيرة سيدة فنون النثر
القصصي حتى نهاية الستينيات، غير أن العقود التالية حتى منتصف التسعينات
حفلت أيضاً بإنتاج قصصي وافر، فبلغ عدد المجموعات القصصية الصادرة منذ عام
1970 حتى 1995 أكثر من ثلاثمائة مجموعة قصصية، وهو انتاج غزير في الكم وذو
دلالات نوعية في تحديث الفّن القصصي.
لقد برهنت سنوات الخمسينيات والستينيات أن القصة القصيرة في سورية رائدة في
التجديد، فهذا الكم الوافر نتج عنه نوع لا جدال في قيمته الفنية، وفي نزعة
القاص العربي الحديث إلى تأصيل الأجناس الأدبية الحديثة في حركة الحداثة
التي شملت مناحي الحياة العربية كلها.
وقد أظهر عدد من الباحثين ونقاد الأدب في كتاباتهم أهمية الشغل القصصي
الحديث المشبع بأصالة البحث في السرد التقليدي استناداً إلى التراث القصصي
في العصور الكلاسيكية للأدب العربي وإلى وعي حاد بمعضلة الهوية إزاء تفاقم
المثاقفة التي غدت أبعد من تأثير ايجابي معتدل للمؤثرات الأجنبية التي
لابدّ منها لإدراج مغامرات التحديث الأدبي في دوائر الاستلاب والتبعية
والخوف من الحداثة. فثمة تجديد قصصي في منتهى الثراء والجاذبية أدخل القصة
القصيرة في سورية في عجلة التحديث، ويعبّر عن اشكالية التحديث برمتها القاص
المبدع زكريا تامر الذي أطلق باقتدار نداء التجديد مشفوعاً بممارسة قصصية
شديدة الوثوق من قابلياتها السردية والحكائية ولاسيما تحويل القصة إلى
تعبير حي عن الوجود العربي المأزوم، وكان هذا واضحاً منذ مجموعته الأولى
«صهيل الجواد الأبيض» (1960)، وترسخ عبر مجموعاته التالية وصولاً إلى كتبه
القصصية «نداء نوح» (1994) و«سنضحك» (1998) و«الحصرم» (2000) و«تكسير ركب»
(2002).
وإذا كان زكريا تامر ممن عقلنوا السرد في ضبطهم الواعي للزمن وفي إحاطتهم
بأشكال متعددة للشرط الإنساني وفي ابتكار صيغ سردية تستجيب لحاجات التجديد
على أنها سبيل للتحديث وفي المواءمة بين تقليد وتجديد بحلول فنية تدعو إلى
الإعجاب، فإن قصاصين آخرين مهمين كانوا أوراقاً رابحة لمسار التجديد القصصي
ولاسيما وليد إخلاصي منذ كتابه القصصي الأول «قصص» (1963) الطاعن في
التجريب إلى منتهاه وحيدر حيدرفي كتابه القصصي الأول «حكايا النورس
المهاجر» (1968) الذي اشتغل على جموح المخيلة في تجريب بديع لانبثاق السرد
من هوس لغوي تصير معه القصة إلى انشاء سردي مفعم بدفق الشعر.
ولعل ميزة التجديد القصصي الذي كان علامة من علامات الفن القصصي في
الستينيات هو الولع بالتجريب الشكلي اللغوي على أنه تركيب سردي مفتوح على
تجربة تاريخية أعم مختلف عن القص التقليدي أو الإتباعي أو الواقعي، وإن
كانت نمت في ظل هذه الوضعية واقعية جديدة أو واقعيات ذات ميل رومانسي أو
طبيعي أو تعبيري أو انطباعي أو سوريالي أو نقدي مفسحة المجال واسعاً لتطوير
ملحوظ للسرد في رحاب الأسطورة أو الرمز أو الوثيقة أو اللغة أو التاريخ أو
الخطاب المباشر أو النفس أو الدراما، وهي ميادين طبعت التجديد القصصي مع
مطلع السبعينات خلل تراكم طويل لتجربة القصّ المفتوح، وقد أثمر ذلك كلّه
تيارات متداخلة كثيراً في أنماط رؤية العالم وفي تجسيد اللحظة القصصية وفي
أشكال السرد وفي تقنيات الخطاب القصصي على وجه العموم.
ويعسر علينا أن نحصي القصص والقصاصين من انتاج القصة الجديدة، ليس بوصفها
مخصوصة بجيل أو عمر أو مرحلة تاريخية بل بكونها حساسيات أدبية جديدة تعبر
عن روح جديدة في رؤية الأدب وعن أشكال مغايرة أو مختلفة تصل في بعض التجارب
إلى تطوير الأجناس الأدبية المعروفة، وهذا ما حدث في فنون النثر القصصي،
فقد صار لهذا التجديد ظواهر لا شك في أهميتها خلال ربع القرن الأخير، أذكر
منها:
أ- مقاربة التجريب بتحديث السرد
متابعة للتحديث الذي بدأه رواد الخمسينيات والستينيات، ويتبدى التجريب
واضحاً في كسر اللغة وتغييب السرد المنطقي التقليدي متضمناً كسر الايهام والنزوع إلى إيقاع داخلي لتنامي الفعل
القصصي، فتوميء القصة أكثر مما تصرح به، وبرز في هذا الاتجاه قصاصون
كثر(6).
ب- الاتجاه إلى تركيز الحياة اليومية
بالتركيز على حدث مؤثر مقتطع من سيرورة السرد ليشبع بايحاء انساني مفعم بالدلالات، ومن أمثلته اللافتة
للنظر قصص جميل حتمل في مجموعاته «الطفلة ذات القبعة البيضاء» (1981)
و«انفعالات» (1985) و«ابق لهذه الليلة» (1992) و«حين لا بلاد» (1993)،
و«قصص المرض قصص الجنون» (1995)، وقصص عماد عبد اللطيف نداف في مجموعاته
«قصص حب، الكتابة على الماء «(1992) و«ما الذي حصل يا إلهي» (1994) و«خجل
الكستناء» (1998).
جـ- الاتجاه إلى تحويل القصة
إلى نص سردي مفتوح على التجربة الانسانية
بمقدرة حكائية تمازح السوريالية على أنها سرد المخيلة في قيعان الشعور
واللاشعور معاً، أو تمازح الأخيولة (الفانتازيا) على أنهاصوغ سردي آخر
لجموح المخيلة دون لوازم السوريالية كلّها، وقصص سمير بلوكباشي في مجموعاته
«الموناليزا تبتسم لنصل المقصلة» (1991) و«مذيعة التلفزيون وقصص أخرى»
(1994) و«أمل ببضع ساعة» (2004)، وقصص نبيل صالح الذي آثر أن يسميها مجموعة
نصوص، وهي «الرب يبدأ نصه الأخير» (1991)، ولعل قصص فاروق مرعشي من النماذج
القوية لهذا الاتجاه فهو يسربل سرده بعلاقات غير منطقية مشحونة بالرموز
والادهاش كما في مجموعتيه «الخروج من الكابوس» (1979) و«رقصة شجرة الرولة»
(1987).
د- الاتجاه إلى انبثاق السرد من الأساطير
والرموز أو اشباع السرد بالاساطير
والرموز باجتهادات مختلفة إلى حّد التباين بين قاص وآخر،ومن نماذج هذا
الاتجاه المتميزة قصص محمد ابراهيم الحاج صالح في مجموعتيه «قمر على بابل»
(1993) و«دفقة أخيرة» (1995)، وتتمتع هذه القصص بدهشة أسطرة الحوافز
القصصية والقدرة على ضبط الأنساق الحكائية باتجاه أغراض محددة في تحفيز
تركيبي واع مدرك لقابليات السرد في استيعاب الوعي المعرفي للشروط الانسانية
في وضع تاريخي ما، ومن نماذجه الدالة أيضاً أنيس ابراهيم في مجموعتيه
«التفاحة» (1984) و«أرض الديس» (1993)، وفيهما استحضار واسع لمعنى الاسطورة
، بل إنه يحول مدار السرد أحياناً إلى نفس أسطوري مشبع بأمداء الاستعارة
والمجاز.
وكذلك تبرز في هذا الاتجاه قصص عبد الحميد يونس، ولا سيما مجموعته «كرات
الظلام» (1922) التي تفلح في صوغ جمالية سردية تعتمد على تطويع الوحدات
القصصية إلى مبنى رمزي موحٍ.
هـ- الاتجاه إلى استلهام الأسطرة (المثيولوجيا)
الشعبية بتعبيراتها الدينية
والملحمية والحكائية الفولكلورية، لا مجرد تضمين أو استعارة لعناصر منها،
بل ما هو أدخل في تناصٍ يندغم في نسيج السرد كلّه غالباً، ومن نماذجه بعض
قصص نيروز مالك في مجموعاته «حرب صغيرة» (1979) و«كتاب الوطن» (1982)
و«أحوال البلد» (1983) و«ما رواه الجليل» (1995) و«تلك الحكايات» (1998)،
ووهيب سراي الدين في مجموعاته «الحل» (1991)، و«طائر الكريم» (1992)
و«العالم في سهرة» (1994) و«نفاذ الرمل» (1998)، ونجم الدين السمان في
مجموعتيه «ساعة باب الفرج» (1994) و«نون النسوة» (1995)، وهما ينحوان
بالسرد إلى دعابية ساخرة إلى حدّ المرارة، ومن الواضح أن هذا الاتجاه
يستأثر بتحديث تقنيات القص، واذكر قاصاً اشتغل كثيراً وآخر قليلاً الأول هو
مروان المصري في مجموعاته «تفسير الأحلام في جزيرة نامو» (1979) و«التغريبة
اليمانية» (1984)، وفي بعض قصص مجموعتيه «أقاصيص دمشقية» (1986) و«ما حدث
لعبد اللّه» (1990)، والثاني هو مالك صقور الذي برع في استحداث الموروث
الديني والشعبي بسخرية بارعة وماكرة كما في بعض قصص مجموعته «الحقل»
(1991). ولاسيما قصته التي تحمل عنوان المجموعة و«حبة شجاعة» (1998).
و- السرد القصصي ما بعد الحداثي:
من خلال تشظية السرد وتشظية اللغة
والتداخل النصوصي والأجناسي والتماهي الوثائقي والسيري مع اللعبة السردية،
وكسر الإيهام والخطاب الحواري في تعدد الضمائر الساردة وتمازجها مع
المشهدية والتداعيات الذاتية على الأنساق السردية. كما هو الحال لدى سمير
عامودي في كتبه القصصية «حارة البحر» (1989) و«بقايا النهار» (1996) و«مثل
الكذب» (1997) و«قبر العبد» (1999).
وهذا واضح أيضاً في قصص أحمد اسكندر في مجموعاته «الانقلاب الصيفي» (1994)
و«نصوص لم تكتمل» (1996) و«الكائن في عزلته» (2003)، وعبد الباقي يوسف في
بعض قصصه داخل مجموعاته المتعددة، ومنها: «طقوس الذكرى» (1992) و«كتاب الحب
والخطيئة» (2004).
ز- الاتجاه إلى تجريب تقني في بعض أدوات القص
دعماً للتجديد القصصي الذي يكاد يطبع الكتابة القصصية في سورية بطوابعه
التي عرضنا بعض ظواهرها، ومن القصاصين المجددين نذكر نادر السباعي في
مجموعته الأخيرة «الغابة النائمة» (1993) الذي يمازج بين الفانتازيا والأحلام والواقع في تخييل يقظ، ورياض
خليل في مجموعته «القرش والأسماك» (1995) الذي يجنح إلى الترميز دون أن
يعنى بلوازم المذهب الرمزي المعروف، معولاً على تحديث السرد بتخييل ينطلق
من الواقع إلى النفس ليعود في واقع آخر مشوب بدلالات ثقافية واجتماعية لا
تخفى، وغسان كامل ونوس في مجموعاته «دوار الصدى» (1997) و«أحمر أبيض»
(1998) و«العائذ» (2000) و«خطايا» (2002) و«مفازات» (2003) التي ينهض فيها
المبنى القصصي على الاستعارة الشاملة والترميز الأعمق.
ح- القص القصير جداً:
انتشر الإقبال على كتابة القص القصير جداً، وسمي عند ممارسيه «القصة
القصيرة جداً»، ووضع أحمد جاسم الحسين كتاباً عن هذا الفن القصصي، ونظم مع
آخرين مهرجاناً سنوياً منذ عام 2000، وأصدر عدد من القصاصين مجموعات قصصية
قصيرة جداً أو ضمنوا مجموعاتهم صفحات كثيرة لهذا الفن، مثل «ذماء» ليوسف حطيني (2001). و«على هامش المزامير» لعدنان كنفاني
(2001) و«الحلم المسروق» لمحمد توفيق السهلي (2001) و«جرائم شتوية» لعماد
نداف (2000)، و«ومضات» لهيمى المفتي (1997)، و«ربطة لسان» لأسامة الحويج
العمر (2002).
ط- القصة النسوية:
اندرجت كتابة المرأة القصصية في مداميك الأدب النسوي
الذي يناهض المجتمع الأبوي إلى حدّ هجاء السطوة الذكورية عند كثير من
القاصات، ويندر أن نجد قاصة خلال العقدين الأخيرين لا تكتب قصة نسوية كما
هو الحال مع نادرة بركات الحفار في مجموعتها «أرملة رجل حي» (2004) ووفاء
خرما في مجموعتيها «الأجنحة المتكسرة لـ س و ع» (1999) و«البرج» (2000).
تلكم إلماحة سريعة حول القصة الجديدة في سورية، وهي غنية بظواهرها
واتجاهاتها الحداثية التي تجعل من القصة تعبيراً فنياً عن اللحظة الحضارية
التي نمّر بها، وهو تعبير فني موصول بالتراث العربي والانساني، وهذه مزية
من مزاياه الكثيرة.
(1) حللت النتاج القصصي لأكثر من سبعين قاصاً وقاصةً من سورية في أبحاث
ومقالات عديدة لم تنشر في كتب بعد ووضعت عدداً منها في هذا الكتاب. وفي
كتابي:
- فكرة القصة، نقد القصة القصيرة في سورية، منشورات اتحاد الكتّاب العرب،
دمشق 1981.
- الأدب والتغير الاجتماعي في سورية، منشورات اتحاد الكتّاب العرب، دمشق
1989.
(2 ) ونذكر من أصحاب المجموعة القصصية الواحدة أكثر من عشرين قاصاً وقاصة
منهم نبيل صالح وأحمد سنبل وعبد الباقي يوسف وإبراهيم خريط، وعبد الرحمن
سيدو وسليمان سعد الله وإسماعيل تامر وأديبة تقي الدين ووفاء حمارنة وعصام
حقي وبسام الحافظ وحمدان حمدان وفلك حصرية وغالية قباني وعلاء الدين
الغادري وإسماعيل مروة وفريد الملا وأنيس بندك وزرياف المقداد وفتحي فطوم
وعماد نداف ومالك صقور وأحمد محمود المصطفى وسمير بلوك باشي وحاتم علي
وأحمد عمر وأحمد عساف، أما الذين صدر لهم مجموعة و مجموعتان ثم انخرطوا في
أجناس أدبية أخرى فعددهم كثير أيضاً نذكر منهم: ماجدة بوظو وأسامة آغي
ووفاء حمارنة وعصام حقي وماري رشو ونزار غانم وفيصل خرتش وأمية عبد الدين.
(3 ) نشير إلى أن أغزرهم إنتاجاً حسب عدد المجموعات القصصية هم: حسن حميد
(ثماني مجموعات قصصية). وعادل سعيد بشتاوي (أربع مجموعات قصصية). وجمال
عبود (ثلاث مجموعات قصصية) ومحمد باقي محمد (ثلاث مجموعات قصصية)، ومحمد
سليمان (مجموعتان)، ومحمد الحاج صالح (مجموعتان)، ونضال الصالح (مجموعتان)
وخطيب بدلة (مجموعتان)، وسميح عيسى (مجموعتان)، ومحمد أحمد سوسو
(مجموعتان)، وماري رشو (مجموعتان) ونزار غانم (مجموعتان)، ومحمد رشيد رويلي
(مجموعتان) وباسم إبراهيم عبدو (مجموعتان)، وجميل حتمل (مجموعتان) وغسان
كامل ونوس (مجموعتان)، وأسامة آغي (مجموعتان) وعلي المزعل (مجموعتان)،
وإحسان شراباتي (مجموعتان) وإبراهيم صموئيل (مجموعتان).
(4 ) هؤلاء الكاتبات هن: ماري رشو (مجموعتان) وغالية قباني (مجموعة واحدة)،
وأنيسة عبود (مجموعة واحدة)، وإحسان شراباتي (مجموعتان)، وهيام المفلح
(مجموعة)، وزرياف المقداد (مجموعة واحدة)، ووفاء حمارنة (مجموعة واحدة)،
وملك حاج عبيد (مجموعتان)، ونادرة بركات الحفار (مجموعة)، وماجدة بوظو
(مجموعة)، ونجوى قلعة جي (مجموعة).
(5) لقد سبق لي أن كتبت عارضاً وناقداً لتظاهرات الأصوات الجديدة في
«الموقف الأدبي» وفي مسابقات «الثورة» و«تشرين» و«البعث» و«الأسبوع الأدبي»
للقصة القصيرة، ومن الواضح أن كثيراً من الآراء الواردة قد سبق وطرحتها في
هذه التظاهرات طلباً لمعايشة أكبر لقصاصي الثمانينيات وقصصهم.
(6 ) اكتفي بالإشارة إلى خليل الجاسم الحميدي في مجموعاته «السخط وشتاء
الخوف» (1975) و«الركض في الأزمنة المنهوبة» (1983) و«موت الرجل الغريب»
(1987) و«قمر أخضر على شرفة سوداء» (2003)، وإلى ابراهيم الخليل في
مجموعاته «البحث عن سعدون الطيب» (1980) و«البازيار الجميل» (1996) و«مال
الحضرة» (1998) و«غدير الحجر» (1999)، إذ انتقل بعدها إلى كتابة الرواية أو
الرواية بوصفها قصصاً داخل قصة أكبر كما في روايتيه «حارة البدو» (1982)
و«الضباع» (1985)، وإلى زهير جبور في مجموعاته «الحلم مرة أخرى» (1978)
و«الورد الآن والسكين» (1979) و«الوقت» (1981) و«حصار الزمن الآخر» (1994)
و«رذاد المطر» (1987) و«ذبحنا الطيور وهي تغرد» (1998) و«أكافي» (2003).
   
الفصل الأول:
رواد ومؤسسون
1-علي خلقي
تعدّ مجموعة القاص علي خلقي(1) (1911-1984) القصصية «ربيع وخريف» (1931)
أول مجموعة قصص ذات مستوى فني جعلت منه رائد القصة القصيرة في سورية،
واستطاع مبكراً أن يعالج قضايا إنسانية متعددة في مناخها الاجتماعي
وأبعادها الفكرية ضمن صوغ قصصي متخيل ومبتكر حرص فيه على الواقعية والتحليل
النفسي واللغة القصصية.
وطبع مجموعته القصصية عام 1931، وضمت سبع قصص هي: «العم طنوس» و«مونولوج
منثور» و«فتاة الحانة» و«على طريق زحلة» و«أورانغ ـ أوتانغ» و«عازف الكمان»
و«مذكرات ممثل بائس»، وأثقلته طباعة المجموعة بتكاليف مادية، وانقطع عن
النشر، وأعد مجموعة ثانية للطبع أواخر الثلاثينيات، وضمت المجموعة سبع قصص
أخرى، وهي التي أضيفت بتقدير الباحثين والقاص نفسه إلى الطبعة المعدلة عام
1980. وقد استهلكه التدريس والإدمان على الخمر فترة طويلة بالإضافة إلى
ضغوط العيش مع أسرته، فلم يطعمه القلم كسرة خبز، وصرفته الحياة إلى العمل
والتعليم، فكان خلال عقود من السنين معلماً ماهراً ثم مدير مدرسة ناجحاً ذا
وجدان، وحرق في الخمسينيات عدداً من قصصه والمسرحيات التي كتبها لينقذ نفسه
من تهمة الشيوعية التي سببت له كارثة، فتوهم أنه ملاحق، وعاش الذعر يومياً.
وأحيل إلى التقاعد في أواخر الستينيات، وقام بعدة رحلات إلى باريس وألمانيا
حيث ابناه يدرسان، وبدأت حياته تأخذ طابعاً هادئاً بفضل ابنته التي سهرت
على رعايته حتى رحيله عام 1984.
نُظر إلى علي خلقي رائداً للقصة القصيرة في سورية باتفاق الباحثين والنقاد
الذين كتبوا كثيراً حول إبداعه(2)، فقد حوت «قصصه تصويراً رائعاً لحياة
عصره، بعضها يروي ما قاسى في حياته الخاصة من مآس، وبعضها يقصّ علينا
مشكلات الناس الذين تصيبهم الغيرة والشك والحبّ، وبعضها يعرض علينا النزاع
بين الحياة الاجتماعية الجديدة التي تنفتح على الحرية وبين بقايا الطبقة
السائدة من المنافقين الذين يدعون الزهد والعفاف والانصراف عن ملذات
الحياة، ولكنهم يغرقون فيها حتى آذانهم، وهي قصص تضمّ إلى واقعيتها الصميمة
إبداعية واضحة» بتعبير عبد المعين الملوحي في تقديمه للطبعة الثانية
المعدلة.
وتصور قصصه على سبيل المثال حالات نماذج إنسانية تعاني من وطأة التغيرات
الاجتماعية وخلخلة القيم، ففي قصة «العم طنوس»، صار الرجل إلى مجنون إثر
خيانة زوجته مع أخيه، فغرق في الخمرة عندما انتحرت زوجته، فبقي طنوس سمير
الجعة وسمير الشيطان.
وتتحدث قصة «فتاة الحانات» عن امرأة تدعى شمس التي تعلق بها صديق الراوي،
وتزوجها، وأحضرت فجأة ابنة عمه رزمة من الرسائل تنال شرفه وشرف أبيه إلى
الأبد مثل عداء عمه لوالده، ورضخ لأمر زواجه بابنة عمه، وما كادت سيارة
العروسين تسرع بهما خارج الكنيسة حتى زعقت مكابحها، وتجمع الناس، إذ كانت
جثة شمس تحت العجلات!
وتناول في قصة «مونولوج منثور» التي تشبه نجوى درامية تفاصيل الحياة على
وجدان ممثل. وحفلت بعض القصص بالنقد الاجتماعي القاسي، وفي قصة «الشيخ
الورع» يلحق هذا الشيخ بخادم إلى غرفتها، ويواجه بالفضيحة المدبرة، حين
التم حشد الرجال المدعوين إلى وليمته، فدخلوا يصيحون برجل الدين والتقى،
بينما كان الشيخ يخبط بيديه كالمجنون، ويلملم بعض ثيابه، ويهرب من الباب
بين أشجار البستان.
وتشير قصص علي خلقي إلى رومانسيته من جهة وآثار المشجاة (الميلودراما) لديه
من جهة أخرى، كما في ظهور حالات الموت والدم والانتحار في بعض قصصه مثل
انتحار زوجة العم طنوس وانتحار فتاة البار شمس. وظهر تأثر قصصه بالعلاقات
بين الفنون مبكراً مثل «المسرحة» و«التوليف» السينمائي بالنظر إلى ملازمته
لأخيه الممثل أكرم طويلاً وإلى إقباله على مشاهدة الأشرطة على ندرتها
حينذاك، وتبدو هذه الآثار جلية في قصتيه «منولوج منثور أو محاضرات الممثل ف
عن العصر» و«الموسيقي البائس: عازف الكمان».
وحرص خلقي في كتابته القصصية على عنصرين، عنصر الواقعية المأخوذة من نطاق
تجاربه وخبراته في حياته القلقة والعاصفة، وعنصر التخييل الذي يمضي إلى
الانتقاد والسخرية والمفارقة، وهي تقانات فنية بادية في قصصه «الكأس»
و«المرحومة» و«الضيف الثقيل».
وقد انتقل خلقي في قصصه التي منحته قيمة الريادة من أشكال المقال القصصي
والصورة القصصية أو القلمية مما هو شائع آنذاك على أقلام الكتّاب إلى فنية
القصّة التي تستند إلى براعة الوصف ودقة تحليل دواخل الشخصيات كما في قصة
«الموسيقي البائس: عازف الكمان» التي تعبّر عن حالات تجسيد الشخصية
ومعاناتها في مجتمعها من ضغوط البيئة والنفس، وقد ختمها بالعبارات التالية
تشخيصاً للدواخل العميقة وتنازعاتها مع ما واجهه هذا الموسيقي تشخيصاً من
عذاب:
«جن جنوني واستطار عقلي لهذه الصدمة، راجعت دائرة الشرطة فأبلغت الأمر
للمخافر في العاصمة والقرى والمدن المجاورة دون جدوى اختفت ابنتي وزوجتي
الفاجرة، ومنذ ذلك اليوم لم أعثر لهما على أثر. لقد فقدتهما إلى الأبد
وبفقدهما دفنت هنائي وسعادتي. إني أرى دائماً زوجتي الطاهرة البريئة ماثلة
أمامي في السماء في إطار من الغيوم محلولة الشعر منتحبة مولولة تناديني يا
خائن ماذا فعلت بابنتي يا ظالم... امتزجت دموعي بدموع محدثي، ولم أجد أمامي
لتخفيف آلامه إلا الصمت فقام ورجلاه لا تقويان على حمله يتوكأ على عصاه
ينشد السلوى في كأس من الخمر في زوايا الحانات، وسمعته يقول ما أعظم عدلك
يا إلهي» (ص132).
وقد حرص خلقي على القيم الأخلاقية والاجتماعية في قصصه مناهضة للرياء
والفساد والابتذال بلبوس صريح حيناً وبإيماء إلى رسوخ القيم الإنسانية
حيناً آخر حين ينتشر الصراع الطبقي إلى منتهاه، وأظهر من أجل ذلك دعوته
المباشرة إلى الالتزام بالأفكار والعقائد والعواطف الهادفة والقيمة
المتوخاة، ويتلفع ذلك كلّه بالنصح والحكمة، كخاتمة قصة «الغيرة والشك» على
لسان سامي أفندي إزاء موقفه من زوجته المتهمة:
«- أين أجدها؟ لقد تمنى لو عرف أين ذهبت ليسرع إليها... ,تذكر أنه صفعها
على وجهها وانهال عليها بأشد أنواع الشتائم. وبعينيه المخضلتين بالدموع،
شاهد طفله يصرخ بين يديها، فشعر بالأسى يطغي على نفسه، ويهصر روحه، فهام
على وجهه في ذلك الليل، وما دري كيف وصل المنزل، ولا كيف فتح بوابته
الحديدية، ولكنه رأى ويا لهول ما رأى، رأى زوجه المسكينة على درجة أسفل
السلم، وقد حضنت طفلها تنتظر عودته، فهلع قلبه وجثا بين قدميها، وراح
يضمها، ويبلل وجهها وصدرها بدموعه، وشعر حينئذ أنه غسل بهذه الدموع أدران
ماضيه وأنه استفاق من حلم كريه مزعج» (ص123).
وثمة عناية لا تخفى بلغة القصة التي تسعف عنصر التخييل بفيض التحليل النفسي
المفعم بالدلالات كقول صاحب الكأس في قصة «الكأس»:
«- نعم أنها ذكرى قاتلة، ويا لها من قاتلة فلندعها إلى حين... انظر يا أخي
إلى هذه الكأس أنها سمير روحي، ونديم خيالي، وهي هادمة اللذات، ومفرقة
الجماعات... هذه الكأس مخففة آلامي، ومبعث فنائي، سبب سقمي وعلة آلامي..
الكأس، الكأس، أنها صديقي الودود، وخصمي اللدود... أجرعها لأنسى، وإذا حرمت
أن أجرعها عاودتني الذكرى، ولاحقتني الدماء... الجثة المحبوبة، وعلى ثغرها
بسمة الأطفال البريئة.. الدماء دائماً الدماء.. ثم راح يهذي بكلمات مبهمة،
فتركته وانصرفت تنازعني عوامل متباينة صعب عليّ تحليلها» (ص115).
وحمل إهداؤه نفحات صادقة عن رياديته وتوظيفه للقصة في أبعادها الوطنية
والإنسانية على أنه يكتب ببساطة، وأنه صنع أسلوبه القصصي بنفسه، وبذر بذور
القصة في تراب بلده الطيب، وجاء كتّاب بعده، وتعهدوا تلك البذور، ونفخوا
فيها روح الحياة.
2-فؤاد الشايب
فؤاد الشايب(3) (1911-1970) من أصحاب الريادة الأولى في الإبداع القصصي،
على أن القصة القصيرة صور حياة «ووليدة ظروف زمنية وأحوال نفسية» بتعبيره،
وقد تمثلت تقاليد القصة بمفهومها الإتباعي (الكلاسيكي) في صوغها الفني
المتميز في زمنها، واستطاعت أن تحمل رؤى إيجابية عن مشكلات إنسانية
واجتماعية وحضارية لدى استهدافه «إرضاء نفسه» من جهة، والارتقاء بفنّ القصة
إلى مستوى أدبي رفيع وعميق من جهة أخرى.
أصدر الشايب مجموعته القصصية الوحيدة «تاريخ جرح» عام 1994، ثم وجدت خمس
عشرة قصة أخرى في مسودات الشايب وفي الدوريات، وجمعت في المجلد الأول من
المؤلفات الكاملة(4). وبدأ حياته الأدبية في وقت مبكر من العمر، وظهر
المقال الأول له عام 1930، وهو في العشرين من عمره(5). وحوى المجلد الثاني
من مؤلفاته الكاملة أبحاثاً ومقالات جاوزت الستمائة صفحة من القطع الكبير.
وتناولت هذه الأبحاث والمقالات الأجناس الأدبية وعدداً من قضاياها مثل فهمه
للقصة والأدب والقومية والشعر الحديث والفن الروائي وأدب القصة في سورية
والأدب والحرية.. الخ.
وكتب الشايب عشرات الأبحاث والمقالات السياسية والاجتماعية أيضاً، مثلما
وضع مشروعي كتابين، الأول بعنوان «ذكرى لورنس: فصول من سيرة رجل في تاريخ
أمة» (1945)، والثاني يعالج ظاهرة الحرب، ويحمل عنوان «لمن تقرع الطبول»
(1950)، وقدم الشايب في هذه الكتابات «نظرات وتحليلات معافاة، ولكنه يقف ضد
شوارد الفكر، ولا يدخل عمقاً في تحليل الظواهر، وإن كان يطمح إلى ذلك
باستمرار، وإن كانت بعض محاولاته قد أصابت نجاحاً متفاوتاً في عملية
الاستقصاء والتعمق» حسب رأي حسام الخطيب(6).
تكتسب مجموعة قصص فؤاد الشايب الوحيدة «تاريخ جرح» التي أعاد اتحاد الكتاب
العرب طباعتها عام 1978 أهمية خاصة لسببين أولهما مكانة هذه المجموعة في
تاريخ القصة السورية، وثانيهما كونها تقدم برهاناً ساطعاً على نضوج
الممارسة القصصية المبكرة لدى صاحبها. وقد صدرت هذه المجموعة في المرة
الأولى عام 1944، ولم يسبقها آنذاك إلا أعمال قليلة أصبحت آثاراً على
الماضي أكثر منها دليلاً للمستقبل مثل مجموعات علي خلقي ومحمد النجار، ثم
تأتي إعادة طباعة هذه المجموعة تأكيداً لمعنى الريادة في فن القصة
السورية.
إن ما تتميز به قصص فؤاد الشايب لهو كبير، فريادته لفنّ القصة لا تدخل في
باب أوليات الكتابة القصصية فحسب، بل تتعدى هذه القيمة التاريخية إلى توغله
الفني في التأسيس لجنس أدبي كان وما يزال حتى وقت قريب مما يختلط في أجناس
أدبية أخرى من جهة، ومما يصعب على الانخراط في تقاليد أدبية محكومة بعوامل
السلفية الثقافية أكثر من الانضواء تحت لواء قيم التطور والتجديد من جهة
أخرى.
بدأ الشايب الكتابة مثقفاً كبيراً مدركاً لطبيعة فن القصة القصيرة مؤمناً
أنه يرضي نفسه أولاً، وكأنه في جهد دائب لاكتشافها، وهو في هذا كلّه لا
يجترح فناً، ولا يغاوي هدفاً، فالأدب في رأيه لا يحتاج إلى قيود خارجة عنه،
بل يؤدي وظيفته من تلقاء نفسه، لأن رسالة الأدب فيه، ولعل في مثل هذه
الالتفاتة إلى غاية الكتابة مما يعطي الشايب رسوخاً في الفن لم يبلغ شأوه
إلا القلة القليلة ممن اندفعوا فيه وكتبوا كثيراً.
يقول الشايب:
«على أنني قد وضعت هذه القصص لأرضي نفسي، وما أشق سخرة إرضاء النفس ذات
الأهواء، فلي أن أسأل هل أرضيتها؟ سؤال خطر لي وأنا أنسخها عن مخطوطاتها.
وسرعان ما أتى الجواب: لا!. إني لأذكر حين كنت أفرغ من إحداها أني ضمنتها
من نفسي كل ما أحب وما أبغض. فكم هي اليوم في نظري، أصغر وأضيق من أن تتضمن
شيئاً! كأني الطفل يقضي ليلته مع الدمى حتى إذا أصبح ملهاً واجتواها» (ص15
ـ تاريخ جرح).
إن مأثرة الشايب الأساسية في ممارسته لفن القصة حيث أنجب في النهاية قصصاً
تدوم وتبقى على صياغتها الدقيقة المرهونة لحدث أو فكرة مثل «الشرق شرق» و
«أحلام يولاند» و«العانس» بصورة خاصة، فهي قصص قامت لتبرهن على صواب فكرة
أو عموم تجربة. أما ما حوته هذه القصص من حياة فهي محكومة بعوامل قسر
الوجوب على سريان الحياة ذاتها لصالح فكرة عن صدام الحضارات مثلاً كما في
«الشرق شرق» أو حصر تجربة «المرأة فقط» على حد تعبيره في ممارسة أحادية كما
في قصة «العانس».
استشهد فؤاد الشايب في مقدمة مجموعته القصصية بحديث للروائي فرانسيس كاركو
حول الهدف من كتابته، وذكر فيما ذكر: «ويخيل إليّ أنني سأظل دائماً أفتش
حتى أظفر بالإطار الأخير أو يظفر بي إطاري الأخير؟» (ص15).
ويعلق الشايب قائلاً: «أليس في التفتيش عن الإطار المفقود كل تلخيص القانون
الأدبي الخالد؟. فأي عبث! وكم معجزة في هذا العبث!» (ص16).
أدرك الشايب عميقاً أن شهوة الكتابة مثل شهوة الحياة تلوح في الساعات
القليلة التي ينجز فيها الكاتب عملاً فنياً يكشف عن النفس فتصبح القصة
بعيدة الغور في الحياة مثلما هي بعيدة الغور في الفن. إنها ثمرة تذوق
الحياة وقد استوت وحان قطافها، وقد أشار الشايب في مقدمته إلى أهمية
التلازم بين الفن والحياة فكابر طويلاً على فن قصير النفس لا يستوعب الحياة
كالقصة القصيرة في سبيل فن آخر هو فن الرواية حتى أنه أورد أن أكره ما
يكرهه «في هذه الحرفة، حرفة الأدب، أن أعود إلى ما كتبت مرة ثانية عودة
تذكرني بحمل يجتر أو بطفل يأكل من قيئه» (ص13)، وربما لهذا السبب نفسه كانت
«تاريخ جرح» المجموعة الأولى والأخيرة في حياة الشايب خلا بعض القصص التي
ظلت طي درجه حتى نشرت في مؤلفاته الكاملة تقديراً من وزارة الثقافة.
صحيح أنه ترك مجموعة متفرقة من القصص وجزءاً من رواية، غير أن من المؤكد أن
فؤاد الشايب من هؤلاء القلة القليلة التي تأنف من صناعة أدب سريع زائل لا
يقوى على الزمن، ومن المؤكد أيضاً أنه من هؤلاء القلة القليلة التي يسكنها
هاجس الإبداع مغترباً بعد أن أفنى زهرة عمره وعصر حياته منهمكاً في الصحافة
والإعلام والثقافة.
تشكل قصص «تاريخ جرح» ظاهرة في تاريخ القصة السورية مثلما كان الشايب نفسه
علامة على ثقافتنا وهي تبني نفسها وسط صراع القديم والجديد من جهة، ووسط
صراع الثقافة الوطنية مع العوامل الدخيلة من جهة أخرى، وما إعادة طباعة
مجموعته من قبل اتحاد الكتّاب العرب هذه إلا احتفال بأصول فنّ قصصي نما
سريعاً على يد فنان ومثقف ومعلم هو فؤاد الشايب وأكملت هذه الاحتفالية
بطباعة وزارة الثقافة لأعماله كاملة.
لقد قيل الكثير حول مميزات الفن القصصي عند الشايب وكتبت مقالات ودراسات
حول ما تثيره بعض قصصه فكرياً وفنياً دلالة على حيوية قصته(7)، إلا أنه ما
يزال هناك الكثير مما يقال عن قصص الشايب بخاصة وتطور القصة السورية بعامة،
ونربط هنا بين قصة الشايب وتاريخ القصة السورية، لأن الشايب يمثل مرحلة
الريادة الحقيقية في هذا الفن، فن القصة القصيرة، ولعل في إعادة طباعة هذه
المجموعة ما يشحذ همم أبناء جيله ومن تتلمذوا على يديه وممن رعاهم، وعاشوا
في كنفه الأدبي أو الثقافي أن تكون فرصة لكي يكتبوا عن الشايب وأدبه وجيله
والتطورات التي عاشها وهي ذات صلة وثيقة بالتطور الأدبي في سورية في عقود
الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين خصوصاً وفي ظل مثل
هذه الكتابات يمكن «تقويم فؤاد الشايب وأدبه تقويماً جاداً ومفصلاً» كما
يدعو إلى ذلك الأستاذ عادل أبو شنب في تقديمه للمجموعة (ص10).
تضم «تاريخ جرح» إحدى عشرة قصة كتبت بين أعوام 1930 و1940 باستثناء
«العانس» و«ربيع يتضور» و«المعركة» في أعوام الأربعينيات الثلاثة الأولى.
ويؤكد فؤاد الشايب، أنها «وليدة ظروف زمنية وأحوال نفسيه لا تجمعها جامعة،
ولا تربطها قرابة» (ص13) مما لا يصح أن تكون بين دفتي كتاب، إلا أن شأن
القصة الخاص في أدبنا الناشئ هو ما دعاه لطباعتها، وهذا يعني وعي الشايب
الكبير للريادة، ولقد كان رائداً حقاً.
3-محمد الحاج حسين
عُرف محمد الحاج حسين (1914-1989)(8) بريادته لأدب القصة والرواية إلى جانب
أمثاله الرواد مثل شكيب الجابري وعلي خلقي وفؤاد الشايب، ولا سيما تعمقه في
التواصل الثقافي مع الأدب العالمي، إذ عني بتلازم الرومانسية مع تعبيراتها
الإنسانية المتفائلة في النظر إلى معاناة البشر الاجتماعية إزاء الإحساس
المأساوي بالآلام الناجمة عن الفقر والوهن والمرض والاستغلال.
أصدر محمد حاج حسين كتابه الأول «عبقرية الأدب العربي ـ الجزء الأول» عام
1944،(9) وأوضح في مقدمته أنه بدأ معالجة الأدب، وهو في السابعة عشرة من
عمره عندما كان طالباً في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة، وانصرف
بكليته إلى نشر قصصه ومسرحياته في الدوريات العربية. وصرح عن كتابته لعدة
روايات لم يطبع منها شيئاً، وأكد أنها «تعالج مشكلاتنا الاجتماعية
ومعضلاتنا النفسية» (ص6).
وجمع في هذا الكتاب بعض مقالاته وأبحاثه عن محمود سامي البارودي وإسماعيل
صبري وحافظ إبراهيم والملاحم والشعر العربي والغزل والرثاء والمصنوع
والمطبوع والهجاء في الأدب العربي وشاعرية الحطيئة وابن خفاجة الأندلسي،
والأدب العربي في ميدان التوجيه.. الخ. ونشر مسرحيتين قصيرتين من تأليفه
هما «ميلاد أبي العلاء» و«صاحبه عمر»، وأظهر وعياً بالكتابة لديه، إذ ألحق
مسرحيته الثانية بتعقيب عن مصادرها وصياغتها الفنية واستهدافاتها القيمية.
ونشر كتابه الطريف «عباقرة الفكر في حياتهم العاطفية» عام 1956. وفيه فصول
شائقات تصور أدق الخلجات الوجدانية عند كارل ماركس ونيتشه ولامرتين
وتولستوي ومارك توين وديستويفسكي وبلزاك ولرمنتوف وغوته وشكسبير ومكسيم
غوركي وجان جاك روسو وبوشكين وفيكتور هيغو وتوماس كارليل وغيرهم. وألمح في
تصديره للكتاب أنه موضوع شديد الصلة «بينبوع الإلهام الذي كان يتفجر منهم،
فأرى الحبّ يفيض بين أجنحتهم اللهيفة، هذه النيران المتضرمة التي تشعل قبة
الوحي في إنتاجهم الفني الغزير، فأهرع لأسجل قصة هذا الحبّ الكابي تارة
الباسم أخرى بأسلوب قصصي» (ص5).
وكان كتاب «الكميت حياته وشعره» (1972) الأخير في منشوراته على الرغم من
إعلانه المتكرر في كتبه جميعها أنه سينشر مؤلفات كثيرة من إبداعه الروائي
والمسرحي. وهذا الكتاب بحث علمي عن شاعر لم تلق سيرته وشعره عناية الباحثين
والنقاد اللائقة.
وقد نشر محمد حاج حسين مجموعته القصصية الأولى «جنازة قلب» (1950)، وراعى
في كتابتها مستلزمات الاتجاه التقليدي في إتباعه عناصر القصة التقليدية لدى
تناول مشكلات جماعة مغمورة تحت وطأة مصاعب الحياة من خلال التلازم بين
الوصف الخارجي والداخلي حتى تفاقمت هذه المصاعب، وأصاب عائدة مس من الجنون،
و«مضى العام أثر العام، وتقادم العهد، ففقدت كلّ شيء، وكأني بذلك الرمس
الذي تخيلته في اللانهاية أشيّع إليه جنازة قلبي، ما يزال فاغراً فاه
ظامئاً حران» (ص36-37). وسرعان ما دفعت عائدة الثمن باهظاً إثر دخولها
المستشفى، وأشهر الراوي تعاطفه العميق مع عائدة:
«وفي صبيحة يوم من أيام الخريف القلقة، وفي موكب مؤلف من شبحين اثنين، سار
حفّار القبور يحمل على كاهله الضعيف جنازة قلب بريء بإثمه وأثيم ببراءته.
أجل لقد فقدت عائدة كلّ شيء. وفقدت أنا كلّ شيء» (ص37).
اهتم محمد حاج حسين في قصصه بأغراض القصة إشاعة لقيم التعاطف مع شخوص
جماعته المغمورة الذين أرهقتهم الحياة. وصور محمد حاج حسين في روايته
«الجوع لا يرحم» (1953) التنشئة العصيبة لشخوصه في بيئة فقيرة تجاهد أسرة
الراوي في سبيل تأمين لقمة العيش، وتقترب الرواية من المتن الحكائي الذي
يسرد وقائع سيرية فنيّة ليافع في مقتبل العمر اضطر إلى العمل المبكر وهو
يعاني من رحيل أمه وقسوة الجوع، ولا يريحه سوى الاستغراق في الأحلام حتى
أتيح له العمل مع أسرة ثرية ساعدته على التكون الذاتي السليم مما يدفع
عائدة ابنة الأسرة إلى مصارحته برغبتها في الزواج منه، وأعتقد أنها اختارت
سواه، لأنه عامل لدى أسرتها، ثم فاجأته باختيارها:
«وحدقت بي، وطافت في عينيها الساجيتين أنوار بهية، وشعّ فيهما ألق رقراق..
وتمتمت كالحالمة: إنك أنت يا مصطفى الذي اخترته زوجاً لي.. وكدت أترنح
وأهوي من فرط السعادة التي انتابتني» (ص135).
خصص روايته «ملكة الجمال» (1954) لمعاينة التعلق بالمرأة من جهة والتأسي
للضغوط الاجتماعية التي أدت إلى انتحار المرأة التي أحبّها، فقد توجعت لميا
من عهر أمها التي «تبيع جسدها لطالبي اللذة»، و«فدحتها النقمة على هذه الأم
التي وضعتها في الوجود ثم لم تلبث طويلاً حتى غفرت لها خطيئتها.. من يدري
كيف كانت ظروفها القاسية، وتعاورها الشجن العنيف، عندما استرسلت مع خيالها،
واتضح أنها ستسير بنفس الطريق التي اخترقته أمها.. فالذئاب البشرية لن ترحم
جمالها وشبابها، بل ستلغ في دمائها» (ص149).
وخالجها السؤال الملحاح: «أما خير لها وأبقى أن تقضي على حياتها، وتصعد إلى
السماء تشكو لخالقها ظلم الإنسان» (ص149). ومضت إلى البحر، وانتحرت، فاندفع
سمير إلى الجنون، على أن ملكة الحسن لا تموت، و«في مستشفى المجاذيب يقضي
سمير كامل أيامه يغني ويرقص وينادي: لميا.. لولو» (ص154).
ومال محمد حاج حسين في روايته «اعترافات الشيطان الأزرق» (1954) إلى
التعليمية، ومهّد لها بتوجيهه للمنظومة القيمية الأخلاقية التي بنيت عليها
الرواية، وحلل تركيبه الروائي على أن الرواية تستند إلى ذكريات عاشها صديقه
خالد وقصّها على المؤلف ذات يوم فسجلها بدقة. وأوضح أن خالداً يلقب
بالشيطان الأزرق إزاء ولعه القاهر بالنساء، «لأنه كان دائماً يردد: إن ألم
القلب الذي يخلفه حب امرأة: لا يزول إلا بألم من حبّ امرأة أخرى» (ص3).
وعرّف بموضوع روايته وطبيعة صوغه الروائي احتضاناً للحبّ: «فالحب هو الدفء
والحنان والحياة.. وبدونه تتوقف أنفاسي، ,تموت نبضات الحياة في جسدي،
فالحبّ يحرقني في لهبه المقدس، ثم يصفيّني ويسمو، حتى أُستحيل إلى روح
شفافة تهيم في الوجود» (ص3).
وجعل الرواية منطوقة بضمير المتكلم، أي أن المدعو خالداً هو الذي يروي
وقائع حياته ومجرياته، ولا سيما انغماسه في رغباته غير المحدودة بالمرأة
وامتداد ذلك إلى فهمه للقيم والأخلاق، فإذا ذكّروه بالإخلاص لزوجه الطيبة
ذات الخصائص الممتازة، أجابهم: «كلما ازددت خيانة لزوجي كلما ازددت لها
حباً» (ص4).
وحفلت الرواية بهذه الوقائع والمجريات حتى بلوغه سن الأربعين واعداً
بالتغيير، وجعل الجزء الثالث عشر والأخير من الرواية بلسان الروائي عارضاً
عليه تدوينه لاعترافاته، على أنه أحسن التعبير عنها، ولو سجلها بنفسه لما
جاءت أروع مما فعل، فقد رافقه ذات مرة ليلاً إلى بحمدون، وأسرع يبغي الفندق
ليرتاح من جنون انهماكه في عشق المرأة، أي امرأة، فتشبث به قائلاً: «إذا
أردت أن تتذوق الحياة، فيجب أن تعشق». وختم الروائي الاعترافات تاركاً إياه
لمصيره المرفوض من قبله:
«وضحكت.. وأجبت لا تخلص منه: سأفعل.. سأفعل.. ثم حدق بي طويلاً.. وصرخ:
سأنساها يوماً.. وستكون مجرد شبح يطوف في حياتي.. لا يحمل أي ذكرى، سيغيض
جمالها، وسينطفئ سحرها.. أما أنا.. فسأقهر ألمي.. وسأتطلع إلى أفق جديد..
وسأنفض عني هذا الحبّ القاسي.. إنها لا ترحم، فهي، بعد أن اطمأنت إلى حبي
العظيم لها.. عافتني ولفظتني.. سأبدأ حياة جديدة.. بعد الأربعين.
وصرخت: ليوفقك اللّه أو ليفعل بك ما يشاء..» (ص144).
وتابع أسلوبيته في كتابة القصة القصيرة في مجموعته الثانية «ثلاث شفاه»
(1955) محللاً نفوس شخوصه وهي تنغمر في تجارب حياتها من خلال صوغ قصصي
إتباعي يعنى بتقاليد القص من المقدمة إلى العرض إلى الوصف الخارجي لفضاء
القصة بوصفها أمثولة في النهاية يتعلم منها المتلقي والقارئ بعض دروس
الحياة من خلال التعاطف الإنساني الذي يرتقي بالفعل إلى مرتبة الإحساس
المأساوي بالحياة كقول المرأة في ختام القصة التي تحمل اسم المجموعة شاكية
من ظلم الرجل لها:
«وقبل أن أسدل الستار الأسود على مأساتي، سأرفعه بيدي، لأقول لك.. أن تبتعد
عن طريقي.. فالحلم الذي عاش في ذهني قد انطفأ.. وأرجو أن تبحث عن غيري،
لتكون قرباناً لفنك» (ص17).
ولجأ محمد حاج حسين إلى أسلوب الرسائل في كتابة القصة القصيرة مثلما فعل في
كتابة قصة «الرجال عيونهم فارغة» التي تخاطب فيها «هيام» صديقتها العزيزة
«سحاباً» عن مدى إخلاص الرجل للمرأة التي يحبها، فقد أصرت الأخيرة على
رأيها الذي يزعم أن الرجل إذا خفق قلبه بالحب لفتاته المرموقة، ظل مخلصاً
وفياً لها حتى آخر نفس يضطرب في صدره، وضحكت الأولى من عنادها، فثارت بها،
واتهمتها بالتشاؤم وقالت لها: «متى أتاحت لك الأيام خطيباً كخطيبي، ستذوقين
لذة التفاني في الحب، وتعرفين معنى الإخلاص عند الرجال» (ص75).
ثم مرّت شهور على مناقشتهما العاصفة، وقدمت هيام لسحاب تقريراً خطيراً قد
يؤذيها في الصميم، عندما عملت على تحقيق فكرتها، واتخذت خطيب سحاب المصون
حقلاً لتجاربها التي تؤيد فيها رأيها، فقد طلب منها الخلاص من سحاب
ليخطبها، وتمنت حينها هيام أن تكون صديقتها بجانبها لترى إخلاص رجلها
ولتؤمن معها «بأن الرجال عيونهم فارغة» (ص79)، على أن هيام لم تفعل ذلك إلا
للبرهان عن رأيها، فنبذت هذا الخطيب، ورجتها ألا تحقد عليها وتتهمها بالدس
والبهتان وعدم الإخلاص لها، «وكلي أمل ألا تصرمي خطيبك، لأن كلّ الرجال على
شاكلته» (ص82)(10).
محمد الحاج حسين رائد من رواد كتابة القصة والرواية في سورية التي تلتزم
بتقاليد القصة ونزوعها التعليمي والأخلاقي على وجه الخصوص.
4-سعيد حورانية
برز سعيد حورانية (1929-1994)(11) قاصاً واقعياً بجدارة في مجموعاته الثلاث
التي وضعها في خمسينيات القرن العشرين وستيناته، وارتقى بفنّ القصة إلى
مستوى عال في احتضان فكرة القصة وتعبيرها الفني المتميز عن تجارب بشرية في
خضم الحياة وضغوطها، وحققت قصصه لدى معالجة موضوعاتها قيماً اجتماعية
ووطنية وإنسانية بقلم فنان ماهر في الصوغ القصصي الناهض بالرؤى العميقة.
وشارك في تأليف مجموعة قصص «درب إلى القمة» التي حوت قصصاً لأعضاء من
«رابطة الكتاب السوريين» وأضاف قصصاً إلى كتابه في أدب الرحلات «سلاماً يا
فارصوفيا»، وأصدر بالإضافة إلى مجموعاته القصصية الثلاث مسرحيتين هما «صياح
الديكة» (دمشق 1957)، و«المهجع رقم 6» (دمشق 1963)، ومجموعة مقالات وقصص،
كما أشرنا بعنوان «سلاماً يا فارصوفيا» (دمشق 1957)، ومسرحية مترجمة
للأطفال بعنوان «القطة التي تنزهت على هواها» (دمشق 1983).
صوّر سعيد حورانية في كتابته القصصية عن وعي المبدع بإبداعه على أن القصة
رؤيا شعرية مكثفة للناس والأشياء ضمن حركية المجتمع نحو مجاوزة شروط
التاريخ الباهظة على الوجود الإنساني لتصبح الحياة ذات قيمة أكثر جمالياً
ومعرفياً. ولطالما قاربت قصصه أمداء الرؤى الشعرية في إدغام المشكلات
الاجتماعية والوطنية بإحساس إنساني راق على أنها قضايا مؤرقة في سبيلها إلى
تحقيق معاني الخلاص في التجربة البشرية الأشمل، وعضد رؤاه الشعرية بالتناص
والاستعارية اندغاماً في شمولية الرؤيا وسعياً لتشرب المنظور القصصي
والأسلوبية مسؤولية الكاتب والتزامه بالمنظومة القيمية المنشودة.
اهتم سعيد حورانية بالمبنى القصصي وغنى إيحاءاته على أنه يضيء جوهر التجربة
البشرية من خلال ضبط المنظور السردي، وتبدى ذلك في إهداءاته وإشاراته
القليلة وعتباته السردية المتعددة، فقد أهدى مجموعته الثانية «شتاء قاس
آخر» لحنا مينة،(12) وخاطبه قائلاً:
«يا من فهمت ماهية الضعف البشري والقوة الإنسانية.. إليك يا صديقي.. أقدم
هذه القصص» (ص5). وأشار في مقدمته لمجموعته مخاطباً القارئ أن هذه القصص
جزء من عمره ومن عمر وطنه سورية، وقد منعت الظروف البائسة التي عاشها
الوطن«سنوات عجافاً مظلمة» من ظهورها في وقتها، ونبذ المقدمات، وعدّها
نافلة، لأنها «لعبة ساذجة من الكاتب لخداع القارئ» برأيه، «أما وجه الكاتب
الحق بدون قناعه السابع فهو في إنتاجه» (ص6).
وأهدى مجموعته الثالثة «سنتان وتحترق الغابة» إلى «السنديانة الصامدة التي
ترمز إلى روح شعبنا، هذا الشعب الذي تألم أكثر من كلّ شعب، إليك يا أبي..
أيها الثائر القديم» (ص5). وواضح من هذه الإهداءات أنها تندغم في مدلولات
قصصه ومبناها الاستعاري.
يتبدى التناص في عنوان مجموعته الأولى «وفي الناس المسرة» وتتعالق عنوانات
مجموعاته مع محتوى موضوعاتها ودلالاتها القصصية، واستخدم العبارات
المفتاحية إلى جانب عنوانات قصصية تثميراً لأبعادها في إثراء العتبات
السردية، كتصديره لقصة «.. وأنقذنا هيبة الحكومة» (من مجموعته شتاء قاس
آخر) بعبارة توكيد يدس من الكتاب الخامس:
«قد تكون مصلحتكم في أن تكونوا أسيادنا.. ولكن كيف يمكن أن تكون مصلحتنا في
أن نكون عبيدكم؟» (ص7).
وترصد القصة نضال الشعب في سورية ضد ذيول الاستعمار الفرنسي ممن عرقلوا
سيرورة السلطة الوطنية حين واجه ضابط راعياً بدوياً بعد أن أطلق عليه
ورفاقه الرصاص وهم في طريقهم لتسليم موارد الميزانية لبعض المراكز في
الشمال، فلاحقه ليعطيه درساً في احترام ممثلي السلطة. ويبتعد سعيد حورانية
في بناء قصصه عن المباشرة والوعظ، فالقصة على سبيل المثال حوار يتمازج مع
الوصف لمتابعة الحدث لاستكمال مكونات التحفيز الواقعي، وألمح لدى ربط الحدث
بأغراضه بذكر حالات التعدي على هيبة الحكومة كقوله:
«وكالعادة حميت الحديدة، عندما علم أن الشخص الذي تجرأ، وتعدى على هيبة
الحكومة هو من جبور الفاضل التي كان يكرهها لسبب غير معروف. وكانت نظراته
للرئيس فيها عتاب شديد على هذه الإنسانية التي جعلت أصابع الرئيس لا تشد
على الزناد في الوقت المناسب، لتخرج الروح النجسة إلى ملكوت السموات، بدون
أن يرتفع رأس بعقال للمطالبة بدمه. وكان في نظرته أيضاً شيء من عدم التصديق
بدوافع هذه الإنسانية، لم يبرزها بشكل واضح يحرج ضابطه، وهذا هو السر الذي
جعل كل الرؤساء يرضون عنه» (ص33).
وتأخذ قصص عديدة بعدها الوطني، إذ يتابع القاص مجريات النضال ضد الاستعمار
الفرنسي فيما يقارب طوابع الأمثولة أيضاً، كما هو الحال مع قصتي «حمد ذياب»
(من مجموعة «شتاء قاس آخر») و«من يوميات ثائر» (من مجموعة «سنتان وتحترق
الغابة»). تتناول الأولى وقائع نفي ثائر من ثوار الجبل وعذابه في المنفى
حتى عودته للوطن ليعين آذناً، على أن الغرض لا يتوقف عند حدود القيم
الوطنية، بل يتعداها إلى كشف عذاب هذا الثائر لدى عودته وتعيينه في هذا
العمل الوضيع بعد عشرات الواسطات، ولكنه لم يتظلم «ومثل ما قال المثل: شو
علمك عالمرّ؟ قال هللي أمرّ منه» (ص76) وختم حورانية القصة بإظهار التأسي
إزاء حال الثائر ضمن المنظور الأشمل:
«الريح لا تزال تعصف بالخارج.. وهسيس الثلج مكتوم أصم، ,الخشب يطقطق
ويطقطق، وينشر دخانه رائحة حبيبة فطرية.. ما أقرب الأبعاد.. ثمة أشخاص
يتقدمون، وصوتهم يطعن قلب الليل كسكين مرهفة.. كان صوتهم ينفذ قوياً عمقاً
خلال المصاريع الخشبية المتخلعة التي كنا وراءها.. كانوا يتحدثون بمرارة
شديدة، ولكن كم كان هذا الصوت حقوداً وقاسياً ومليئاً بالعزم!!» (ص76).
وعالجت القصة الثانية على شكل مذكرات وقائع من قصص الثورة الكبرى في سورية
عام 1925، ولا سيما وصف أحوال الثوار واشتباكاتهم مع المنتدب الفرنسي
وجنوده واستشهاد بعض المجاهدين، ووضع لها عبارة مفتاحية هي قول للورنس من
كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» في وصفه لثائر تصدى للجيش الأجنبي، فقد «انحدر
وحده عن قمة الجبل وهو يهزّ بندقيته بغضب في وجه الجيش، وتخطى قاعاً عميقاً
فذهلنا أمام هذا الجنون وكأننا قد صعقنا في أمكنتنا وهو مندفع كالسهم، وجمد
الكون من حولنا، وصمتت الطبيعة، فلم يعد يسمع غير وقع سنابك فرسه» (ص175).
ومهّد للقصة بأن الراوي وجد هذه اليوميات الحية في دفتر صغير لثائر، ولقد
حاول أن يحتفظ ما أمكن بروحها ولغتها، وهي لهجة دمشق ضمن محاولة تفصيحها.
ومدّ أسلوبه في معالجة القيم الوطنية إلى أهمية العناية بالنشء الجديد و
تربيته مثل قصة «ثلج هذا العالم» التي عاين فيها ألم المعلم لدى علمه بقرار
نقله إلى مدرسة أخرى بسبب آرائه غير المقبولة لدى الإدارة، فتقترب القصة من
أفق النجوى تستحضر ما حصل واحتمالاته المتباينة في التأثير في نمو وعي
الناشئة القومي، واستعان بعبارة مفتاحية لسارتر في كتابه «الغثيان» على أنه
وحيد، «ولكنه يسير كفرقة تهبط نحو مدينة» (ص65). والقصة مزيج من وطأة المال
على المعلم وتلاميذه في الوقت نفسه؛ وجاءت الخاتمة مجازاً من وصف الطبيعة
تمثيلاً للوصف النفسي للمعلم:
«الثلج ينهمر.. والأستاذ يبتعد عن المدرسة، نقطة سوداء في المحيط الأبيض،
كان الصقيع يتكسّر تحت قدميه وهو ينتزعهما منه بقوة وعزم» (ص83).
وبنى قصته «شتاء قاس آخر» وفق هذه التقنية المتطورة في ملاحقة وصف لوحة
نفسية واجتماعية عن معنى الصمود أمام تقلبات الحياة وضغوطها المستمرة من
خلال استحضار الشخصية لجوانب من ذكرياتها المرّة، ورمّز لذلك بشجرتي نارنج
وسنديان في حديقة منزل أثناء اشتداد عاصفة شتوية ما لبثت أن انفرجت الأحوال
إلى الربيع. ولا نغفل عن المبنى الاستعاري الشامل للقصة بعد ذلك حين يربط
الغرض بالعتبة السردية المفتاحية في مطلع القصة المأخوذة من كلمة للشاعر
هايني: «يا إلهي ما أطول ليل الظلم، وما أقسى شتاءه» (ص77).
اعترف الراوي في مطلع القصة بحبّه لشجرة الليمون اللطيفة التي تعيش في
بيته، وأكد أنه لم يعقد صداقة مع شيء في الدنيا على مثل المتانة التي عقدها
مع هذه الشجرة. «كانت تشبه أميرة رقيقة من الأميرات اللواتي كنت أقرأ عنهن
في القصص، أميرة حقيقية شامية، تجلس على أريكتها وقد تدثرت بحرير أخضر..
النوافذ مفتوحة على جبال خضر، والكتاب الذي بين أصابعها النحيلة موشح
بضفائر من الديباج الأخضر تنوس ثم تتكئ في دعة ورخاوة على أطراف معاصمها
التي تبرق باللآلئ» (ص79).
ويوحي هذا الوصف بتعضيد المبنى الاستعاري للقصة لدى المقارنة بشجرة
السنديان المعتادة على مقاومة الشتاء والعاصفة، مما جعل والده يربت بحنو
ووجد على جذعها ثم استدار نحوه، وخيل إليه «أن دمعتين غبراوين كلون
السنديانة تدحرجتا من عينيه الصارمتين فامتصتهما سريعاً تجاعيد وجهه كما
تمتص الأراضي العطشى صيّب السحاب» (ص92).
حفلت غالبية قصص سعيد حورانية بتعاضد المبنى الواقعي والمبنى الاستعاري
إضاءة للمشكلات الاجتماعية والإنسانية لنماذج بشرية تعاني من وطأة العيش
واستشراء الفساد(13) كما هو الحال مع قصتي «سنتان وتحترق الغابة» و«الخفاش
يفتح عينيه»، وتصور القصة الأولى الأوضاع الحياتية القاسية لطفلة فلسطينية
تبيع أوراق اليانصيب منتظرة الرجاء والخلاص من البؤس المخيّم عليها وعلى
والدها المقعد الضرير، أما القصة الثانية فتنتقد الفساد المنتشر، وأما
الحوار فيمتزج بفيض النجوى إلى الشجن القائم والمقيم:
«ومنذ ساعتين وهو يرفع من أشلاء نفسه كُلاًّ عظيماً، لم يصل إلى هذه العظمة
إلا بتجارب تعصر وتقتل وتجعل للحياة معنى. وافهمهما، ولعله أراد أن يفهم
نفسه، أن هذا التمزق الذي يعانيه، سببه أنه أضاع التوازن، بين نفس مسحوقة
وإيمان عميق بالحياة وساكنيها. كيف يناضل الرجل يا أصدقاء؟ أنا مؤمن بأشياء
عظيمة، حياتنا بائسة ويجب أن نغيرها، أتعرفون؟ واستمر يتحدث حديثاً
طوباوياً مدة ساعتين، ومنذ ساعتين أيضاً بصق بصقة حمراء» (ص201).
سعيد حورانية قاص واقعي شديد التميز في التزامه وتحققه لمسؤولية الكاتب
الاجتماعية والإنسانية وفي براعته على صوغ المبنى الاستعاري الذي يضيء
الأبعاد العميقة للتجربة البشرية في رؤية الاشتراطات الواقعية المتشابكة
والمعقدة.
5-عدنان الداعوق
برز عدنان الداعوق (1932-1986)(14) كاتباً قصصياً في أواخر خمسينيات القرن
العشرين مع إصدار مجموعته الأولى «ذات الخال» (1959) التي حفلت بخصائص
القصة القصيرة، واعتنت بعناصرها الفنية، ولا سيما الحديث عن نماذج بشرية في
حال معاناتها وقلقها من ضغوط الحياة ضمن أسلوبية تحليلية للواقع والنفس في
آن واحد، ثم تتعمق القصة في رؤية المواقف في خضم المشكلات النفسية
والاجتماعية.
اهتم عدنان الداعوق بوضع الدراسات والبحوث التاريخية والنقدية عام 1968،
فوضع كتابه «أبطال وأمجاد ـ سجل في تاريخ حمص الثوري عام 1925»(15) وهو
تاريخ الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، وأهدى الكتاب إلى أبنائه
«خالد وجاهد وزياد وإلى أبناء هذا الجيل كافة الذي يلتمس خيوط النور ليصنع
بها غده المشرق الوضاء» (ص5).
ونقل في الكتاب قصة الأبطال كما أملاها الأحياء منهم «بصدق وأمانة، وبندب
وجروح غائرة وكسور قد جبرت في غير انتظام، لأنه لم يكن لديهم الوقت الكافي
للراحة، وحتى تجبر الكسور.. وبالرصاص الذي اخترق أجسادهم في أكثر من موضع»
(ص17).
وقدم لكتابه بلمحة تاريخية، وحوى عدة فصول عن بداية الثورة ومعركة المزرعة
ومعارك المسيفرة والغوطة والثورة في حماه وضرب دمشق وثورة النبك، ثم خصص
القسم الثاني الأكبر للثورة في حمص: بدايتها والتخطيط لها ـ ثوار حمص في
النبك ـ ثوار حمص في الهرمل ـ أول معركة في المدينة ـ مجزرة ضربة غازي ـ
نظير النشواتي حياً ـ الأسطورة الخالدة ـ من هو خيرو الشهلا؟ ـ تحول وجه
الثورة ـ ثوار حمص في معركة كفر بطحا ـ أشهر معارك المدينة ـ العودة إلى
حمص ـ اعتقال نساء الثوار ـ واقعة السيباط ـ واقعة الفاخورة ـ مصرع الحاج
دلال ـ انتقام الثوار ـ الثورة تحل مشاكل العمال ـ موقف رجال الدين من
الثورة ـ اختطاف حسن إدريس ـ اختطاف ريف الحسيني ـ اختطاف عبد المجيد آغا
سويدان ـ اختطاف صفا حاكمي ـ دور المدينة المشرف في حماية الثورة ـ آخر
المواقع ونهاية الثورة.
اعتنى عدنان الداعوق أيما عناية بشكل القصة الإتباعي الذي يهتم بعناصر
البناء التقليدي من التقديم إلى العرض فالذروة فالخاتمة ضمن فضاء مفتوح على
الاحتمالات في رؤية المشكلات الواقعية والوجودية التي تتمازج مع أمشاج
اللامعقول أحياناً، وهو المناخ الأدبي السائد آنذاك لدى شيوع الفلسفة
الوجودية وفلسفة العبث والتحليل النفسي.
وأشار الروائي نظير زيتون في مقدمته لمجموعة الداعوق الأولى «ذات
الخال»(16) إلى الخلجات الإنسانية والقبسات الوجدانية والرهرهات الاجتماعية
منسابة على الأوراق وساجية الأحداق وهفافة الأشواق ووردية المذاق ورخيمة
الأبواق في قصصه المنسابة انسياب الجدول الرقراق فوق اللآلئ الرِّقاق، بما
يفيد شعرية القصة وإيمائيتها وبراعتها في الحب ولباقتها في السرد وطلاوتها
في الأسلوب وتساميها في الغاية.
وأيد القاص والروائي المعروف محمد عبد الحليم عبد اللّه في تصديره للمجموعة
إياها رأي زيتون على أن القصة عند الداعوق(17) صورة شاعرية بحتة ليس فيها
إلا حدود الصورة، ويكتمل مبناها الدلالي الثّر بسحر عنوانها، فقد توافر على
سبيل المثال لقصة «أعمى» عناصر كثيرة للقص الرفيع، «فحلاوة السرد وتناسقه
وتوافق تموجاته واطراد البناء ووفرة عنصر التشويق، كلّها قائمة في هذه
الأقصوصة» (ص17).
اهتم الداعوق بالتحليل النفسي لنماذجه البشرية تحت وطأة معاناتها من قلق
الوجود واختلاط المشاعر والكرب الذاتي المقيم على نحو شديد التبسيط غالباً،
فتتحدث قصة «التمثال» عن اندفاعة شاب في الخمرة إثر اليأس من الحبّ، ويتأسى
الحبيب من خيبته عندما يخطف المرض محبوبته في قصة «القلوب عند بعضها»، وختم
قصته بجذوة تحليله: «ولكنه رغم البعد وطول المسافة بينهما كان يردد في نفسه
دائماً: إن من أحبّ أحداً لابدّ أن يكنّ له صاحبه نفس الحب، ولو لم يفصح له
أو يقابله.. أو حتى لو فصلت بينهما رحاب الأرض الواسعة، فالقلوب عند بعضها
دائماً» (ص40).
ويستغرق الداعوق في تأمل مشاعر الحبّ في حالاته المتأججة الصاخبة أو
الهادئة، ففي قصة «عندما يخطئ الحب» تنغمر نفس الزوجة باعترافاتها عن نأي
زوجها ومكنونها لشاب جذاب علقته ذات مرة في مصيف، وما زالت تتهجى لغة الحبّ
المعذبة:
«وعند المساء.. وكل مساء، عندما كنت أطل من نافذتي إلى الصخرة العالية، كنت
أجد شبحاً يجثو هناك، عند أعلى الصخرة.. وكأنه عابد يكّفر عن ذنوبه وخطاياه
في هيكل العبادة والتقوى.. فأهمس مع الليل همسة مؤلمة، وأقول:
- ويل للمرء عندما يخطئ الحبّ معه» (ص122).
واستفاد الداعوق في مجموعاته القصصية اللاحقة من تيار الوعي والتداعيات
الحرة وتشظية الزمن من خلال تثمير تقانات الاسترجاع في الإحاطة بالتجربة
البشرية موضوع القص كما هو الحال مع قصتي «في الطريق» و«الساعة الخامسة» من
مجموعته «السمكة والبحار الزرق» (1962)، وتهتم الأولى برصد أحزان زيارة قبر
الأم، وتقوم الثانية على التداعي وفيض الذكريات لامرأة تأمل اللقاء المعسول
بالحبيب.
وأشاد القاص والروائي الكبير عبد السلام العجيلي بقصص الداعوق التي تحمل
كثيراً من سمات القصة الجديدة في تقديمه لمجموعة «السمكة والبحار الزرق»،
فالقصة التقليدية تقدم للقارئ الحادثة، «في حين تقدم القصة الجديدة جوّاً،
وهذا هو أهم الفروق التي تفصل بين مدرستي القصة في نظري» (ص10).
وتعالج قصة «السمكة والبحار الزرق» جو الضياع و التشرد والشذوذ عند فنان
مقهور بالجنس ومغامر وإباحي وشاذ، هجر محبوبته التي حملت منه سفاحاً بطفلة
اسمها «يولا»، ما لبثت أن ماتت في ميتم، غير أن المحبوبة المهجورة ظلت وفية
لحبّه. ويتخلل المبنى القصصي الجديد التداعي والتعابث الزمني والتركيز على
فضاء دلالات العلاقة الخاطئة به ومغامراته الشاذة الكثيرة في بلاده وفي
الغرب، ويتمازج السرد مع حكاية ترميزية عن احتراق السمكة بالصاعقة عند
ملاحقتها حبيبها الذي قضى بالصاعقة عند شاطئ مهجور أيضاً، ومحاولة البطل
الفنان الانتحار لدى عودته إلى بلده ولقاؤه بمحبوبته والمضي بها إلى منزله
ليرسم من جديد يولا جديدة.
وجدد الداعوق تقاناته القصصية في مجموعته الأخيرة «آدم والجزار» (1979) مثل
الأخيولة (الفنطزة) والمجاز والسرد الطويل والسخرية كما في القصة التي تحمل
اسم المجموعة، إذ يصير المبنى القصصي إلى تركيب مجازي وأخيولي مثير لمعان
كثيرة من منطلق بحث آدم المستمر عن لقمة العيش، ويلاحظ هذا التركيب في
الاسم «آدم» وسعي المرء إلى مناهضة ذوي السلطان الجزارين ونضال دون كيشوت
برأيه بوصفه بائع لحم شريف، وتباين نظرته إلى أعمدة الحكمة السبعة من حاجات
الإنسان الرئيسة «الماء والهواء والطعام والكساء وحفظ النسب وإتقاء الخطر
وحسن المعاملة» إلى «اللحم» مكررة سبع مرات بلسان الجزار. ثم تناذر مفهوم
الإنسان عند الجزار إلى تماهيات الوجه مع الأقنعة، حين «قال في ارتباك:
- أنت الإنسان.. وأنت المالك لآلاف الأقنعة على مرّ التاريخ» (ص101).
وختم القصة بالمجاز اللفظي الساخر لمفهوم الخروج عن القانون بأن قرر مجلس
الإدارة تسريحه الفوري دون أي التزام أو رجوع عن القرار، مع تغريمه
بالمصاريف وفرض العقوبات المنصوص عليها في القوانين المرعية ومصادرة أفكاره
المنقولة وغير المنقولة.
وتتجاذب هذه القصة في استخدام تقاناتها مع قصة «الوجه والأقنعة»، فقد تحدث
مع البائع عن عهده بأنه لن يتراجع عن كلمته، «وشرف الرجل من شرف الكلمة»
(ص67)، ثم فكر في رحلة طويلة عبر الماضي، وتذكر قصة طريفة من طفولته عن
تردد صديقه لأمه تسعى لتبديل صورتها الدميمة، وتتكاثر حالات الوجه و القناع
والمظاهر والجوهر، فاللصوص سرقوا كل الأقنعة، وضحك الرجل طويلاً، ومشى وهو
يقول:
- و سرقوا أيضاً وجهك الحقيقي دون أن تدري» (ص71).
وتشير قصة «سرّ على الدانوب» إلى استغراق الإنسان في بحر أسراره بالنسبة
إليه وبالنسبة إلى الآخرين، فقد التقى الراوي رجلاً في مصعد في بودابست
أثناء زيارته للمجر، وأخبره أنه عربي مولود هنا، لأن والده هاجر الى المجر
وتزوج وأقام فيها، فتشوق الراوي إلى معرفة قصة حياته وحياة أبيه الرّحالة
الجوال. وجلس في الكازينو، وكانت إلى جانبه فتاة وهي التي حيّته، أما هو
فقد انتقد أمثالها وسلوكهن، واعتذر منها، لأنه على موعد مع صديق، وأخبرته
أن الصديق هو الذي أرسلها إليه خوفاً من أن يضيق ذرعاً بالوحدة والانتظار.
ومضى معها وجلس، وعرف أن اسمه هانتوس، ورقصا على أنغام أغنية. ثم أشارت إلى
صديقتها ايلينا، وتحدثا عن هانتوس وسرّه، فهو بولوني، وطلبت روزا أن تنام
عنده، ورفض عرضها، ونصحه الساقي بالابتعاد عنها، ليصرح له أنها ابنته،
وفوجيء أن عامل المصعد مقتول، وقرأ في اليوم التالي في الطائرة أن الشاب
انريكو إسباني، وثمة حدث غامض في سبيله للكشف. فكانت النتيجة بتأملها
العميق والفسيح:
«أغمضت عيني، بعد أن ودّعت من نافذة الطائرة صور العاصمة الجميلة ذات
الثمانية جسور، وذانوبها الغارق في بحر من الأسرار» (ص27).
تتسع قصص الداعوق للإيحاءات والرموز ونبرات اللامعقول والأحلام وأحلام
اليقظة والكوابيس في تقصي مشكلات نماذجه البشرية الذين يخوضون في الإباحة
والشذوذ والجرأة وقد تراءت لهم أطياف الفضيلة في وسط حمأة الرذيلة.
6-خديجة الجراح
مثلت خديجة الجراح (1923-2000)(18) في أدبها هموم النسوية متلفعة بأردية
رومانسية على أن الرجل ذئب مفترس للمرأة غارق في المتع الرخيصة والتسلية مع
المرأة جسداً دون عناية بالقيم من جهة أو كرامة المرأة من جهة أخرى، وتعللت
الجراح في غالبية قصصها بزخم العاطفة وفيض المشاعر من المرأة إلى الرجل
منعزلة عن اشتراطاتها الاجتماعية وتحليلها النفسي مما لا يراعيه الرجل
أبداً. ثم مازجت في بعض قصصها الأخيرة هذه الهموم النسوية بهموم الوطن.
واللافت للنظر أنها عنيت باسم الرجل حين ربطت اسمها على أغلفة كتبها باسم
ابنها «عصام»، فكتبت «أم عصام»، وأضافت اسمها الحقيقي خديجة الجراح
النشواتي إلى صفحة الغلاف الداخلية، و«النشواتي» هو اسم عائلة زوجها.
إن نظرة فاحصة لقصتها المتوسطة من حيث الطول «ذاكر يا ترى»(19) (تقع في 63
صفحة من أصل صفحات مجموعتها التي بلغت 192 صفحة) تكشف عن تفكيرها القصصي
برمته، فالقصة ببساطة هي تعلق «سمر» بـ «عامر» لدى رؤيته أول ذلك على الرغم
من معرفتها بزواجه واعترافه لها أن ثمة قطيعة وجفاء مع زوجته مما نمىّ
اللقاء المتواصل بينهما في غرفة النوم.
تباعد القاصة بين طبيعة هذا التعلق ومحيطه الاجتماعي وشروطه التاريخية في
احتوائها على خصائص الفضاء القصصي من أعراف وتقاليد، فلا تذكر شيئاً عن
اللقاء في غرفة النوم سوى التقبيل والضمّ، ولا تحفل بنظرة «عامر» إلى
المرأة سوى أنها مادة للتسلية والإمتاع بالنسبة إليه، ولا تفكر سحر بمسوغات
العلاقة ونتائجها سوى أنها حب المرأة للرجل، ولا تعنى بدوافع المنظور
السردي التي تعلل تتالي الحوافز القصصية، فتتكرر اللقاءات في فيض الإنشاء
اللغوي العاطفي بطوابعه الرومانسية، وتتفاقم هذه الوطأة على الذات دون
تعليل عندما اتهمها بالتفاهة والعادية ما لم تتجاوز حال العلاقة من طرف
واحد، وتنخرط في عشرات العلاقات الأخرى، فما كان منها إلا أن قررت «الأخذ»
بأفكاره، وأن تعيش «كما يريد» (ص61) متخلية عن تفاهتها وعاديتها متمادية في
الخوض في تطبيق مبادئه وهي التفريط في العلاقات من الزواج إلى لقاء الرجال،
واختصرت وجهة نظرها بالعبارات الختامية التالية:
«علمتني كيف أحيا..
علمتني كيف أكفر بالحب.. وأتفهم الغاية..
لقد أصبحت امرأة ناضجة.. امرأة غرست فيها أفكارك لكنك خسرتها..
لم تعد العيون الوالهة تسكب فيَّ شيئاً..
لم تعد أيامك تعني لي سوى أيام عشتها وأنا جاهلة الواقع..
لم تعد الكلمات المعسولة تعني لدي شيئاً..
لقد عرفت الحقيقة وفهمتها..
ودعت سمر عامراً بنظرة أخيرة.. حين كانت الدهشة تعانق وجهه.. وشيء من
الحسرة يسري في جنباته!
الحسرة على ماضٍ بعيد طوته الأيام..» (ص63)
وثمة قصص أخرى لا تفترق عن هذا الموضوع على أن المرأة ذائبة في حب الرجل،
بينما لا يستحق الرجل هذا الحب مما يدفعها إلى محاولات تخطي هذه العلاقات
المتعبة التي تؤدي إلى شقاء المرأة وعذابها، وتفرط القاصة في وصف معاناة
المرأة باللغة بالدرجة الأولى، ونلاحظ أن المجموعة الثانية «إليك» لا تحمل
ثقة بهذا العنوان، لأن قصص المجموعة برمتها تدور في فلك هذه النظرة التي
أوجزتها في العتبة المفتاحية في الصفحة التي سبقت صفحة العنوان الداخلي:
[من ظلمك أثور.. وفي دوامة حبك أدور
تفجعني.. تسعدني.. ترهبني.. تسكرني..
تبعدني.. تشدني
اشتكي منك وعلى يديك أرتمي
أهرب منك.. والى صدرك احتمي
إليك أهدي «إليك»] (ص1).
وأذكر قصة «الستائر الخضر» أنموذجاً لأسلوبها في مجموعتها الثانية «إليك»
الذي لا يختلف أيضاً عن كتابتها في مجموعتها الأولى، فهي قصة تدور حول
لقائها به مصادفة «وبسهولة لم تكن تحسبها انصاع إليها كغنيمة جديدة صاماً
أذنيه عن الهمسة الصادقة ليضعف أمام الإغراء الحوائي الكبير.. وتتسلل قدماه
كغيره إلى الغرفة العجيبة، ويرتمي على سرير اللعب.. ذلك الشاب تميز عن غيره
لديها.. لقد تعلق بها الكل.. أما هذا فلم تعرف الملك بين ذراعيه القويتين
بل صهرت تجاربها وخبرتها في سبيل الاحتفاظ به (ص85).
ثم آلت الخاتمة إلى الوجهة إياها: ضغوط الضياع والحسرة والعذاب والألم
عليها لدى معرفتها بزواجه من الصديقة ذات الهمسة الصادقة:
«حينذاك عادت إلى غرفتها العجيبة والى ستائرها الخضر.. توهم نفسها بأنها
ستبحث كالماضي عن صيد معتق جديد لتعيش في ألق سحر جديد.. لكن القنديل حين
يخبو ويصبح في النزع الأخير. هيهات أن يحس بالحياة ثانية» (ص86).
وطوّرت القاصة نزوعها الرومانسي في مجموعتها الثالثة «عندما يغدو المطر
ثلجاً» بمقاربة أوثق لعنصري التوتر والتكثيف تخفيفاً للاسترسال الإنشائي
اللغوي وملامسته لمبنى استعاري عن طريق التحليل النفسي ودقة الوصف المجازي،
فالعلاقة بين المرأة والرجل لم تغادر مثواها الأثير عند خديجة الجراح عندما
يكثر الرجل من علاقاته بالمرأة، ويترك من تحبه أسيرة لقيود عشقها، ثم تسعى
جاهدة للخروج من هذا الأسر، وقد دللت على هذا المبنى الواقعي للعلاقة
بإشارات إلى مبنى استعاري من خلال حرارة العلاقة وبرودتها وانهمار الثلج
والمطر والتجمد أو انقطاعه:
«ما أرهب المسافة بين نقطة البداية ونقطة النهاية..
يجمد في عينيها كل شيء، يتكاثر الثلج في الخارج يكللها على الرصيف وهي
تغادر السيارة.. تقف فترة.. تستسلم إليه وهو يمحوها كتلة بياض ناصع.. يوشوش
الصغار: عندما كنت مطراً شاركتني عيناك. تسره: عندما تتكاثر البرودة يغدو
المطر ثلجاً.. تدخل بيتها.. وتسحقها غربة كبيرة حتى الصقيع».(ص120).
وجعلت القاصة الإهداء من هذه الوشوشة وهذا الإسرار تغليباً لعذاب المرأة من
خذلان الرجل لها وخيبة الحب. غير أن المجموعة الأخيرة حوت قصصاً جاوزت فيها
المرأة هموم النسوية، على لارغم من التباس هذا المصطلح في النظرية والتطبيق
إلى حد ما حين اعتنت بدواخل المرأة وتحليلها نفسيتها ووعيها الأوضاع
الاجتماعية والإنسانية برفض أن تكون المرأة رقماً ضائعاً في قصتها «الرقم
الضائع» فهي «طوال حياتها كانت تحاول أن تمتلك شيئاً بين قبضة أصابعها ولا
تجد إلا الفراغ.. فراغاً رهيباً أحرقت معه سني عمرها الضائع.. هي المرأة
الشرقية التي خلقت من فراغ قوقعة وتربت بين جدران قوقعة.. وشبت وعرفت الصبا
والقوقعة تحنطها.. حتى في عمر النضج والمعرفة ما تزال تسبح في قوقعة ودوامة
رهيبة من التساؤلات: علام حصلت كامرأة شرقية؟» (ص29) وختمت الجراح قصتها
والسؤال ما زال مفتوحاً: «إلى متى أظل رقماً ضائعاً بين الملايين» (ص43).
ووضعت خديجة الجراح روايتها الوحيدة «أرصفة السأم» بالاشتراك مع الشاعرة
هيام نويلاتي. وتميل الرواية إلى الاشتغال على الهموم النسوية الناجمة عن
الزواج والأوضاع الاجتماعية التي تندرج في مآل اضطهاد المرأة وافتقادها
للحرية، وتستخدم شيئاً من التحليل النفسي الذي يتلاقى مع توصيف النمط
الاجتماعي السائد الذي تبدو فيه المرأة منسحقة تحت وطأة الهيمنة الذكورية
حين تصير المرأة إلى مجال إمتاع للرجل الغارق في الفسق والملذات والفساد.
وتصور الرواية تعلق «ماريا» برجل اسمه «حبيب» الذي أوحى إليها بتقديره
للمرأة ومكانتها في التقدم الاجتماعي، بينما هو مخادع كاذب متلاعب بالمشاعر
ومجالها الرئيس: المرأة، على أنها متزوجة، ويعمل زوجها تاجراً في لندن،
فيضطر إلى السفر كثيراً، وتصفه بمثل مآل أوصاف «حبيب» في النهاية، فهو زير
نساء، لا هم له سوى ارتياد أماكن الابتذال ومطاردة النساء البغايا
والمتاجرات بأجسادهن. وعمدت المؤلفتان إلى جعل العلاقة بالزوج لفظية عن
طريق الرسائل، أما العلاقة العملية فكانت مع الحبيب والعشيق «حبيب» الذي
لطالما التقت به في الأماكن العامة وشبه الخاصة.
وتقترب الرواية من دفق النجوى واسترسالها الحواري مع الذات والآخر داخل
سيارة المرأة «ماريا» غالباً. بما يقترب من كشف النوازع الذاتية الرومانسية
عن التعلق بالرجل، وقد غطاها الأسى والتأسي على حال المرأة مع الرجل
المخادع لدوام استهلاك المرأة مادة للمتعة والتلذذ. ثم عاد الزوج إلى
بلاده، ولم تنقطع اللقاءات بين ماريا وحبيب، ويلحّ المنظور السردي على
التماثل بين ذوبان الرجلين في الابتذال المرفوض من قبل المرأة: الزوج في
لندن، والعشيق في دمشق، إلى أن لمحت ماريا خاتم الخطبة في إصبع العشيق،
وواجهته بذلك، ولم يهتم، بل كذب عليها بأن غيابها عنه هو السبب الذي أوقعه
في علاقته بمن خطبها، مما أوقعها مجدداً في الحيرة والتردد حول استمرار
العلاقة معه أو العودة إلى زوجها، إلا أن الأمر الضاغط عليها هو «السأم» من
كل شيء، وكأن الذكورة قدر ظالم وجائر على الأنوثة، فالرجل غارق في خيانة
المرأة التي تدفع المرأة دفعاً إلى العلاقة مع الرجل دون أن تسميها خيانة.
وبدا تأثير الوجودية في المنظور السردي طاغياً، وقد تلونت بتلوينات التحليل
النفسي والرؤية الاجتماعية، وثمة رواية لالبرتومورافيا بعنوان «السأم»
تقترب الرواية منها إلى حدّ ما في إطارها الأعم والأعمق بتصوير العلاقة بين
الرجل وعشيقته، والرجل وزوجته.. الخ. وتمتلئ الرواية بالحوارات والأحاديث
السياسية والفكرية والأخلاقية من منظورات المرأة الضيقة، فالمرأة تنتقد على
سبيل المثال زوجها، ولا تنتقد نفسها. بل تسعى لأن تعطي ذاتها سبل الرحمة
والرجاء لدى المتلقي من تسلط الذكورة على القيم الاجتماعية. وتلوذ المرأة
بالشاعرية في ملامسة السأم الناجم عن غربة المرأة واغترابها في دنيا الرجل
ومجتمعه، ولا يحدد المنظور السردي مفهوم السأم وحدوده واندغامه بالفضاء
الروائي، لأنه ملفوظ يستلزم الإقناع أو الصدق الفني والتاريخي.
وتردد المؤلفتان من حين لآخر عبارات انتقادية للطبقة البرجوازية والطبقة
المتوسطة دون تمثيل هاتين الطبقتين في شخصيات الرواية، لأن هذه الشخصيات
كثيرة، و سرعان ما تغيب عن مشاهد الرواية، وهذا كله شديد الصلة بمستوى
الرواية الفني الذي يميل إلى النجوى الذاتية الخطابية عن حال المرأة
المتأسية من الهيمنة الذكورية، ولو كان الأمر عن طريق الإلماح والإيماء.
ووضعت خديجة الجراح مجموعة قصصية أخيرة عام 1985، عنوانها «غداً يوم آخر»،
وغلبت عليها الرومانسية في الدفاع عن خريف المرأة والمرأة التي تلتبس ظروف
حياتها مع المشكلات الناجمة عن المتغيرات الاجتماعية الجديدة، ونفحت الجراح
لشخوصها نفحة أمل وتفاؤل وسط صعوبات الحياة المستمرة على المرأة. وثمة
مواقف متكررة في هذه القصص لنساء يفقدن العمر، ولا يردن أن يخسرن كلّ شيء،
وهي مجازفات على سبيل الأمنيات، ولا تجد تحققها في الواقع، على أن ذلك
محاولة للتشبث بحنان الرجل وحمايته وصداقته على أقل تقدير ومحاولة لرؤية
الحياة المريرة على المرأة بروح باسمة.
وصفت الجراح في قصتها «بقايا مائدة» سيارة حمراء كبيرة وركابها، وتداعيات
الصور والأفكار لهؤلاء الركاب الثلاثة في المقعد الأمامي والثلاثة في
المقعد الخلفي.
وانداحت الخواطر في دواخل نساء المقعد الخلفي، فقد تركت المرأة مع ضيوفها
مائدة عامرة، وهما عروسان على أبواب الحياة وزوجان منذ عشرة أعوام وأحزان
منذ عشرين سنة. وللمرأة أولاد خمسة، وقد رحل الكبير إلى روما للدراسة،
والثانية صبية جميلة بريئة، والثالثة صبية حلوة ناعمة لم تبلغ العشرين بعد،
والرابعة صبية صغيرة، والأخير طفل في العاشرة، وثمة شعور وحشي يمزق حنايا
الأم من قسوة الحياة. وتوقعت أن يأتي يوم تترك فيه دارها على بقايا مائدة
فقط، فهو خوف الوحدة والغربة، وتوالت حالات هجوم المخاوف على هؤلاء الركاب
دفعة واحدة، ولكنهم نجوا بصعوبة من حادث السيارة.
وتألمت المرأة في قصة «دائرة الضوء» من ذكرى علاقته ببثينة، ثم استرسلت في
حديثها عنه طلباً لمحاورته، والتساؤل مستمر حول نوعية هذه المرأة: عادية أم
لغز؟ والاعتراف حاصل بالتطورات الاجتماعية والطبقية، وهي امرأة جبارة لا
تتعب من المغامرات، وتذكر أنها سرقت حبيبها منها أيضاً، واختلطت صورة
المحدث بحبيبها المسروق، وانداحت المشاعر رافضة نموذج بثينة، وصعد أنموذج
المرأة القوية في قلمها وروحها: «وأنا أشعر بنمو وردة جديدة في أعماقي..
وردة الصبر والانتظار الطويل» (ص13).
وسمعت لينا في قصة «كانت» كلمات الإطراء كلما خرجت إلى الشارع، ثم يسمع
المتلقي على الفور نغمة الخوف من الزمن الذي يهزم الجمال والشباب، وانتقل
القصّ فجأة إلى مرحلة تقدم لينا بالعمر، وتعليق الفتيات والنساء حول دخولها
الأربعين، وعرفت متأسية أنها خسرت صديقتها العزيزة بالموت، وأصبحت لينا
حزينة مع خريف العمر، ولطالما توجعت من كلمة «كانت»، فهي وحيدة إذن، وأمعنت
في تأمل علاقتها مع حماتها وبيت الزوجية، ورأت في لوحة الاتحاد النسائي
العام مثاراً للتغير في الحياة الاجتماعية والأفكار الرئيسة أمام ظلم
الماضي: الأب والأسرة والزوج والأولاد والعمر الذي يذوي رويداً رويداً.
وقررت أن المرأة الآن تختار حياتها في ظل التحرر المادي. والقصة بعد ذلك
أنين روح ومرثية لعمر المرأة «عبر الزمان الذي نحمله على أكتافنا حينما
نكبر ونتعب» (ص22).
وتصف قصة «الكف» رحلة امرأة مع الكف والصفعات المرتبطة بها، فالعينان
حزينتان، وثمة سيارة مسرعة تخطف نجوى في الازدحام، وتتراءى صور ثلاثة أكف
ملونة مرسومة زرقاء وحمراء وسوداء، وتتوارد تعويذات أم لتذكر بالصفعات،
وتشير للسائق أن يتوقف، فما من أمل، كل شيء أسود، وهذا هو حالها في تذكر
صفعة الصديقة التي اختطفت منها زوجها، وهناك صفعات كثيرة مماثلة إزاء
المشكلات المتفاقمة على أن «الصفعة هي تلك الحرية العمياء»، وتصف حاجة
المرأة إلى الرجل وسلوك الرجل إزاء المرأة، ثم قررت التخلص من ذكرى الصفعات
والتعامل مع حبيبها كصديق، مثل كل صديق.
ورأت في الحب وهماً في قصة «رحيل الوهم» عندما عانت هيفاء من وهم عادل،
وعاملت عادلاً ودلالاً صديقين فقط أيضاً. بينما أوردت نظرة أخرى إلى الحبّ
في قصة «الساق الخشبية»، فقد التقت معه في سهرة، وكان ثمة توافق بينهما،
ودعاها آخر للرقص ففعلت، وكانت رجله من خشب.. وأحبته.. وأحبته، فالحب يصنع
المعجزات. ودافعت عن الرجل في قصة «على زند الصخور» من منظور التعاطف معه
ما دام مؤمناً بالقيم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية حين فقد سيارته،
وقد تذكر كل شيء: بيته وزوجته وهو يغادر إلى حلب، فأسرته هي كل شيء بالنسبة
إليه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وواجه حادثاً من جسر وارتمى على الصخور،
ونجا من الموت، وحمد اللّه أنه معه!.
وشكت من ذكورية الرجل إزاء المرأة في قصة «نزوة»، فسحر امرأة وحيدة أرملة
مات زوجها وابنها بعد سنة، وأحبت عمر حباً جارفاً صادقاً، وعبدته عبادة وهو
ادعى حبّه لها. كان متزوجاً، وأخبرها أنه لم يحبّ زوجته قط، وبقي معها
طويلاً وهي عاقر إرضاء لوالده، وتحين فرص الخلاص منها ليتزوجها، فصدقت سحر
كلامه، وقدّرت عاطفته، وقابلته حباً صادقاً نافية الرغبة في الزواج ما دام
هذا الحب مشتعلاً. ثم فجعها عمر، وتخلى عنها دون أن تعرف، وتعذبت في بيتها
وحيدة، ذات مساء قررت الخروج إلى أي مكان، وركبت سيارة أجرة، ودهشت عندما
رأته يحضن امرأة، وكتبت حبّها له وشوقها إليها، وأدركت أنه خدعها ولم يكن
حبّه سوى نزوة!.
وأظهرت قصة «رسالة» التباس معنى الحبّ بين زوج وزوجته بسبب رسالة، اكتشف
فيما بعد أنها من أخيها، فتصالحا وتعانقا، وعاتبها لأنها لم تشركه في
أحزانها.
ودانت الرجل الموغل في نزواته في قصة «الدمى» لفرط علاقاته بالنساء،
فغادرته الفتاة سلمى الخادم في بيته، ومشت في الشوارع الخالية التي أخذ نور
الشمس يملؤها على الرغم من تعلقها به، واستعدت لبدء حياة جديدة.
وتباينت المواقف بين الرجل والمرأة في قصة «أسرار الدروب الضيقة»، فالمرأة
الأم المتصابية خسرت ابنها، لأن إحساسها طاغ عليها بأنه أدرك علة تصابيها،
وتراءى لها مراراً دون حقيقة، فجلست وفي قلبها حسرة أن تراه أو تلثمه(20).
خصصت خديجة الجراح إبداعها القصصي والروائي للعلاقة بين المرأة والرجل على
أن المرأة هي المحبة والصادقة، وإذا خرجت عن ذلك، فالرجل هو المسؤول الذي
يظلمها ويخدعها ويخادعها ويدفعها إلى الابتذال والمرض والموت، ثم طوّرت
تجربتها القصصية في مجموعتها الثالثة إلى وعي الشروط التاريخية والاجتماعية
الضاغطة على وجدان المرأة وتهميشها من قبل الهيمنة الذكورية وتسليعها
للمرأة.
(1) ولد علي خلقي في منطقة دوما ـ دمشق عام 1911، وتلقى تعليمه فيها، وتخرج
في دار المعلمين العليا بدمشق. وعمل معلماً في محافظات متعددة حتى إحالته
على المعاش في عام 1971. ونشر مجموعته القصصية الوحيدة «ربيع وخريف» عام
1931 التي تعدّ من أوائل المجموعات القصصية ذات المستوى الفني الرفيع.
وحظيت هذه المجموعة بالتقدير والثناء الذي جعله من رواد الفن القصصي في
سورية، وكرّمه اتحاد الكتاب العرب عام 1980، وأعاد طباعة هذه المجموعة
معدّلة ومصدرة ببعض المقالات التي احتفت به وبإنتاجه القصصي الريادي.
لم ينقطع علي خلقي عن كتابة القصة، ولكن طوابع حياته المضنية اضطرته إلى
البحث عن عمل، فخاض معركة الحياة، فقد كان والده ضابطاً وأستاذاً للأدب
التركي في أستانبول، وتوفي باكراً، واحتضنه أخوه فترة، فأذاقته زوجة الأخ
مرّ العذاب، وبدأ منذ ذلك الوقت تشرده، فكان يعمل إلى جانب دراسته صانع
أحذية، ويحضر تمثيليات أخيه الممثل، ويهرب إلى بيروت ليقيم في بيت أخته
الكبرى، ثم يعود إلى دمشق ليدرس وليسهم في المظاهرات السياسية، ولينام في
الفندق يوماً وفي السجن ليلة، ونال شهادة دار المعلمين، وعين معلماً في
مدارس بعض المحافظات النائية.
(2) وضعت أبحاث ومقالات ودراسات كثيرة عن قصص علي خلقي، ونذكر منها:
- شاكر مصطفى: القصة في سورية حتى الحرب العالمية الثانية. معهد الدراسات
العليا ـ جامعة الدول العربية ـ القاهرة 1957.
- عادل أبو شنب: صفحات مجهولة في تاريخ القصة السورية. منشورات وزارة
الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1976.
- عدنان بن ذريل: أدب القصة في سورية. مطبعة الأيام ـ دمشق 1967.
(3) ولد فؤاد الشايب في معلولا عام 1911، وانتقل إلى دمشق ودرس في مدرسة
الجامعة العلمية، ونال الشهادة الثانوية عام 1928، وتخرج من معهد الحقوق
بدمشق عام 1932، ودرس اللغة الفرنسية وآدابها والحقوق في باريس، واعتنق
الكثير من المبادئ الحرّة والنظريات الاشتراكية هناك فيما بين عامي
1932-1934، وعمل في جريدة «فتى العرب» لمعروف الأرناؤوط و«الاستقلال»
لتوفيق جانا، وشارك في تحرير عدة دوريات عربية فيما بين عامي 1935-1939،
وسافر إلى العراق، وترأس تحرير جريدة «البلاد» في بغداد فيما بين 1939-1941
خلال إبعاد صاحبها رفائيل بطي، وتسلم وظيفة أمين رسائل رئاسة الجمهورية في
سورية خلال عامي 1942-1994، وعمل معاوناً لرئيس المطبوعات في سورية خلال
عامي 1944-1946 ورئيس شعبة المطبوعات في الدعاية والأنباء خلال عامي
1947-1949، ورئيس دائرة المطبوعات (1949-1951) ورئيس دائرة الدعاية
والأنباء (1951-1953) والمدير العام للدعاية والأبناء (1954-1959)، ورئيس
مؤتمر الأدباء العرب الثاني (بلودان 1956)، ونال وسام الاستحقاق من الدرجة
الثانية من رئاسة جمهورية مصر بمناسبة إعلان الوحدة بين مصر وسورية عام
1958، ومدير المكتبات في وزارة الثقافة والإرشاد القومي ورئيس جمعية
الأدباء في سورية عام 1959، وعمل مديراً عاماً في رئاسة الجمهورية العربية
المتحدة في القاهرة (1959-1961). ومديراً للإرشاد القومي في وزارة الثقافة
(1962-1967)، ورئيساً لتحرير مجلة «المعرفة» وأميناً عاماً لوزارة الإعلام
عام 1962 ومديراً لمكتب الجامعة العربية في بونيس ايرس بالأرجنتين
(1967-1970)، وتوفي بالسكتة القلبية على أثر إلقاء إحدى المنظمات الصهيونية
قنبلة محرقة على مقر مكتب الجامعة في الأرجنتين وتدمير جزء منه، ونُقل
جثمانه إلى دمشق، ودُفن فيها.
(4) احتلت هذه القصص الصفحات 263-421 من المجلد الأول من مؤلفاته الكاملة
التي تقع في ثلاثة مجلدات. انظر:
- فؤاد الشايب. المؤلفات الكاملة. المجلد الأول: القصة (إشراف وتقديم: حسام
الخطيب). وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1984.
(5) فؤاد الشايب: المؤلفات الكاملة. المجلد الثاني: آثار أدبية (إشراف
وتقديم: حسام الخطيب). وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق 1985. ص5.
(6) فؤاد الشايب: المؤلفات الكاملة. المجلد الثالث: مقالات في السياسة
والاجتماع ومشروع كتابين. (إشراف وتقديم: حسام الخطيب). وزارة الثقافة
والإرشاد القومي. دمشق 1990. ص7.
(7) انظر على سبيل المثال:
- نسيب الاختيار: أدب القصة عند فؤاد الشايب. في مجلة «الصباح» (دمشق)
العدد 524، 20 نيسان 1942.
- حسام الخطيب: فؤاد الشايب وأدب القصة في المجلد الأول من المؤلفات.
ص25-77.
- عبد الله أبو هيف: الأدب والتغيير الاجتماعي في سورية. اتحاد الكتّاب
العرب. دمشق 1990 ـ ص249-253.
(8) ولد محمد الحاج حسين في طرطوس عام 1914، وتعلم في مدارسها، وأنهى
دراسته الثانوية فيها، وسافر عام 1933 إلى مصر، وحاز على شهادة الماجستير
في الأدب العربي من جامعة القاهرة عام 1937. وتعرف في مصر إلى عمالقة الأدب
العربي: المازني والعقاد وطه حسين ومصطفى أمين حيث كان الأخيران أستاذين
له، وبدأ نشاطه الأدبي في جريدة «البلاغ» (القاهرية)، وهو ما يزال طالباً
في الجامعة، وعاد إلى سورية، ومارس فيها مهنة التعليم في ثانوية اللاذقية،
ثم عين مديراً للمعارف فيها في مطلع الخمسينيات، وتابع دراسته العليا في
مصر عام 1956، وحاز على شهادة الدكتوراه بامتياز مع درجة الشرف الأولى من
جامعة القاهرة عام 1960، وتسلم شهادته من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
بحضور د. طه حسين. وعين مديراً للمعارف في الرقة إثر عودته إلى سورية،
وسافر عام 1965 إلى المملكة العربية السعودية، وعمل فيها أستاذاً للأدب
العربي بجامعة الملك عبد العزيز في جدة.
واستمر في نشاطه الأدبي، ونشر العديد من الأبحاث والمقالات في مختلف ألوان
الأدب في الدوريات السورية واللبنانية والمصرية والسعودية، وكان متقناً
للغتين الإنكليزية والفرنسية، ويملك مكتبة ضخمة جمعها في حياته، وفيها
الكثير من الكتب القيمة والنادرة.
وأصدر عدة كتب نقدية مثل «عبقرية الأدب العربي» (1944)، «عباقرة الفكر في
حياتهم العاطفية» (1956)، و«الكميت بن زيد: حياته وشعره» (1972)، ونشر
كتاباً في المسرح ضمنه عدداً من التمثيليات، وسماه «الحقيقة المرة» (1970)؛
أما إنتاجه الأبرز فهو التأليف القصصي والروائي.
(9) أصدر محمد الحاج حسين الأعمال القصصية والروائية والأدبية التالية:
- جنازة قلب ـ دار اليقظة ـ دمشق 1950.
- الجوع لا يرحم ـ دار العلم للملايين ـ بيروت 1953.
- ملكة الجمال ـ دار الرواد ـ دمشق 1954.
- اعترافات الشيطان الأزرق ـ دار الرواد ـ دمشق 1954.
- ثلاث شفاه ـ دار ابن المقفع ـ دمشق 1955.
- زاوية في الجنة ـ دار الأجيال ـ دمشق 1971.
- محمد حاج حسين: عبقرية الأدب العربي ـ ج1 ـ دمشق 1944.
- محمد حاج حسين: عباقرة الفكر في حياتهم العاطفية ـ دار ابن المقفع ـ دمشق
1956.
(10) لم يلق أدب محمد حاج حسين العناية اللائقة، وما كتب عنه لا يتجاوز
المراجعات الصحفية، ثم صدر عنه ملف في مجلة «الثقافة». انظر:
عدة كتّاب: «ملف خاص بفقيد الأدب الدكتور محمد الحاج حسين». في مجلة
«الثقافة» (الدمشقية) نيسان 1990. ص51-64.
(11) ولد سعيد حورانية في دمشق عام 1929، وتلقى تعليمه فيها، وتخرج في
جامعتها مجازاً في الأدب العربي ثم نال دبلوم التربية، وعمل في التدريس في
سورية ولبنان، وأقام فترة طويلة في موسكو من مطلع الستينيات حتى عام 1974،
ثم عاد إلى وطنه، واشتغل في وزارة الثقافة حتى وافته المنية عام 1994.
كتب سعيد حورانية القصة القصيرة، وبرز فيها ملتزماً بنهج الواقعية
الاشتراكية بحكم التزامه بالماركسية والحزب الشيوعي، إذ غلبت على حياته
مضاعفات هذا الالتزام في عمله وإقامته المتنقلة وسفره إلى الاتحاد
السوفييتي آنذاك، وعمل فيه أكثر من عقد من الزمن.
وضع سعيد حورانية ثلاث مجموعات قصصية، هي:
- وفي الناس المسرة. دمشق 1954.
- شتاء قاس آخر. بيروت 1962.
- سنتان وتحترق الغابة. بيروت 1964.
(12) - سعيد حورانية: شتاء قاس آخر. قصص. دار العصر الحديث ـ بيروت 1962.
- سعيد حورانية: سنتان وتحترق الغابة. قصص دار العصر الحديث ـ بيروت 1964.
(13) كتب عن قصص سعيد حورانية الكثير، ومن أهمها:
- عدنان بن ذريل: أدب القصة في سورية. منشورات دار الفن الحديث العالمي.
دمشق 1967.
- نبيل سليمان (وبوعلي ياسين): الأدب والإيديولوجيا في سورية. بيروت 1974.
- محمد كامل الخطيب: السهم والدائرة. دار الفارابي. بيروت 1979.
(14) ولد عدنان الداعوق في أدلب عام 1932، وتلقى تعليمه في حمص، وعمل
موظفاً ومحرراً أدبياً في سورية والسعودية، وتوفي في الرياض عام 1986. ووضع
عدة مؤلفات في البحث والمختارات القصصية العربية، وأصدر ست مجموعات قصصية
وروايتين:
1- 15 قصة سورية. القاهرة 1957.
2- ذات الخال. قصص. القاهرة 1959.
3- وحدة الحب. رواية. بيروت 1959.
4- ستشرق الشمس زرقاء. قصص. القاهرة 1961.
5- 15 قصة من حلب. بيروت 1962.
6- السمكة والبحار الزرق. قصص. بيروت 1964.
7- مدينة العبيد. قصة مطولة. مدريد 1967.
8- من روائع القصص العربي الحديث. مدريد 1968.
9- أبطال وأمجاد. سجل في تاريخ الثورة السورية. دمشق 1968.
10- نظير زيتون الإنسان. دراسة في حياته وأدبه (تحرير وجمع). دمشق 1968.
11- أزهار البرتقال. قصص. دمشق 1969.
12- قارب الرحيل. قصص. تونس 1975.
13- آدم والجزار. قصص. دمشق 1979.
(15) - عدنان الداعوق: أبطال وأمجاد ـ سجل في تاريخ حمص الثوري عام 1925.
مطبعة الأندلس ـ حمص 1968.
(16) أنظر أعماله القصصية:
- ذات الخال. قصص من الإقليم الشمالي ـ دار مصر للطباعة ـ القاهرة 1959.
- السمكة والبحار الزرق. مجموعة قصص ـ دار مكتبة الحياة ـ بيروت 1964.
- آدم والجزار. قصص. منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1979.
(17) كتب القليل عن أدب الداعوق، ونذكر منه:
- عدنان بن ذريل: أدب القصة في سورية ـ مطبعة الأيام ـ دمشق 1967.
(18) ولدت خديجة الجراح (النشواتي) والمعروفة باسم «أم عصام» في دمشق عام
1923، وتلقت تعليمها في دمشق، ولا يعرف عنها المشاركة في عمل أو نشاط
اجتماعي أو علمي أو تعليمي، ولكنها برزت قاصة من خلال مجموعتيها «ذاكر يا
ترى» (1960) و«إليك» (1970) ثم تابعت إبداعها في روايتها المشتركة مع هيام
نويلاتي الشاعرة «أرصفة السأم» (1973)، ومجموعتها «عندما يغدو المطر ثلجا،»
(1980).
(19) - خديجة الجراح (أم عصام ـ وهيام نويلاتي): أرصفة السأم. دمشق 1973.
- خديجة الجراح (أم عصام): ذاكر يا ترى. دار الثقافة بدمشق 1960.
- خديجة الجراح (أم عصام): إليك. دار الأجيال ـ دمشق ـ 1970.
- خديجة الجراح (أم عصام): عندما يغدو المطر ثلجاً. مطبوعات دار مجلة
الثقافة في دمشق ـ 1980.
- خديجة الجراح (أم عصام): غداً يوم آخر. دمشق 1985.
(20) كُتب القليل عن أدب خديجة الجراح، ونذكر منه:
- د. هيام ضويحي: الرواية النسائية في سورية 1946 ـ 1985. دراسة مشهدية
نقدية ـ مطبعة العجلوني ـ دمشق 1992.
- د. ماجدة حمود: الخطاب القصصي النسوي ـ نماذج من سورية. دار الفكر
المعاصر. بيروت ـ دار الفكر ـ دمشق 2001.
   
الفصل الثاني:
استواء الاتجاهات التقليدية
1-قصص نصرالدين البحرة: الواقعية والتحولات الاجتماعية
ينتمي نصر الدين البحرة(1) إلى جيل البناة أو المؤسسين في القصة القصيرة في
سورية، ممن نهضوا بهذا الفن نهضته المعتبرة في الأربعينيات والخمسينيات من
القرن العشرين على وجه الخصوص أمثال
عبد السلام العجيلي وأديب نحوي ومراد
السباعي وحسيب كيالي واسكندر لوقا وصميم الشريف وألفة الأدلبي وسعيد
حورانية وفاضل السباعي.
كانت سنوات الثلاثينيات مؤئل مصطلح سورية، افتراقاً عن مصطلح بلاد الشام،
وفي هذا العقد والعقد الذي تلاه ظهرت بوادر القصة القصيرة بصوغها الفني على
يد عدد من الرواد أمثال علي خلقي وعبدالله يوركي حلاق وخليل هنداوي ومحمد
النجار وفؤاد الشايب ووداد سكاكيني وعبد الوهاب حقي، غير أن جيل البناة أو
المؤسسين هو الذي منح القصة القصيرة إنجازها الكبير حتى غدت سيدة الفنون
النثرية في الخمسينيات، واستنباتاً لهذا الفن عبر اتجاهاته المتعددة،
التقليدية الاتباعية والواقعية، ولا سيما النقدية والاشتراكية والجديدة
المتلونة بميول رومانسية أو طبيعية أو انطباعية.
لقد تأصلت القصة القصيرة في سورية في جهود الواقعيين بالدرجة الأولى،
بتنويعاتهم المختلفة. وكان نصر الدين البحرة في مقدمتهم، قاصاً متأنياً
مدققاً مجوداً مجتهداً، يكتب قصة واقعية على الدروب المأثورة لكتاب القصة
الذين رسخوا هذا الفن في تاريخ الأدب العالمي ولا سيما انطون تشيخوف. وقد
برز بين هؤلاء القصاصين الواقعيين في سورية من خلال مجموعته القصصية الأولى
«هل تدمع العيون» (1957)، ثم ألحقها بأربع مجموعات قصصية تالية خلال نصف
قرن، علامة على تأنيه وتدقيقه وتجويده واجتهاده الدؤوب، هي «أنشودة المروض
الهرم» (1972)، و«رمي الجمار» (1980)، و«رقصة الفراشة الأخيرة» (1989)،
ومحاكمة أجير الفران» (1997).
1- مكانة البحرة القصصية:
ولعلنا نستجلي مكانة البحرة القصصية ضمن جيل البناة أو المؤسسين عندما
نستعرض المنشور القصصي وطبيعته الفنية في عقود الثلاثينيات والأربعينيات
والخمسينيات، فقد ظهر خلال عقد الثلاثينيات خمس مجموعات قصصية لعلي خلقي
وعبدالله يوركي حلاق وخليل هنداوي ومحمد النجار وعلي الطنطاوي، وتحتفظ
مجموعة علي خلقي «ربيع وخريف» (1931) بقيمة فنية عالية ومبكرة، ثم ظهر خلال
عقد الأربعينيات ست عشرة مجموعة قصصية لصلاح الدين المنجد وفؤاد الشايب
ومحمد الحاج حسين وعبد الوهاب حقي ووداد سكاكيني وأديب النحوي ويوسف العش
وعزمي علي البغدادي وسامي كيالي ومراد السباعي وعبد السلام العجيلي ورياض
الصباغ، ولا شك في أن مجموعات فؤاد الشايب «تاريخ جرح» (1944) وعبد الوهاب
حقي «صراع» (1945) ووداد سكاكيني «مرايا الناس» (1945)، ومراد السباعي
«الدرس المشؤوم» (1948)، وعبد السلام العجيلي «بنت الساحرة» (1948)، هي
الأكثر مقاربة للقصة القصيرة بمفهومها الفني المتواتر الذي مهد لنهضة القصة
القصيرة في العقود التالية، ولا سيما عقد الخمسينيات الذي شهد ذلك الوكد
والجلد لكتابة قصة قصيرة متأصلة في بيئتها وفي مجتمعها وفي سياقها الثقافي،
وهي القصة الواقعية بتنويعاتها المختلفة لدى قصاصي الخمسينيات، إذ ظهر آنئذ
أكثر من ستين مجموعة قصصية تحظى ثلثاها بمستوى فني جيد أو مقبول.
وخلال هذه الفترة تكونت التيارات الواقعية التي جعلت القصة القصيرة في
سورية في مقدمة الأجناس الأدبية، عبر كتابات الواقعيين الكبار الذين أشرنا
إليهم وهم عبد السلام العجيلي وحسيب كيالي واسكندر لوقا وصميم الشريف وسعيد
حورانية وألفة الأدلبي وفاضل السباعي ونصر الدين البحرة، ولا يتسع المجال
لذكر مجموعاتهم القصصية المميزة، وإنما أردنا أن نضع شغل البحرة القصصي في
سياقه التاريخي والثقافي، لأن العقود التالية هي التي دشنت ظهور الاتجاهات
الحداثية في القصة القصيرة في سورية، استناداً إلى شغل هؤلاء القصاصين
الواقعيين البناة أو المؤسسين الذين عملوا جاهدين على تأصيل هذا الفن
القصصي اللطيف في المناخ الثقافي السائد.
ظل نصر الدين البحرة أميناً لفكرته عن كتابة القصة طيلة أربعة عقود ونيف هي
عمره في الإبداع القصصي الذي كرَّسه مع صدور مجموعته القصصية الأولى «هل
تدمع العيون» (1957)، وهي فكرة حريصة على الميل التقليدي لفهم القصة
وصنعتها وتنظيم انساقها السردية وتوسل أغراضها ومقاصدها، وإن مازج هذا
الميل التقليدي نزوع إلى التجديد، ضمن السعي إلى تأصيل السرد التقليدي
العربي نفسه، كما في مجموعته المتميزة «رمي الجمار» (1980).
انطلق نصر الدين البحرة من الحكاية في سيرورتها التقليدية في التراث العربي
القديم من جهة، وفي التراث العربي الحديث مستفيداً من التقليد الغربي كما
مارسه القصاصون الواقعيون الكبار، أمثال تشيخوف وموباسان وأو. هنري، على أن
القصة مبنية على الحكاية المنتزعة من الحياة، مهما كان الشكل الذي تصاغ به،
وقد أعلن في مقدمته لمجموعته القصصية الأولى أنه لا يستطيع أن يتحدث عن شكل
معين للقصة، ولا يمكنه أن يقترح أو أن يطري طريقة محدودة لكتابة القصة،
لأنه يعتقد أن القصة كالحياة في حركة وتطور دائمين، متسائلاً بما يشبه
الجزم أن القصة قطعة من الحياة، دون أن يعني ذلك أي تهاون في الشكل الفني
للقصة على حساب مضمونها (ص5).
2- خصائص الكتابة القصصية:
واستلزم هذا الفهم التقليدي للقصة طوابع فنية لا زمت كتابته للقصة حتى
مجموعته الخامسة والأخيرة «محاكمة أجير الفران»(1997)، ولعلنا نوجز هذه
الخصائص فيما يلي:
1ـ الإيمان بأن القصة تستند إلى القص، أي قيامها على السرد وما يستتبعه من
قص وقائع أو أحداث، أو ما نسميه «التحفيز» بلغة النقد القصصي، أي أن القصة
ينبغي لها أن تنهض من داخلها على فعل، هو مجموعة حوافز (وحدات قصصية أصغر)
تندغم في عملية السرد داخل بنية التحفيز، أي ضبط تنامي الفعلية، وعد البحرة
ذلك ضرورة للقصص الحديث، تبدو دونه القصة سبيلاً لتعقيد القراء «كاد يوصد
دونهم باب القراءة» (ص9)، كما أوضح ذلك في مقدمة مجموعته القصصية الرابعة
«رقصة الفراشة الأخيرة» (1989).
يغلب على تنظيم نسق التنضيد عند البحرة التحفيز الواقعي، وهو أن يخضع
التنامي الفعلي، توالي الوحدات القصصية الصغرى، لاعتبارات التدرج الزمني
المنطقي، بالإضافة إلى خصائص أخرى غدت علامات للقص التقليدي مثل وضوح
البناء، وتناظر العلاقات الداخلية، والعناية بالسببية الخارجية، وتجنب
الميوعة العاطفية ما أمكن مما لا يقود العمل الفني إلى المشجاة
«الميلودراما»، أو الارتهان لمجرد التعاطف، وقد تخلص البحرة من الانزلاق
إلى وهدة الانفعال، محتفظاً لقصته بمدى مقبول من المنطق والتحكم بحركة
السرد من خلال الاقتصاد في الحوافز حيناً، ومن خلال تجلية المعنى الإنساني
في قلب الحبك القصصي حيناً آخر.
وتوضح قصص البحرة المبكرة حرصه على انبناء السرد برمته داخل التحفيز
الواقعي سعياً للاحاطة بالشرط الإنساني لجماعته المضطهدة تحت وطأة وضع
اجتماعي أو أخلاقي جائر، ولعل هذا ما يسوغ نبرة التعاطف. ولكنها لا تركن
إلى إغراء الاسترسال العاطفي والتباكي على مضاعفات الشقاء، فالإنسان يكابد
هذه الشروط القاهرة، ويقارعها، ويفلح في خلاص، أو يتأسى من التجربة، وهذا
ما جعل واقعية البحرة متميزة من واقعية أقرانه من القصاصين العقائديين داخل
رابطة الكتاب السوريين أو خارجها.
2ـ الحرص على الواقعية، ذات الميل النقدي من جهة، أو الرومانسي من جهة
ثانية، أو ذات الميل الانطباعي من جهة ثالثة. وبلغ في واقعيته مبلغاً
تبشيرياً بالاشتراكية في بعض القصص مما يجعلنا نلحظ ميلاً إلى واقعية
اشتراكية خالط نزوعاته النقدية أو الرومانسية أو الانطباعية، وكانت هذه
الواقعية بنزوعاتها المختلفة ظاهرة في مجموعاته كلها، وبخاصة في مجموعاته
الأولى والرابعة والخامسة، مما سبقت الإشارة إليه.
ولعلنا نذكر بعض هذه الأمشاج التي مازجت واقعيته، ولا سيما الرومانسية أو
الانطباعية. وهذا واضح في مدار كتابته القصصية، باستثناء كتابه القصصي
الفريد «رمي الجمار»، ونذكر من مجموعته القصصية الأولى قصته «عندما يأتي
المساء» بما تتوفر عليه من أمشاج رومانسية من غلبة الذاتي إلى معاناة
الكآبة، إلى الشعور العميق بالفردية المريضة، إلى الانعزال والقلق وعدم
التكيف والأذى النفسي وتعذيب الذات بالخمرة أو سواها، ومرد ذلك إلى أن
حبيبته تركته وتزوجت غيره.
ونذكر من القصص التي تنطوي على أمشاج انطباعية قصة «هذا الثمن غال جداً» من
مجموعته الأولى، كالإفراط في الوصف المحايد، والنظرة الخارجية، وتجنب
التصريح بوجهة النظر بانفتاح المنظور السردي على مشهدية حكائية تنقل من
الحياة دون أن تعني بتحديد أغراضها، محيلة إلى التباس الفعل الموضوعي ذاته،
ليأمل القاص بعد ذلك أن يصير بصر السارد بصيرة لدى المتلقي. إن القصة وصف
متأن لعالم الطفولة وما يلتم عليه من فعل سرعان ما يشي بغرضه الكامن.
عرض البحرة في قصته حال الشخصيات: قمر التي لم تنه بعد السنة السادسة من
عمرها، والعم، ورويدة، ثم الطفل، وتغلغل في ثنايا تعبيره الإنساني بحنو
يناسب هذه الحال الطفولية:
«قامت قمر من مكانها مسرعة، وتركت الكتاب وصوره على بساطها الصغير:
ـ عمو، كمل لي القصة.
ـ وين وصلنا!
ـ لما فوّتت سلوى الكلب على البيت من البرد والثلج، وراحت تجيب له حليب،
مضبوط؟
كنت جالساً على الكرسي أقرأ إحدى الجرائد، قرب قمر على الشرفة، أتدفأ بشمس
تشرين المقبولة، ودون أن تستأذنني قمر تسلقت الكرسي واطمأنت في حضني، ومدّت
يدها إلى ذقني، وأخذت تلاطفني، وهي تقول:
ـ ما بدك تحكي يا بي؟
ـ بدي..
ـ أي ما تحكي؟ بزعل هه.
ـ طيب، شو بتعطيني؟
ـ بوسة...
كانت قمر تعلم أن هذا الثمن غال جداً، ولعلها متأكدة من أنني أستسلم
بسرعة.. دون ثمن:
يكفيني أن تقبل عليّ، وتتسلق الكرسي، وتنظر في عيني، وهي تكتم ضحكة، فما
أكاد أحكي الحرف من القصة حتى أطلقها، حبيبة، لطيفة، ناعمة مثلها تماماً،
ولا تلبث حتى تنصرف إليّ وإلى القصة بكل جوارحها، فتتصدى لكل حادثة
بالتعليق، وترتسم كل الانفعالات على وجهها» (ص ص4-37).
ولعله واضح تعمد البحرة استخدام الحوار بالعامية الملطفة، القريبة من
الفصحى، حرصاً على مقاربة واقعية انطباعية، غير مثقلة بالتحليلات الفكرية
والنفسية، فثمة ملامسة رقيقة لعفوية الطفولة ونمو الانفعالات والمشاعر التي
ما تلبث أن تندغم في غرض القصة الإنساني.
ولا يختلف ذلك عن قصته «انسجام كامل» من مجموعته الرابعة «رقصة الفراشة
الأخيرة» التي تصف بحيادية مقنعة جو الازدحام في أحد الباصات الذي يقوم
برحلة مسائية بين الريف والمدينة، أما الغرض فهو مفتوح على احتمالات الرؤية
التي تعضدها وفرة الأمشاج الانطباعية، وكأن الانسجام هو مدى البؤس الإنساني
الذي يفرض على هؤلاء الركاب ان ينحشروا في باص عتيق يفتقر لأبسط شروط
الاستعمال. حوى الباص حيوانات بالإضافة إلى ركابه من البشر، (لاحظ المجاورة
بين الحيوان والإنسان) مما يضاعف من الانضغاط الروحي والنفسي، غير أن
السارد المضمر لا يقول غرضه مباشرة، بل يستغرق في الوصف المحايد لأول
وهلة:
«وعادت السيارة تدرج على الطريق، وهدأ الضجيج بعض الشيء، إلا أنه انبعث مرة
أخرى، فكان أقوى وأكثر حدة، وكان مصحوباً بقوقأة دجاجة.. لم يبق سوى هذه!
دجاج أيضاً! وعلا صوت طفل صغير من الأمام:
- باضت.. باضت.. » (ص121).
ويستمر الوصف المحايد حتى النهاية جاعلاً من التحفيز الواقعي مراحاً
لانطباعية نفاذة، كما في نهاية هذه القصة:
«في هذه الأثناء رن في جو السيارة مواء قطة صغيرة، رفعها صاحبها الفتي
بكلتا يديه، وراح يرقصها على قوقأة الدجاجة.. وبدا أن كلب الصيد قد صحا من
نومه فطاب له أن يشارك في هذه الجوقة، لم يكن نباحه مزعجاً على أي حال، خلا
أنه أضفى على الجو مسحة غريبة من الانسجام» (ص121).
مثلما نلاحظ أن البحرة قد اعترف بحنينه إلى واقعية الخمسينيات، وما رافقها
من الولع بالتبشير العقائدي الذي كان البحرة مقتصداً فيه، بالنظر إلى
أقرانه من أعضاء «رابطة الأدب الحديث» أو «رابطة الكتاب الشباب»، كما في
قوله في مقدمة المجموعة الرابعة: «على أني أردت أن أتوقف ملياً لأتذكر
واقعية الخمسينيات بكل ما تحفل به من عودة إلى الناس البسطاء وعوالمهم
الفنية، القومية... التي يظل المستقبل المشرق الآتي جزءاً لا يتجزأ منها»
(ص9).
2-3- نلمس الفهم التقليدي لفكرة القصة لدى البحرة أيضاً في توكيده العناصر
التالية: الصدق في نقل التجربة الإنسانية، الإخلاص والأمانة للتجربة
الواقعية في الحياة، البساطة في السياق والتعابير المحلية بما هي الشعبية
أيضاً، تبسيط الحوار إلى مقاربته الواقعية لما يجري في الحياة. ومن الواضح
أن هذه العناصر تصف ممارسة البحرة لفكرة القصة إلى حدّ كبير وتنطوي على
غلبة التقليد السردي في بناء القصة في تعبيرها عن معاناة جماعته المغمورة
التي تواجه الظلم الاجتماعي وشظف العيش، وهم غالباً من المعلمين أو
الحرفيين أو المعذبين تحت وطأة الفقر والبؤس دون تحديد لوضعيتهم الاجتماعية
والطبقية، على سبيل التعميم حيناً، أو مبالغة التبشير العقائدي حيناً آخر،
وهذا واضح في القصة التي تحمل عنوان المجموعة الأولى، فقد سيطر اليأس على
المعلم الفقير الذي يعيش مع والدته وأخوته الصغار دون أمل بالزواج وبناء
أسرة لأن حبيبته تركته إلى زواج آخر، فيمضي المعلم وقته بين المدرسة
والمقهى. يقلب هذا المعلم فكرة الانتحار، وسط حاجة أمه وأخوته إليه، مما
يضطره إلى العدول عن فكرته، بينما يؤدي البؤس الاجتماعي بنسرين في القصة
التي حملت اسم المجموعة الرابعة إلى الموت. إن نسرين الطالبة الجامعية ابنة
الحادية والعشرين وابنة معلم ابتدائي أيضاً، تتعرض لحادث سيارة مع ثري عربي
في طريق عودتهما من الزبداني إلى دمشق، ولا يفلح تهديد شقيقها أو نصح أبيها
في السيطرة على سلوكها وتطلعها إلى الخروج من ضغوط الواقع عليها.
توسل البحرة إلى فهمه التقليدي للقصة بالأمانة للتجربة الواقعية في الحياة
على وجه الخصوص، دعماً للعناصر الأخرى مثل الصدق في نقل التجربة الإنسانية،
ومراعاة المحلية في تصوير البيئة والشخصيات، ثم لم يغفل عن عرض متنه السردي
ضمن تشويق باد في صوت الراوي المتكلم غير المحايد:
«بلى.. ها هي ذي الفتاة تسقط. ساقطة؟ إنها ليست كذلك، كانت تسقط. تترجرج
فوق صفحة الزئبق، غير أن صقيع الماء لا يضربها. كان الدفء يسري في أوصالها،
فتبدو وجنتاها مشتعلتين، كأنها قاعدة أمام موقد متوهج. ولم تتأفف من
اللزوجة. فكانت تتقلب بين يديها كفراشة تستحم في ندى الصباح. لم ينتبه
والدها، إلى أن في الأمر شيئاً غير عادي، حين وجهت إليه يومها ذلك السؤال
الصاعق:
ـ أبي... لماذا أدرس» (ص53).
كان السؤال عن الدراسة مفتاحاً لكشف التناقض في نزوع الفتاة إلى الحياة
الهانئة دون مشقة، فهي تحاول «تغيير هذا الواقع الفظيع» بأي ثمن وبأية
وسيلة. وما سعى إليه البحرة هو تبيان المفارقة الأخلاقية والاجتماعية
الضاغطة التي تجعل الناس يسقطون، ولذلك كانت المفارقة اللفظية الأولى:
«تسقط» ـ «ساقطة»، تمهيداً للمفارقة المعنوية: قلة جدوى الدراسة ونيل
الشهادة إزاء عيشة غير مرضية، كما في قول الفتاة لأبيها مرة:
«ـ إنني أستغرب كيف أنت قانع بهذه العيشة.» (ص54).
ويلاحظ أن البحرة يضع أسئلته دون إشارة استفهام على أن لا جواب لها إلا في
فعل الشخصيات نفسها إيحاءً شفيفاً.
ويتكرر هذا التعاطف مع الصبي في القصة التي حملت عنوان مجموعته الخامسة،
فهذا الصبي الذي غدا محامياً ناجحاً مرّ بظروف قاسية جعلت أباه يدفعه إلى
العمل أجير فران. ثم دعاه العوز، وألحت عليه الحاجة أن يأخذ أرغفة من الفرن
فيتعرض للصفع والإهانة والإذلال والمحاكمة، غير أن القاضي أنصفه ليس
بالقانون وحده، بل بالأخلاق والوجدان، لأن العدالة قرينة الرحمة والتعاطف
الإنساني الرحيم والنبيل، وهي قيم شائعة في قصص البحرة على مدار تجربته
الطويلة.
لقد بادر الراوي المتكلم إلى ضبط متنه السردي، بما يخدم موضوعة هذا التعاطف
الإنساني الرحيم في مطلع قصته، ليوفر هذه الاستطاعة الفنية على تجسيدها
بتعدد مسوغاتها في التاريخ وفي النفس البشرية في آن معاً، وساعد على ذلك أن
الراوي المتكلم هو نفسه أجير الفران، وهو نفسه المحامي اليوم الذي يتأمل في
معاني العدالة واقترانها بالحاجة الإنسانية:
«ولست أدري، إن كان شعوري بفداحة الظلم وقسوته وعشقي للعدالة وبحثي عنها
ولو بمصباح كمصباح ديوجين.. الذي كان يضيئه حتى.. في نهار، هما اللذان
وجهاني إلى دراسة الحقوق. غير أنني واثق تماماً أن ذاك الحادث الذي رسخ في
ذاكرتي أقوى من الوشم، وأعمق من أثر جرح بليغ طويل.. انسحب على حياتي
كلّها..» (ص16).
ويظهر تقصي هذا الراوي المتكلم لما يسعف حالته الباعثة على الشفقة في
انطلاقته من مثال فريد في بابه: «جان فالجان» وأولئك البؤساء الذين لا حصر
لهم في الأزمنة والأمكنة كلها، وقد برع فيكتور هوغو في وصفه الرومانسي
المتعاطف معهم، على أن البحرة قد التقط جوهر ذلك في مقاربته لنموذجه
الإنساني:
«وسمعت يومها للمرة الأولى باسم فيكتور هوغو.. و.. جان فالجان.. فعرفت
حينذاك، كم هي الدنيا صغيرة، وإن كبرت، وكم هم الناس متشابهون، وإن
اختلفوا، وتأكدت يومها أن ما حدث قبل مئة سنة أو ألفي سنة.. يمكن أن يحدث
الآن، وربما.. بعد ألفي سنة» (ص16).
وهذا هو معنى محاكمة أجير الفران، وفيه تكمن المفارقة الباقية: فعل العوز
وفعل الرحمة في حياة البائسين تحت وطأة العيش القاسي.
2-4- ثمة عناية واضحة للبحرة بالموضوع وبما ينبثق عنه من قيم، إذ يندر أن
نجد قصة تخلو من موضوع إنساني أو اجتماعي على وجه العموم، أو موضوع وطني أو
قومي على وجه الخصوص، بل إن البحرة مازج بين القضية الاجتماعية والقضية
الوطنية في بعض قصصه، كما هو الحال في قصة «الشرف» من مجموعته الرابعة على
نحو مباشر، أو في قصص «أنشودة المروض الهرم» من مجموعته الثانية على نحو
غير مباشر دعوة للشجاعة، أو قصة «الإشارة الأولى والجمرة الأولى» من
مجموعته الثالثة دعوة للوحدة الوطنية وانتزاع العصبيات الأسرية والفئوية.
قام الشاب محي الدين، أثناء فترة الاستعمار الفرنسي لسورية، وهو متطوع في
الجيش الفرنسي، بمواجهة عساكر العدو الغازي المحتل من السنغال بينما هم
يهمون باختطاف فتاة، فقتل جنديين، وفقد ذراعه، ثم هرب إلى فلسطين وعمل في
أحد مقاهي حيفا، وعندما عاد إلى دمشق بعد رحيل المحتلين عنها استقبله الناس
بطلاً، ولم ينسوا تضحيته، وقد استعاد شريط الماضي أثناء تدخينه النرجيلة
لتمجيد فعل البطولة في مواجهة المستعمر الغازي المحتل على نحو مباشر:
«لو أنه بقي في دمشق.. لأعدمته السلطات الفرنسية.. ولولا أنهم غادروا
البلاد منذ أيام لما استطاع أن يعود.. ومع أن عشر سنوات طويلة مضت.. وهو
بعيد في فلسطين، فإن أحداً لم ينسه.. مازالوا يذكرونه.
لقد فوجئ عندما دخل الحارة. كانت مكتظة بالأعلام والزينات والأضواء كأنها
تستقبل حاجاً عائداً.. وحين عرف الأمر.. لم يعد يعرف ماذا يفعل.. فصار يبكي
ويضحك» (ص127).
بينما يأخذ التمازج بين الموضوع الاجتماعي والموضوع الوطني صيغة التعاطف
والاستئناس بقيم نشوة الماضي، كما في قصتي «أنشودة المروض الهرم» و«ظلال
موحشة» من مجموعته الثانية. يصطاد العجوز في القصة الأولى الذئب الذي يهدد
القطيع، وعندما تلتئم جروحه يطلقه ليتوارى خلف الجرود الشرقية، ويبدو مطلب
الشجاعة غاية بحد ذاته:
«وعلى كلّ حال، فإن أهل القرية جميعاً قصدوا منزل الشيخ حمد، ليتفرجوا على
الذئب.. وقد رُبط إلى جذع شجرة ضخمة في الحوش، مكبلاً بالحديد.
ـ لماذا يحتفظ الشيخ بهذه الآفة؟ لماذا لا يطلق عليه النار ويريحنا منه؟
والأعجب أنه يطعمه ويكرمه، وكأنه كلب أمين!
.. هكذا كان الناس يتساءلون وهم يغادرون الحوش.
قال أحدهم:
ـ الشيخ يريد أن يستعيد ذكريات شبابه..
فرد آخر:
ـ ولكن.. لماذا لم يخطر له ذلك سوى الآن.. عندما عجز الرجال جميعاً؟» (ص ص
9-10).
ويذهب الراوي وصديقه إلى حمام السوق في القصة الثانية، ويتذكر تقاليد هذا
الحمام وذكرياته فيه، ويصف مجرياته، وما يبعثه من ظلال موحشة، ويغادره
وكأنه لن يعود إليه. ومن الواضح، أن البحرة شحن سرده بطاقة إيحائية ترميزية
غامرة:
«سمعت أصداء خطواتنا ونحن نغادر الحمام كأنها تنبعث من كهف عميق، وتركت
مصابيح الطريق المغبرة أمامنا ظلالاً موحشة، وبدت بيوت الأبواب القديمة
الموصدة ساكنة كأنها لم تفتح منذ سنوات بعيدة، في حين استسلمت طرقاتها
لهدوء ثقيل» (ص22).
وثمة تباين في معالجة الموضوع وصولاً إلى القيم المتوخاة بين قصة وأخرى.
ونلمس هذا التباين في المحتوى من جهة، وفي تغليب الانطباع على الغرض القصصي
برمته من جهة أخرى. ونذكر مثالاً للاتجاه الأول في قصة «أبو دياب يكره
الحرب» من مجموعته القصصية الأولى وهي معنية بوصف أجواء مطعم شعبي حيث
يتحدث صاحب المطعم أبو دياب بمرارة عن أيام السفربرلك وويلات الحروب على
وجه العموم، بينما يعرض عليه أحد الشباب أن يوقع على عريضة تدين القنبلة
الذرية والهيدروجينية. ولاشك أن كراهية الحرب لا تعني محبة السلام أو
انتفاء الحروب، لأن المسألة أعقد من ذلك بكثير. ونذكر مثالاً للاتجاه
الثاني قصة «انسجام كامل» من مجموعته الرابعة، وهي مجرد وصف لجو الازدحام
في أحد الباصات في رحلة مسائية له بين الريف والمدينة، وقصة «هذا الثمن
غالٍ جداً» من مجموعته الأولى، وهي وصف حيادي لعالم الطفولة من وجهة نظر
العم، الذي يراقب أبناء أخيه الثلاثة، الصغيرة الحلوة التي تحاول إصلاح
لعبتها، والأخرى التي تساعدها على إصلاحها، والطفل ذا الحادية عشرة عاماً.
ينقل الكاتب العم حوارهم الصادق دون تدخل:
«قالت له رويدة:
- عندك ورقة لزيق؟
- ليش؟
- بدنا نلحم راس اللعبة.
- شبها؟
- امبارح لما ضربتها على الأرض انشق راسها.
- أي.. شو دخلني؟ مالي فاضي، بدي غيّر ورنيش البناية..
وتدخلت قمر. تمسحت بأخيها، ورفعت إليه عينين مستعطفتين حنونتين، وهي تقول:
- من شان الله. شقفة لزيقة..
- بس هالمرة هه.. بس هالمرة..
وغادر سعيد الغرفة متأنياً، ثم ركض، واتجه نحو الغرفة العالية المطلة على
شارع آخر يحيط بالبيت، وعاد وفي يده شريط قماشي أسود مصمغ بلون شعر اللعبة»
(ص ص42-43).
2-5- تبدى تجديد البحرة القصصي في إطار الميل التقليدي الواقعي إياه في
مجموعاته الثانية والثالثة والخامسة على وجه الخصوص، غير أن تجديده اللافت
للنظر في إطار جهده للتأصيل القصصي كان في مجموعته الثالثة «رمي
الجمار»(1980) وهي تجربة فريدة في استعادة الموروث السردي العربي، وبناء
قصة شديدة الضبط السردي، وشديدة الإيحاء الدال على قيم إنسانية واجتماعية
ووطنية باقية. بنى البحرة مجموعته بمزيد من الإتقان، وبمزيد من الإيحاء مما
يشكل كتاباً قصصياً متساوقاً تعبيراً عن منظومة قيمية تجعل من هذه المجموعة
مغامرة نادرة في التحديث القصصي العربي الحديث. تبدأ المجموعة بكلمة تدرج
هذا الكتاب القصصي في التخييل حفاظاً في الوقت نفسه على مدى المحاكاة التي
تساوقت معاً: التخييل، التاريخ، السرد الأدبي والتاريخي مندغماً بالسرد
القصصي؛ فذكر البحرة أنه عثر على هذه الأوراق في مفكرة شاب منتحر:
«قيل إنه كان مصاباً بانفصام الشخصية، وقد دخل ذات مساء إلى دورة المياه
فأحكم غلق الباب، وأحرق نفسه، على طريقة الرهبان البوذيين» (ص5).
ثم استهل مجرى السرد بإعادة معنى رمي الجمار في التراث العربي، على أنه
حاجة ذاتية لدى الإنسان، وبإعادة المعنى المسيحي حول ما تقوله الروح
للكنائس، وأن يحتفي الإنسان بما تقوله الروح دائماً، وهما إعادتان للمغازي
الحية التي ميزت وقائع تاريخية قديمة تستضاء بالراهن وضغوطه الأخلاقية
والإنسانية والاجتماعية، وقد أفلح البحرة في استنطاق الواقعة التاريخية
تخييلاً شديد الدلالة على ضغوط التاريخ ووعيه، ونورد مثالاً لذلك «الإشارة
الأولى»، وهي عن امرئ القيس وطلبه الدائم للثأر إذ اعتدي عليه بقتل حجر. إن
الجمرة الأولى، ففيها الصوت، وهو ينبئ عن ناقة البسوس المعروفة، وفيها
الصدى، وهو التخييل المقارب للتاريخ، والمحاكي للواقع، حين يقتلون البقرة
وقبول الفداء رمزاً، ثم ما يلبث من تعرضوا للعدوان أن يمضوا إلى القتل
إلغاء للترميز ودخولاً في واقع قاس وفاسد:
«جثا الغلام على ركبتيه أمام أبي ياسين. وقام هذا فاستل مدية من زناره، ثم
أهوى بها على عنق الغلام، فإذا الدماء تنبجس حارة غزيرة من عنقه» (ص21).
على أن القتل يؤدي إلى القتل، فيندفع والد الفتى المذبوح إلى القتل:
«ولم يدر أحد كيف امتدت يد خالد النعسان إلى زناره، أية سرعة! الطلقات
جميعها استقرت في جسد أبي ياسين، فسقط غير بعيد عن الغلام» (ص22).
لم تنته القصة، الجمرة الأولى، عند هذا الحد؛ فمن الضروري (الحاجة الذاتية)
أن يطرد الإنسان الشر من داخله، وأن يستمع إلى نداء الروح، ويمنع براكين
الغضب والعنف وارتكاب الفظائع، وهذا هو المعنى الثمين والجوهري يشي به غرض
القصة التي قامت على تناوب الواقع والتاريخ، التخييل مندغماً بالسرد الأدبي
والتاريخي:
«وفجأة دوى في الفضاء انفجار رهيب تلفت أهل القرية حولهم يبحثون عن مصدر
الصوت، فلم يعثروا على شيء، ولكن أحدهم قال:
- لابد أن أحد البراكين الخامدة قد... ثار فجأة.
فقال آخر:
- لكنه ليس خامداً بل لعله لم يخمد أبداً» (ص22).
ثم ما يلبث السرد القصصي أن يندغم في مبنى استعاري شامل عن طريق المفارقة
اللفظية التي تصير إلى تلاقٍ في الدلالات شديد الثراء، كما في القصة
الثانية من «رمي الجمار»، حيث التوق الممتنع إلى الحرية في لعبة السياسة
والأمن، يحضر الصوت في مطلع السرد لينبئ عن واقعة الحلاج وسجانه، إذ «جاء
السجان إلى الحلاج في وقت العتمة، فقيده ووضع في عنقه سلسلة، وأدخله بيتاً
ضيقاً. وعندئذ سأل الحلاج: لماذا فعلت بي هذا؟ فقال: كذا أمرت. وعاد الحلاج
يسأل: الآن آمنت بي. أجاب السجان: نعم. وحين تحرك الحلاج بعد ذلك تناثر
الحديد منه كالعجين. وأشار بيده إلى الحائط، فانفتح فيه باب، فرأى فيه
السجان فضاءً واسعاً.» (ص25).
تنطلق القصة «صوتاً» من خبر معروف في سيرة الحلاج، ايغالاً في الاعتبار
بمعنى الكرامة الصوفي، متناقضاً مع فعل دنيوي هو السجن، لتثار قضية الحرية
مع قيودها على الرغم من الأثر الأوليائي الذي يظهر على السجان، وتبدو
المفارقة اللفظية جلية في ذلك التباعد -التقارب بين الحلاج وسجانه عندما
يعيده السجان، فيردد الحلاج نبرة الإيمان به، وعندما يذعن السجان مجيباً
بنهم، يتناثر الحديد، وينفتح باب السجن إلى حرية مطلقة أو متوهمة، لا فرق.
غير أن المفارقة اللفظية لا تكتمل إلا بتلاقي دلالتها مع دلالة الصدى، فثمة
رواد في مقهى في أمسية، بينما فتيان يلصقان إعلانات على الجدران، ثم
تداهمهما الشرطة والأمن، ليهرب أحدهما ويقبض على الآخر، ويلاحظ المراقب أن
الضابط أخرج من جيبه أوراقاً ورماها في السيارة، وكأن الأمر يتعلق بتهمة،
ولا يوجد متهم، مما يعيدنا إلى الإشارة في مطلع القصة المأخوذة عن «الرسالة
القشيرية» من واقعة أخرى لمتصوفين آخر، في ذلك الحوار المؤرق عن الحرية
والعبودية. إن الشبلي والجنيد يستعيدان قول الحسين بن منصور، الحلاج: «إذا
استوفى العبد مقامات العبودية كلها يصير حراً من تعب العبودية، فيترسم
بالعبودية بلا عناء ولا كلفة» (ص23).
إن السرد الراهن يستعين بفضاء دلالات الحلاج الذي يعاد ثالثة في موال على
الهامش، من شعره الداعي إلى كتمان السر، وشتان ما بين نشدان الحرية والرسوف
في أغلال العبودية، وإن تراءى ما يتراءى، لتؤكد القصة بعد ذلك وطأة سؤال
الحرية داخل لعبة السياسة القذرة. لقد أمر الضابط بجمع المناشير، وربما كان
قد نثرها بنفسه، في غفلة من الأعين، فهذا «الحقير- يقصد الفتى- يريد أن
يسفهنا»(ص31)، فيعلق أحد رواد المقهى ناعياً غيبة الحرية: «في حياتنا كلها
لن نصير بشراً.. ما هذا؟!»(ص31)، ثم يردف التعليق بمفارقة لفظية أصغر«ألم
تقل إنك لم تعد تشتغل بالسياسة».(ص31).
ثم يبلغ لقاء الدلالات ذروته، إحالة إلى معادل موضوعي هو حصيلة المفارقات
اللفظية، في هذا القول التهكمي، إشارة لاستحقاقات قيم المجتمع المدني:
«-متى يعرف هؤلاء الناس كيف يشربون القهوة» (ص31).
ويتعمق المبنى الاستعاري إياه في القصة الثالثة من المجموعة نفسها «رمي
الجمار» تنويعاً على عزف آخر، هو دلالات محنة الشيخوخة وعقوق الأبناء
وجريمة الحياة ذاتها. ورد في «الإشارة» عن فضاء الموضوع خبر عن أسد وتميم
أنهما لجأتا إلى الوأد، فراراً من العار أو خشية الإملاق، وقد افتخر بذلك
الفرزدق، فيما بعد، لأن جده حمى جماعة من الوأد، فقال:
وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد، فلم يوأد (ص33)
وتكون أول مفارقة مع «الصوت» الذي يستند إلى خبر آخر عن الأسكيمو «العاجزين
منهم، حين يدركون أنهم عالة على ذويهم يحملون أمتعتهم من الكوخ، ويرحلون
إلى العراء.. ليموتوا»(ص35).
أما المفارقة الثانية فهي السرد الراهن في «الصدى» عن العجوز وزوجة ابنه
التي تضربه بالنعال استثقالاً لوجوده، وعن العجوز وابنتها التي تضربها حتى
تحول رأسها بين يدي ابنتها إلى مطرقة ثقيلة تضرب الجدار في الليل، وتمنع
عنها الطعام، بينما يغطي الفضاء نشيج مرير وشكوى فاجعة من العاجزين
وإذلالهم في الليل الأسود الثقيل الطويل: الجد والجدة.
ويتسع مدى المفارقة اللفظية إلى معنى قهر المظلومين، ولا سيما العاجزين
منهم، الذين يصفهم «سفر الجامعة» بالأموات «العائشين بعد» في تحفيز يسعف
على بناء الدلالة، وقد حمل عنواناً ذا معنى دال «قنديل في القبو».
ثم تنفتح القصة في التحفيز التالي على ذروة هذا المعنى المأساوي حين تطلب
الأم من ابنتها خرقة تمسح بها هذا الدم النازف من الرأس، وتعدها ألا تتكلم
عما يحدث معها. غير أن المعنى المأساوي يصير فجائعياً حين يتنكر الأحفاد
للأجداد، وحين تذكر الحفيدة رعبها من جدتها الغولة، ولا غرابة في ذلك، وهذا
هو الفجائعي، ما دامت الحفيدة بنت أمها المتوحشة!.
يرجع السارد الدلالات ويغنيها في تحفيز جمالي آخر فيما سماه «رؤوس أقلام»،
وهو قول طاغور عن اتحاد الإنسان والحيوان الأعجم، بينما يفتقد الإنسان إلى
الرحمة مع أقرب الناس إليه. وكما هي الحال، في خواتيم المآسي يشير هذا
التحفيز الطاغوري إلى أن الأم قتلت أمها ـ الجدة، لأن الصغيرة ـ الحفيدة
«التي كانت ترى وتسمع كل شيء... هي التي باحت بالسّر» (ص43). لعل هذه القصة
نموذج لتلاقي الدلالات الناجم عن تعدد المفارقات اللفظية والمعنوية، في
تحفيز واقعي يخرج من نسقه إلى آفاق أرحب لرؤية التجربة الإنسانية المرّة عن
طريق إدخال بعض التحفيزات الجمالية.
ولا شك أن غالبية قصص «رمي الجمار» تنتمي إلى هذه الأسلوبية الحداثية
المستندة إلى أمرين هما السرد التراثي، الأدبي والتاريخي والصوفي على وجه
الخصوص، والمخيلة الخصيبة اعتمالاً بواقع محتدم التحولات.
2-6- حفظ البحرة للقيمة الفنية لقصصه مكانها اللائق، فعني بالشكل عنايته
بالمحتوى، ولم يستسلم لشهوة التبشير العقائدي، أو يولع بإغراءات التعاطف
المبالغ فيه مع جماعته المغمورة على سبيل المشجاة (الميلودراما)، أو
اندياحات فيض الوجدان كما في الرومانسية، مؤمناً بأهمية صوغ قصصي مكتف
بذاته، وهذا واضح على وجه الخصوص في قصص مجموعته الثانية والثالثة
والخامسة. وتتجلى هذه التقنية في استيعاب التحفيز الواقعي لأبعاد رمزية
ودلالية واستعارية لا تخفى. ونجد مثالاً لذلك في قصتي «ظلال موحشة»
و«العنقاء» من مجموعته الثانية. في قصته «ظلال موحشة»، يذهب وصديقه إلى
حمام السوق ويتذكر تقليده ويصف مجرياته ويفعم بذكرياته وهلة، على أن ذلك
كله باعث لظلال موحشة على نفسه وروحه، فيغادره وكأنه لن يعود إليه. هل هو
موقف من الماضي؟ اعتقد أن سريان الدلالة القائمة على علاقة استعارية بين
التحفيز والقصد جلي وواضح.
وقد آثرت في هذه المقالة، أن أتوقف عند قصص بعينها، لمزيد من التدقيق
والتحليل. تتبدى العلاقة الاستعارية في دلالات وصف المكان كما ينطبع على
وجدانه على وجه الخصوص:
«فجأة.. انتابني شعور عميق بالضيق، كما لو أن بخار الماء الضبابي غزا رئتي،
وتغلغل في جميع الخلايا.
كان ينبعث من أقصى الحمّام، من مقصورة مجهولة غناء أشبه بعواء ذئب كئيب،
سمعته وكأنه موقع على قرقعات الكاسة على جوانب الجرن، ودوّت هناك صفعات
مجلجلة تبعها صوت قوي:
ـ تعا..
ففتح الباب الخشبي بحركة مباغتة، ولاح ياسين راكضاً باتجاه الصوت. خُيّل
إليّ أن صاحب الصوت هو الذي أعطى هذه الإشارة، فحين ظهر الرجل وقد لفّ نفسه
بعدة مناشف تأكدت أنه إنسان آخر» (ص ص20-21).
ثم تأتي الخاتمة لتعلن ختام هذه العلاقة الاستعارية قصداً خفياً متشرباً في
المتن السردي، وقد سارع الراوي ورفيقه إلى مغادرة المكان كلياً:
«ودون أن يكلم أحدنا الآخر بدأنا نسرع لنبتعد عن المكان» (ص22).
وفي قصته «العنقاء» من المجموعة نفسها، صادف الفتى امرأة محتاجة في الشارع
محاصرة بنهم الرجل إليها، وهو الطالب الريفي الذي يقدم امتحاناته الجامعية،
فأوصلها ممتنة إلى البيت، وأنقذها من ثلاثة رجال يطاردونها ووعدته باللقيا
بعد أسبوع، ولكنها لم تأت، بينما هو ينتظر مجيئها مثل شيء في ذلك المكان.
لعله التوق الأبدي إلى المرأة المحبوبة التي تلمع شهاباً في ظلام العالم،
ثم تغيب في سجفه، بينما هي تأتلق في وجدانه، لا يكتمل الزمن إلا بها.
ولعل الموقف من الزمن في قصة «العنقاء» نظير موقفه من المكان في قصته «ظلال
موحشة»، فقد صار انتظار الفتاة عديم الجدوى، ولكنه باعث على تشبث عنيد
بالمشاعر الكامنة التي أججتها المرأة، ثم ولت في الغياب. إن العلاقة
الاستعارية تتجلى في مراودة الراوي لفعل الانتظار وممارسته على الرغم من
يقينه أنها توارت في غياهب زمنها:
«... شيء ما في داخلي، كان يؤكد لي أنها لم تأت.. وكمدمن عريق، وبكل الحنين
الذي يفجره الظمأ في العروق.. رجعت انتظر.
ولم أعد التفت إلى الزمن. تحولت إلى شيء، بعد أن تضاءلت المسافة بيني وبين
الأعمدة المتناثرة على جانبي الطريق، وحجارة الأرصفة، وجدران البيوت»
(ص32).
ويمعن البحرة في قصص مجموعته الأخيرة في هذا التخييل بطاقة دلالية رمزية أو
استعارية، ضمن أنساق التحفيز الواقعي إياه، كما في قصة «رؤيا» على سبيل
المثال. خلال زيارته الثانية لموسكو، يستوقفه «وجهها البيضوي النبيل»، وهي
تقف خلف طاولة مستديرة بالفندق بائعة للتذكارات والطوابع، ويستعيد ذكرياته
وأيام مرحه في الزيارة الأولى، غير أنه متيقن من أن هذه المرأة التي تقف
وراء الطاولة هي نفسها تلك الفتاة التي تحرش بها في زيارته الأولى بحجة
مكشوفة لا تخفى على امرأة جميلة مثلها، وهي أن تدله على صورة لينين
المصفوفة من الزهور في الحديقة، وقد أسرته بلطفها وحيائها إلى حدّ الإرباك
مما منعه من معاودة الحديث معها، وكل ما فعله هو أنه اشترى منها بعض
الطوابع، ونسيها على طاولتها؛ بينما أسئلة الحياة والتعلق مفتوحة على
جروحها الغائرة والفاغرة.
2-7- اعتنى البحرة ببعض الخصائص الفنية لقصصه مثل السخرية في بعض قصصه ذات
الموضوع الاجتماعي، كما في قصته «انسجام كامل» من مجموعته الرابعة، وقصتيه
«الحنش» و«فلفل» من مجموعته الأخيرة. تركز «انسجام كامل» على مفارقات وصف
الازدحام في أحد الباصات حتى أن إحدى الدجاجات باضت بين الركاب، ويتجه هذا
الوصف إلى ما يسمى الفكاهة القاتمة أو السوداء.
يجلس الرجل وحيداً في بيته الدمشقي العتيق في قصته «الحنش»، يستمع إلى
المذياع، وهو يبثّ حواراً مع حاو يخرج الأفاعي من أوكارها، ويسقط أثناء ذلك
حنش ضخم من سقف الدار فيهرع الرجل هارباً، ويتذكر الخوف من الأفاعي
والحشرات منذ طفولته في مزرعة أبيه في الغوطة حيث حديث الفلاح أبي محمود عن
الحشرات والأفاعي، وتنتهي القصة بإعلانه كراهية البيوت العربية والمذياع
وآلات التسجيل، وقد قرر الإقامة في منزل والدته الحديث:
«وأقمت بصورة دائمة في منزل والدتي فرب ساحة الشهبندر.. حيث لا عقرب يمكن
أن يتسلل ولا أفعى قد تتخبط من السقف فتجعل القلب عند القدمين، وتترك العقل
طائراً حتى بنات نعش» (ص97).
واستعاد الراوي في قصة «فلفل» أيام طفولته حيث كان يتردد على بيتهم رجل
ربعة قصير ونشيط يدعى أبا أحمد، وقد لقبته والدة الراوي بفلفل نظراً
لمهارته ونشاطه في إصلاح الأعطال المنزلية الطارئة. وعندما تمرّ مدة تنقطع
فيها زيارة «فلفل» عاد بعدها ليتحدث عن أقاربه الضيوف ممن أقاموا في بيته
وقد عبث أولادهم بنباتات الدار، والتهم أحدهم عناقيد العنب، وسط ضحك
الجميع.
3- ملاحظة أخيرة:
أفلح نصر الدين البحرة في كتابة قصة واقعية شديدة الثراء والتنوع الفكري
والأسلوبي، وعمادها تعاطفه الحميم الدافئ والإنساني مع جماعته المغمورة من
الحرفيين والعمال والمعلمين والبؤساء الكادحين الذين غدوا نموذجاً هو شاهد
على التحولات العميقة التي مرّ بها المجتمع العربي في سورية لينفح المتلقي
تفاؤلاً حيناً وإحساساً مأساوياً بالحياة حيناً آخر.
2-قصص إسكندر لوقا: جمالية تقاليد القص
إسكندر لوقا كاتب بالفطرة، فالكتابة فعاليته الرئيسة، ولم تفعل العقود
المتعاقبة إلا تجويداً وترسيخاً في هذه الفعالية التي جعلت من صاحبها قامة
من قامات القصاصين المؤسسين في خمسينيات القرن العشرين، ممن واصلوا الإبداع
القصصي حتى اليوم، فقد صدرت مجموعته الأولى «حب في كنيسة» عام 1952، إلى
مجموعته العاشرة «عودة شاهين» (1997) التي ألحقها بمختارات من مجموعاته
المتتالية، وهي:
في ليلة قمراء 1953
العامل المجهول 1954
أنصاف مخلوقات 1955
نافذة على الحياة 1958
رأس سمكة 1961
النفق والأرقام 1963
من ملفات القضاء 64-1966
الوليمة 1971
ولعلنا نوجز ملامح إبداعه القصصي فيما يلي:
1- إتباعية ومعيارية:
يصدر لوقا عن فهم للقصة منسجم مع ممارسته لكتابتها، فهو حريص على إتباعية
تستحضر تقاليد القص الكلاسيكي كما نضج على أقلام مبدعيه الكبار: «فن له
مقوماته» (ص1) «المعايشة» (ص1) بما هي «تحليل الحادثة واتخاذ الموقف الذي
لابد من توافره، في مكان ما من القصة، لتكون جزءاً من وظيفة اجتماعية، تسهم
في بناء الوعي» (ص2)، و«الرصد» كأن يلتقط الكاتب موضوعه، كمثل الطبيب حين
يضع يده على موطن الداء، وقد يكون الداء ظاهرياً أو خفياً» (ص2)، واللغة
«التي توصل معايشة الكاتب إلى من يريد مخاطبتهم» (ص2). ثم صدق الرؤية أو
التحليل، ثم المعاناة «فالرصد يقودنا إلى الموضوع، واللغة تساعدنا على
التعبير، والتحليل ينتهي بنا إلى الموقف، عبر معايشة الموضوع. وأما نوعية
المعاناة فهي التي ترسم الخط الفاصل، بين صدق الانتماء وعدمه» (ص3). ثم
«البساطة وصولاً إلى عمق الفكرة التي أردت عرضها أمام القارئ».. ولا تعني
البساطة اعتماد القالب الوصفي للبحث، بل «صدق المعايشة، ووضوح التعابير،
وإثارة الرغبة لتحديد الموقف من خلال عرض الفكرة، لا فلسفتها على طريقة
البعض، فالحياة لا تحتاج إلى الفلسفة بقدر ما تحتاج إلى تعريف» (ص5).
إنه فهم إتباعي تقليدي، ينهض على عناصر دقيقة واضحة: المعيارية، الواقعية،
المحاكاة، الأسلوبية، النمذجة، الجمالية. وأتوقف عند قصة «عودة شاهين»
مثالاً لكتابته الإتباعية التي تلتزم بقواعد محددة راسخة في القص التقليدي
من الوصف إلى رسم الشخصيات إلى الحبكة إلى العناية المستمرة بالواقعة أو
الحدث أو الفعل إلى لحظة التنوير أو الإفصاح عن شبكة الدلالات بلوغاً
للمعنى من خلال ضبط الوحدات الثلاث: المكان والزمان والفعل. هذا هو شاهين
يعود من خدمة العلم في إجازة في أحد أيام تشرين الثاني عام 1973 إثر
مشاركته في الحرب المجيدة، ويدخل غرفة جدته، لتكون مناسبة لاستذكار الماضي،
ووصف سحب الجد شاهين إلى حروب السفرلك، ثم غاب، ولم يعد، ويفعل الوصف فعله
للتداخل بين الخارج والداخل، حين يتوالى وصف الدواخل النفسية الموجعة حتى
الآن من أوجاع الخارج، فقد «أخذ» شاهين منها إلى حروب غيره ليموت بعيداً عن
وطنه وقومه وأسرته؛ كما في ذكرى الجدة:
[مع سماعها اسم «شاهين»، ارتسمت على شفتي الجدّة ابتسامة. وفجّر الاسم في
ذاكرتها قصّة قديمة. قالت بصوت خافت متردّد كخطى إنسان كهل يصعد على جبل:
«بعد زواجنا بشهرين فقط، قامت المدينة وقعدت. حضر إلى المدينة رجل فظيع
اسمه أحمد، أحمد جمال باشا. كل أهل المدينة خافوا من هذا الرجل وأنا كنت
واحدة منهم. لم أكن خائفة على نفسي بقدر ما كنت خائفة على زوجي شاهين. كان
الباشا رجلاً فظيعاً، أخذ مني شاهين ولم يعده إليَّ».] (ص7).
وتشتد أواصر نسيج السرد الواصف لتنامي الفعلية من خلال الإلماح إلى تأثير
هذه الفعلية في سلوك الشخصيات وإحساسها المتفاقم بعودة الغائب مقترنة بوصف
ذكرى المفقود أو الفقيد لا فرق؛ فتتمازج صور لوعة الماضي وبهجة الحاضر في
الاستذكار المروع حيناً، والمتأمل لخيبته ومكابدته حيناً آخر، إذ يتداخل
التخييل مع مرجعيته التاريخية والواقعية.
«مثلما أثار اسم «شاهين» في ذاكرتها قصة قديمة، كذلك حدث عندما سمعت عبارة
ليلة رهيبة. هذه المرّة لم تبتسم، رأوها تغمض عينيها وتعضّ على شفتيها:
- أراهن أنكم لا تعرفون شيئاً عن تلك الليلة. في تلك الليلة كل من جاء
لوداعه كان يبكي. ولم يكن أحد يستطيع أن يفعل شيئاً لاسترداده. كان يخرج من
الدار مع الرجلين اللذين حضرا لأخذه مني، قدماه إلى الأمام وعيناه إلى
الخلف. كانت نظراته كنظرات مسافر يلقي آخر نظرة على شاطئ الوطن. نعم، كنت
وطنه، وكان يناديني بيا وطني. إنه قبل أن يصير زوجي كان معلمي. علمني
القراءة والكتابة. ودائماً كان يحدثني عن التاريخ. وبشكل خاص كان يحدثني عن
سنة /1516/ بينما كنا نحن في سنة /1916/. وفوق ذلك، علمني كيف أحبه كوطن
لي. وهكذا صرنا زوجين، هو وطني وعمره ثلاثون عاماً، وأنا وطنه وعمري أربعة
عشر عاماً. وكان أيضاً، أستاذاً لي، بينما كنت تلميذة له. الجميع كانوا
يلقبونه بالأستاذ. لكن الجدار، لم يدم لي سوى شهرين. انهار الجدار، وانطفأت
الشمعة في بيتنا فجأة. حتى أن أبي لم يحتمل الصدمة عندما طالت غيبته فمضى
هو الآخر. ومنذ ذلك التاريخ، أنا وابني شاهين الذي أعطيته اسم أبيه،
بانتظار أن يعود» (ص8).
وتسترجع الجدة مع خبر عودة الحفيد شاهين مرارة الخبر الكاذب لعودة الجد
شاهين، فقد حاول الضابط الإساءة إليها مما اضطرها للدفاع عن نفهسا باستخدام
السكين ذئبة تواجه ذئباً يتحين لحظة الانقضاض عليها، فلا تقبل الضيم والذلّ
مثل شاهين الذي غيبه العدو، ثم حضر ضابط منهم ليخبرها الخبر الكاذب ذريعة
للنيل من شرفها:
«منذ زمن بعيد كنت أعلم أنهم قتلوا شاهين وتركوا جثمانه فوق الرمال، لأنه
فقط كان يتحدّث عن سنة /1516/. لكن شاهين الصغير كان لي وطناً مثل أبيه.
والوطن غال كا تعلمون. في أيامكم هذه تدافعون عنه بالطائرات والصواريخ
والقنابل. في أيامنا تلك، كانت تكفي حتى السكين.
عدت إليه ذئبة متمرسة، وسمحت ليده أن تزحف على ساقي. وسمحت لها أن ترتفع
إلى الأعلى كأفعى تندس بين الأعشاب لتبتلع مكمن فريستها. وعندما رأيت
حدقتيّ عينيه تميدان بإغفاءة النشوة، بسرعة لا تقاس، رسمت فيهما حالة ذعر
لا توصف.
وغاب كل شيء، تحت جنح الظلام، في مترين من الأرض عند قنّ الدجاجات. لكنني
احتفظت بالسكين» (ص10).
وتتداخل باستمرار الوقائع الراهنة بذكرى الوقائع القديمة متمازجة مع الروح
الوطنية التي تعمّر وجدان شاهين وأسرته، كما في تصوير الحبكة، وهي الاحتفاظ
بسرّ حياتها المأساوية عندما جاوزت المحنة بالمحافظة على نقاوة خلقها
القويم:
«مع شروق الشمس، كانت الجدة قد خرجت إلى حديقة المنزل لتتفقد، كعادتها،
شجرة الياسمين. كانت الوريقات البيضاء متفتحة، فاقتطفت منها ما يكفي لتصنع
منه الأطواق، كما في كل صباح قبل أن يلتحق «شاهين» بالخدمة: واحدة لشاهين،
واحدة لشيرين، واحدة لسوزان، وواحدة لكل من ياسين وأحمد ورنا. وصار صعباً
أن تصير الحقيقة حلماً» (ص12).
ويضاء الفعل في معنى المقاومة المتألق والدائم، فقد هدأت الجدة، وأيقنت
بحلول راحة البال ما دام شاهين عائداً من حرب منتصرة:
«وقرّبت المرأة العجوز وسادة النوم من مكان جلوسها» (ص13).
لقد عني لوقا بالعناصر التقليدية في كتابة قصته الإتباعية، ولا سيما تخييله
لموضوعه عناية فائقة بالقصد المنشود، تثمين القيم الأخلاقية في إهاب القيم
الوطنية المتوهجة على الرغم من عناء الذكرى وقسوتها. والبارز في الوصف هو
معاينة وقع الفعل واستجابته داخل النفوس الملتاعة من وطأة الاستعمار
وارتفاع إرادة المقاومة مما لا فكاك منه لكل نفس أبية.
ويستفاد من هذا التحليل أن كتابة القصة تستند إلى معايير ثابتة: المقدمة،
العرض، تنامي الصراع إلى ذروته، ثم الانفراج إلى حل يشي بفكرة القص. ولا
تختلف قصصه الأولى عن قصصه المتأخرة في بلوغ شأو عال من تنظيم المقدرة
الحكائية عن طريق راو مضمر عارف غالباً، ورأينا ذلك في قصة «عودة شاهين».
لقد دخل شاهين غرفة الجدة واحتضنته، ونكتشف أن الجدة تعاني من عقدة نفسية،
فقد أخذ جمال باشا السفاح زوجها شاهين ولم يعده إليها، وما تزال وهي في سن
الثانية والسبعين أو الثالثة والسبعين تتعرف إلى الوجوه حولها، وتخاطب
الابن على أنه زوجها. وتتذكر تلك الليلة. كان يناديها يا وطني، وأعطت اسم
شاهين لابنها بانتظار أن يعود. وكان شاهين وطنياً، إذ قتل لأنه يلهج
بمعاداة الاستعمار عام 1516. ويفصح الحوار مع الجدة عن ذكرياتها الحية مع
الأب الفقيد وقد أشرقت القيم الوطنية والقومية متماهية مع شرف الذات.
2- الجماعة المغمورة:
احتفى القص عند لوقا بنماذج بشرية هم جماعات مغمورة تعاني من صعوبة العيش،
ثم يمدّ لوقا هذه الجماعات لتغدو صوراً عن مكابدة ضاغطة لبشر في منعطف
حياتي أو سيرورة وجودية قاهرة. كما في قصة «الاختيار»، فقد عين معلماً في
قرية بعيدة، ودعاه أحدهم إلى المبيت عنده، لتهزه خيارات ابني صاحب البيت،
حسام الذي اختار بنفسه وغادر إلى مصيره، و«رباب» التي رضخت لمشيئة الوالد
وتزوجت صاغرة بمن لا تحبه. وها هو ذا يعاني مشكلة الاختيار إزاء حسام
المنتصر الوحيد، وهزيمة رباب مثله وقد انعكس ذلك كلّه على وجدانه المعذب
بتعلقه بالأخيرة وعجزه عن الاقتران بها بالنظر إلى وضعه البائس.
يبدأ الراوي المتكلم في القص شارحاً معاناته في الحياة بالإلماح إلى
الشواغل الضاغطة عليه من مهنته معلماً في الريف، فيورد شكواه ونقمته على
أوضاعه المرهقة بسبب السفر والغربة.. الخ، كما في الوصف المباشر في أسطر
القصة الأولى:
«بعد ثلاث عشرة ساعة من السفر المتعب، توقف محرك السيارة، وبدأ الركاب
يهبطون الواحد في أثر الأخر. في هذه القرية، كتب عليَّ أن أبدأ حياتي
العملية في حقل التعليم» (ص69).
ثم يتقصى أجواء الوحدة، فهو لا يجد أنيساً طوال رحلته المتعبة، وكأنه محكوم
بالعزلة من الجميع:
«لامست قدماي الأرض الجديدة، في الساعات الأخيرة من ذلك اليوم الذي أحدثكم
عنه. ولم يكن حولي من آنس به، باستثناء الرجل الذي شاركني المقعد في الباص.
إلا أن هذا الرجل كان نائماً طوال الوقت، فلم أتبادل معه كلمة واحدة. فترات
اليقظة القصيرة، كان يقضيها إما في شرب كأس شاي داخل الاستراحات المتواضعة
على الطريق، أو في بيوت الخلاء! وبالنسبة إلى باقي الركاب، فقد عزلني عنهم
أنين المحرّك المتواصل، كما المريض يئن تحت وطأة الألم المزمن» (ص69).
وتتوالى إلى الصفات الدالة على عذابه المستمر منذ وصوله إلى أرض القرية
وامتلائه بأحاسيس الغربة، فثمة استهجان من سؤاله عن فندق للإقامة، وتظهر
ردة الفعل من ذلك الوصف العميق للشخصيات دون غلو:
«ورفع عينيه إلى الأعلى قليلاً، وغرسهما في عيني. قرأت في نظراته، وهي تعكس
ضوء مصباح شاحب، قرأت سؤال استفهام:
- فندق في قريتنا هذه يا ولدي؟ وتريده، أيضاً، قريباً من الساحة؟
أعاد الصرة إلى مكانها، وتفرس في وجهي:
- غريب؟
قلت بلهجة من ارتكب ذنباً غير مبرر:
- نعم. أنا غريب» (ص70).
وتنداح معاناة أهل القرية أنفسهم، فهم بالكاد أفلحوا في افتتاح المدرسة
الإعدادية من أجل أبنائهم، أما الفندق فهو للأغراب، «وليس لدينا ما نقدمه
لهؤلاء» (ص71)، على أن المجيب على أسئلة المعلم يضطر إلى دعوته لقضاء هذه
الليلة في بيته، لتنشأ بينهما علاقة تعاطف كما هو حال أفراد الجماعات
المغمورة التي تعاني من قسوة العيش ووطأة شروط الواقع، فيتبادلان حمل
الأغراض نفسها ورواية أشكال المعاناة:
«لا أذكر بالتفصيل كل ما رواه، إلا أنه كان يومئذ عائداً من دمشق، بعد
استكمال بعض المعاملات المتعلقة بضرائب مستحقة على عقار أو أرض يملكها.
وأذكر، أيضاً، أنه كان خلال الحرب العالمية الثانية، مع الجنود الإنكليز
الذين قاتلوا في الصحراء الليبية، وبعد انكسار رومل عاد إلى الوطن وترك
الخدمة» (ص72).
ولعل المعلم شعر بتوحد الحال مع مثيله صاحب البيت الذي دعاه ليعتبر نفسه في
بيته، وهذه الغرفة هي غرفة ابنه حسام الذي سافر إلى الشام منفذاً خياره في
استكمال دراسته التي يرغب. وترتفع وتيرة الإحساس بالمعاناة لدى المعلم إثر
لقائه بمدير الثانوية الذي يعيد على مسامعه صعوبة عمله «التدريس مهنة
شريفة، ولكنها قاسية ومضنية خاصة في القرى البعيدة المهملة» (ص74).
ثم غدا مسكوناً بكلام المدير حول مسألة الاختيار التي تجرأ حسام عليها،
وباشرها بإرادته، فقرر أن ينتزع صورة حسام من مكانها، وأن يخفيها في خزانة
الثياب، ولعل ذلك تقدير لمقدرته على الاختيار. ورأى في صباح اليوم التالي
فتاة تجوس بين الزرع كالهمسة، فخّمن أنها من أهل البيت، وهيأ نفسه
لملاقاتها، وما لبث صاحب البيت أن دعاه لتناول الإفطار مع الأسرة، ليتعرف
إلى الفتاة، وهي ابنته رباب، وظهر تقارب عاجل بينهما، وقاطع الأب شردوهما
بقوله:
«- إذن نعتبر الموضوع منتهياً. حتى يعود حسام من الشام الغرفة تصبح لك.
وحتى ذلك الوقت، تكون رباب قد سافرت إلى عريسها في فنزويلا. إنه ليس
غريباً، إنه ابن عمها، وقد أرسل في طلبها إليه. إنه شبيه حسام. مركزه هناك
جيد، ومدخوله كبير. وعندئذ تنتقل أنت إلى غرفتها» (ص77).
وكانت الحبكة شديدة الإلماح في قول أبيها الذي يصعّد الفعلية إلى الخيار
الحاسم، فالفتاة رضيت بما نصحها به أبوها، على العكس من حسام الذي مضى إلى
خياره بنفسه، وبلغت الذروة منتهاها في صمت الفتاة عما ألزمت به من نصح لا
يوافي خيارها، لأنها غدت شريكة له في مشكلته ما دامت التزمت بخطبة من لا
يعنيها، وفي سبيلها للالتحاق به في المغترب البعيد:
«ومع أني فتحت النافذة محدثاً صوتاً مسموعاً، لم ترفع بصرها نحوي. وربما لم
تكن تجرؤ على ذلك. فأيقنت أنها تقاسمني مشكلتي. كلانا تتحكم به الأرقام،
ولا يملك حق الاختيار من المرة الأولى. حسام الذي لا أعرفه حتى هذا اليوم،
كان المنتصر الوحيد بيننا» (ص78).
من الواضح أن القصة تروى على سبيل الاسترجاع، فالراوي المغمور في بؤسه
ومكابدته للشقاء الإنساني تضاعف إحساسه المأساوي بالحياة القاهرة بخسران
الحبّ الذي من شأنه أن يخفف من وطأة العذاب:
«ورغم السنوات التي تفصلني عن القصة، لا تزال الطائرة التي حملت رباب
باتجاه الشمس الغاربة ذات يوم، عالقة في مكان ما في السماء، في عينيّ، لا
أدري» (ص78).
يختار لوقا لقصصه شخوصاً من هذه الجماعات المغمورة، لا سيما المعلمين في
الأرياف ممن يفتقرون إلى أبسط أشكال العيش الرحيم، على أن مكمن النجاح لديه
لا يكمن في إظهار التعاطف أو الشفقة، بل يجاوزه إلى الغوص العميق في شفافية
الرؤية لمقاربة الإحساس المأساوي بالحياة، كما في هذه الإشارة الوصفية
الدالّة على المشاعر الدفينة:
«وبعد ذلك اليوم، لم أرَ رباب سوى مرتين أو ثلاثاً. آخر مرة رأيتها، كانت
تجوس بين الزرع، في حديقة المنزل. لم تكن كالهمسة، وإنما كالفراشة الهائمة
تودّع ربيع الحقل. كانت تتلمّس بيدها غصناً، ثم تنتقل إلى غصن آخر، فآخر،
إلى أن ودّعت كل الأغصان» (ص78).
3- العناصر الواقعية:
تحفل قصص لوقا بعناصر واقعية، بما يجعل من هذه القصص علامة على شرطها
البيئي والتاريخي، ويظهر ذلك في العناية المطلقة بوصف البيئة، ووصف الدواخل
النفسية لشخوص هي بنت واقعها، فليس ثمة اجتلاب لقضايا أو مشكلات خارجية، بل
إن كثيراً من قصصه تحمل وثائق عن زمنها كما في قصة «الولادة الجديدة»
المبنية على واقعة بناء سدّ الفرات والتحولات الاجتماعية الكبرى التي
شهدتها سورية خلال نصف القرن الأخير، تصور القصة رحلة جريس العائد إلى
الطبقة بعد أربعين سنة من هجرته إلى البرازيل، فقد ورثه عمه حنا ماله، ثم
عاد في سبعينيات القرن العشرين، وهو ما يزال يحمل خزنة للصور البشعة التي
لا تفارقه، عندما ابتلع النهر والده، ويعود اليوم ليشهد ولادة حياة جديدة
مع قيام السد وبدء عمليات التنمية الواسعة.
ثمة راو مضمر يسرد تفاصيل عودة جريس إلى الطبقة مندغماً مع استرجاع وقائع
الماضي، ويستحضر من خلال الوصف حال النهر المدمر قبل قيام السدّ:
«في تلك الأيام البعيدة، كان قدر المسافر من حلب باتجاه الشرق، يتوقف على
فراسة السائق وحالة الطقس. كانت الصحراء لا تنبت غير الرمال، وأما المعالم
المحيطة بمجرى نهر الفرات، فكانت، في معظم السنوات، تحت رحمة المياه
المتدفقة في جوف النهر.
من بين تلك الصخور التي تتزاحم أمام عينيه، يستعيد «جريس» مشهد الفيضان
الذي اقتلع منزله ذات يوم، وجرف كل ما فيه: جسد أبيه المتدحرج فوق الأمواج
الغاضبة. صرخة أمه في ذلك اليوم البائس. قطعان الغنم الطافية على وجه
الماء. الأيدي الملّوحة المستغيثة» (ص47).
ثم يستذكر واقعة موت أبيه غرقاً:
«جسد أبيه يتدحرج فوق الموج. صرخة أمه تمزّق أذنيه. قطعان الغنم تطفو فوق
سطح الماء كالوريقات تتطاير أمام وجه العاصفة. الأيدي، تلوّح مستغيثة في
الفضاء، ثم مزاح «ناظار» أفندي، ووجه «اشخين». الصور تتشابك وتتفرّق، فمن
أين يبدأ؟» (ص49).
وتضاء جوانب حياته السالفة والتغير الهائل بتأثير توريثه من عمه ليخوض غربة
داجية أشرقت في المغترب، وإن بقي الإشراق شاحباً تحت قسوة فقدان الأب:
«- اسمع يا جريس. تزوجت ولم أنجب أطفالاً. ستكون وريثي الوحيد في هذه الأرض
البعيدة عن الوطن. لم يبق في أسرتنا التي تشتت في الدنيا سوانا. أنا الماضي
الذي بدأ يميل كالشمس ساعة غروبها، وأنت هو الشروق. كم هي قاسية هذه الحياة
التي تنتزع أناساً من أرضهم، كما تُقتلع الشجرة من ترابها. كم هي قاسية
الأيام التي يجد فيها المرء نفسه غريباً حتى عن أقرب الناس إليه» (ص49).
وتكاد القصة تكون سجلاً للتاريخ القريب، من استعادة هجرة الأرمن عام 1915
إلى مجمل الوقائع الكثيرة من خلال رسائل ابن خالته «غطاس» إليه في المغترب:
سلخ لواء الإسكندرونة، جلاء الفرنسيين عن سورية، الانقلابات العسكرية
المتتالية، إعلان الوحدة مع مصر، الانفصال، ثورة آذار، العدوان الإسرائيلي
على البلاد سنة /1967/، الحركة التصحيحية عام /1970/، ثم حرب تشرين سنة
/1973/. «حتى أخبار الفن والثقافة، كان «غطاس» يقتطعها من صحف البلد، ويبعث
بها في ريودوجانيرو. وبقيت أخبار الوطن تشده إلى كل ذرّة من ترابه، ومع كل
حرف يقرؤه، يسمع ذلك النداء المجهول، الذي لا يستطيع تفسيره، كما يستطيع
الآن، إنه نداء الأرض. وهكذا، عاد» (ص50).
ثم يشرحون لجريس فعالية السد في التغيرات الاجتماعية، ليخاطب غطاساً عن
قراره نحو خياره الصريح المختلف:
«- اسمع يا غطاس. من هنا سأبدأ حياتي الحقيقية. سأبدأ بأي شيء يجعلني أنتمي
إلى الأرض التي أنبتتني ولم أرَ ولادتها. ولادتي الجديدة ستكون هنا يا
غطاس. هنا تحت شمس هذه الأرض، حيث أشهد مقتل هذا الوحش الذي التهم أبي وأمي
وقطعان الغنم، وكل الأيدي التي كانت تلوح مستغيثة ذات يوم مشؤوم» (ص52).
أما قصة «وانقطع حبل الكلام» فهي مبنية على وقائع العمليات الاستشهادية ولا
سيما استشهاد حميدة الطاهر لفضح الفساد المنتشر. يلتقط القاص الجالس في
مقهى شعبي حديثاً بين أربعة مقاولين يبحثون عن طريقة ملتوية للحصول على
مناقصة وهم يشربون الويسكي. وفجأة تظهر على شاشة التلفاز صورة الشهيدة
حميدة الطاهر موجهة رسالتها قبل استشهادها. ثم يغادر المقاولون المقهى،
وتسيطر على المقهى أحاديث عن البطلة حميدة.
تتباين في القصة المفارقة بين الوالغين في التهالك على المفاسد من جهة
ونداء الروح الوطنية الغامر في العمليات الاستشهادية من جهة أخرى. وينقطع
السرد على لسان الراوي المضمر العارف بتشخيص حال هؤلاء الوالغين في الشرور
بإعلان جانب من قصد المفارقة:
«ولأن الإنسان، يقرف أحياناً من الاستماع إلى مثل هذه الأحاديث السافلة، لا
يجد مبرراً لتفصيلها، حتى وإن كانت قصة قصيرة، تكتب للتسلية، ولا يدّعي
كاتبها أنها قد تصلح لتكون عبرة أو درساً أو موعظة. ولهذا أتخطى ما سمعته
على لسان الاثنين الآخرين، وكلاهما لم يبخل عليهما الدهر بمثل ما لم يبخل
به على الأولين: مال كثير، سيارات، بنايات وطوابق، وجاهات، أساليب مختلفة
لتمارين الفك، ومعارف من كل مستوى» (ص38).
وعلى الرغم من هيمنة صورة المفارقة الأخرى على رواد المقهى وانشغالهم بخبر
العملية الاستشهادية ورسالة الشهيدة، فإن الفاسدين غادروا هرباً من المناخ
الوطني والقومي النبيل:
«أحدهم اقترح: أحسن شيء نفعله، نبدل هذا المكان ونتابع حديثنا حتى نجد حلاً
لمشكلتنا. هذه الليلة يجب أن نعثر على مخرج وإلا ضاعت المناقصة من بين
أيدينا.
فقط هذه الكلمات سمعت في تلك اللحظة المشحونة بمشاعر لا يمكن أن تُوصف،
وانقطع حبل الكلام فترة من الزمن، حتى استعاد زبائن المقهى أنفاسهم، وبدأوا
يتحدثون عن حميدة...» (ص39).
(1) ـ أعمال نصر الدين البحرة القصصية:
1. «هل تدمع العيون» ـ مطبعة الجمهورية ـ دمشق 1957.
2. «أنشودة المروض الهرم» ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1972.
3. «رمي الجمار» ـ وزارة الثقافة والإرشاد القومي ـ دمشق 1980.
4. «رقصة الفراشة الأخيرة» ـ دار المجد ـ دمشق 1989.
5. «محاكمة أجير الفران» ـ دار المجد ـ دمشق 1997.
4- المحاكاة:
تمثل قصص لوقا المحاكاة بأزهى قواعدها، فليس ثمة مبالغة أو تبسيط، بل تماثل
لفعل ما يلبث أن يتنامى في حرص واضح على ما يسمى بالوحدات، وحدة الزمان،
وحدة المكان، وحدة العمل، وصولاً إلى وحدة الأثر، إذ يتجنب لوقا أية
استطرادات غير وظيفية في بناء قصته، كما في قصة «الشجرة اليابسة»، فالجارة
العانس في حفلة عرس، وتسكن في الطابق الأسفل للعروس، وتعاني من الجدري،
وينتهي العرس، وتحس العانس بأنها شجرة يابسة.
تستغرق القصة في ضبط حوافزها (وحداتها القصصية الصغرى) إمعاناً في تنامي
الفعلية لإظهار قصدها إيماء، حيث يتوازى في السرد صوت الراوي العارف المضمر
وصوت المرأة العانس الوحيدة البائسة، وأذكر مثالاً لنسق تنضيد السرد، إذ
يصف الراوي الاستعدادات الدقيقة للعرس كقوله:
«توالي اختفاء العروس وظهورها بالثياب المختلفة. كل ثوب يفوق الآخر أناقة
كما يفوقه تكلفة. وفي كل مرة تبدو العروس وكأنها إنسانة جديدة انبثقت أحلى
وأحلى. وتتعلق بها عيون بعض الفتيات المراهقات وقد ارتسم فيها جوع عينين
بائستين تتطلعان إلى رغيف أبيض ساخن» (ص171)
بينما تعلن المرأة حزنها ويأسها من وحشة الحياة من خلال مراقبتها المستمرة
لعلاقة العروس بخطيبها يوماً بعد يوم، وتفصح عن مشاعرها المكبوحة شيئاً
فشيئاً:
«وأشعر بمعدتي خاوية. لطالما تمنيته لنفسي. إلا أنه كان يصعد في كل مرة إلى
الأعلى. كنت أعلم أنه يحبها حتى العبادة. ورغم ذلك نمت في قلبي ذات يوم
أمنية. لكن هذه النبتة الصغيرة بقيت صغيرة ولم تكبر. بقيت بذرة في التراب
تهفو للقاء الشمس والشمس بعيدة» (ص171).
ويصير وصف العروس والاستعدادات الجارية للعرس إطاراً لكشف دواخل المرأة
العانس التي تتعلق بأي حركة إنسانية صادرة عن رجل ما عبر بجانبها، أو أطل
في مروره أمام عينها الرقيبة على أية لفتة إنسانية محرومة منها:
«... بصورة عفوية تلتقي عيناه بعيني، ولكن كعابري سبيل عند منعطف شارع
مزدحم بالناس، لا يلبث أحدهما أن يفسح الطريق للآخر مردّداً كلمة اعتذار
مهذبة. إنني واثقة من أن هذه الوقفة لا تعنيه في قليل أو كثير، إلا أنها
بالنسبة إليَّ، كدفقة الهواء المنعش، تدخل صدر إنسان متعب فترد حياته إليه.
ولكن أية حياة حياتي هذه؟ ثلاثون سنة نصفها الآخر عين على الشارع وعين على
المرأة» (ص172).
وتبلغ مأساة المرأة الوحيدة ذروتها حال مغادرة العروس إلى عريسها في موكب
السيارات من أمام البيت، بينما يتفاقم إحساسها المروع بالموات:
«وأما الشجرة اليابسة فإنها تُقطع وتُرمى في النار. إنني أود أن أكون تلك
الشجرة المثمرة مع أي رجل، أي رجل يسقط قلبي عليه. لن أسأله ماذا تأكل
ذهباً أم أعواد قنب؟ صورته تنمو في مخيلتي، والصورة تفقد معالمها يوماً بعد
يوم، حتى تستحيل إلى ظل» (ص173).
وتتبدى المحاكاة صريحة في قصة «كل النوافذ مغلقة»، فقد تزوج عم محروس شابة
صغيرة، ظلت وفية له، على الرغم من أقاويل بعض أهل الحارة بأن شاباً جامعياً
لا يغلق نافذته المقابلة لنافذتها، ثم تغير كل شيء، واطمأن عم محروس أن
زوجته معه.
ونلمس وحدة الفعل وتناميه في تتبع موقف عم محروس من الوشاية بزوجته
ومجاوزته لقلقه العنيف من الأقاويل باختباره المتكرر لإخلاص زوجته الشابة،
لتصبح القصة أشبه بمراودة نفسية وسلوكية لمعنى العلاقة بين الرجل والمرأة
على الرغم من تفاوت السن وتباين النظر إلى دوافع الارتباط بينهما. لقد جعل
الراوي المضمر حبكة القصة في قول الواشي صبي اللحام: «- يا عم محروس في
بيتك نافذة يأتي منها الريح.. سدها واستريح» (ص65).
ويستمر تنامي الفعلية في معاينة حالات الاختبار التي تتعداها الزوجة إلى
قلقها على زوجها عم محروس بحثاً عن أسباب راحته، فليس يعنيها سوى
علاقتهما:
«اضطر عم محروس إلى لزوم الصمت، ولكن عينيه، في تلك الليلة، لم تغمضا. كانت
النافذة المضاءة تشغل باله، ووجه الشاب أيضاً كان يقفز من خلال التصورات
المؤرقة ليحتل كل المعالم. وأكثر من مرة نظر عم محروس في وجه زوجته، فرآها
نائمة بهدوء كالملاك. وبرغم المحاولات التي بذلها لطرد الأفكار السود عن
ذهنه، فإن عين الشاب الواحدة كانت تحط على الكتاب، وعينه الأخرى تنصب على
نافذة المنزل» (ص66-67).
وتكتمل المحاكاة في تأمل الفعل الإنساني وقد صار إلى فعل قصصي مشحون
بدلالاته المتعددة عن قصد لا يخفى هو اطمئنان عم محروس لخيار علاقته مع
زوجته الشابة:
«لم يدر عم محروس ما كانت تعنيه بالضبط، إلا أنه مع ذلك، أحس بفرح طفولي
يغمر كيانه كله. وارتسمت على صفحة ذهنه، صورة لزورق يبتعد قليلاً قليلاً عن
شاطئ الناس والأرصفة، وليس فيه سوى مخلوقين، هو وزوجته، ومن حولهما طيور
البحر تعلو وتهبط كأنها في مهرجان... ونوافذ المدينة كلها مغلقة» (ص68).
5- الأسلوبية:
ثمة عناية فائقة بالأسلوبية في قصة لوقا، إذ تستوي قصصه على أسلوبية محددة
ازدادت ضبطاً لأنساق السرد وإحكاماً لوجهة النظر التي تنخرطُ في منظور سردي
واضح، كما في قصة «إكراماً لعينيها»، فقد حذرت الجدة من القراءة، لأنها
تفقد النظر أو تورث الجنون، وترد قصة جده نامق أفندي الذي انتحر، كما توضح
أوراقه التي كشفت فيما بعد، لأن جمانة التي يحبها دعته للانتحار معاً، ففعل
هو، وزارت هي قبره على سبيل الوفاء، فيا لها من مفارقة مؤسية!
يعنى لوقا كثيراً بالمنظور السردي إبرازاً لوجهة النظر التي تختلف عن تصريح
شخصية من الشخصيات أو عن تعليق راو من الرواة، أو تدخل الكاتب في مباشرة
الخطاب، حين نصحت الجدة أحفادها بنبذ عادة القراءة، لأنها تكتم أمراً لا
تريد لهم أن يطلعوا عليه، وهو تعلق المرأة جمانة بجدهم، ووفاؤها له عندما
غيّبه الموت، فظلت تزور قبره، مما جعل الراوي الحفيد يتكتم على اسمها:
«إكراماً لعينيها، لعينّي جدّتي المسكينة الطيبة، احتفظت لنفسي بتفسير وجود
تلك المرأة عند قبر «نامق أفندي»، وإن كنت، حتى هذه اللحظة، لا أجرؤ على
القول إنها جمانة!» (ص82).
6- النمذجة:
تفلح قصص لوقا في خلق نمذجة في غالبية قصصه بمعنى النفور من المصادفة أو
التطرف في بناء الشخصيات الإنسانية ضمن شرطها الإنساني والتاريخي كما في
قصص «السؤال الكبير» أو «غربة الغريب» أو «لحظات الضياع».
تفترق قصص لوقا عن مرجعيتها لتنغمر في صوغ نماذج إنسانية ضمن تخييلها
الخاص، فنقع في قصة «السؤال الكبير» على طالبة كاتبة قصة تبحث عن موضوع
لفنّها، ثم تجده في امرأة جالسة على الرصيف وهي ترضع طفلها، مثالاً
ترميزياً للواقع العربي، فتستعرض وقائع من البيئة العربية ووثائق إخبارية
من هذا الزمن القريب، وهي تنتقل من فكرة إلى أخرى مستعينة بالذكريات وقراءة
الدوريات والاستماع إلى المذياع كقول الراوي:
«من الكويت، من المنامة، من نواكشوط، من دمشق، من، من، من، أعني كلَّ
الإذاعات العربية على وجه التقريب، كانت مشغولة بالترفيه عن المواطن
العربي، في أرجاء الوطن الممتد من الماء إلى الماء، فيما انفردت إذاعة
B. B. C
بمواجيز الأنباء عن اعتبار نتنياهو المستوطنات أولوية وطنية، وعن نصيحة
قدّمها بلليترو للعرب، وبالمجّان، كي يتعاملوا مع أولبرايت، وزير خارجية
الولايات المتحدة بإنصاف، وأيضاً عن كشف النقاب عن أطماع إسرائيل في المياه
العربية بمناسبة انعقاد مؤتمر أوروبي حول المياه، وعن ساعات إضافية في
مدارس إسرائيل لتدريب أطفال المدارس على التعامل مع ظروف الحرب الذرية إذا
ما وقعت مثل هذه الحرب مستقبلاً.
ولم تدر «هيام» لماذا حشرت إذاعة الـ
B. B. C
نبأ حول إعلان بعض الأدباء العرب رفضهم التطبيع مع إسرائيل تحت أي ظرف من
الظروف» (ص45-46).
وتتضح النمذجة من خلال انتهاج الترميز والمبنى الرمزي حاضناً لمبنى واقعي
دال على الواقع:
«قررت «هيام» أن تكتب قصة تلك المرأة. سترمز للعالم العربي بالمرأة.
وللإنسان العربي بالطفل. سيقولون لها قصتك رمزية، ولكنها راضية سلفاً
بالحكم. قصتها هذه، ستكون أول قصة تعاني من أجل خلقها. أول قصة واقعية
تنتمي إليها بكل حرف من حروفها» (ص46).
وثمة تلوينات أخرى للنمذجة من خلال المبنى الواقعي نفسه كما في قصة «غربة
الغريب»، إذ يحس البطل بأنه غريب عن محيطه في هذه السهرة الهادئة التي
جمعته إلى آخرين على الرغم من متعة المكان المفتوح في حديقة عامرة
بالنوافير والظلال الوارفة، مما يجعله مجرد «كاميرا» تلتقط الآخرين، ثم
يتعرف خلال السهرة إلى فتاة يقدمها له أحد الأصدقاء على أنها زوجته منذ
الليلة، فيتذكر أيضاً فتاة عرفها أثناء دراسته، ولكن ظروفه المادية العسيرة
أعاقت الزواج منها. وتتداخل الصور مع ذكرى شقيقه الأصغر الجندي على الحدود،
ليشعر في النهاية أنه آلة حقيقية لا قيمة له، وليس جزءاً من صورة أخيه.
وتفترق قصة «لحظات الضياع» عن النسق إياه في مقاربة الشرط الإنساني بمعاينة
الفعل الصادر عن غير قناعة وما يستتبعه من معاناة، ومشكلة فاروق بطل القصة
هي عليا زوجته التي تزوجها إرضاء لوالده، ثم توالت المتاعب التي تؤدي إلى
ضياع كل شيء لولا المجالدة والمصابرة.
7- جمالية القصّ:
تتحلى قصص لوقا بجمالية جلية، وتتبدى هذه الجمالية في لغة فنية دالة على
الوصف والحوار، وفي اقتصاد الحوافز أي الوحدات القصصية الصغرى، وفي تنظيم
أغراض القص، فلا يستسلم القص للإنشائية أو الخطابية أو المباشرة، حتى في
القصص التي تميل لنبرة موضوعية مغالية مثل قصص «الذي لم يغب» أو «الشظية».
تسأل المرأة في قصة «الذي لم يغب» عن فراس، وكيف يغدو الابن مثار الاهتمام،
بينما تنخرط في ذكراه، وتعاود النظر إلى الصورة المقابلة لها، وكأنه لم
يذهب، فهو الشهيد الحي:
«وتدفق الدم إلى وجنتيه، أحس بالحرج، حاول أن يدير دفة الحديث:
- طبعاً فراس.
- هذا أمر آخر، هو الذي سيبقى يجسد الصورة الأحلى في وجودنا، ولكن، مع هذا،
يبقى الكل في حياتي هو أنتِ.
ووجدت نفسها، في المجال الذي حاولت أن تتهرب منه. واقتربت أكثر:
- سواء كنت حاضراً أو غائباً» (ص16).
وتتمازج صورة فراس وصورة أبيه، وتنهمر الذكريات بلغتها الشفيفة الدالة:
«وحيدة بقيت أمام الصورة المقابلة لها، تستعيد الذكريات، مرها تارة، حلوها
تارة أخرى، وفي الغرفة المجاورة، اليوم أيضاً، كما في كل الأيام
السابقة،كان أدهم الصغير ينام على صدر أمه» (ص21).
ولعلنا نشير أيضاً إلى لغة الوصف الوظيفية التي تتعدى مباشرة القول:
«عندما قيل لها إنه صار واحداً من شهداء الوطن، أحست بأن كل اللحظات تتجمدّ
في مكانها، وأن الحياة قد توقفت لفترة من الوقت تستطيع فيه استيعاب ما
يُقال لها، وأن الصرخة التي وصلت إلى حلقها قد امتنعت، من تلقاء نفسها، عن
الاندفاع، وتقبلت وسام القيادة، وهي واقفة على قدميها» (ص17).
وتقوم قصة «الشظية» على تداعي ذاكرة رقيب أول مشاة يشهد حرب تشرين، ويصاب
بحروق نابالم. يستيقظ في المنفى، ويسأل عن سترته التي أودع في جيبها شظية
قنبلة طلبها منه ابنه الصغير قبل أن يذهب إلى الحرب. فقد بنيت القصة على
ضبط الحوافز ليوازي المتن الحكائي في احتضانه لتنامي الفعلية النبرة
الإيحائية عن المبنى الواقعي:
«وتنامى صوت ابنه الصغير في ساحة سمعه: لا تنس، أريد شظية قنبلة... أريد
شظية... قـ... ن....
قليلاً قليلاً بدأ المورفين يسري في عروقه فغرق في دوامة من دوامات
الغيبوبة، إلا الشظية بقيت طافية على سطح ذاكرته، حتى صارت بين مقتنيات
ابنه الصغير في مكتبته المنزلية: مكتبة تشرين» (ص33).
تلكم هي سمات الفن القصصي عند إسكندر لوقا: مقدرة عالية على صوغ المتن
الحكائي ضمن رؤى فنية وفكرية باعثة لمنظومة قيم عامرة بالتعاطف الإنساني
والاجتماعي والقومي مع جماعته البشرية المغمورة وهي تكابد صعوبات العيش إلى
الكرامة وشرف الذات.
3-قصص صلاح دهني: الإحساس المأساوي بالحياة
كتب صلاح دهني عشرات القصص على مدار أربعة عقود من الزمن، غير أنه لم يطبع
منها في كتب إلا ثلاث مجموعات قصصية هي: «حين تموت المدن» (1976)،
و«الانتقال» (1980)، «ربّما غداً» (2000)(1). ضمت الأولى ست قصص وخمس قصص
أخرى سماها «حكايا حرب تشرين»، أما المجموعة الثانية فضمت عشر قصص، وحوت
الثالثة اثنتي عشرة قصة، وهذا يعني، فيما يعنيه، أن صلاح دهني كاتب مجود
يعتني كثيراً بقصصه بحكم اتساع الأجناس الأدبية التي يكتب فيها كالقصة
والرواية والمسرحية والنقد والمقالة، وبحكم مسؤوليته النامية والمبكرة التي
طبعت موقفه الأدبي والفني بطوابع اجتماعية وأخلاقية وإنسانية يلمسها صريحة
حيناً ولماحة حيناً آخر كل متتبع لأدبه وهي تبدو جليلة في قصصه على وجه
الخصوص ـ كان صلاح دهني، وما يزال، أميناً لفكرة القصة كما مارسها رواد
القصة الكبار في القرن التاسع عشر، وأبرز عناصر هذه الفكرة عند صلاح دهني
هو اهتمامه بالنسق الحكائي المدعم بفعلية تتنافى وتتصارع في مشهدية هي بعض
تمكنه من فن الصورة السينمائية، وصلاح دهني، كما هو معروف، مخرج سينمائي
ومن رواد صنّاع السينما العربية منذ مطلع الخمسينيات، فيوجد في غالبية قصصه
حكاية يسردها «حكواتي» ماهر يجمع خيوط السرد بين يديه واعياً أنه يستطيع أن
يضيّق دائرة السرد إلى حدود موضوعة محددة أو أن يفتح هذه الدائرة في نسقه
الحكائي إلى مدار حياة كاملة، ونذكر مثالاً لمثل هذا النسق قصتيه «حين تموت
المدن» و«الانتقال».
في القصة الأولى يستعيد صلاح دهني سيرة الثلاثينيات الفلسطينية من خلال
ذكريات حسين الجمل الذي تطفو مع روحه مرارة الشجن الذي رافق موت مدينة حيفا
أو بتعبير آخر تمكن اليهود منها.
يخرج محمد العبد الرحمن من درعا إلى حيفا حرفياً أواخر الثلاثينات ثم يلحق
به حسين الجمل الذي يخوض معه تجربة انهيار حيفا وموتها. وتتحول هذه الفترة
إلى لحظات عصيبة في مدينة فلسطينية شهدت فترة تعايش العرب واليهود، «فما من
بيت عربي إلا وخيم عليه الحزن وحام شبح الموت، بات للشقاء اسم: حيفا»
(ص25).
يروي حسين الجمل تمسكن (من مسكين) اليهود في حيفا حتى تمكنوا منها وأرغموا
أهلها على الهجرة «كان واضحاً أنه حفظ كل الدروس التي تلقنها من شلومو..
حفظ دروسه وتعلم كيف يكرهه. كانت كراهية سلبية لكنها من النوع المعدي، التي
يمكن لها أن تنتقل حتى بالوراثة» (ص27).
تحفل القصة بحوافز هي وقائع التعايش في مجتمع حيفا حتى الانفصال والهجرة ثم
حوافز ـ وقائع ـ الانتقال إلى دير الزور حيث عاش حسين الجمل بقية حياته
حزيناً مكلوماً إلى أن عاد في آخر حياته إلى درعا «فقضى بصمت كما عاش بصمت»
(ص27). يفرش صلاح دهني المهاد التاريخي لحوافزه فيما نسميه في النقد
بالتحفيز الواقعي، أي الذي يتوالى فيه سرد الحوافز ضمن منطلق واقعي صارم لا
يخضع لنزوعات المصادفة أو الولع بالتجريب أو انفراج الأخيولة «الفانتازيا»،
ومع هذه الأشكال يلازم السرد الشعر ولغة التجنيح والتزويق الجمالي والرؤى
التي تعمد إلى تركيب الواقع أو تشويهه ضمن مستويات يصطنعها الكاتب، وقد
رافقت مثل هذه النزوعات القصة الحديثة.
ثمة تحفيز واقعي عند صلاح دهني يعنى بالتفاصيل القابلة للمحاكاة والنمذجة
داخل مهاد تاريخي يستوعب فاعلية الأشخاص ضمن الفعالية العامة، لذلك أعاد
لنا مناخ الثلاثينيات الفلسطينية أو العربية لا فرق بكل حرقته ومرارته حيث
كانت تصاغ آنذاك أسئلة الراهن. وبهذا المعنى تصبح عبارة «حين تموت المدن»
دلالة على مصير مأساوي للمدينة العربية ببعدها الوطني والقومي وباتصالها
بالاستقلال وقيم التحضر. إنها جذور الهزيمة القومية التي لا تورث إلا
الانكسار والخيبة، وكان صرّح بمثل هذه الدلالة في سؤال القصة الأخيرة
بقوله: وظلت العائلة أمداً طويلاً تتساءل: «أي لغز ذاك الذي أحاط بحياته
الطويلة، وهل كان لقاؤه الخائب مع مجتمع حيفا اليهودي الفتاك، الصدمة
الكهربائية القاتلة التي دمرت روحه، وأوقعت البلبلة في حياته، وجعلته يعيش
ممحواً صموتاً منفرداً كفرد منهجن» (ص28).
ويندغم هذا التحفيز الواقعي بلوازمه في التراث السردي كالميل إلى السرد
الروائي وتطويل الوصف والعناية بدواخل الشخصيات كما تنطبع عليها العلاقة
بموضوع القصة. ومن الواضح أن صلاح دهني قد أورد كثيراً من التفاصيل عن
مجتمع حيفا في الثلاثينيات وكثيراً من وصف المشاعر والأحاسيس التي انبثقت
من وطأة انهيار حيفا وموتها بيد اليهود مثلما جعل بنيته الواقعية شبكة
علاقات تحيل إلى تراكم الدلالات في حرصه على صدق التاريخ.
أما السمة التي تدعم النسق الحكائي عند صلاح دهني بقوة المعنى فهو النهاية
المفتوحة مستفيداً من هذه التقنية التي برع فيها أستاذاً القاص المعروف
انطون تشيخوف حين تنفتح الدلالات على واقع زاخر بالتفاصيل وما تحمله من حسّ
مأساوي وبما يجعل من القصة تأملاً فاجعاً في المصير الإنساني تحت وطأة حركة
التاريخ.
ثم يتكرر هذا النسق في قصة «الانتقال» التي تتحدث عن واقعة طريفة، ولكنها
شديدة الدلالة على الرؤية القاتمة للواقع. تتلخص القصة على النحو التالي:
ثمة ركاب أثناء حرب الاستنزاف في سيارة تشق حجب الظلام: مصطفى أبو نبوت
وياسر الغزلان وأبو عراج، يثيرون في السرد ذلك التحفيز الواقعي المحمل
بالتأملات التي تنظمها الحوافز أو الوحدات القصصية المتتابعة. لقد تلقى
مصطفى أبو نبوت برقية من مستشفى الأمراض العصبية في دوما أن أخاه يوسف
المجنون قد مات، وعليه أن يحضر بالسرعة القصوى لاستلام الجثة. وبينما
السيارة تمضي بركابها من درعا إلى المستشفى يتذكر مصطفى مع زميليه معاناة
المجانين بوصفها معاناة حياة تمتد إلى خارج مستشفى المجانين.
تتحدث هذه القصة عن الانتقال من موضوعة بسيطة إلى نقد شامل لما يشين
الكرامة الإنسانية، وهكذا أصبح الانتقال بالميت سبيلاً إلى تطهير «جيوب
العلل والأدران وهزّ سكونية المجتمع». (ص51-52).
وهكذا، مازج صلاح دهني بين التأملات الوجدانية العميقة وتأثيرها الباهظ في
أسئلة الحياة نفسها. إن القصة تحفل بالانتقاد الاجتماعي لعمل مؤسسات
مختلفة، وقد أفلح في أن يجاوز نقده حدود التنفيس المباشر عن كرب طارئ أو
الضغوط اليومية إلى تعرية الفساد وتحليل السلوك الشرير.
ويتجلى إنجاز صلاح دهني القصصي في مجموعته الثالثة، على أنها قصص واقعية
بيد صناع وماهر وقد تناول موضوعاته الاجتماعية والإنسانية بنبض إنساني
وأخلاقي نادر.
ينفتح السرد في قصة «الصوت» على فيض أسئلة المستقبل إزاء مرارة الحياة،
فثمة ازدحام شديد في حافلة، وشغل الرجل بامرأة شابة، وداهمه إحساس قاهر
بالمحاصرة:
«أمداً طويلاً مكثتُ محاصراً ضمن تلك الجدران القذرة، يستوي عندي الليل
والنهار، مع إشراقة كل فجر يلوح من بعض الشقوق، يفيض القلب بأمل جديد لا
يلبث أن يخيب. فكل النهارات وكل الليالي متشابهة، كلها تبعث على اليأس،
تقتل ما كان في النفس نبضة فرح وتفجر عزيمة، لا شيء سوى صوت السجان أو ضجة
المفتاح الضخم يولج في الباب وقرقعة صحن الطعام الهزيل وكيلة الماء. مضحك.
أنا مضحك. لا زالت ذكرى تلك الأيام السود عالقة في الذهن. عذاب الذات، سوطُ
الجسد والروح، الخوف، دوماً الخوف» (ص8-9 ربّما.. غداً).
وقد أثار في ضغوط محاصرته ذكرى سجنه وعذابه في الزنزانة وتداخل صور الماضي
مع صور الحاضر، ثم غفت الشابة وتدحرج رأسها إلى كتفه، وهو يتأمل القاعدين
والوافدين إثر التوقف في استراحة النواعير بحماه حيث انغلق الصمت عليه «مثل
جثة في مقر ماء عميق» (ص12 ـ ربما غداً). وتمنى لو رافقته زوجته هيفاء خلل
اندياح صور الماضي المؤسية الباعثة على الشجن من السجن إلى مواساة سعيد له،
مثلما واسته هيفاء فلا «يقدر أحد مثل هيفاء على مواساتي وتهدئة أعصابي. لكن
قبل هيفاء كان هنالك سعيد» (ص15، ربما غداً).
ووصف مداهمته وصحبه: «وفي نوع من الوجد الرباني وجد الإنسان المنتصر الذي
نهض بواجب مهمته خير نهوض يسلمني رجل الأمن إلى زبانية يودعونني السجن»
(ص16).
وتفاقمت الضغوط على روحه وجسده حتى قرر أنه سينتحر في زنزانته، وأنه وقع
على أداة الانتحار: «شظية زجاج أو بلاستيك قاسية وجدتها في التربة البليلة»
(ص17، ربما غداً).
وظل الوجع لا يطاق، فهو لم يرتكب أية جريمة، وغادره زميله سعيد ولم يعد،
ولبث وحيداً حياً ميتاً ضائعاً طريحاً» (ص18، ربما غداً)، مما زاد من وطأة
عذابه، فهفا للعودة إلى الظلمة والتشبث بها، «أريد ألا أرى أي شيء، أي
إنسان، أي إنسان» (ص18، ربما غداً).
وابتسم في مرارة، فقد توالت الأسئلة والأجوبة وتداخلت، وها قد اجتاز مرحلة
الصمت، و«صار برزخاً فاغراً كأنه كلام» (ص19، ربما غداً).
تتعدد موضوعات صلاح دهني، ولكنها على وجه العموم تندرج في الدفاع عن قيم
الحياة المهددة باستمرار. وترتفع المقدرة الحكائية في كثير من القصص إلى
استيعاب شامل لعلاقة الإنسان بالطبيعة والكائنات من جهة، وإلى رؤى واقعية
لصراع الحياة مع عوامل العدوان الداخلية والخارجية من جهة أخرى، ولعل
الإشارة إلى قصصه أو حكاياته عن حرب تشرين مثال طيب لذلك الاتجاه الثاني
ومثلها قصته اللطيفة «معركة بلاد البرغال» حين يهرب الإنسان من حرب ليست
حربه، وهذه هي روح المقاومة.
وأثار دهني في قصة «المعلم» ضنى انتماء المعلم القومي العربي وسط معاناته
وألمه وهو يحبّ تلاميذه، وينادي فيهم رجاء أن يعوا بمكانتهم عرباً يواجهون
وهن عزيمتهم القومية فمن «جهة أخرى كان يقول للتلاميذ، بل كان يخطب فيهم
وعلى لسانه تتردد كلمة: عرب باستمرار. هكذا نحن العرب أو ما هكذا ينجح
العرب أو من غير المستغرب على العرب أن..» (ص29 ـ ربما غداً).
ويتجه دهني في قصة «أمي» إلى استثارة الدواخل الإنسانية لدى معاناتها
القاسية في محيطها الاجتماعي ودواعي الالتزام الأخلاقي على الرغم من ضنك
العيش ومتطلباته الدائمة، فقد وصف البيت القديم في حيه وبين أناسه، واستعاد
ذكريات والده القائمقام ووعوده بأن يغدو متصرفاً على حوران ثم صرفه من
الخدمة فجأة، وعزم على مشاركة أخيه في تجارة الحبوب، وآلت الحال إلى شكوى
وتغير في سلوك الأب الذي صار يضرب الأم، وموافقته على طلاق الأم ورجاء
الأولاد ألا يفعل، و«مضى زمن طويل طويل. لكن ذكرى تلك الساعة لم تبارحني
وظلت حيّة ورغم الحقب التي انقضت، وفي كل مرة تلوح في خاطري، تعاودني
القشعريرة ذاتها. على أن الحادثة لم تمر دون أن تخلّف أثراً عميقاً. فقد
منحتنا، أنا وأختي وأخوينا الآخرين ثقة قوية بالنفس، وجعلت والدينا نفسيهما
يؤمنان بأن عُرى الروح لا يمكن لها أن تنفصم بسبب نزوة أو بداعي غضب» (ص40
ـ ربما غداً).
ويستحضر دهني جوانب من ذكريات الطفولة وما تركته من آثار ضاغطة على الوجدان
لصيقة بالسيرة الشخصية، غير أن الراوي الغائب العارف والمضمر يوحي بدلالات
عميقة عن هذه الآثار وقد صارت إلى قيم باقية واصفة لعناء العيش ومعضلة
الوجود وسط اشتراطات التربية القاسية، وتندرج قصة «نزهة» في هذا المدى
السيري الحافل بتقاطعات احتباس الرؤى الإنسانية داخل الإحساس المأساوي
بالحياة، فعاد الراوي إلى استحضار وصف بيت متصرف حوران وحديقة حيواناته
والدار الأخرى، وهي «دار أمين الباشاوي، قائد جندرمة درعا أيام الانتداب
الفرنسي التي جعلت الطريق المحاذية لها منتزه العائلات بدلاً من الطريق
المعبدة أمام بيت المتصرف؛ فحيواناتها مؤتلفة وأنيسة، يخدمها فتى زنجي جيء
به من قرية جلين القريبة التي استوطنتها عشائر نزحت إليها في عصر منسي
انقضى من جنوبي السودان» (ص43-44).
وقد التمّ شمل فتية ثلاثة من أبناء الموظفين رفاق المدرسة الابتدائية، ولا
يزيد عمر أكبرهم عن إحدى عشرة سنة أمام حديقة قائد الجندرمة، وتعوّدوا على
اللقاء هناك بصفرة متعارف عليها ليلتحق صافي الباشاوي ابن ذلك القائد، ثم
يمضون فرحين باتجاه وادي الزيدي حيث المشهد الساحر وهم يقضون أوقاتهم
الممتعة عند طرف مجرى الوادي. واقترب فجأة منهم كلب ضال، وأفلح الزنجي مع
كلبه في أن يولي هذا الكلب «الأدبار هارباً، وهو يرسل عواء الهزيمة المتقطع
والمتفجع تلاحقه قذائف مسعود» (ص46).
وتناول الأولاد أفكارهم وتهيأوا للغطس في ماء البركة، ثم استنجد مسعود بهم
أن ينقذوه من الغرق دون جدوى، وتعذر ذلك عليهم، لأنهم لا يعرفون السباحة.
«عند ذاك انفجر الأولاد الثلاثة الآخرون صائحين نائحين باكين بأعلى أصواتهم
وقد قفّت شعورهم وانتابهم فزع عظيم، فأخذوا يرتجفون كما لو كانوا يعانون من
لسع برد قارس» (ص50).
وتراكمت الأحزان إلى حدّ الفجيعة إذ غرق فلاح أيضاً على الرغم من محاولة
أحد الشباب أن ينقذه دون جدوى، وأقبلت السلطة وحسمت الموقف، «فحال رجال
الدرك دون الناس والاقتراب من البركة المسحورة بأية حال بانتظار الأوامر»
(ص51). وكشف حال هذه البركة المرعبة، «فأرضها رملية رجراجة. كلما غرز فيها
سابح قدماً ليخلّص سابقتها من قبضة الرمل ازدادت القدمان غوصاً، فما من
خلاص. إنه الموت المحتم» (ص51).
ويتعالق المغزى مع عتبة العنوان السردية «نزهة» على سبيل المفارقة والتبدل
الدلالي، فقد غطّس الموت فضاء النزهة الممتع والمريح بالبكاء:
«كان يوماً ربيعياً بديعاً أفسدته هذه الحادثة المؤسفة» (ص52).
وباشر دهني تعبيره السردي عن مواجع الذات والإحساس الفاجع المأساوي بالحياة
في قصته «حياة مرّة» مازجاً تداعيات الاجتماعي بمضاعفات الطبيعي، فثمة
قدرية مروعة لا خيار في مواجهتها نجم عنها عذاب أسرة بكاملها، فقد وقعت
الأعباء على الأم النحيلة «فتحريك جثة (ابنها) تزن مئة وثلاثين كيلو ليست
بالعملية السهلة» (ص55).
وهي حالة عصيبة مست الصبي إثر نوبة موجعة ومدمرة نشرت الرعب في المنزل كله:
«مضت ربع ساعة، هي الأبد كله، قبل أن يهدأ الجسد الطفل، وتعود العينان
اللتان جحظتا إلى محجريهما، وتستكين الأطراف، وتتفكك الأسنان عن اللسان
المتورم» (ص56).
ولطالما واجه أبناء الأسرة هذه المخاوف التي تقارب القدرية، وتذكر الراوي
الأذى أيضاً عندما سبحوا، ورأى أفعى مائية تسبح في النهر، وتتجه بخط مستقيم
نحو أخيه «الذي ما إن رأى الأفعى حتى صرخ صرخة مهولة لابدّ أنها سُمعت على
بعد مئات الأمتار» (ص57).
ولازمت النوبة أخاه، والأسرة مقهورة وعاجزة أمام هذه القدرية الفاجعة
وأصبحت الأسرة «على يقين بأن المرض غير عادي، وتوجب أن يعود طبيب الناحية،
ويرى أخي خلال النوبة لكي يشهد بأنها نوبة صرع» (ص58).
و«صارت حياة أمنا كلها وحياتنا جميعاً توقعاً بتوقع وانتظاراً تحسباً لما
سيأتي به الليل» (ص58).
ونجح الأب في عمله الإداري بينما عمت الكبار والصغار بلوى عظيمة، و«انتهت
بفرز إنسان مريض وعاجز ومعطل في العائلة» (ص59).
وغُمر الراوي بتفاصيل اللقاء مع الأطباء، و«الشقيق لم يشفَ» (ص59)، وأشار
الراوي إلى القرينة الدالة على قدرية ما يجري: «المهم أننا بتنا كباراً
وصغاراً نعيش على رهان عجيب، الطرف الآخر فيه هو القدر» (ص60).
وبقيت الأم معه وحدها بعد وفاة الأب وزواج الأخوة، غير أن الذكريات الطافحة
بهول المصاب لا تفارق الراوي الأخ، حين أوكل شأن أخيه المريض إليه وهو
الأصغر، ثم لجأت الأسرة إلى شيخ عرّاف مغربي ليجدوا أنفسهم يقفون «تحت
براثن دّجال من نوع آخر» (ص64).
وتراكمت المصائب على الأسرة، ولم تنفع محاولات إدغام الأخ المريض بالحياة
من خلال الجندية أو العمل أو الزواج، ولا شيء سوى عذاب الأسرة والأم:
«وبقي أمام عيني أمي وحده، عنواناً حياً لكلّ الآلام الكبرى والمشقات التي
تحملتها. وما انفكت تعتني به بعد أن شاخ وطعنت هي في السن، تحمل له القهوة
والشاي والطعام إلى حيث يبرك على كرسي الشرفة صيفاً أو على أرض غرفة
المعيشة شتاء. تعمل من أجله راضية، صموتاً، وقد رانت السكينة التي تمنحها
السن والأوصاب السالفة على قلبها المعذب الكبير» (ص66).
وجعل دهني الذكرى مبعث الأنس في قصة «فرات»، فليس يمنح الدفء واللفة إزاء
حصار الغم والكآبة مثل فيض الذكريات المريح، ألفة إزاء حصار الغم والكآبة
مثل فيض الذكريات المريح، فقد عانى خليل الصراف من إدارته في دمشق حين
قرروا نقل مقر عمله إلى دير الزور «كأنما أريد من إبعاده عن العاصمة ألا
يحول بينه وبينها أقل من صحراء برمتها» (ص69)، فنُقل مصنفاً في مكتبة
المركز الثقافي بدير الزور نفياً ثم يلتقي بزميل دراسته المدعو حافظ
المحمود، ويقترح عليه حافظ زيارة بيت «الأخوي» الذي يعيش مع ابنته الوحيدة
«فرات»، فدخلا غرفة الضيافة، وعمد الراوي إلى الخروج بحجة غسل يديه ليراها
عارية تمارس طقوساً، إذ رأى فراتاً «رؤية معبدية لفتاة في كامل عُريها
ينتصب جسدها على ركبتين مثنيتين، وترتفع ذراعاها فوق وجه منتشٍ. صورة راقصة
هندية في هيكل صلاة أو امرأة تبتهل تناجي آلهة في آخر مدى الحلم، أو جنية
متجسدة من حكايا ألف ليلة وليلة» (ص75).
وأضاف الراوي إلى وصف فرات جاذبية صوفية مطلقة عن تماهي هذه المرأة مع بهاء
الطبيعة ووهج الوجود:
«كأنه ما كانت، فإنها حتماً فرات تذوب في وجد الأزل، وتقتر ن في وحدتها على
أنغام موسيقا سحرية مع عريسها ملك مملكة ماري القريبة فتجمع القلوب، وتوحّد
القبائل» (ص75).
غدا خليل الصراف مسكوناً بفرات، وغلبهُ أرق استحضارها الدائم، وأرهقته
هواجس تخييلها «رشيقة كشجرة، حارة كفجر صيفي» (ص76)، واستبد به حال الهيام
بها إذ لا يفارقه شجن ترائيها:
«وبي رغبة جارفة لأن ألقاها ثانية وثالثة... هي بالتأكيد مسحورة وأنا أرزح
تحت سحرها. أتصدق؟» (ص77~).
وسعى خليل الصراف لتحنان اللقاء بها على الرغم من إبلاغه عن إعادته إلى
عمله الأصلي بدمشق، لأن التفتيش لم يكتشف أي تقصير أو تجاوز في عمله
الوظيفي، فقد أثار التعلق بها مأساة وجوده وحيداً متألماً:
«ما باله ينساق في هوى طوباوي يائس أملته ظروف وحدته.. هوى خيالي أقل ما
يقال فيه إنه لا يزيد عن تعويض نفسي لنفيه وخيبته يحتال به ضميره عليه،
ليعينه على ملء فراغ حياته وخواء نفسه» (ص80).
وأفصح خليل عن لبوس التعلق بفرات خلل مدى شديد الوطأة على روحه وهو يكابد
العزلة والانفراد: «لا يمكن أن يكون في الدنيا من هو أكثر مني عناء وشقاء»
(ص81). والأمر كلّه لا يعني توق اللقاء بها بل إثارة صورتها المدهشة
لإحساسه المأساوي بالحياة تحت وطأة اغترابه دون مسوغات، فقد رآها إلى جانب
أبيها على ضفاف النهر، وتلك هي حاله الحقيقية مثلما يتأملها موجوعاً:
«كانت تلك بلا ريب فرات... فرات الغموض، الرؤيا، الهاجس، التي لا تعرف له
شكلاً ولا صورة، بل لعلها لم تسمع عنه قط، ولا درت بوجوده، ولا سمعت باسمه،
فيما هو مسحور بها أو كالمسحور» (ص81).
لقد صارت صورة فرات على سبيل ترائيها الدائم عزاء لاغترابه هناك: «بات يشعر
أنه لن يكون وحيداً معزولاً، من بعد، في المدينة الصحراوية البعيدة»
(ص82).
يمدّ دهني في قصصه المعنى الظاهر أو المباشر إلى أعماقه في رؤى أشمل
لمشكلات الوجود واشتراطات التاريخي، فلا افتراق بينهما، فثمة ظلم مدمر من
تهديم الصهاينة لبيوت الفلسطينيين في قصة «في عتمة الليل» لعل فرج الخلاص
من الاحتلال الصهيوني وإرهابه قريب، وثمة معاينة لآلام السجن السياسي في
قصة «غياب»، وثمة مضاعفات لعذاب وقائع الحياة في قرية تحكمها سلطة محلية
متساندة مع سلطة أجنبية في قصة «محمود بيك»، وثمة ابتعاث لقيم المقاومة في
بيروت التي «تموت وتقاوم الطواغيت والكهان الملوثين» (ص149) في قصة «بيروت
ما بعد»، وثمة حكايات لا تنتهي عن موتى يغادرون واستمرار الإحساس المأساوي
بالحياة ووساوس عن قبر والد الراوي وقبره بعد عمر طويل في قصة «المقبرة»:
«وإذا كان البنيان العشوائي يكتسح المقبرة، هل سأجد لنفسي إذا ما مت موقعاً
إلى جوار قبر أبي آنس إليه ويأنس إليّ. وساوس ليل كانت تنجلي في الصباح مع
صياح الديك وانبلاج الفجر واستقبال يوم جديد» (ص170).
إن صلاح دهني قصاص بارع ذو رؤية نفاذة للمعوقات التي تقتل الروح أو تفضي
إلى معاني الإحساس المأساوي بالحياة.
4-قصص وهيب سراي الدين:
احتضان القضايا الاجتماعية والقومية
كانت العادة أن يزاوج الكتاب بين كتابتهم للقصة القصيرة والرواية، أو أن
يتجهوا إلى كتابة الرواية بعد مراس طويل مع كتابة القصة القصيرة، وتكاد أن
تكون هذه السمة ظاهرة في التجربة الأدبية في سورية، كما هو الحال مع ألفة
الأدلبي وناديا خوست وأديب نحوي وعادل أبو شنب وعبد العزيز هلال وكثيرين
غيرهم، غير أن وهيب سراي الدين التفت إلى كتابة القصة القصيرة، وخلفه عدد
من الروايات المنشورة والمخطوطة، مما يشير إلى طوابع كتابته السردية
والقصصية الأميل إلى السرد الروائي.
بدأ سراي الدين الكتابة روائياً عام 1965 بروايته «قرية رمان»، ثم ثوقف
فترة من الزمن عن الكتابة، ليصدر عام 1978 روايته الثانية «حفنة تراب على
نهر جغجغ»، وكان في حوزته آنذاك أكثر من رواية مخطوطة، ومنها رواياته
«الرجل والزنزانة» (التي ظهرت عام 1988)، و«سلاماً ياظهر الجبل» (ظهرت عام
1991)، و«المهندسون» (ظهرت عام 1994)، أي أن عنايته بالتاريخ كانت غالبة
على كتابته، لأن الرواية فن سردي وقصصي لصيق بالتاريخ ورؤاه العميقة، وكان
سراي الدين باشر هذه الرؤى مهموماً بالقضايا الاجتماعية، كما في غالبية
رواياته، وبالقضايا الوطنية والقومية، كما في روايته المتميزة في تعبيرها
عن الجولان والاحتلال الصهيوني له «الرجل والزنزانة».
ومن الواضح، أن سراي الدين وجد في الكتابة سبيلاً لإعلان تفكيره السياسي
والاجتماعي، فقد انغمس في فعاليته السياسية والاجتماعية زمناً طويلاً، لم
يصدر خلاله إلا روايته اليتيمة والبسيطة «قرية رمان»، وهي نوع من مباشرة
التفكير في القضية الاجتماعية، ثم انغمر سراي الدين بالكتابة تعويضاً عن
هذه الفعالية، تأملاً في واقع الحال ومآله ومصائره، قراءة للتاريخ أو
استحضاراً له في روايات القضية القومية والوطنية، ولا سيما «الرجل
والزنزانة»، و«اشتقاقات الفصل الأخير» (1995)، أو إعمالاً للرؤية في الراهن
الاجتماعي، كما هو الحال مع بقية رواياته.
على أن تفكير سراي الدين بالقضايا الاجتماعية والوطنية والقومية سيلّون
تفكيره بالكتابة القصصية، وسيشغل القصة القصيرة بتبعات هذا التفكير(2)،
إلحاحاً على الموضوع التي سينوء تحت وطأته هذا الفن الرهيف الوجيز الذي
يتأبى على الشروح وضغوط الخطاب المباشر، فصارت القصة القصيرة عنده إلى
انشغال صريح بموضوع اجتماعي غالباً، وبموضوع قومي ووطني قليلاً، وهذا جلي
في مجموعتيه الأوليين «الرقيق» (1985) و«الحل» (1990). ثم طور سراي الدين
في تنويعاته على معالجة الموضوع بأساليب سردية اتجهت أساساً إلى العناية
بأغراض القصة، فعني بالتحفيز الواقعي ثم خالطه، فيما تلا، بتحفيز تركيبي
على استحياء، ونلحظ ذلك في بعض قصص مجموعته «طائر الكريم» (1993) على وجه
الخصوص، أي أن سراي الدين كتب القصة القصيرة بوصفها هوامش لرواياته، فغلب
الاهتمام بالموضوع على اشتغاله السردي، وقد تباين هذا الاهتمام من التلميح
إلى حد الإبهام، إلى التصريح إلى حدّ المباشرة. إن ثمة عناية بالقول القصصي
تفوق جهد الكاتب بالبناء القصصي برمته. غير أن سراي الدين اتكأ على أمرين
سرعان ما أدغما هذا القول في بناء القصة، الأول هو المقدرة الحكائية
الواضحة، والثاني هو مخيلته الخصيبة المدغمة بثراء لغوي، وإن عانت لغته من
تقعرها واستعصائها على السرد في بعض المواقع.
إن وهيب سراي الدين مهموم بالقضايا الكبرى، الاجتماعية والإنسانية من جهة،
والقومية والوطنية من جهة أخرى. ولعلنا نمعن النظر في كتابته القصصية ضمن
هذه المحاور:
1- الإهداء:
أتوقف عند الإهداء، لأنه يعزز الرأي في مدى ضغوط التفكير العقائدي
والأخلاقي على وجدان الكاتب، بما يوسع المكان لاعتمال التلقي بحدود
الموضوع، ومما يجدر ذكره أن الكاتب وضع إهداء في مجموعاته القصصية خلا
الثالثة «طائر الكريم». أهدى وهيب سراي الدين المجموعة الأولى «الرقيق»
«إلى الذين ينزفون عرقهم في الكد والعمل. إلى الثائرين على الظلم
والاستغلال في الوطن العربي» (ص5).
ولا يخفى الربط في هذا الإهداء بين البعد الاشتراكي «الراديكالي»، والبعد
القومي، أو إلباس البعد الاشتراكي، من خلال تمجيد المنتجين من العمال
والفلاحين، اللبوس القومي. ثم يتضح هذا البعد الراديكالي الثوري في إهداء
المجموعة الثانية «الحل»:
«إلى الفعالين في الحياة الذين يعتمدون على أنفسهم في حل قضاياهم حلاً
جذرياً أقدم هذه اللمع» (ص3).
ولا يخفى أيضاً مباشرة القول القصصي وتنمية الاستعداد لتلقي القصص حين يربط
بين عنوان المجموعة القصصية» «الحل»، والنداء المتمثل في الإهداء: «حل
قضاياهم حلاً جذرياً». ويغدو الاتجاه إلى حضور الأعراض مباشراً في إهداء
المجموعة القصصية الرابعة «العالم في سهرة» (1994)، حين يغدو التعلق
بالمثال في مواجهة فقدان العدالة مطلقاً، فقد صار الإهداء إلى أمنية غامضة
من شأنها أن تنمي الإحساس بخلل الواقع: «إلى الذين يبددون ظلام هذا العالم»
(ص5).
ومن الواضح، أن الإهداء، وهو يكاد يكون عبارة واحدة متكررة في مجموعاته
كلها، ينادي القيم الاجتماعية والقومية على أنها مثال أو رجاء أو أمل لا بد
من قدومه، وإن بعدت الشقة وعتمت الأحوال، لأنه نابع من إيمان مطلق بتفاقم
الشرور والمفاسد، ومن إيمان مطلق بمجاوزتها والانتصار عليها، ولعل حضور هذه
القيم في أغراض قصصه قصداً صريحاً مما يجعل من الإهداء أشبه بمفتاح، لفكرته
عن القصة تعبيراً عن موضوع معزز بقيم الرجاء على مغالبة الصعاب والشدائد،
وهي قيم متوشحة بنبرة إنسانية وأخلاقية في كثير من القصص.
2- العنوان:
يتصل عنوان كل مجموعة بقصة، أي أن عنوان المجموعة القصصية هو عنوان قصة
بعينها حوتها هذه المجموعة أو تلك، لأن ثمة قصاصين يؤئرون أن يكون عنوان
المجموعة القصصية دلالة على قضية مشتركة بين القصص، أو إشارة إلى محتواها،
أو إحالة إلى ما يفضي إليه.
ونعمد في استنطاق العنوان، إلى فهمه في إطار القصة التي حملها بخاصة. ويشير
عنوان المجموعة الأولى «الرقيق» إلى جماعة مغمورة طالما عني بها، هي أن بعض
الكادحين رقيق او عبيد، أما هذه الجماعة المغمورة فهم المهاجرون ممن يشكلون
جانباً من العمالة العربية في بعض البلدان العربية، وقد وسع إطار جماعته
المغمورة التي تعاني ضنك العيش من هؤلاء المهاجرين، إلى أمثالهم البؤساء
المظلومين تحت طاحونة التباين الاجتماعي والفقر المادي والروحي.
ويتجه العنوان في المجموعة الثانية «الحل» إلى تلمس الحل لمشكلات جماعته
المغمورة التي اتسعت لتشمل فئات أخرى من الكادحين والمظلومين اجتماعياً
وقومياً، إذ يتضح بجلاء، منذ هذه المجموعة، اندغام البعد الاجتماعي بالبعد
القومي والوطني، واتحاد نداء العدالة بسبب استشراء الظلم من المستغلين
(بكسر الغين)المتخمين، ومن المحتلين، وهناك دائماً حل في قصص هذه المجموعة
في الافتداء ضد الاقطاع وضد المحتل، وفي التوحد بالحب كما في قصة «الحل»
نفسها، أو التوحد بالأرض في قصص أخرى.
ويحيل عنوان المجموعة الثالثة «طائر الكريم» إلى دلالة شعائرية أو طقسية في
المعتقد الشعبي، فطائر الكريم هو طائر مبارك، غير أن ذلك سرعان ما يداخله
الوهم، ولاحقيقة إلا فعل المقاومة ووعي الراهن لمجاوزته.
أما عنوان المجموعة الرابعة «العالم في سهرة» فيشير إلى وفرة العناصر
الأخيولية «الفانتازية» في كتابته القصصية، وهي عناصر كانت خالطت بعض قصص
مجموعته الثالثة، ولعلها توحي بذلك القدر المحدود من حرية الالتزام بموضوع
معين، أو الالتزام بإظهار القصد الذي يسعى إليه غرض السرد، ففي القصة التي
تحمل عنوان المجموعة ثمة رجل وامرأة يسهران ويخرجان عن طورهما في عالم
غرائبي يسبح في الافتراضات ومعاينة المشاعر والأفكار، حتى اللغة تبدو أكثر
حرية في مقاربة العلائق الإنسانية المشبوبة والغامضة حين ينخرط الأثنان في
الحفلة التنكرية، وينغمران في حرية غير مشروطة ماداما في غير ثيابهما.
3- فهم القصة القصيرة:
يميل سراي الدين، كما أشرنا، إلى السرد الروائي، ولكنه مالبث، في قصصه
التالية، يقترب من السرد الوجيز المكثف عبر تنويع أدواته الحكائية، وتنويع
استعماله للحوافز (الوحدات القصصية الصغرى)، وهذا هو الفارق بين قصة
«الرقيق» وقصة «العالم في سهرة». في القصة الأولى يبدأ الكاتب بمباشرة قصده
تمهيداً لجعل القصة برمتها مداراً لغرضه، وهو إدانة أمثال أبي سحيم ممن
يستغلون جهد العمالة العربية إلى آخر رمق، ويحولونهم إلى أدنى من «الرقيق»
أو العبيد، على أن هذا القصد يُحكى عنه، ولاينبثق من المتن الحكائي. إننا
نسمع حوارات عالية وصاخبة عن الوضعية البائسة، وشارحة لعملية الاستغلال
المستمرة لهؤلاء الرقيق. يخمل التحفيز الواقعي إلى سرد طويل عماده الحوار،
دون الوصف، ودون التعليل الذي يضيء التنامي الفعلي (التحفيز)، بل أن
القاص-الراوي العارف لا يعنى بدواخل الشخصيات بالقدر الذي يستظهر لغة مقعرة
أو إحالات ثقافية معمقة مثل:
«ذهن البشرية يئن. يرتجف. يرزح تحت الثقل. بخ، بخ، يالدورة الحضارة!»
«الرقيق كلمة. الكلمة إنسان. الإنسان قطعة مصنوعة من اللحم والعظم قابلة
للبيع والشراء. قطعة نقود قابلة للتداول» (ص13).
«أف! تعود الكلمة للتداول. تقضقض حجارة التاريخ. تهزّ جدران الأرض!
منذ أكثر من ألفي سنة «سقراط» احترم القانون وأطاعه. نفذ أوامره «المقدسة»،
وجرع السم». (ص14)
«الخوف يغلق باب الحوار. الأولاد زغب الحواصل. عصافير مفتوحة الحلوق.
والنساء مصانع لـ فبركة الأطفال. يعاسيبب يقبعن في المنازل. والرجال عاملات
نحل. عليهم الشغل خارج المنزل. وعليهم السفر» (ص16).
«وشر البلية مايضحك، كما يقول المثل. أو تبلد الطبع مايضحك، كما يقول سنيكا
فيلسوف العبيد القديم: أتحدى بجسمي كل عذاب العالم طالما الموت سوف يحضنه
في النهاية. عبد رقيق، استعان على سيده بالموت. ثاناتوس هو المخلص» (ص17)..
الخ .
بينما يدخل المتن الحكائي في القصة الثانية «العالم في سهرة» في طقسه
الأخيولي الفانتازي الذي يخرج عن المنطق، ليصوغ من خلال الفن منطقه الخاص.
يلجأ الكاتب إلى الحد الأقصى للراوي، وهو الضمير المتكلم الذي يبدأ لعبة
مراودة القول، إذ بعد أن رأى في امرأته حبيبة جميلة جداً، وأنه متألق
بوجودها، وأنها سقف العالم وأوسع من جنته، يشعر، وهي معه، «أن العالم يضيق
علينا» (ص79)، فتمازجه الغيرة، ورغبة الخروج، أو هو الوقوع بين نارين،
وتقترح عليه سهرة توقاً إلى الحرية. فما كان منهما إلا اللجوء إلى حل وسط،
وهو ارتداء اللباس التنكري، ومضيا إلى الكرنفال امعاناً في مراودة فعل
الحرية الذي لابّد منه حلاً للخروج من نار تجربة الغيرة، أو نار انحباس
المكان. وهكذا، وفرت لهما لعبة الأخيولة أو الفانتازيا استعذاب البوح
والاندماج في فضاء مختلف. ثم اتسع السحر والحبور تحت جنح غبشة الأنوار
الخافتة إلى أن أشرق نور الصباح، فداهمتهما خشية أن يراهما أحد. إنها
مراودة فعل الحرية في نسق حكائي مفعم بالإيحاءات دخولاً في هذا اللعبة
الجذابة التي تستعصي على مباشرة القول.
لقد طور وهيب سراي الدين فهمه للقصة القصيرة كثيراً خلال عقد من الزمن،
ويتبدى هذا التطور في التقليل من ضغوط الموضوع ولوازمه الكثيرة مثل
الاستعراض الثقافي واللغة الوعظية وشهوة الالتزام الباذخة والنزعة
الميلودرامية في عرض مشكلات جماعته المغمورة التي تصل إلى حّد الميوعة
العاطفية طلباً للتعاطف، ومثال ذلك قصته «عملية حسابية» من مجموعته
«الرقيق»، وهي تتحدث عن فقير محتاج يرمي نفسه أمام سيارة ثري للحصول على
ثمن دمه، ويحسب الحصيلة على هذا النحو:
«فكر السائق وهو يخترق الحارات والجادات القديمة: هذا المبلغ تعويض حلال
للرجل. يغنيه عن نفقات عملية جراحية. طراد السالم بجانبه، فكر بعملية
حسابية 4000 ليرة سورية - 500 ليرة سورية ثمن كيلو من الدم = 3500 ليرة،
وهو الربح الصافي لهذا اليوم» (ص29).
ويتبدى التطور أيضاً في التقليل من التنازع الأسلوبي والركون إلى كتابة
قصصية تعتمد التحفيز الواقعي عبر انتظام الحوافز في نسق حكائي شديد
الاقتصاد، ينفي مع مقدرته الواضحة على الإيحاء، المصادفة سعياً إلى نمذجة
لاتخفى للعلاقات الإنسانية في تعبيرها عن الدلالات المنشودة. ولعل قصة
«الرجفان» من مجموعة «طائر الكريم» تشي بمثل هذا التطور، إذ ينغمر النسق
الحكائي بنبرة صوفية دعوة للعودة إلى الذات، وإذ ينتقل التحفيز إلى مستوى
تركيبي، شفاف، ليطلع القول القصصي من داخل السرد:
«وفي نهاية المطاف حلت لحظة تشبه لحظات الصحو الخارقة الفائقة، فانقدح زناد
الشك في النفوس المسترحمة، خيل إليهم أن الريح التي كانت توحوح حولهم، تقول
لهم:
- عودوا إلى ذواتكم..» (ص46)
4- خصائص فنية:
يثري وهيب سراي الدين كتابته القصصية، بخصائص فنية محددة، لعل في مقدمتها
ميله إلى السخرية والتهكم، عبر اختيار نموذج بشري يتعرض، بالدرجة الأولي،
لمشكلات اجتماعية أو يومية، قاصداً إلى النقد، كما هو الحال مع بعض قصص
«الرقيق»، مثل قصة «الرجل الذي ثقل وزنه» حين تبلغ السخرية المريرة مداها
من النهم والتخمة والسمنة، أو قصة «الصكاك»، فقد باع الرجل أثاث بيته
ليشتري «فيزا» من الصكاك، ولكن الأخير فرّ بالنقود. ويرتقي بالسخرية إلى
مدار تهكمي لافت للنظر لفظياً أو معنوياً. لنلاحظ تقليب الألفاظ إمعاناً في
السخرية:
«يا جماعة. أتى الصكاك من بلدته صكاكة. حيوه، ورحبوا به ترحيباً عظيماً.
جأر المختار بأهل القرية:
ـ عاش الصكاك عاش. عاشت صكاكة عاشت. رددت الجموع المحتشدة في المظاهرة
وراءه!» (ص9).
وللتهكم المستند إلى خلل المعنى أمثلة كثيرة كما هو الحال مع قصة «متقاعد»
من مجموعة «الرقيق»، والقصة تتحدث عن متقاعد يثير الشغب مع شريكه مما يثير
حفيظة هذا الشريك، ويضطره إلى اتخاذ قرار بإحالته إلى التقاعد ثانية.
ويتخلل التهكم بناء القصة كله، حيث يرتهن المنظور السردي بمبالغة السرد.
لقد حلت البركة لحلول «طائر الكريم» لدى أهل البيت والجيران، ولكن القط
عنبر لا يرضيه ما يرى من إحاطة الاهتمام بالطائر، فيقضي عليه.
ولا يختلف الأمر عن قصة «الجائزة» من المجموعة إياها، إذ فاز بجائزة معرض
العنب فلاح أتلف الطقس محصول حقله، ولم يبق منه إلا عنقود واحد وزنه خمسة
عشر كيلو غراماً من النوع البلدي. على أن جهد هذا الفلاح الذي قام بعملية
التزييف، ينصرف إلى العلاقات العامة ليضمن فوزه، وكان هدر أمواله وأموال
المهاجر في شراء سيارة «ليتغندر بها» كما علق بعضهم. وهكذا، فاز بالجائزة،
وهي جرار زراعي من نوع يونيفرسال، بقيمة مائة وخمسين ألف ليرة.
يعتمد سراي الدين في تهكمه على السخرية لا الاستهزاء، فلا تتضمن قصصه
احتقاراً لشخوصه أو لأفعالها، بل يقصد من العبارة معناها المفارق أو
المضاد، وغالباً ما يندرج هذا التهكم في تقوية عنصر المفارقة، بما هي تناقض
بين المبنى والمعنى، بين اللفظ والدلالة، بين ظاهر العبارة وقصدها.
ثمة مستويات للسخرية والتهكم من اللغة واستخدامها الثرّ، إلى المستوى
العميق للمفارقة، فتبدو السخرية في حدود بسيطة، كما في قصتي «المسافر»
و«المزدوج» من مجموعة «الرقيق». يسخر في قصة «المسافر» من الحاجة إلى
السفر، ويكتب:
«الكلية لايكا سافرت. والمرأة فالانتينا تيرشكوفا سافرت. والرجل ارمسترونغ
سافر، وداس رمال القمر» (ص55)
ويستعمل اللغة للسخرية أيضاً في قصة «المزدوج»، كما في تعبيره عن قصر
النظر:
«فاق في عينه اليمنى زرقاء العرب. وفاق في عينه اليسرى ميدوزا اليونان»
(ص52)
بينما تبلغ السخرية مستوى المفارقة حين يستجدي المزدوج، وهو المبصر، الذي
له قوة البصر التي أشار إليها، أحد المارة:
«- من فضلك، قدني إلى بيتي» (ص54).
ويظهر أسلوب التهكم خالصاً أحياناً كما في قصة «عناد» من مجموعة «طائر
الكريم»، وهي عن عنيد ينهي عناد حمار!
إن النزعة التبسيطية في قصص سراي الدين وافرة، ومثالها قصتا «المزدوج»،
و«المهندس» من مجموعة «الرقيق» وقصتا «الذي رفع العمدة»، و«حوار خارج حدود
الزمن» من مجموعة «طائر الكريم»؛ على أن سراي الدين يبلغ ذراه في القصص
التي تفلح «المفارقة» فيها بإظهار ذلك التناقض بأشكال متعددة. في قصة
«البحتري يبكي» من مجموعة «الرقيق» تبدو المفارقة مضمرة في أن الحصان يبكي
على حال الأمة عندما يبكي فقد فارسه في بلد الغربة. أما قصة «طائف ليلي» من
مجموعة «العالم في سهرة» فهي عن حلم يدعوه إلى الطيران، ثم يستيقظ من هول
هذه التجربة.
وثمة مثال لمفارقة بعيدة المنال في قصة «البحث عن ذلك الرجل» من مجموعة
«الرقيق». ولعل قصة «المجلخ» مثال للمفارقة العميقة في إثارة أسئلة السرد،
فقد أدهشه المجلخ، وعندما حاول معرفة سره، تصيبه الخيبة، وكأن عمراً مديداً
مرّ، وهو في ذهوله.
5- الموضوع الاجتماعي:
لعل الموضوع الاجتماعي هو الغالب على كتابة وهيب سراي الدين، وبخاصة في
مجموعتيه «الرقيق» و«الحل»، وبلغت العناية به أن غدا تحكمية سابقة على
التجربة القصصية، على أن هذه التحكمية تعبير عن فكرة الالتزام بالقضايا
الاجتماعية الكبرى. وقد اختار سراي الدين، مثل معظم القصاصين، في إطار
الفهم التقليدي السائد للقصة القصيرة، جماعة مغمورة يتحدث عنها، ويصور
مشكلاتها وقسوة الحياة التي تهدد وجودهم. تألفت جماعته المغمورة من العمال
والفلاحين، بالمفهوم الواسع، وإن انطلق من فئة عمال الباطون، ولا سيما
المهاجرون منهم ضمن العمالة العربية في البلدان العربية، وهذا واضح في قصتي
«الرقيق» و«الصكاك»، بل إن الحماسة عند سراي الدين بلغت حدها الأقصى في أن
جماعته المغمورة تواجه منتهى الغبن، وأن مآسيهم من آثار اختلال العدالة في
العالم؛ حين أطلق، في بعض الأحيان، عبارات من أمثال الظلم وفقدان العدالة.
ثم رأى سراي الدين أن هذا الوضع الذي تنتفي فيه إنسانية جماعته المغمورة،
كونهم رقيقاً يفتقرون إلى أبسط شروط المساواة، لا يمنعهم من حلم السفر أو
الهجرة لأن يكونوا من هذه العمالة العربية المظلومة، كما في قصة «المسافر»،
من مجموعته «الرقيق». إنه يمني هؤلاء وأمثالهم بالسفر، ويتوهمون الأمل دون
جدوى. تبدأ القصة بتمني السفر: «هي سافر، يا أبا حسان. جدد سنيك الخمسين.
لا تخمل. المياه المسافرة ـ المتحركة ـ تصفو وتنقى. والمياه التي لا تسافر
ـ الساكنة ـ تزنخ وتأسن، في مكانها» (ص55)، وتنتهي بالخيبة الشاملة، إذ لا
أمل في العمل أو التغيير: «ولجت في الباص، وعدت مثقل الأعصاب، كأنني أرزخ
تحت هموم الأرض كلها» (ص62).
لا يعوز سراي الدين نماذج مضطهدة لجماعته المغمورة من العمال أو الفلاحين،
فهو مسكون بالظلم التاريخي الفادح على هؤلاء الكادحين، وكأنه قدر محتوم لا
يلقى منه إلا نقيضه الأقصى، وهو تمجيد جماعته المغمورة في محاولاتها
اليائسة غالباً لمواجهة هذا الظلم، عودة إلى الثنائي الأزلي: السيد والعبد،
وكان كتاب وقصاصون كثر عالجوا هذه الثنائية من منظورات مختلفة، لعل أبرزهم
يوسف ادريس. ومن هذه الزاوية يستعيد سراي الدين ذكرى هؤلاء المناضلين من
جماعته المغمورة، إحياء لفكرة الالتزام وإيمانه المطلق بها، فيكتب قصة
«أغنية على شرفة القصر» في مجموعته «الحل»، تمجيداً للفلاح دعيبس الذي وقف
في وجه الإقطاعي برهان بك؛ ويختتم مباشرته لموضوعه بما يشبه الإعلان
السياسي، أو التوكيدالزائف للنصر؛ فقد قضى الإقطاعي على الفلاح، ووضع جثته
في أساسات قصره، بينما تأتي الخاتمة على النحو التالي:
«تهامست المخاليق
ولدت أسطورة جديدة في العالم!
عادت الروح.. تطوف وترفرف في أرجاء القصر، هتفت ثانية بالفلاحين المجتمعين
فيه:
- أنا فوقكم ياأخوتي، وعظامي تحتكم. رددوا معي أغنية الفلاحين الجميلة.
الكل يقف مبهوراً!
القصر يشع. يتألق. يتوهج!
يدخل الفلاح دعيبس محمولاً على لوح كبير، مؤطر بالورد وزهر اللوز.
يقف على شرفة القصر الشارعة.
يقرأ الناس، فوق رأسه:\ـ هذا شهيد أغنية الفلاحين
وأنا لأقطف ورد خدودك يا أم عيون اللوزية» (ص62).
هل هذا التمجيد نوع من انتصار الوهم أو الاسترسال مع فكرة الالتزام
وتأثيراتها الباهظة في معالجة الموضوع الاجتماعي؟ ربما. غير أن سراي الدين
لا يخفي تعاطفه مع جماعته المغمورة في أكثر من قصة، وكان وسّع إطار هذه
الجماعة لتشمل فئات أخرى تعاني من الظلم والاضطهاد، مثل الكتاب، ففي
مجموعته «العالم في سهرة»، ثمة قصة هي «الإسوار» تتحدث عن كاتب يبيع إسوار
زوجته ليطبع رواية، عاقداً العزم على إعادته إليها بعد النجاح. وفي هذه
القصة يبلغ التعاطف حداً إيجابياً هو أن سراي الدين لم يخذل كاتبه، إذ جعله
يبيع روايته مسلسلاً تلفزيونياً. وثمة أشكال أخرى للتعاطف مع جماعته
المغمورة في قصصه «تعميم» من مجموعته «الحل»، و«الوقت» و«الصرخة» من
مجموعته «العالم في سهرة». في قصة «تعميم» يحجز في مخفر على أطراف البادية،
لأن تعميماً ملتبساً صدر بحق من يحمل اسمه بالحجز، وله مثل صاحب الاسم
المصاب بالملاريا!، وفي قصته «الصرخة» سبعيني يتزوج أرملة، وتلد له.. ويمضي
على الرغم من ذلك إلى العمل: لقد جبر خاطر هذا الفلاح العجوز، وختم القصة
بنهاية سعيدة؛ ولا تختلف عنها قصة «الوقت»، فهناك أب عامل يسعى إلى سيارة
تنقل ولده إلى مطار دمشق في صباح ثلجي من السويداء، وإلا سيضطر إلى دفع
البطاقة بالسعر الجديد الذي لا طاقة له به، ويفلح هذا الأب.
ومن الواضح، أن سراي الدين يعالج على الدوام موضوعه الاجتماعي بقدر غير
قليل من التفكير الأخلاقي النابع من إيمانه بفكرة الالتزام وحتمية انتصار
قضايا الكادحين من جماعته المغمورة.
6- الموضوع القومي والوطني:
مثلما فعل سراي الدين في رواياته، فقد عني بالموضوع الاجتماعي أولاً
وغالباً، إذ خصص له أربع روايات، ثم اهتم بالموضوع القومي والوطني قليلاً،
وله فيه روايتان، وفي حين حرضه الاحتلال الصهيوني للجولان، وإعلانه قرارضمه
إلى الكيان الاسرائيلي عام 1981، على كتابة روايته «الرجل والزنزانة»، فإن
الانتفاضة في فلسطين المحتلة قد دفعته إلى كتابة غالبية قصصه ذات الموضوع
القومي والوطني. لقد خصص مجموعتيه الأولى والثانية للموضوع الاجتماعي
والإنساني، ثم التفت إلى الموضوع القومي والوطني في مجموعتيه الثالثة
والرابعة على نحو صريح، لأننا لا نكاد نقع على قصة في هذا الاتجاه فيما
سبق، إلا إذا عددنا قصته «البحتري يبكي» من مجموعته «الرقيق» ترميزاً
للموضوع القومي، والبحتري هو حصان سيق إلى باريس للمشاركة في سباق، ولكنه
يبكي لأنه يفتقد فارسه العربي، وكأنها إشارة للفجيعة القومية. وفي هذا
الإطار، يتوازى إنتاجه الروائي والقصصي في العناية بالموضوعات، فهناك أيضاً
وفرة في قصص الموضوع الاجتماعي والإنساني، وقلة في قصص الموضوع القومي
والوطني.
تمجد قصص سراي الدين البطولة بالدرجة الأولى، وهذا واضح في بعض قصص مجموعته
«طائر الكريم»، مثل «رسالة ظافر الطيري إلى عينه»، وهي عن فدائي قبض عليه
بعد تنفيذ العملية في كريات شمونه، فيقوم العدو بقلع عينه وزرعها في وجه
أحدهم، وهاهو ذا يكتب رسالته إلى فقيدته «عينه» من سجن عكا، وقصة «مشروع
قصة اسمها الولادة»، وهي عن صحفي يقرر كتابة قصة عن الانتفاضة ولا يستطيع،
ثم يزوره أحد العائدين الفلسطينيين، ويروي له قصة أم فلسطينية تشارك في
المظاهرة، وتلد طفلها أثناءها، ويبدأ الطفل في الهتاف مع المتظاهرين، وقصة
«ليلة تحت الأرض» التي تنحو منحى فانتازيا أكثر من سابقتها، فالرجل يحلم
أنه غار تحت الأرض والتقى مصطفى الشهيد والآخرين حتى أعجب بالبقاء معهم
تحت، ولكنه سمع الهتافات فوق، فرمى اللحاف عنه، وتناول مقلاعه ومزود
الحجارة، وخرج، وقصته «إلقاء القبض على علوان»، فقد ألقي القبض على ملثم
فجر آلية للمحتلين، وبعد نزع اللثام عنه، تبين أنه الصبية عليا ذات عشر
السنوات، ولدى سؤالها أجابت معلمها هو علوان، أخوها طفل السنوات السبع.
أما الموضوع الأثير عنده فهو توكيد القيم القومية والوطنية من خلال استمرار
الروح النضالية لدى الأجيال المتعاقبة، وتعد قصة «دوران حديث.. دوران بذرة»
من مجموعته «العالم في سهرة» نموذجاً لذلك، فهو عن توارث النضال من جيل إلى
جيل، هؤلاء المنذورين لقضية الوطن.
ويخصص سراي الدين عدداً من قصصه لتمجيد الشهادة والفداء، كما هو الحال في
قصتي «تجربة دفن جسم في الفضاء» و«الصرة» من مجموعته «الحل».
7- قصص «الرهان»:
وتابع وهيب سراي الدين في مجموعته الثامنة «الرهان» أسلوبيته الواضحة في
مجموعاته القصصية السابقة، ولاسيما الدعابية (السخرية المرة) تثميراً
لتقنية المفارقة في مستوياتها اللفظية والمعنوية التي تنهض على السرد
التقليدي المبني بهدوء وفق أنساق التنضيد الواقعي بالدرجة الأولى، طلباً
لمعالجة الموضوعات الاجتماعية والإنسانية مما يشير إلى صوغ قصاص ماهر في
اقتناص اللحظات السردية المؤثرة في حياة أشخاصه الذين ينتمون إلى جماعات
مغمورة تعاني من قسوة الحياة في التباساتها المتعددة، ثم غالباً ما يمدّ
معاناتها إلى حاجة الإنسان إلى الحبّ والفة الأشياء والإرادة الصلبة في
مواجهة الضعف، وتتجلى هذه المسرودية في النزوع الأخلاقي الصريح والاحترام
العميق للكرامة البشرية. وتركز قصص هذه المجموعة على العلاقة بين الرجل
والمرأة كائنات إنسانية ترتقي باشتراطات الحياة إلى آفاق رحيبة في اكتناه
معضلة الوجود، وتفصح قصة «قادم من أقاصي الذهن» عن الالتباس المقصود بفعل
التباين الاجتماعي القاهر للعلاقة الأزلية، وتعلن الافتتاحية، كما في
استهلال الجوقة عن تناغمها مع صوت الحكمة الغائبة في المدى المفتوح لنشدان
الخلاص من القلق والتأزم:
«ذراري النفس تهوّم في غبش لا متناه.
ثمة ذبابة تعرّد في فضاء ظلام مطلق. تئز بأجنحتها هائمة لائبة تبحث عن فرجة
نور تنفذ منها.
شخوص هلامية تسبح في بحور العتمة. تتتالى ثم تتلاشى فوق لجج صاخبة.
|